[BACKGROUND="70 #FFCCFF"]قصيدة -لعمري لقد أنكرتَ غيرَ نكيرِ -للشاعر الكبير ابن الرومي
لعمري لقد أنكرتَ غيرَ نكيرِ*****عُبُوسُ الغواني لابتسام قَتيرِ
كذا هن لا يوقعنَ وُدًّا على امرىءٍ*****أطارت غُراباً عنه كفُّ مُطيرِ
وللشَّيب جَهرٌ والشبيبة طُرةٌ*****وليس جَهيرٌ في الصِّبا كطَريرِ
عزاؤك عن ظبيٍ طَرير فإنه*****بعينيك إذ شيَّبتَ غير غرير
رأيت حياة َ المرءِ بعد مشيبه*****إذا زاول الدنيا حياةَ أسير
خليليَّ هل من نُهية الشّيب عائض*****لمعتاضهِا من حَبْرةٍ وحَبير
وبنتِ نعيم في ضبابة عنبرٍ*****تفورُ وطوراً في عَجاجِ عَبير
برَهْرهةٍ لم تُغْزَ إلا بناعم*****ولم تُسقَ من ماءٍ بغير نَمير
مضمّخة اللَّباتِ تحسب نحرها*****من المسك والجاديِّ نحر نَحير
محجّبةٌ تحتل عليا خَوَرْنقٍ*****تشارف أنهاراً خلال سَدير
سَقَتْني بعينيها وفيها وَدَلها*****خُموراً لها ليستْ خمور عَصير
من الظّبياتِ العاطيات لمُجتنِي*****ثمار قلوب لا لحَبِّ بذير
تُغيرُ على الجَلْد اللبيبِ فتستبي*****حِجاه ولم تحمل سلاحَ مُغيرِ
بدرٍّ نثير من حديثٍ تحفُّهُ*****بآخر في سِمطين غير نثيرِ
تبسَّمُ عنهُ في الدُّجَى فكأنما*****يُضيء الدُّجى منه بروقُ صَبيرِ
أفيما يُفيدُ الشيب من واعظِ النُّهى*****وفاءٌ بهذا في حكومةِ زير
أبى ذاك إلا كلُّ شهمٍ مشمِّر*****لها من مجازٍ واعتنى بمصير
طوى مدة ً من دهره ذاتَ زُخرف*****إلى أبدٍ ذي سُندسٍ وحرير
بمنزلةٍ لا لغو فيها سوى الذي*****بها من غناءٍ مُطربٍ وزَمير
أرانينُ طيرٍ لا تزال مَليَّةً *****بكرِّ هَديلٍ تارةً وصفير
ألا تِلكُمُ الدار التي حل أهلها***** بناءٍ عن الخطب المخوف شَطير
خفيرُهمُ فيها من الشر كلّه*****خفيرٌ إليه أمرُ كلِّ خفير
لهم ما اشتهوا فيها مسوقاً إليهمُ***** مَقوداً إذا شاؤوا بغير جرير
وليست بها شمسٌ فكل زمانهم*****غدوٌّ وإصالٌ بغير هجير
بلى كلُّ شمسٍ فوق خوطٍ مهفهفٍ*****على دِعصِ رملٍ يزدَهيكَ وثير
وعيشٌ بلا موتٍ وكل ملذةٍ*****يفوز بها الملتذُّ غير مَضير
أناخ بهم في الأمن خوفٌ أراهمُ*****كأنهمُ يمشون فوق شفير
نهتهم به أحلامهم أن يثابروا*****على عملٍ للعاملين مُبير
وإن ابن إبراهيمَ حقاً لمِنهمُ*****وإن كان للسلطان أيّ ظهير
فتى يُتقَى في السلمِ حشوُ دواته*****كما يُتقى في الحرب حشو جفير
يرى الحائنون الموتَ يصرف نابه*****إذا بعث الأقلامَ ذات صرير
إذا ما أثارَ الحقَّ بعد آدِّفانه*****بتحصيله الشافي فأيُّ مُثير
له حُلم لقمان الحكيم فإن طغا*****سفيهٌ فخلفُ الحلم صولةُ شيرِ
وما ظنُّ راجٍ ما لديه بكاذبٍ*****ولا مخُّ راع في ذَراه برير
بكيرُ العطايا للعُفاة وإنما*****حميدُ نباتِ الأرض كلُّ بكير
ينيلُ بلا وعدٍ إذا النيْلُ لم يكن*****بغير وعيدٍ قبله وهَرير
فتى لا يُنسيه الفعالَ اتِّكاله*****على تاج مُلك سالف وسرير
ولكنه يبني على إرثِ من مضى*****جهيراً من البنيان فوقَ جهير
أبا الحسنين العلم والجود لاتزلْ*****بنعماءَ ما قامت هضابُ ثبير
كَناكَ بها لا بالحسين مُسلِّم*****إليك رِقابَ الود غيرَ مُعير
معظِّمُ قدرٍ منك جدِّ مُعظَّم*****مُكبِّر شأن منك جدِّ كبير
أبتْ لك أنْ تكنى بحسنٍ مُصغَّر*****محاسنُ ما مقدارُها بصغير
وقد علم الأقوامُ أنك مُكملٌ*****لك الحسنُ في مرأى ً وغيبِ ضمير
وما الحسن إلا شيمةٌ مستقلةٌ*****بتبصير ذي جهلٍ وجبر كسير
وأنت الذي لا ينكُر الناس أنه*****هُدىً لأخِي جوْرٍ غِنًى لفقير
تُعظِّمُ من شكر الصديق حقيره*****وتَحقرُ من جدواك غير حقير
لك الدهرَ معروفٌ شهيرٌ وإنما*****تُحب من المعروف كلَّ ستير
وما أعجبَ المعروفَ تستر فِعله*****ولستَ تراه الدهرَ غير شهير
إذا زارك العافُون كان إيابُهم*****إيابَ بشيرٍ لا إيابَ نذيرِ
ولو قعد العافون عنك لَزارهم*****نوالُك من تِلقاءِ خَيرِ مُزيرِ
كأن الذي يغشى جنابك نازلٌ*****على روضة مَوْليَّة وغدير
نداك لهم رهنٌ مدى الدهر كله*****بأخضر رِبْعيِّ النبات نضير
فهنأك الله الفضيلة مِنحة*****ولا زلت في خيرٍ يزيد وخِيرِ
وهنأك الله الذي أنت أهلُهُ*****برغم العدى من رأي خير أمير
أمير رأى فيك الذي ليسَ مُشكِلاً*****ووافقه في ذاك خيرُ وزير
لعمري لقد جَلّى بعين جليةٍ*****من القوم نظّارٌ فقيد نظير
تأمل أين الفهمُ والحزم والتقى*****لباغي سفيرٍ فوقَ كل سفير
فأبصرها فيك الموفّق كلّها*****فولاك ما ولاك غير نكير
ولما عزمتَ الظّعن كي تفصل التي*****عصتْ كلّ طب بالأمورِ خبير
رحلتَ على اسم الله أيمنَ رحلةٍ*****وسرتَ على اسم الله خيرُ مسير
على ثقة من ناصر الدين أنه*****سينصرُ منك الحقّ خيرَ نصير
فألفاك ميمونَ النقيبهِ كالذي*****عُرفتَ به في أول وأخير
ظللتَ له بالغيبِ عيناً يُديرها*****فأيتما عينٍ وأيُّ مدير
ولما توسطت الأمور كفيتَها*****وأقبلتَ محموداً بوجه بشير
ولولاك لم تُعدَم دماءٌ ممارةٌ*****سُدًى من قتيل طائح وعَقير
إذا ولَعاق العاملين عن الحيا*****عوائقُ بالسلطان ذات ضرير
ولكن نهيتَ السيف عن سَطواته*****بيُمنك فارتد ارتداد حسير
وبدَّلتَ خبط العالمين هداية*****وقد يهتدي أعمى بنور بصير
وما كان إصلاحُ الأمور التي التوت*****فداويتها من دائها بيسيرِ
ولكنّ من والى الإلهُ مُيسَّر*****له بأقلّ السعي كلُّ عسير
ولم تُمتَهن لكنك المرء لم يزل*****مُعِدّاً لعِيرٍ تارةً ونفير
فتنفِر في النّفار أيّ محافظ*****وتقعد طوراً أيّ حافظ عير
تغيب فلا تنفك شُغل مُذاكِرٍ*****وتبدو فلا تنفك نُصب مشير
يَهش لذكراك العدو وإنه*****ليُضمر في الأحشاء نار سعير
وقد سُئل الحساد عنك بأسرهم*****فقالوا وما حابوا بوزن نَقير
مُهذبُ أخلاقٍ مشرَّف همةٍ*****مثقفُ آراءٍ مُمرُّ مرير
فأعجِبْ بفضلٍ بان حتى استبانه*****من الناس قومٌ في غباءِ حَمير
وأعجبْ بفضلٍ بان حتى عنَتْ له*****سِباعٌ من الأعداء ذاتُ زئير
وحتى غدا يُثني به كلُّ كاشح*****بقول ويتلو قوله بزفير
أطال عليّ الدهر قومٌ بظلمهم*****وكم لك من يوم عليّ قصير
فلو كان لي حقُّ تريد قضاءَهُ*****لأ لفيتَ قد جاوزته بكثير
ولكنّ ما تُسديه فضلٌ منحتَه*****وأنت بترك الفضل غير جدير
إذا كنتَ شمساً نورها من طباعها*****فكيف بأن نلقاك غيرَ منير
وكنتَ سحاباً ضاق بالماء وُسْعهُ*****فكيف بأن نلقاك غير مطير
أبى الله إلا أن تضيء لحائرٍ*****وتَندَى لمستسقٍ إباء قدير
شكرتُ ولم أسأل مزيداً فزدتني*****دريراً من المعروف بعد درير
نفحتَ بسيل بعد قَطرٍ وللحيا*****سيولٌ بعَقْب القطر ذاتُ خرير
مطرتَ وقد أيبستُ حتى بلّلتني*****فعُوديَ ليْن المتن غيرُ هصيرِ
عليه ثمارُ الشكر بين شَكيرِه*****فيا حُسنَه حَمْلاً خلال شكير
وقالوا أطلْ في مدحه قلت حسبكم*****رِشائي فليس المستقى بقَعير
ألا رُبما قَصَّرتُ في مدح ماجدٍ*****وفزتُ بسَجْل من نداه غزير
وما بي غنًى عما لديك ولو غدت*****مفاتيحُ ما مُلِّكتُ عبءَ بعير
فعِشْ في جوار الله خيرِ مجاوَرٍ*****يُجير بك الأحرارَ خيرُ مُجير
يدُ الله من ريب الزمان وقايةٌ*****على خطر للمجد فيك خطير
فما لك عيبٌ غير أنك لم تدعْ*****أخا كرمٍ جاراك غير بَهير
وأنك مَنْ أصبحتَ يوماً عشيرهُ*****من الناس طُرّاً ذَمَّ كلَّ عشير
مَنحتُكها غراء يقطعُ وَخْدُها*****نهار أخي لهو وليل سَمير
وإن لم أقرظْ منك إلا مُقرِّظاً*****وإن لم أشِدْ إلا بذكر ذَكير
*****
المصدر:
- بوابة الشعراء - بوابتك إلى عالم الشعر - Poetsgate
[/BACKGROUND]