[BACKGROUND="70 #FFCCFF"]قصيدة -هي المواطن أدنيها وتُقصيني -للشاعر الكبير معروف الرصافي
هي المواطن أدنيها وتُقصيني*****مثل الحوادث أبلوها وتُبليني
قد طال شكواي من دهر أكابده*****أما أصادف حرّاً فيه يُشكيني
كأنني في بلادي إذ نزلت بها*****نزلت منها ببيت غيرِ مسكون
حتى متى أنا في البلدان مغترب*****نوائب الدهر بالأنياب تُدميني
فتارةً في المَوامي فوق مُوَقرةٍ*****وتارةً في الطوَامي فوق مشحون
كم أغرقتني الليالي في مصائبها*****فعُمت فيهنّ من صبري بدُلفين
أنا ابن دجلة معروفاً بها أدبي*****وإن يك الماء منها ليس يُرويني
قد كنت بلبلها الغِرّيد أنشدها*****أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
حيث الغُصون أقَلّتني مكلَّلَةً*****بالورد ما بين أزهار البساتين
فبينما كنت فيها صادحاً طرباً*****أستنشق الطيب من نفح الرياحين
إذ حلّ فيها غراب كان يُوحِشُني*****وكان تَنعا به بالبين يؤذيني
حتى غدَوْت طريداً للغراب بها*****وما غدوت طريداً للشواهين
فطِرت غير مُبالٍ عند ذاك بما*****تركت من نرجس فيها ونسرين
ويل لبغداد مما سوف تذكره*****عنّي وعنها الليالي في الدواوين
لقد سَقيت بفيض الدمع أربُعها*****على جوانب وادٍ ليس يَسقيني
ما كنت أحسب أني مذ بكَيت بها*****قومي بكيت على من سوف يُبكيني
أفي المروءة أن يَعتزّ جاهلها*****وإن أكون بها في قبضة الهُون
وأن يعيش بها الطُرطُور ذا شَمَم*****وأن أسام بعيشي جدع عِرنيني
تالله ما كان هذا قطّ من شِيمي*****ولا الحياة على النكراء من ديني
ولست أبذُل عرضي كي أعيش به*****ولو تأدّمت زَقّوماً بغسلين
أغنت خشونة عيشي في ذُرا شرفي*****عما أرى بخسيس العيش من لين
عاهدت نفسيَ والأيام شاهدة*****أن لا أقِرَّ على جَوْر السلاطين
ولا أصادق كذاباً ولو مَلِكاً***** ولا أخالطَ أخوان الشياطين
أما الحياة فشيء لا قرار له*****يحيا بها المرء مَوْقوتاً إلى حين
سِيَانِ عندي أجاء الموت مُخْتَرِماً*****من قبل عشرين أم من بعد تسعين
ما بالسنين يقاس العمر عندي بل*****بما له في المعالي من تحاسين
لو عشت ستين عاماً لاستعضت بها*****ستين مكْرُمةً بل دون ستين
فإنما أطول الأعمار أجمعها*****للمَكْرُمات من الأبكار والعُون
إن اللئيم دفين قبل ميتتِهِ*****وما الكريم وإن أودى بمدفون
وليس مَن عاش في ذُلٍّ بمغتَبَط*****ولا الذي مات في عزّ بمغبون
ما كنت أحسَب بغداداً تُحَلّئني*****عن ماء دجلتها يوماً وتُظميني
حتى تقلد فيها الأمر زعنفةٌ*****من الأُناس بأخلاق السراحين
ما ضرّني غير أني اليوم مِن عرب*****لا يغضبون لأمرٍ ليس يُرضيني
تالله ما ضاع حقّي هكذا أبداً*****لو كنت من عجم صُهْب العَثانين
علام أمكُث في بغداد مصطبراً*****على الضراعة في بُحبوحة الهُون
لأجعلنّ إلى بيروت هُنتَسَبي*****لعلّ بيروت بعد اليوم تُؤويني
خابت ببغداد آمال أؤمّلها*****فهل تخيب إذا استذرت بصِنّين
فليت سورّية الوَطفاء مُزنتها*****عن العراق وعن واديه تُغنيني
قد كان في الشام للأيام مذ زمن*****ذنب محَته الليالي في فلسطين
إذ كان فيها النشاشيبي يسعفني*****وكنت فيها خليلاً للسكاكيني
وكان فيها ابن جبر لا يُقصر في*****جبر انكسار غريب الدار محزون
إن كان في القدس لي صحب غطارفة*****فكم ببيروت من غُرٍّ ميامين
*****
المصدر:
- بوابة الشعراء - بوابتك إلى عالم الشعر - Poetsgate
[/BACKGROUND]
هي المواطن أدنيها وتُقصيني*****مثل الحوادث أبلوها وتُبليني
قد طال شكواي من دهر أكابده*****أما أصادف حرّاً فيه يُشكيني
كأنني في بلادي إذ نزلت بها*****نزلت منها ببيت غيرِ مسكون
حتى متى أنا في البلدان مغترب*****نوائب الدهر بالأنياب تُدميني
فتارةً في المَوامي فوق مُوَقرةٍ*****وتارةً في الطوَامي فوق مشحون
كم أغرقتني الليالي في مصائبها*****فعُمت فيهنّ من صبري بدُلفين
أنا ابن دجلة معروفاً بها أدبي*****وإن يك الماء منها ليس يُرويني
قد كنت بلبلها الغِرّيد أنشدها*****أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
حيث الغُصون أقَلّتني مكلَّلَةً*****بالورد ما بين أزهار البساتين
فبينما كنت فيها صادحاً طرباً*****أستنشق الطيب من نفح الرياحين
إذ حلّ فيها غراب كان يُوحِشُني*****وكان تَنعا به بالبين يؤذيني
حتى غدَوْت طريداً للغراب بها*****وما غدوت طريداً للشواهين
فطِرت غير مُبالٍ عند ذاك بما*****تركت من نرجس فيها ونسرين
ويل لبغداد مما سوف تذكره*****عنّي وعنها الليالي في الدواوين
لقد سَقيت بفيض الدمع أربُعها*****على جوانب وادٍ ليس يَسقيني
ما كنت أحسب أني مذ بكَيت بها*****قومي بكيت على من سوف يُبكيني
أفي المروءة أن يَعتزّ جاهلها*****وإن أكون بها في قبضة الهُون
وأن يعيش بها الطُرطُور ذا شَمَم*****وأن أسام بعيشي جدع عِرنيني
تالله ما كان هذا قطّ من شِيمي*****ولا الحياة على النكراء من ديني
ولست أبذُل عرضي كي أعيش به*****ولو تأدّمت زَقّوماً بغسلين
أغنت خشونة عيشي في ذُرا شرفي*****عما أرى بخسيس العيش من لين
عاهدت نفسيَ والأيام شاهدة*****أن لا أقِرَّ على جَوْر السلاطين
ولا أصادق كذاباً ولو مَلِكاً***** ولا أخالطَ أخوان الشياطين
أما الحياة فشيء لا قرار له*****يحيا بها المرء مَوْقوتاً إلى حين
سِيَانِ عندي أجاء الموت مُخْتَرِماً*****من قبل عشرين أم من بعد تسعين
ما بالسنين يقاس العمر عندي بل*****بما له في المعالي من تحاسين
لو عشت ستين عاماً لاستعضت بها*****ستين مكْرُمةً بل دون ستين
فإنما أطول الأعمار أجمعها*****للمَكْرُمات من الأبكار والعُون
إن اللئيم دفين قبل ميتتِهِ*****وما الكريم وإن أودى بمدفون
وليس مَن عاش في ذُلٍّ بمغتَبَط*****ولا الذي مات في عزّ بمغبون
ما كنت أحسَب بغداداً تُحَلّئني*****عن ماء دجلتها يوماً وتُظميني
حتى تقلد فيها الأمر زعنفةٌ*****من الأُناس بأخلاق السراحين
ما ضرّني غير أني اليوم مِن عرب*****لا يغضبون لأمرٍ ليس يُرضيني
تالله ما ضاع حقّي هكذا أبداً*****لو كنت من عجم صُهْب العَثانين
علام أمكُث في بغداد مصطبراً*****على الضراعة في بُحبوحة الهُون
لأجعلنّ إلى بيروت هُنتَسَبي*****لعلّ بيروت بعد اليوم تُؤويني
خابت ببغداد آمال أؤمّلها*****فهل تخيب إذا استذرت بصِنّين
فليت سورّية الوَطفاء مُزنتها*****عن العراق وعن واديه تُغنيني
قد كان في الشام للأيام مذ زمن*****ذنب محَته الليالي في فلسطين
إذ كان فيها النشاشيبي يسعفني*****وكنت فيها خليلاً للسكاكيني
وكان فيها ابن جبر لا يُقصر في*****جبر انكسار غريب الدار محزون
إن كان في القدس لي صحب غطارفة*****فكم ببيروت من غُرٍّ ميامين
*****
المصدر:
- بوابة الشعراء - بوابتك إلى عالم الشعر - Poetsgate
[/BACKGROUND]