[BACKGROUND="70 #FFCCFF"]قصيدة - عزاؤكَ أن الدهرَ ذو فَجعاتِ -للشاعر الكبير ابن الرومي
عزاؤكَ أن الدهرَ ذو فَجعاتِ*****وكلُّ جميعٍ صائرٌ لشَتاتِ
لك الخيرُ كم أبصرتَهُ وسمعتَهُ*****قرائنَ حيٍّ غيرَ مختلجاتِ
هلِ الناس إلا معشرٌ من سلالةٍ*****تعودُ رُفاتاً ثَمَّ أيَّ رفاتِ
مياهٌ مَهينات يؤولُ مآلُها*****إلى رِمَمٍ من أعظُمٍ نخراتِ
أرى الدهر ظَهراً لا يزال براكبٍ*****وإن زل لم يُؤْمنْ من العثراتِ
ومن عجبٍ أنْ كلما جدَّ ركضُنا*****عليه تباعدنا من الطَّلباتِ
وأعجبُ منه حرصُنا كلما خلتْ*****سنونا كأنا من بني العشراتِ
نُخلِّف مأمولاتنا وكأننا*****نسيرُ إليها لا إلى الغَمراتِ
غُررْنا وأُنذرنا بدهرٍ أَملَّن*****غُروراً وإنذاراً بهاكَ وهاتِ
إذا مَجَّ مجاتٍ من الأَري أَعْقبت*****بأقصى سهام في أحدِّ حُماتِ
أميْري وأنت المرءُ ينجم رأيهُ*****فيسري به السارونَ في الظُّلماتِ
وتعصِفُ ريحُ الخطبِ عند هُبوبها*****وأنت كركنِ الطَّودِ ذي الهَضباتِ
عليك بتقوى اللَّه والصبرِ إنهُ*****مَعاذٌ وإن الدهر ذو سَطواتِ
وليس حكيمُ القوم بالرَّجل الذي*****تكون الرزايا عنده نَقماتِ
فُجعَت فلا عادت إليك فجيعة*****كما يُفجَع الأملاك بالملِكاتِ
أصِبْتَ وكلٌّ قد أُصيب بنكبة *****يُهاض بها الماضي من النَكباتِ
فلا تجزعَنْ منها وإن كان مثلها*****زعيماً بنفرِ الجأشِ ذي السكناتِ
وما نَفْرُ نفسٍ من حلول مصيبةٍ*****وقد أيقَنَتْ قِدماً بما هو آتِ
أتوقنُ بالمقدور قبل وقوعِه*****وتنفِر نفرَ الغِرِّ ذي الغفلاتِ
لقد أونِسَت حتى لقد حان أنسُها*****بما شاهدت للدهر من وقعاتِ
فما بالها نفرُ الأغرَّاء نفرُها*****وقد أُنذِرت من قبلُ بالمَثُلاتِ
من احتسبَ الأقدار أيقن فاستوتْ*****لديه منيخات ومنتظَراتِ
هلِ المرءُ في الدنيا الدنيةِ ناظرٌ*****سوى فقد حبٍ أو لقاء مَماتِ
ألم تَر غَاراتِ الخطوب مُلِحةً*****فبين مُغَاداةٍ وبين ثباتِ
تروحُ وتغدو غير ذات ونيَّةٍ*****على حيوان مرة ومَواتِ
وما حركاتُ الدهرُ في كل طَرفةٍ*****بلاهيةٍ عن هذه الحركاتِ
سَيسْقي بني الدنيا كؤوسُ حتوفهم*****إلى أن يناموا لا منامَ سُباتِ
وفاءٌ من الأيام لا شك غدرُها*****وهل هنّ منجزاتُ عِداتِ
يَعِدْن بغدر ليس بالمُخلفاته*****فقُلْ في وفاءٍ من أخي غَدراتِ
تعزَّ بموت الصِّيد من آل مُصْعب*****تجدهُم أُسىً إن شئت أو قُدواتِ
تعزَّوا وقد نابتهُمُ كلُّ نوبة*****وماتوا فعرّوا كل ذي حسراتِ
ومن سُنن الله التي سنّ في الورى*****إذا جالتِ الأراءُ مُعتبِراتِ
زوالُ أصول الناسِ قبل فروعهم*****وتلك وهذي غيرُ ذات ثباتِ
ليبقَى جديدٌ بعد بالٍ وكلُّهم*****سَيبْلَى على الصَّيفاتِ والشَّتَواتِ
وإن زالَ فرعٌ قبل أصلٍ فإنما*****تُعد من الأحداث والفَلتاتِ
وتلك قضايا اللَّه جلَّ ثناؤه*****وليست قضايا اللَّه بالهفَواتِ
ليُعلَم ألا موتَ ميتٍ لكَبْرةٍ*****ولا عيش حيٍّ لا قتبال نباتِ
وتقديمُ من قَدَّمت شيءٌ بحقهِ*****فَدَعْ عنك سَحَّ الدمع والزفراتِ
ولا تَسخِط الحقّ الذي وافق الهدى*****هوى من له أمسيتَ في كُرُباتِ
رُزئتَ التي ودَّت بقاءَك بعدها*****وأحيت به في ليلها الدعواتِ
وكانت تَمنَّى أن تُردَّى سريرها*****وبعضُ أمانيِّ النفوس مُواتي
فلا تكرهْنَ أن أوتِيَتْ ما تودُّه*****فكرهُك ما ودت من النكراتِ
ألم تر رُزءَ الدَّهر من قبل كونهِ*****كفاحاً إذا فكرتَ في الخلواتِ
بلى كنتَ تلقاهُ وإن كان غائباً*****بفكرك إن الفِكرَ ذو غزواتِ
فما لك كالمَرميِّ من مأمنٍ لهُ*****بنَبْلٍ أبَتْه غيرَ مُرتقباتِ
زَعِ القلب إن الفاجعاتِ مصائبٌ*****أصابت وكانت قبل مُحتسَباتِ
فإن قلتَ مكروهٌ ألمت فُجاءةً *****فما فوجئت نفسٌ مع الخطراتِ
ولا غوفصت نفسٌ ببلوى وقد رأت*****عِظاتٍ من الأيام بعد عظاتِ
إذا بغتَتْ أشياءُ قد كان مثلها*****قديماً فلا تعتدَّها بغَتَاتِ
جزعتَ وأنت المرءُ يوصف حزمُهُ*****ولا بد للأيقاظِ من رَقَداتِ
فأعقِبْ من النوم التنبُّهَ راشداً*****فلا بد للنُّوام من يقظاتِ
ومَن راغم الشيطانَ مثلك لم يُجبْ*****رُقاهُ ولم يَتْبع له خُطواتِ
ومما ينسِّيك الأسى حسناتُها*****وإن كنت منها يا أخا الحسناتِ
فإن ثوابَ اللَّه في رُزء مثلها*****لِقاؤُكَها في أرفع الدرجاتِ
وذاك إذا قضَّيتَ كلّ لُبانة*****من المجد واستمتعتَ بالمُتُعاتِ
مضت بعدما مُدَّتْ على الأرض برهةً*****لتُمجِدَ من فيها من البركاتِ
فإن تكُ طوبى راجعت أخواتها*****فقد زوِّدت من طيّب الثمراتِ
لعَمرك ما زُفت إلى قعر حفرةٍ*****ولكنها زُفت إلى الغُرفاتِ
ولولاك قلنا من يقومُ مقامها*****ومن يؤثِر التقوى على الشبهاتِ
سقاها مع الدمع الذي بُكِيَتْ به*****حيا الغيثِ في الروحات والغدواتِ
وصلّى عليها كلما ذرَّ شارقٌ*****وحان غروبٌ صاحبُ الصلواتِ
*****
المصدر:
- بوابة الشعراء - بوابتك إلى عالم الشعر - Poetsgate
[/BACKGROUND]