[BACKGROUND="70 #FFCCFF"]قصيدة-يا كائناً بين أوعاثٍ وأوعارِ -للشاعر الكبير ابن الرومي
يا كائناً بين أوعاثٍ وأوعارِ*****من صَرْف دهرٍ على أبنائه ضارِي
لعا لعاً لك من عَثْرٍ ألمَّ بنا*****في سابحٍ منك طِرفٍ غير عثّار
ما زال يسبق بالتقريب طالبَهُ *****وفيه كنزان من شَدِّ وإحضار
أعجبْ به فيك من شكوٍ ولا عَجَبٌ*****من ريب دهرٍ ولا من صرف مقدار
أنَّى امتُحِنت ببلوى لا يُشاكلها *****ما خلتُها غير تعبيرٍ وإنذار
وكلّ عبدٍ أراد الله عصمتهُ*****لم يُخْله الله من وعظٍ وإذكار
أما وبُرْئِك كلّ البرء من وصَبٍ*****أضرَّ بالناس طراً كلّ إضرار
لئن منحتُك إشفاقاً تكنَّفهُ*****وُدّان من بين إعلان وإسرار
إني لأنشر إشفاقي على رجلٍ*****فَرْدٍ له خطر وافٍ بأخطارِ
وكنت والدهر غدار بصاحبه*****لا سيما إن رآه غير غدارِ
أخشى عليك اضطرامَ الدهر لا عِللاً*****تُخشَى على كل كابي الزند عُوّارِ
ما أنت والبردُ يا من كل جارحة ٍ*****من جسمه ذات نيران وأنوار
جارتْ عليل تُك المنهاجَ سارية ً*****وهل يَضِل على بدر الدجى ساري
ما مثلها يا شهاب الأرضِ غاشية *****معهودة من غواشي تلكمُ الدار
برد أطاف بنار منك موقدة *****ليست تبوخ ولا تُذكى بمسعار
ما كان يجمع جلّ الله بينكما*****إلا المؤلفُ بين الثلج والنار
أبشِرْ فإنك طودُ الله أسسهُ*****وشاد منه بناء غير منهار
فأمنْ فإن ذكاءً أنت ضامنهُ*****قِرنٌ لشكرِك جَلْد غير خوار
ستستجيش عليه أو تُطحطحهُ*****في فِيقة ٍ بحريق منه سوّار
وإنما هو برد والسلام لهُ*****شَفْع وفيك طباع زَنْده واري
والله يأسر قوماً ثم يُطلقهم*****والدهر ينَسخ أطواراً بأطوار
وحسبك العُرف من دِرعٍ ومن تُرُسٍ*****وحسبك الله من حصن ومن جار
كأنني بك في سربال عافية ٍ*****والحال حالان من نقض وإمرار
تجري فتسبق من يجري إلى كرمٍ*****عفواً وأجدِرْ بسبقٍ بعد مضمار
وأنت صاحٍ من الأسقام منتقِبٌ*****ديباجة ً ذات إشراق وإسفار
نشوان من أريحيات الندى ثِملٌ*****لا من عصارة كَرْم بنت أعصار
مُطعّمٌ طيباتِ العيش تأكلها*****والصوم لاشك متبوع بإفطار
عُوّادك الشعراء الصِّيد قد وفدوا*****إلى عطاياك من بدو وأمصارِ
عَقْرَى لتأسوهُم كَسْرَى لتجبرَهم*****يهوُون كالطير تهوي نحو أوكار
كاروا العمائم واقلولَوا على شُعَبٍ*****وأقبلوا بين أكوارٍ وأكوار
جابتْ سهولاً وأوعاراً ركائبهم*****كيما يحلّوا سهولاً بعد أوعارِ
في كل هاجرة ٍ شهباءَ حامية *****وكل داجية دهماءَ كالقارِ
فخيَّموا منك في سهلٍ مَباءتُهُ*****وأوسعوا بك طراً بعد إقتار
ولو قدرتَ من اللين اللطيف بهم*****أحللتَهم بين أجفان وأشفار
فكم ضيوفِ ضيوفٍ في رحالهمُ*****وكم هنا لك من زوار زوار
تُطوَى لنا الأرض إن أمَّتك نِيّتُنا*****وإن لقيناك زيدت نشرَ أقطار
طيٌ ونشر لشوق لا كفاء له*****وطلعة ٌ منك فيها طي إعسار
وحُقَّ أن تُنْشَر الدنيا لذي أملٍ*****لا قال يا خيرَ مُمتارٍ لممتارٍ
كما يحق بأن تطوى لذي سفر *****نَواك يا خير مُزدار لمزدار
لنا فوائدُ شتّى منك نافعة*****عُرف لعافٍ وعرفان لِنظّار
ما انفكّ آتوك من مالٍ تجود به*****ومن إضاءة آراءٍ وأفكار
آراؤك البيض تهديهم وتشفَعها*****آلاؤك الصُّفر ما الأيدي بأصفار
فالناس تحت سماءٍ منك مشمِسة ٌ*****والناس تحت سماءٍ منك مِدْرار
أصحت وصابتْ ففيها كل منفعة ٍ*****وربما أصعقت يوماً لأشرار
وليس يصلح لاستصلاح مملكة*****غير امرىء ٍ نافع بالحق ضرّار
ما ليم قطّ على استئثاره أحدٌ*****إلا وجدناك معذولاً لإيثارِ
تعطي الجزيل وما أكبرتَ قيمتَهُ*****وأيسرُ الشكر تلقاهُ بإكبارِ
شهدتُ أنك سَلسال كماء حَيّا*****وسائرُ الناس صلصال كفخارِ
أقسمتُ بالفعلاتِ الغُرّ تفعلها*****في الناس أنك من غَرّاء مِذْكارِ
لئن سبقتَ إليَّ الناس كلهمُ*****لقد سبقت إلى شكري وأشعاري
أبكرتَ فاصطدتني والقومُ في سنة ٍ*****وصاحبُ الصيدِ قِدْماً كلُّ مبْكار
أنت الذي صان لي عرضي ومسألتي*****عن كل كلبٍ على الأحرار هَرّار
ولن يُثوِّب شعراً كالعليم به*****ولن يقوِّم ثوباً مثلُ سمسار
أمطيتَني البِشرَ حُملاناً وأقفرني*****قومٌ وكم بين حملان وإقفار
كم سهلة ٍ فيك لاتُكدِي مَحافرها*****وصخرة ٍ منك تنبي كلّ منقار
يا خائفاً بدآتٍ منه مشرِفة ً*****على عوائدِ سيْب منه ثرثار
ثِقْ بالعوائد منهُ إنه رجل*****كالسيل يحفِر تياراً بتيار
لا تَخش من بدئه قَطْعاً لعودته*****فإن إقدامه إقدام كرّار
حاشاه أن يردع الإجزالُ كَرّتهُ*****أو أن يقدّم إغزاراً لإنزار
بل تستخف بما أعطاك قبضتهُ*****حتى يرى ألف قنطار كدينار
وحق من لا يفي شيءٌ بهمته*****أن يستقل لعافٍ ألفَ قنطار
خِرْقٌ يحاجز بالإجبار عاذلهُ*****ولا يحاجز ممتاحاً بإجبار
ما عامل الدهرَ في إقباله أحدٌ*****إلا اشترى منه إقبالاً بإدبارِ
بني ثوابة َ لا زالتْ منازلكم*****تُلفَى مثابة مداحٍ وأشعار
أغراضَ منتَزعٍ أكْلاء مرتَبعٍ*****مَهْناة َ منتجعٍ غاياتِ أسفار
ما زلتمُ تمنحون العُرفَ جاحدَهُ*****حتى أقرّ به من بعد إنكار
وفي الرقاب وُسومٌ من صنائعكم*****إن أنكرتْها رجال بعد إقرار
تستعبدون بها الأحرار دهركُمُ*****فكم عبيدٍ لكم في الناس أحرار
لكنّ من عَبَّد الأحرار عبدهم*****عن غير عمدٍ بحكم للعلى جاري
يريد إعتاق ملهوفٍ فتُلزِمهُ*****نُعماهُ رقّاً بلا إثمٍ ولا عارِ
لكم علينا امتنان لا امتنان به*****وهل تَمنَّ سماوات بأمطارِ
فكل حرٍّ بنعماكم وصمتكُمُ*****من مَنِّكم مكتسٍ من مَنِّكم عاري
وكيف ينوي اعتباد الحر معتقِهِ*****في كل بؤس وإعسار بإيسارِ
وما اعتبادكُمُ حراً بمعتمدٍ*****أنّى ونياتُكم نيات أخيار
وكم منحتم وكم ألقيتُمُ عِذراً*****بعد اللُّهَى لا لتقصير وإقصار
أريتمونا عياناً كل مكرمة ٍ*****كانت قديماً لدينا رَجْم أخبار
تخادَعون عن الدنيا وزِبْرجها*****فتُخدَعون وما أنتم بأغمار
وتفعلون جميلاً في مساترة *****كأنّ معروفكم إيداع أسرار
ما سار مدحكُمُ في الأرض منشمِراً*****إلا بعُرفٍ لكم في الناس سيار
يا رُبّ أبواعِ أقوام ذوي كرمٍ*****قِيست فيما عُدلت منكم بأشبار
طُلتم بمجدكُمُ الأمجادَ كلهم*****لا تعدموا طول أقدارٍ وأعمار
إن كان أورقَ أقوامٌ فإنكُمُ*****مفضّلون بتنوير وإثمارِ
أظللتُمُ بشكيرٍ نبتُهُ ثمر*****للمجتبين وحييتم بنُوار
كأنما الناس في الدنيا بظلكُمُ*****قد خيموا بين جنات وأنهارِ
أيامُنا غُدواتٌ كلها بكمُ*****خلالهن ليالٍ مثل أسحارِ
لكم خلائق لو تحظى السماءُ بها*****لما ألاحتْ نجوماً غير أقمارِ
لا ترهبوا الدهر إن العرف ناهضُة ُ*****لكم على الدهر منها خير أنصارِ
أنتم بها منه في حِرْزٍ وواقية ٍ*****إن صال يوماً بأنيابٍ وأظفار
لولا عمارتكم للملك دولتَهُ*****لأصبح الملك في بيداءَ مِقفار
كتّاب ملك إذا شئتم مقاتَلة ً*****يستنفر الملك منكم خير أنفار
تقاتلون بآراءٍ مسددة ٍ*****لا بل بأسلحة ٍ لا بل بأقدار
أقلامكم كرماح الخط مشرَعة ٌ*****طولاً كطولٍ وآثاراً كآثار
آراء صدقٍ أتى التوفيق خِيرتَها*****في موقف بين إيراد وإصدار
يا رُبّ ثِقلٍ حملتم عن خلائقنا*****لم تعدلوه بآثام وأوزار
لا كالأُلى حملوا ما لا يفون به*****وأُوقِروا من أثام أي إيقار
رآكم الله والسلطان حزبهما*****فاستعمر الملك منكم خير عمار
لو لم تكونوا دروعاً للدروع بها*****لأعورتْ كلُّ درعٍ أي إعوار
أو لم تكونوا سهاماً للسهام بها*****إذاً لطاشتْ مرامي كل أُسوار
أو لم تكونوا رماحاً للرماح بها*****لم يجعل الله فيها نقض أوتار
أو لم تكونوا سيوفاً للسيوف بها*****لأخفرتْ حامليها أيّ إخفار
رعيتُم لِقحات الفيء رِعيتها*****فأعقبتْ بعد إنزار بإغزار
حَفّلتُمُ ومريتم كل ناحية ٍ*****قد حاردتْ ثم ثَلَّثتم بإدرار
فأترعتْ عفواتُ الدَّرّ مِحلبها*****وطال ما لم تصادف غير أغبار
تُلفى العِلاب إذا أدررتُمُ دِرراً*****ملأْن بين قرارات وأصبار
يا رُبّ أمرٍ غدا حُضّاره غيباً*****وأنتُمُ غيب فيه كحُضار
كم قد سموتم بأيديكم إلى شرفٍ*****لم يسمُ قطّ له قوم بأبصار
لاتجعلوا من حديث الناس موعظة ً*****ولا يزلْ عُرفكم أسمارَ سُمار
ومستخفٍّ بقدر الشعر قلت له*****لن ينفُق العطر إلا عند معطار
لاتُصغِر الشعر إن أصغرت قائلهُ*****فإنه غير محقوقٍ بإصغار
ولا يغرّنْك تصريف الهُنِّي له*****فتستخفّ بشأن منه كُبار
أما ترى المسك بَيْناه على حجرٍ*****يُذلّه كل ذلٍّ فِهْر عَطّار
إذ بَلَّغتهُ صروف الدهر غايتهُ*****فاحتلّ منزلة ً من رأس جبار
وقد عرفتُ وغيري حق معرفة*****للشعر أنصار صدقٍ أيَّ أنصار
يكفيك أنَّ أبا العباس ينصرهُ*****وإنما الحكمُ فيه حكمُ معيار
فاعدِل بلومك عني إنني رجلٌ*****أجررتُ في الشعر حبلي أيَّ إجرار
في الشعر أشياءٌ يرتاح الكريم لها*****مثل اهتزاز قويم المتن خطاّر
أبني البديع وأهديه إلى ملك*****يبني الرفيع وما يبني بأحجار
أضحت له مِنح تحيا بها مِدَحٌ*****عُونٌ بعونٍ وأبكار بأبكار
يكسي المديح ولم يُعور مجرّدهُ*****وكعبة الله لا تكسي لإعوار
ما في مجرد بيت الله مثْلبة ٌ*****كلاّ وإن كان مستوراً بأستارِ
فرد البلاغة لا يخلو مخاطِبُهُ*****من سحر يافعة لا سحر سحار
يزداد في القول إنجازاً ومَشربُهُ*****محضُ العذوبة لم يَمْلَح لإبحار
لا يعرف الناس إقلالَ العييِّ لهُ*****حاشاه ذاك ولا إكثار مِهْذار
تلقى به في مقامات الحجى بطلاً*****على كلام سواه غير مغوار
مجانب كل تمويهٍ لبيِّنة ٍ*****محارب كل تعذير لاعذار
رأيت مدحك كالإبصار بعد عمى ً*****إذ غيره كالعمى من بعد إبصار
إن القريض الذي يخزَى بحائكه*****ليَكتسي بك فخراً غير أطمار
كالمسك يفخر منسوباً إلى ملك*****وإن تواضع منسوباً إلى القار
يزري على الشعر أقوامٌ بحاكته*****وما عليه إذا أُلبستَهُ زاري
*****
المصدر:
- بوابة الشعراء - بوابتك إلى عالم الشعر - Poetsgate
[/BACKGROUND]