الشاعر العباسيي أبو نواس (( الحسن بن هانئ ))

عدنية حرة 26-08-2012 1,030 رد 164,131 مشاهدة
ع

شعر الخمر

حديث الشعراء عن الخمر ليس وليد العصرالعباسي ، فقد وجدناه عند شعراء جاهليين كالآعشى ، وأمويين مثل الأخطل والوليد بن يزيد ، لكنه كان يأتي عندهم لمحات سريعة لا يتوقف عندها الشاعر كثيرا ، في أبيات تنتمي إلى غرض آخر مثل الفخر أو المدح أو الحماسة ، لكن الجديد في العصر العباسي هو زيادة اهتمام الشعراء بها : فأفردت لها القصائد وأصبحت غرضا شعريا مستقلا ، فقد وقف الشعراء عندهاوقفات طويلة في تتبع لكل ما يتصل بها بدءا من الحديث عن كرمتها إلى تصوير آثارها في محتسيها ، مرورا بوصفها ووصف شاربيها وبائعيها وتصوبر مجالسها بما اقترن بها من غناء ومجون ، ووكان لأبي نواس الحسن بن هانئ الدور الأكبر في إزدهار هذا الشعر وتطوره لا لكثرة ماقال فيه فقط ، وإنما لما أبدع في معانيه ، وجدد في أساليبه ، حتى استحق أن يطلق عليه شاعر الخمر الأكبر .



وسوف نقف مع إحدي خمرياته في محاولة للتعرف على أهم ما يميز شعره الخمري .


أبو نواس الحسن بن هانئ ، الشاعر العباسي الذي شاعت سيرته في عصره وبعد عصره ، ارتبط اسمه باللهو والمجون والخمر من ناحية ، وبالتجديد في الشعر العربي نابذا التقليد ، وداعيا إلى أن يكون الشاعر صادقا مع نفسه معبرا عن واقعه وظروف حياته من ناحية أخرى ؛ وما ثورته على المقدمة الطللية الموروثة عن الشعر الجاهلي إلا مظهر واحد من مظاهر هذا التجديد .


لقد توفرت عوامل عدة كان لها تأثيرها في شخصية أبي نواس إنسانا وشاعرا .

وساعدت ظروف نشأته على أن يبلغ في هذا الاتجاه غايته ؛ فقد توفي أبوه وهو صغير ، وتولت أمه تربيته

و لم تلبث أن دفعت به إلى عطار بالبصرة يبري له أعواد البخور

، ثم كان أن تزوّجت برجل من أهل البصرة ؛ لتنقطع تلك الصلة الضئيلة التي كانت تربطها بابنها ؛ فقد انصرفت عنه إلى زوجها ونفسها ، واسغرقتها حياتها الطارئة .

كان في أبي نواس ذكاء مبكر ولديه رغبة قوية في العلم ، فكان بعد انتهاء عمله لدى العطار يذهب إلى الكتاب ويرتاد مجالس العلماء ، وكانت كثيرة بالبصرةتزخر بـها مساجد ها ومربدها . وشاءت ظروف الغلام أن يتعرف بوالبة بن الحباب الأسدي ، وكان من أشد شعراء العصر مجونا وعربدة ، ويصحبه أبو نواس إلى الكوفة ، ليختلط بجماعته الماجنة ، ملازما لهم ، يحضر مجالسهم ، حيث يشربون ويتحادثون حول اللغة والشعر، ويُسمع كل منهم رفاقه من الشعر ما تتفتّق عنه قريحته.

ومن الكوفة يرتحل أبو نواس إلى البادية في صحبة جماعة من بني أسد ، فيقيم فيها سنة ، يأخذ اللغة من ينابيعها الأصيلة ، ويتعرف حياة العرب هناك ، ثم يعود إلى البصرة مواصلا التزوّد من ثقافتها على يد أكبر علمائها في اللغة والشعر ، ويحتكّ بعلماء الكلام ويستمع إليهم ويحاورهم ، وينهل من ثقافة العصر المتنوّعة : عربيّةً وفارسيّةً ويونانية وهنديّةً ، إسلاميّةً ومسيحيّةً ويهودية ومجوسية .


ع

شعر الخمر


وفي البصرة يتعلّق بجارية لعبد الوهّاب الثقفي تُسمَّى " جنان " تملك عليه قلبه ، ويصور في كثير من شعره هذه العاطفة في غزل عفيف ، لكنه لا يجنى من هذا الحبّ إلا الإخفاق والآلام ، فقد رفضت جنان حبّه ، ولم يسلم من عقاب مولاها ، ليمتلئ إحساسا بالأسى والإحباط ، فما كان إلا أن غادر البصرة إلى بغداد ، حيث أتيح له أن يتّصل بالخلفاء وكبار رجال الدولة يمدحهم وينال من جوائزهم ما ينفقه بسخاء على متع الحياة التي كانت تزخر بها بغداد ، فأغرق نفسه في حياة اللهو والمجون ، وأقبل على الخمر يرتاد حاناتـها ويصف مجالسها وينظم الشعر في كل ما يتصل بـها ؛ حتى يصبح - بكثرة ما قال فيها من شعر ، وبما بلغه هذا الشعر من جودة وتجديد - شاعر الخمر الأكبر وأستاذ فن الخمريات في الشعر العربي .

في هذه الخمريّات نجد النزعات التي عرفها العصر ، والتي مثل الكثير منها في حياته وشعره، نجد المجون والزندقة واللهو .


ع

شعر الخمـــــر

في هذه الدراسة نقف مع إحدى خمرياته بعنوان : " رحلة إلى خمار " ، وفيها يقول :


1.دع الربعَ ما للربع فيك نصيبُ

وما إن سبتني زينبٌ وكعـــوبُ

2. ولكن سبتني البابليةُ إنــهـا

لمثليَ في طول الزمان سلــوبْ

3. جفا الماءُ عنها في المزاج لأنـّها

خيالٌ لها بين العظامِ دبيــــبُ



4. إذا ذاقها من ذاقها حلّقت بـه

فليس له عقلٌ يعدّ أديـــــبُ

5. وليلةِ دجْنٍ قد سريتُ بفتيــةٍ

تنازعُها نحو المْـُدامِ قلـــوبُ

6. إلى بيت خماّر ودون محـــلّه

قصورٌ منيـفاتٌ لــا ودروبُ

7.ففزِّع من إدلاجنا بعد هَجْــعةٍ

وليس سوى ذي الكبرياء رقيبُ

8. تناوم خوفا أن تكون سعايــةٌ

وعاوده بعد الرُّقـاد وجيــبُ

9.ولما دعونا باسمه طار ذعــرُه

ُ وأيقن أنّ الرحلَ منه خصيــبُ

10.وبادر نحو الباب سعيًا ملبيِّــا

له طربٌ بالزائرين عجيـــبُ

11.فأطلق عن نابيْه وانكبَّ ساجدا

لنا وهْو فيما قد يَظنُّ مُصيــبُ



2.وقال ادخلوا حُيِّيتُمُ مِن عِصابةٍ

فمنزلُكم سهلٌ لديَّ رحيــبُ

13.وجاء بمصباحٍ لهُ فأنـــارهُ

وكلُّ الذي يبغي لديْه قريـــبُ

14.فقلنا أرحنا هات إن كنتَ بائعا

فإنّ الدُّجَى عن مُلٍكه سيَغيـــبُ

15.فأبدى لنا صهباءَ تمَّ شبابـُـها

لها مرحٌ في كأسها ووثـــوبُ

16.فلمّا جلاها للندامَى بدا لـهـا

نسيمُ عبيرٍ ساطعٍ ولهيـــــبُ

17 – وجاء بها تحدو بها ذاتُ مِزْهَرٍ

يتوق إليها الناظرون ربيــــبُ



18 – كثيبٌ علاه غصنُ بانٍ إذا مشى

تكادُ له صُمُّ الجبالِ تُنيــبُ

19 – وأقبل محمودُ الجمال مُقَرْطَـقٌ

إلى كأسها لا عيبَ فيه أريــبُ

20 – يشمُّ الندامى الوردَ من وجناتـه

فليس به غيرَ الملاحةِ طيـــبُ

21 – فما زال يسقينا بكأس مُـجِـدَّةٍ

تُولِّي وأخرى بعد ذاك تـــؤوبُ

22 – وغنىَّ لنا صوتا بلحنٍ مُرَجَّـعٍ

" سرى البرقُ غربيَّا فحنَّ غريــبُ "

23 – فمن كان منا عاشقا فاض دمعه

وعاوده بعد السرور نحيـــبُ

24 – فمن بين مسرورٍ وباكٍ من الهوى

وقد لاح من ثوب الظلام غيوبُ

25 – وقد غابت الشِّعرَى العَبورُ وأقبلتْ

نجومُ الثُرَيَّا بالصباح تثـــوبُ



ع


شعر الخمـــــر



القصيدة إحدى خمريات أبي نواس ، تبدأ بالدعوة إلى ترك الربع : لا يقف عليه ولا يتحدث عن نسائه ؛ فما تيّمته واحدة منهن ، وإنماهي الخمر من تيّمته واستأثرت بحبّه ، وبعد أن يصف رقّة الخمر ولطافتها ويبيِّن قوّة أثرها فيمن يذوقها يقصّ علينا خبر رحلة يقود فيها فتيةً من رفاقه إلى بيت خمار حيث قضوا ليلة في شرب وعزف وغناء .


والقصيدة وإن كانت تتمتع بوحدة الموضوع ووحدة الجو النفسي وترابط الأفكار يمكن أن نقسمها عدة أقسام ، يضطلع كلُّ قسم بفكرة تُعدّ قطبَه التي تدور أبياته حولها ، وبين أبيات كل قسم من الترابط اللغوي – فضلا عن وحدة الفكرة – ما يميزها ويعطيها قدرا من الاستقلال ، وإن كان استقلالا لا يفصلها تماما عن باقي أفكار القصيدة ؛ حيث يربطها جميعا وحدة الموضوع ، وتتآزر فيما بينها على النهوض بالتجربة الشعرية في ترابط قوي حسب نسق يقوم عليه البناء الفني للقصيدة .

1- القسم الأول للقصيدة ينهض به أربعة الأبيات الأولى (1-4)

فكرة هذا القسم تدور حول علاقة الشاعر بالأطلال من جهة وبالخمر من جهة أخرى ، وإذا كان الحديث عن الأطلال لم يتجاوز البيت الأول فإن الحديث عن الخمر يمتد ليستغرق ثلاثة أبيات .

وإنما ارتبطت الأطلال بالخمرة هنا بسبب موقف الشاعر الذي تعصّب للثانية على حساب الأولى ، فإذا به يدعو إلى أن يُستبدل وصف الخمر بوصف الأطلال ؛ فقد تبدّلت الحياة ، وأصبحت الأطلال بما ترتبط به من حياة البادية ماضيا لا وجود له في حياة شاعر حضري يعيش في المدن حيث القصور والرياض والحانات والأديرة والخمارات ومجالس الأنس وحياة الترف .

وطبيعيٌّ أن يُؤثر أبو نواس حياة المدن المترفة بالحديث كما آثرها بحبّه ؛ فقد أمدّته بما أشبع ما عُرف به من نَـهم إلى ضروب المتاع واللذة ، وهو إلى ذلك - في الرأي الراجح - فارسيُّ الأصل لا يرى في بادية العرب وأطلالها ما يراه الشاعر العربي . فإذا كان الشاعر العربي يرى فيها تاريخا ، ويستشعر إزاءها ولاء ، ويحمل لها توقيرا ، فإن أبا نواس ـ شأن أمثاله ممن لا ينتمون إلى الأصل العربي ـ لا يرى فيها إلا أحجارا وأوتادا وسرابا وقفرا وحياة خشنة قاسية ، وأين هذا كله من حياته وسط مباهج الحضارة العباسية بقصورها وحاناتها وغلمانها وجواريها؟!








ع


شعــــــــر الخمــــــــــــــــــر



لقد أكثر أبو نواس من عقد المقابلات بين هذه وتلك ، مُنتصرا بطبيعة الحال لحياة الحضر التي ترفده بما تَعشق نفسه من ألوان اللذة .

هذه قضية شُغل بـها أبو نواس ، وحمل لواء الدعوة لها بصبر وإلحاح حتى عُرف بـها ونسبتْ إليه ، تلك هي الثورة على المقدمة الطلليّة التي اندفع فيها أحيانا متجاوزا حد الثورة الفنية إلى التهكم بالأطلال والسخرية من أهلها ومن الواقفين عليها ، في نغمة يصعب تبرئتها من الشعوبية .

ونظرة فنية في هذه الأبيات ترينا أن الشاعر قد محضها لهذه المقابلة بين موقفه من الأطلال وموقفه من الخمر ، مبرزا بـهذه المقابلة الفرق بين علاقتيه بـهما ، فهي مع الأطلال علاقة سلبيَّة ، أو لنقل : لا علاقة ، وهو ما عبر عنه في البيت الأول

دع الربع ما للربع فيك نصيب

وما إن سبتني زينب وكعوب



فقد دعا نفسه وغيره إلى ترك الربع (الديار والأطلال ) ، فلا وقوف به ولا حديث عنه ، و أتبع هذه الدعوة بما يبررها ويعلل لها ، فليس للربع فيه نصيب ، ولم تصبه أي تتيمه واحدة من نسائه .




وجاءت الصياغة في البيت داعمة هذه الدلالة :

فالبدء بالأمر " دع " يحسم العلاقة بينه وبين الربع ؛ فقد غدا تركه أمرا لازما لا سبيل إلى التردد فيه.

وإيثار التعبير بالاسم الظاهر " للربع " بدلا من الضمير مع تقدم مرجعه يؤكد موقفه ، كما يبين أنه ليس خاصا بهذا الربع ، بل هو موقفه من كل ربع .

ويلفت انتباهنا تقديم الجار والمجرور " فيك " على متعلَّقه " نصيب " ؛ لما لهذا التقديم من أهمية ؛ فأبو نواس يرى أن علاقةً حميمة يجب أن تربط الشاعر بموضوعه ، علاقة نرى فيها تداخل الذات والموضوع ، أشبه ما تكون بعلاقة الظرف بالمظروف ، وهو ما يعبر عنه بدقةٍ التركيب " فيك " . وهي علاقة مفتقدة مع الأطلال ، محققة مع الخمر .

و التعبير بالنكرة في سياق النفي في كلمة " نصيب " يفيد عموم النفي ، فليس للربع فيه نصيبٌ ما : قلّ أو كثر .




ولا يخفى ما في التعبير بالجملة الاسمية " ما للربع فيك نصيب " من دلالة على ثبوت المعنى وتأكيده .

ثم تأتي الجملة الفعلية "وما إن سبتني زينبٌ وكعوب " لتنفي نفيا مؤكدا أن تكون امرأةٌ ممن وقف الشعراء بأطلالهنّ قد سبته ، ولتؤكد انبتات علاقة الشاعر بالربّع والديار والأطلال ؛ فقد أكّد النفي حين أردف " ما " النافية ب " إن " .

وما زينب وكعوب غير رمز لحبيبات شعراء الأطلال يذكرونـهنّ في وقفاتـهم عليها .





ع


شعـــــــر الخمــــــــــــــر



ومن الظواهر الفنية ذات القيمة في تأكيد الدلالة وتقويتها في هذا البيت ظاهرة " التجريد " في الشطر الأول ، فقد جرد الشاعر من نفسه شخصا يخاطبه بما يودّ هو أن يفعله ، فيأمره بترك الربع حيث لا نصيب له فيه .

والقيمة الفنية لهذا التجريد – فضلا عن صورته الحوارية – أن الأمر " دع " يصبح معه مفتوح الدلالة ليتجه إلى كل مخاطَب ، كما يدلّ على أن الأمر تجاوز التقليد الخاص بالشاعر ، ليغدو مذهبا يدعو إليه ، ورسالة يضطلع بحملها ، وقضية يدافع عنها .

وظاهرة فنية أخرى في هذا البيت هي " الالتفات " من أسلوب الخطاب في الشطر الأول ( دع الربع ) إلى أسلوب التكلم في الشطر الثاني ( سبتني ) ؛ ذلك أن الأمر هنا أي في ( سبتني ) خاص بقضية وجدانية ، هي نفي حبّ زينب وكعوب ، وهي قضيَّة ذاتية تناسبها صيغة التكلم ، فإذا كانت دلالة الخطاب في ( دع ) مفتوحة على الشاعر وغيره فدلالة التكلم في ( سبتني ) مغلقة على الشاعر ؛ فهي كما قلتُ تمسّ أمرا وجدانيا لا يملك الحكم عليه إلا فيما يتصل بنفسه .

وموقف أبي نواس من الأطلال هنا ينطلق من الصدق الفني الذي يمثل الجانب المشرق من ثورته على المقدمة الطللية ، حين تنأى الدعوة عن التهكّم بالأطلال ، والسخرية من حياة أهلها عرب البادية ، وحين يبتعد الشاعر عن المقارنة بين حياة الحضر وحياة البدو في انحياز كبير للأولى على ما تجلّى لنا فيما سبق . إن دعوته هنا خالية من هذين الأمرين ، مؤسسة على مبدإ فني مقبول ؛ هو أن الشاعر يجب أن يعبر بصدق عما يمسّ حياته ويَسكن وجدانه ، وأن ينأى عن تكلّف القول فيما لا يتّصل بـهما تقليدا لغيره ، وذلك مبدأ دعا إليه في شعره في غير موضع .

ع


شعر الخمــــــــر


فإذا تجاوزنا إلى البيت الثاني وجدنا الطرف الآخر في تلك المقابلة ، حيث العلاقةُ بالخمر نقيضُ العلاقة بالطّلل . وهو ما يتحدّد باستهلال الحديث عنها بكلمة ( لكن ) الاستدراكية التي تثبت لما بعدها ما نفي عمّا قبلها ، فإذا كانت الأطلال لا نصيب لها فيه ، ولم تتيمه واحدة من نسائها ، فإن الخمر قد استولت عليه ، وتيمته عشقا وحبا ، وسلبته كل اهتمام بسواها .



ولكن سبتني البابلية إنـّها

لمثليَ في طول الزمان سلوبُ

وتأتي الصياغة الفنية لبنية البيت مؤكدة فتنته بالخمر وقوة سلطانـها عليه :

فها هو يعيد الفعل ( سبتني ) وكان يمكن الاستغناء عنه لسابق ذكره ، لكنه يعيد لفظه تلذذا به وتأكيدا لمعناه ؛ لقد غدا أسير الخمر ، فرحا بـهذا الأسر ، حتى إنه ليتباهى بذلك ، ويتلذذ بالحديث عنه ( سبتني البابلية ) .

والبابلية : الخمر المنسوبة إلى بابل ، وهي عاصمة قديمة في أواسط ما بين النهرين جنوب شرقي بغداد عرفت بجودة خمورها ، والبابلية هنا صفة اكتفى بها عن موصو فها ( الخمر ) مما يدل على شهرة هذا النوع من الخمر ، هذا إلى ما في كلمة ( البابليّة ) من ملاءمة لتشخيص الخمر حين جعلها مولاة له سبته بجمالها وقوة سلطانـها ، إنها حبيبته البابلية التي استعاض بها عن زينب وكعوب وغيرهما من حبيبات شعراء الأطلال . ولا علينا إذا توسعنا فيما ترمز إليه (زينب وكعوب ) ليشمل كل امرأة ؛ فسيرة أبي نواس تسجِّل أنه بدأ حياته العاطفيّة بحب صادق قوي لجنان ، جارية آل عبد الوهاب الثقفي ، وأنه قال فيها أعذب الغزل وأشدّه حرارة وأكثره عمقا وصدقا وأقواه عاطفة وتوهجا ، لكن جنان لم تبادله الحب ، وباءت محاولاته معها بالفشل ، وكان إخفاقه في هذا الحب الصادق وراء تركه البصرة إلى بغداد أملا في النسيان ، ثم كان انغماسه في الخمر هروبا من تذكُّر هذا الماضي ، بل إنه حاول أن يتّخذ من الخمر حبيبا بديلا ينسيه حبيبه القديم ، فكان ولعه الخمر تعويضا عن عشق المرأة .

وتتمة لما بدأناه من تعرف خصائص الصياغة في البيت الثاني، نجد الشاعر يختمه بـهذا التذييل:

"إنـها لمثلي في طول الزمان سلوب "

مؤكدا بذلك سلطان الخمر وقوّة تأثيرها لا على الشاعر وحده ، بل عليه و على أمثاله ، وهو بذلك يعلِّل لما سبق أن اعترف به من سبي الخمر إياه ، وكأنه يقدِّم العذر لنفسه إذ وقع في أسرها ، فهذا شأنـها مع أمثاله على مرّ الزمان .

والحرصُ على التعليل للفكرة في هذا البيت وسابقه سمة فنية في كثير من الشعر العباسي ، جاءت أثرا لازدهار المنطق ، ونشاط علم الكلام ، بما يشيعه ذلك من مناظرات تكثر فيها أساليب الاحتجاج والتعليل والبرهنة ، ولم يكن أبو نواس بمنأى عن هذا الجو الثقافي ، بل كان شديد القرب منه ، قويَّ التأثر به ؛ لما عرف عنه من مخالطة المتكلمين لا سيما المعتزلة.


فإذا تأملنا صياغة الشاعر لجملته التعليلية هنا ( إنه لمثلي في طول الزمان سلوب ) لاحظنا أنـها تبدأ بحرف تأكيد ( إنّ ) يتبعه تأكيد آخر بصيغة المبالغة (سلوب ) ، وبين التأكيدين عموم التأثير على الأشخاص (لمثلي ) والأزمان ( في طول الزمان ) ، وهو يحرص على إبرازه أي إبراز عموم التأثير؛ حتى ليقدم ما يعبر عنه اهتماما به ، فالترتيب الطبيعي للجملة ( إنـها سلوب لمثلي في طول الزمان )


ع

شعر الخمــــــــــــــر




والبيتان الثالث والرابع :

جفا الماءُ عنها في المزاج لأنـّها

خيالٌ لها بين العظام دبيــبُ

إذا ذاقها من ذاقها حلّقت بـه

فليس له عقلٌ يعدُّ أديــبُ

وصفٌ للخمر وثناءٌ عليها ، وبيانٌ لطيب أثرها ، فهي بالغة الرقة والصفاء ، تسري في جســم شاربـها بلطف وخفاء ، فإذا هو شديدُ النشوة ، ناء عن الهموم ، محلقٌ في آفاق السعادة .

هذا الوصف الذي يصطنع أسلوبَ المدح لصدوره عن الحب والإعجاب - وفَّر له الشاعر من أساليب الصياغة ما ارتفع به عن الأداء التقريري المباشر إلى أفق التعبير الفنّي الجميل :

ففي التعبير عن رقة الخمر وصفائها نرى صورتين : صورة حقيقية واقعية ( جفا الماء عنها في المزاج ) ، وأخرى خيالية ( لأنـها خيال لها بين العظام دبيب ) ، وجاءت الصورة الثانية تعليلا للصورة الأولى يفسرها ويؤكدها .

والتعبير عن رقة الخمر وصفائها ولطافتها بجفاء الماء عنها - على شدة رقته ولطافته - يتردد في شعر أبي نواس مع تنوع في أسلوب الأداء .

وهذه الرقة واللطافة هي ما تمكِّنها من الولوج بين العظام في خفَّة وخفاء ؛ لتمارس تأثيرها القوي " لـها بين العظام دبيب "

ولا يخفى ما لكلمة ( دبيب ) من خاصية بجرسها وتصويرها ، ما يجعلها شديدة الملاءمة للدلالة الأصلية التي يقدمها البيت وهي الرقة واللطافة ، وإن كانت تتقدم بـها خطوة في طريق التأثير حين تسري بين العظام . وهذه الصورة الأخيرة ، أعني صورة الخمر تدبُّ بين العظام تـمهد لما جاء في البيت التالي الذي تمحَّض لبيان قوة تأثيرها .

أما خصائص الصياغة في البيت فنجد منها :

إيثار كلمة ( ذاقها ) بمعنى اختبر طعمها ، فكأنّ هذا الأثر القويّ للخمر يحدثه مجردُ ذوقها فضلا عن شربـها ، ويأتي التعميم الذي يحمله اسم الموصول ( من ذاقها ) ليفيد عموم هذا الأثر في كل من ذاقها .

ثم تأتي هذه الصورة الخيالية التي ترسمها جملة (حلقت به ) لتبرز هذا الأثر حين تصور ذائق الخمر و قد حلّق مرتفعا عن عالمه الأرضي بـهمومه وآلامه : لقد حلت الخمر عِقاله ، فانطلق في عالم من الخيال بعد أن غُيِّب عقله الذي يشدّه إلى الواقع الأرضي ، يحدث له ذلك وإن كان أديبا واسع الثقافة .

ونحس ضعفا تعبيريا في الشطر الثاني وقلقا في كلمة ( أديب ) لعل وراءه ما ندركه تكلف القافية .

وتحليق الخمر بمحتسيها بعيدا عن الواقع أو هروبا من همومه أمر يلحّ عليه أبو نواس في خمرياته حين يتحدث عن أثرها .

وقبل أن نغادر هذا العنصر من القصيدة نلقي عليه نظرة عامة تلمحُ بعض المفارقات التي جعلها الشاعر أساس مقابلته بين موقفه من الأطلال وموقفه من الخمر :

إنّ ترك الحديث عن الأطلال الذي أفاده قوله : ( دع الربع ) يقابله الحديث الطويل عن الخمر أساسا في الأبيات الثلاثة ( 2 ـ 4 ) ثم استطرادا في باقي القصيدة .

كما أن النفي الذي سُلِّط على الربع ( ما للربع فيك نصيب ) وعلى رمز نسائه ( وما إن سبتني زينب وكعوب ) يقابله الإيجاب حيث يثبت للخمر ما نُفي عن الأطلال ونسائها0 ( ولكن سبتني البابلية إنـّها .....) .

وعلى حين نرى ( الربع ) ينـزوِي في موقع المفعولية - ( دع الربعَ ) أو نفي الفاعلية ( ما للربع فيك نصيب ، ما إن سبتني زينب وكعوب ) - تمثل الخمر مركز الفاعلية الظاهرة - (سبتني البابلية ) والمضمرة ؛ فهي ( ...سلوب ، لها بين العظام دبيب ، حلقت به ) إنها من تسبي وتسلب وتدب وتحلق .

وبذلك نرى أن المقابلة استوفت دعائمها بـهذه المفارقات التي أقامها الشاعر بين الربع والخمر على مدار الأبيات الأربعة ، وكلها مفارقات لصالح الخمر .




ع
شعر الخمـــــــر




بعد هذه المقدمة التي قدم بـها الشاعر بين يدي رحلته إلى الخمار يأتي إلى سرد أحداث الرحلة :



وليلةِ دَجْنٍ قد سريتُ بفتيــــةٍ
تنازعُها نحو المـُدام قلـوبُ


إلى بيت خـمّار ودون محـــلّه

قصورٌ منيـفاتٌ لنـا ودروبُ


في هذين البيتين بيان لزمن الرحلة ( ليلة دجن ) ، ورفاقها ( قد سريت بفتية )

وغايتها( إلى بت خمار ) . وهو بدء طبيعي لمثل هذه الحكاية ، نرى فيه حرْص الشاعر على تحديد كلِّ جانب من هذه الجوانب الثلاثة بما يميزه ويكسبه واقعيةً خاصة.

فالليلة ليلة دجن (كثيرة الغيم والمطر ) ؛ ومثل هذه الليلة تكون شديدة الظلام ، يأوي الناس فيها إلى بيوتـهم ، فتخلو الطرقات ،وتغدو ملائمة لمثل هذه الرحلة المشبوهة (رحلة الماجنين إلى بيت الخمار ) .

والفتية الذين سرى بـهم " تنازعهم نحو المدام قلوب " ، فهم مثله : سبتهم الخمر وسلبت عقولهم ، وهاهي قلوبـهم تغلبهم في نزوع قويٍّ إليها .

وبيت الخمار دونه قصور منيفات ودروب ، فالارتحال إليه في مثل هذه الليلة لا يحمل عليه إلا باعث قوي يـهون أمامه ما في هذه الرحلة من متاعب ومخاطر . بذلك ندرك قيمة وصف الفتية ب " تنازعها نحو المدام قلوب " فالإقدام على مثل هذه الرحلة يسبقه هذا التنازع والتردد بين القعود إيثارا للراحة والسلامة ، وخوض الرحلة استجابة لهذه الرغبة العارمة ، وتمت الغلبة لرغبة القلوب ، فكانت الرحلة .

وقَد أُدِّيت المعاني في البيتين أداء تصويريا : فما أن نُـتِمَّ قراءتـهما حتى تستوي أمامنا صورة نرى فيها مشهدا متعدِّد العناصر ، يضم عدة صور جزئية ، تكوِّن بتناسقها وتكاملها لوحة نرى فيها أبا نواس يقود فتية من رفاقه في ليلة ذات غيم ومطر ، يسلك بهم دروبا تلفُّها القصور العالية ، قاصدين بيت الخمار . هذه الصورة التي تكاملت عناصرها بما فيها المشاعر الداخلية لفتية الخمر " تنازعها نحو المدام قلوب " صورة حية متحركة واضحة الخطوط مستوفيةالألوان والظلال .

وهذه الوحدة المعنوية والتصويرية بين البيتين تدعمها وحدة لغوية : حيث يرتبط البيت الثاني بالبيت الأول بعُرًى لغوية تجعل منهما وحدة ، لا يستقل أحدهما عن الآخر ؛ فالبيت الثاني مبنيٌّ على الجار والمجرور الذي يستهل به " إلى بيت خمار "وما بقية البيت ( بيت الشعر ) إلا وصف مكمل لهذا البيت ( بيت الخمار ) ، فإذا عرفنا أن هذا الجار والمجرور متعلق بالفعل " سريت " في البيت الأول أدركنا قوة الرابطة اللغوية بين البيتين .

والمتتبع لشعر أبي نواس يجد أن الخروج عن وحدة البيت إلى وحدة المعنى أو الفكرة والقصيدة ظاهرة واضحة فيه، لا سيما حين ينحو فيه المنحى القصصي كما في هذه القصيدة .

ولا يفوتنا أن نسجل ما نلاحظه على صياغة أبي نواس لبيتيْه ‍‍‍‍‍‍‍‌( 5-6) من قصيدتنا .

إننا معهمانجد أنفسنا مع إطار يشبه إطار الفروسية ، حيث يقود الفارس جنوده ليلا في طريق محفوف بالمخاطر ، فنحن هنا مع أبي نواس الذي تعلو نبرته في هذا البيت " قد سريت بفتية " ، إنه القائد في هذا السُّرى في تلك الليلة الغائمة المظلمة إلى تلك الخمارة قاطعا إليها هاتيك الدروب ، ومتجاوزا كثيرا من القصور الشامخة ؛ من هنا تأتي أهمية تقديم " وليلة دجن "ومغزى تعظيمها بـهذه الواو ، واو رب ، أي تعظيم خطورة السُّرى فيها ، وتبرز أهمية التأكيد بالحرف " قد " بما يُقوي إيقاع الفخر الذي استخدم إطاره هنا في تحول أسلوبي عرف به أبو نواس ؛ فقد جعل فروسيته في اقتحام الطرق إلى الخمارات ،وكم شهدت مجالسها من معارك له : سلاحها الأقداح والكؤوس ، وقتلاها صرعى الكؤوس ؟!



ع


شعر الخمـــــــــــــر






ويتابع الشاعر وصف الرحلة في الأبيات ( 7- 16)

هذه الأبيات تصور المرحلة الثانية للرحلة ، وهي تبدأ ببلوغهم بيت الخمّار ، وشعوره بمقدمهم ، وتنتهي بتقديمه الخمر لهم .

ويربط بين هذه الأبيات عنصر " الخمار " الذي تدور الأحداث به وحوله ، وهو وإن لم يكن القاسم المشترك الوحيد في أحداث هذه المرحلة إلا إنه العنصر البارز فيها، ومركز الثقل بـها ، حتى ليحتل موقع الفاعل في معظم الأبيات : فزِّع – تناوم – خوفا – طار ذعره – أيقن – بادر – سعيا – ملبِّيا – له طرب – أطلق عن نابيْه – انكبَّ ساجدا – يظنّ – مصيب – قال ادخلوا – جاء بمصباح – أناره – بائعا – أبدى لنا صهباء – جلاها للندامى






فحضوره ( الخمار ( على مدار هذه الأبيات قوي ودائم ، بل إنه المحرك لأحداثها والفاعل العملي فيها بغض النظر عن كونه فاعلا نحويا فليس هذا المقصود ، وكان هذا سببا كافيا لجمعها في مرحلة واحدة من مراحل القصيدة = الرحلة ، يمكن أن يطلق عليها " لقاء الخمَّار"


لقد أطال الشاعر وقفته مع الخمار لتستغرق عشرة أبيات تقدم الأحداث والأحاسيس في صورة نابضة بالحياة ، مفعمة بالحركة خارجية وداخلية : حركة الأعضاء الخارجية ، وحركة المشاعر الداخلية ، مستغلا في ذلك طاقة الإيحاء في الكلمات والصور باقتدار فنيّ كبير .


إن الأبيات تعرض صورتين متقابلتين للخمار ، أولاهما صورته قبل أن يُدعى باسمه(7-8) ، وأخراهما صورته بعد أن نادوْه به ‍‍)9- 12 ).


الصورة الأولى تبرزه مفزَّعا خائفا حين طرقوا بابه في هذا الوقت المتأخر من الليل " بعد هجعة " ؛ فقد تكون سعاية أوقعت به لدى شرطة الدولة، لا غرو أن تظاهر بالنوم " تناوم " ولكن أنىّ له النوم وقلبه يخفق رعبا !‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.


ونراه في الصورة الثانية وقد تبدد خوفه " طار ذعره " وانتشى بالأمل في صفقة تُدِرّ عليه الخير ؛ فقد أيقن أنَ الطارقين من زائري خمارته ؛ فلا غرو أن رأيناه يسرع إلى الباب في سعادة ، ويستقبل زائريه بابتسامة واسعة " فأطلق عن نابيه " ، واحترام بالغ " وانكبّ ساجدا " ، مرحبا بهم " ادخلوا حييتم من عصابة … "


والصورة الأولى تغلب عليها الأحاسيس " فزِّع – خوفا – وجيب "، وتقلُّ الحركة ؛ بل إنّ الحركة فيها ساكنة " تناوم – الرقاد " ، وهي بتلك الأحاسيس المتوجِّسة ، وبهذه الحركة الساكنة تصوِّر حالة الخمار حين شعر بـهؤلاء المدلجين ، وكان قد أخذته هجعة ، فلم يتوقع زيارة أحد من مرتادي خمّارته في ذلك الوقت .


والفعل " فُزِّع " بصيغته ( تضعيف الزاي ) وبنائه للمجهول يُصوِّر الخوف الشديد المصحوب بحركة مضطربة ، فكان من المناسب أن يبرر ذلك الإحساس ، وهو ما جاء في قوله : " من إدلاجنا بعد هجعة " ، و" من " في هذا التركيب سببية ؛ فالسبب هو إلمامهم به في هذا الوقت المتأخر من الليل ، إذ الإدلاج سير الليل كله أو السير في آخره ، وقد أكَّد هذا التأخَّر قولُه : " بعد هجعة " ، كما أكَّده قوله :" وليس سوى ذي الكبرياء رقيب " ؛ فقد نام الجميع ، وعمّ الكونَ سكونُ الليل ، فلا يراهم إلا من لا تأخذه سنة ولا نوم ، الله ذو الكبرياء .


أما قوله " تناوم خوفا أن تكون سعاية " فهو تركيب لا ينقضي منه العجب ؛ بما توفر له من سهولة الكلمات ، وسلاسة العبارة ، ودقة الاستخدام ، وقوة الإيحاء ، وجمال التصوير ، وملاءمة السياق . إن هذه الحركة بذلك الإحساس " تناوم خوفا " أتت في مكانـها الدقيق لتكتمل بـها صورة هذا الخمار الذي فزِّع فطار من عينيه النوم ، فهو يتجنب الحركة كيلا يشعر به أحد ، فما كان منه إلا أن يتناوم .


والشاعر حريص على أن يُتبع كلَّ حركة بسببها وكلّ إحساس بسبه : فالفزع كان بسب إدلاجهم في ذلك الوقت المتأخِّر ، والتناوم أتى خوفا من أن يكون في الأمر سعاية .


وكان لابد من عمل يبدِّد الخوف ، ويعيد إلى قلب الخمار اطمئنانه ، فكان نداؤههم باسمه " ولما دعونا باسمه طار ذعره " وكان لهذا الدعاء دوره البارز في تطور حركة القصة ، قصة رحلتهم إلى الخمار ، فقد أنـهى صورة الذعر والسكون التي تلبّست الخمار لتبدأ صورة السرور والمرح . وقد تأكدت أهمية هذا الدعاء بالاسم ( اسم الخمار ) بـهذا التركيب الشرطي الذي احتل فعلَ الشرط فيه " ولما دعونا باسمه " ليكون جوابه كلَّ ما حدث للخمار وما حدث منه بدءا من " طار ذعره " ، حتى " فلما جلاها للندامى " ؛ فالدعاء بالاسم يعني تعارُفا سابقا وودّا قديما ، فهم ممن اعتادوا زيارة خمارته ، فلا خوف ولا خطر بل طرب وانتعاش أمل . وكان أولَ هذا الأثر (أثر الدعاء بالاسم ) تبدّدُ خوف الخمار ، وهو ما صوّره قول الشاعر : " طار ذعره " بما يوحي به من أنّ الذعرَ كان جاثما على صدره أو قابعابين جوانحه ، وأنه سرعان ما تبدد كطائر كريه هِيب به ففرّ مسرعا .



ع

شعر الخمــــــر



وحين تبدد ذعره و رُدّ إليه سكونُ نفسه ورباطةُ جأشه غدا مهيأ للتفكير في أمر هؤلاء الطارقين ، وهو تفكير أنعش أمله ؛ لقد أيقن أن زيارتهم تحمل له الخير ؛ فسوف يبيع ويربح " وأيقن أن الرحل منه خصيب " ، والرحل هنا بمعنى المنزل ، وخصيبٌ هنا تعني كثير الخير ، وجاء التعبير بالكناية مصورا أمله في الربح الذي سيعود عليه من هذه الزيارة .

واستخدام الفعل " أيقن " يوحي بأن الخمار لم يطرب هذا الطرب لمعرفة الزائرين فحسب ، بل لذلك ، ولما عَرَف عنهم من السخاء والكرم ؛ ما جعله يوقن بالأثر الطيب لزيارتـهم . وكان هذا اليقين دافعا قويا لما صوّره البيت التالي من مبادرة الخمار إلى الباب ساعيا ملبِّيا ترتسم ملامح الطرب العجيب على وجهه .

وبادر نحو الباب سعْيًا ملبيِّـا

له طربٌ بالزائرين عجيــبُ

واليت يرسم للخمار صورة تبرز أحاسيس فرح الخمار بـهذه الزيارة جياشة واضحة ، يصور هذا كلمة " بادر " بما تدل عليه من السرعة التي تؤكدها كلمة " سعيا " ثم يأتي الحالان : " ملبيا – له طرب بالزائرين عجيب " لتستوي أمامنا صورة الخمار يعدو نحو الباب في مرح وسعادة ، وصوته يرتفع بكلمات الإجابة والترحيب ارتفاع صوت الملبي ساعيا بين الصفا والمروة .

ويلفت نظرنا كلمة " الزائرين " ، فقد التفت الشاعر عن أسلوب المتكلمين " بنا " إلى أسلوب الغائبين " الزائرين " ليعود عنه في البيت التالي إلى أسلوب المتكلمين " وانكب ساجدا لنا " ، ولعل وراء هذا الالتفات إلى كلمة " الزائرين " إبراز هذا الوصف ، وصف الزيارة التي كانت سببا في طرب الخمار ، فهذا الطرب لكل من يأتي الخمارة زائرا، وليس خاصا بالشاعر ورفاقه .

أما ترحيبه بالزائرين حين فتح الباب ورآهم فيصوره البيتان :

فأطلق عن نابيْه وانكبّ ساجدا

لنا وهو فيما قد يظنُّ مصيـبُ

وقال ادخلوا حييتمُ من عصابـة

فمنزلكم سهلٌ لديَّ رحيـبُ

والبيتان يرسمان صورة الخمار يرحِّب بالزائرين ويحيِّيهم :

- لقد ابتسم ابتسامة عريضة " فأطلق عن نابيه ". وانحنى محييا لهم "وانكبّ ساجدا لنا " .

- وانطلق لسانه بكلمات الترحيب " وقال ادخلوحييتم من عصابة فمنزلكم سهل لدي رحيب "

هذه المبالغة في التحية والترحيب تتسق وما رأيناه قبلُ من طرب الخماروسعادته لما يؤمّل من هذه الزيارة ، إنهـا تحيَّة التاجر الحريص على إرضاء زبائنه وكسب ودَّتـهم لا حبًّا فيهم ، بل حرصا على ما سيعود عليه من زيارتهم ؛ لا غرو أن وجدنا هذه الجملة " وهو فيما قد يظنُّ مصيب " تتخلل مظاهر التحية لبيان أنَّ إحساسه بما يجنيه من هذه الزيارة كان وراء هذه المبالغة في الترحيب .




وهذا النوع من التحية يتسق وما عُرف عن أصحاب الخمارات من أنهم كانوا يهودا أو نصارى أو مجوسا ؛ فالعرب لم يعرفوا التحية بالانحناء ؛ وهنا نسجل لخمريات أبي نواس واقعيّةَ التجارب والوصف ، فلسنا هنا مع وصف نمطيّ يقدم معاني عامة ، بل مع وقائع محددة ، و شخصيات ذات خصوصية .





وتسير أحداثُ القصة خطواتٍ مسلسلة لا تُخطئ الحدقةُ المصوِّرة للشاعر حدثا من أحداثها أو عنصرا من عناصرها : لقد فتح الخمار الباب واستقبلهم مرحِّبا محيِّيا ، ثم جاء بمصباح فأناره ، ونلتفت هنا إلى نقطة ذات دلالة حين جاءت إنارة المصباح بعد فتح الباب لهم والترحيب بهم ، وكأن فرحة الخمار بـهؤلاء الزائرين وتلهفَّه لإدخالهم أعجلته عن أن يضيء المصباح ، وكان المتوقَّع أن يبدأ به ، لكنّ تأخرَ الإضاءة يتسق ومشاعرَ اللهفة لدى الخمار . ولا تخفى دلالة التذييل :" وكل الذي يبغي لديه قريب " ، فلم يكن تأجيل إنارة المصباح لبعد مكانه أ و جهل موضعه ؛ إذ كل ما يبغي قريب منه . فلا يبقى سبب لتأجيل إنارة المصباح إلا ما أشرنا إليه من تلهف الخمار للقاء الزائرين وإدخالهم الخمارة لا تعوقه عن ذلك ظلمة المكان .



ع

شعــــــــــر الخمــــــــــــــر



ولم يكن تشوق الزائرين إلى الخمر أقلَّ من تشوق الخمار إلى زيارتهم ، فما أن يدخلوا حتى يقولوا للخمار .

فقلنا أرحنا هات إن كنت بائعا

فإنّ الدُّجى عن ملكه سيغيبُ

هذا كلّ ما قاله أبو نواس ورفاقُه للخمّار ، لا شيء منه يخرج عن الإلحاح بأن يسارع إلى بيع الخمر لهم ، وتأتي كلماتهم مصوِّرة ظمأَهم البالغ إلى الخمر ، وتحرُّق قلوبهم شوقا إليها ، وخوفَهم من أن ينبلج الصبح بنوره قبل أن يطفئوا غليلهم منها .

إن كلمة " أرحنا " تحمل إيحاءات بما يعتمل في قلوبهم من شوق جارف إلى الخمر ، ومن إحساس بحُرقة الظمأ إلي الارتواء منها ، ولا زلنا نذكر ما وصف به أبو نواس الفتيةَ الذين سرى بـهم في قوله " تنازعها نحو المدام قلوب " فهذه القلوبُ التي شُغفت بالخمر حتى غلبت أصحابها على أنفسهم لن تجد راحتها إلا في الخمر ، وجاءت كلمة " أرحنا " لتشي بأن الأمر بلغ بهم فوق ما يحتملون ، ثم تأتي كلمة " هات " أمرا آخر بتعبير أشدّ ما يكون إيجازا ، فقد حذف متعلقات الفعل – مفعولا به وغيره - ؛ فالمقام لا يسمح بمزيد كلام ، والوقت أنفس من أن يضيع في إطناب يغني عنه الإيجاز ، والمهمّ أن يعبِّروا عن إحساسهم بالشوق الشديد إلى الخمر ، وقد عبر الفعلان عن ذلك أقوى تعبير .

أما قولهم : " إن كنت بائعا " فيصور ضيقهم بالخمار ؛ ولعلّ سببَ هذا الضيق تأخَّر الخمّار عليهم بعض الوقت قبل أن يطمئن إليهم حين تناوم خوفا أن تكون سعاية .

ويأتي الشطر الثاني " فإنَّ الدُّجى عن ملكه سيغيب " مذكِّرا الخمار بضيق الوقت ، فقد قارب الليلُ الانتهاءَ ، والليلُ وقت الشُّرب ، يستر الشَّربَ بظلامه ، و فيه تنام الأعين عنهم ، فهم فيه بمأمن من أعين الرقباء ، وليس غريبا أن يؤثر الشاعر كلمة " الدجى " ؛ إذ هي تعني الظلام ، وهو ما يهمّهم من الليل ؛ فالظلمة تسترهم ، والنور يفضحهم . ويتجلى حبهم الدجى أو الظلام في هذه الصورة التي جعلت منه ملكا يتربع على عرشه ليلا ، ويغيب عن ملكه مع انبلاج الصباح " فإن الدجى عن ملكه سيغيب " .

والحث على اختلاس فرصة الليل للشرب قبل انبثاق الصباح كثير في شعر أبي نواس .

ويسارع الخمّار إلى خمرته يجلوها للندامى : لأبي نواس ورفاقه ، فإذا هي صهباء (في لونها حمرة أو شقرة ) ، تمّ نضجها ، وبلغت ذروة قوتها " تمّ شبابها " ، وآية تلك القوة وذلك الشباب التام هاته الحركة النشطة لها حين تمزج بالماء فتأخذها حركة الفوران ووثوب الفقاقيع " لها مرح في كأسها ووثوب

ثم يتابع الشاعر وصف الخمر التي جلاها الخمّار لهم ، وما بدا للندامى منها حين كشف لهم عنها ؛ فقد سطعت منها ريح طيبة كأنما هبت عليهم بنسيم عبير " بدا لها نسيم عبير ساطع " أي منتشر مرتفع ، يعبق به المكان ، ويطير إلى الأنوف ، وتكثر هذه الصفة في خمرة أبي نواس .



ع

شعــــــــــــر الخمـــــــــر



أما لون الخمرة فقد بدا للندامى حين جُلِّيت لهم " لهيبا " واللهب : لسان النار ، واللهيب : اللسان المضيء الخارج من الأجسام المحترقة . ولسان الخمر وشدة توهجه معنى يلحُّ عليه أبو نواس ، وصفة يحبّها في خمرته ، فهو يكثر من ذكرها مع تنوع في الأداء والتصوير.

ونظرة إلى الصياغة في هذين البيتين :

- نجد الفعل " أبدى " مسبوقا بالفاء ، ودلالة التعقيب والسرعة فيها هنا واضحة ومقصودة .

- ونجد التقديم في " لنا " فهو جار ومجرور قدم على المفعول به " صهباء …" وهو تقديم يتسق وما ظهر من تلهفهم إلى الخمر وإلحاحهم على الخمار كي يعجل بها .

- وكلمة " جلا " ( أظهر وكشف ) لها إيحاء جميل يلائم تشخيص الخمر في " تمّ شبابها …" ذلك أنها تؤدي معنى " جلا العروس على زوجها "، أي عرضها عليه مجلوّة ، وهو معنى لا نخطئه في خمريات أبي نواس .

بإخراج الخمر إلى أبي نواس ورفاقه وبيعها إياهم ينتهي دور الخمار ، ويسدل عليه الستار ؛ حيث تبدأ مرحلة جديدة من مراحل هذه الرحلة ، هي مرحلة (احتساء الخمر ) . وجليٌّ أنها تمثل غاية الرحلة فكل ما سبق من حديث عن الخمر ، وما لها من قوة في السبي والسلب ، وما تدع من أثر في شاربيها ، وما تتحلى به من صفات ، وما يعتمل في نفوس الفتية من نزوع غالب إليها ، وما كابدوه من مشقة الرحلة ، وما كان لهم مع الخمار - كل هذا كان تعبيرا قويا عن الرغبة العارمة في الوصول إلى الخمر ، في بلوغ هذه المرحلة التي تعد تتويجا لكل ما سبق ، ونهاية سعيدة تريح من تعب ، وتروي من ظمأ .

لكن الخمر ، هذه الحبيبة الآسرة ، والعروس المجلوّة ، ذات العبير الساطع ، والنور الوهّاج حقيقةٌ بأن يُحتفَل بـها ، وبأن تُزَفّ إلى مُحِبِّيها على أنغام الموسيقا ، وترنيمات المغنين ، ومتع الجمال . وكان كل هذا في مجلس الشراب الذي أقيم على شرف الخمر احتفاءً بها

ع

شعــر الخمـــــــــــــر
ولنستمع إلى شاعر الخمرة الأكبر فنرى كيف صور هذا المجلس , الأبيات (17- 25

في هذا المجلس تطالعنا " ذاتُ المزهر " - والمزهر من آلات الطرب - ، وقد رافقت الخمرَ حين جاء بـها الخمار ، رافقتها " تحدو بـها " ( تغني لها ) حين تقدمها إلى الندامى في مجلس الخمر .

كما يطلع علينا " محمود الجمال مقرطق " يدير كؤوس الخمر وهو يغني .

بذلك تتمّ مظاهر الاحتفاء : الموسيقى والغناء والجمال . هذا الثلاثي الذي لا يكاد مجلس خمر لآبي نواس يخلو منه ، فهي تمثِّل عناصر الاحتفاء بالخمر ، وبـها تكمل المتعة ؛ فخمرة أبي نواس ليست مجرد شراب يُحتسَى ، بل متعةًً لها شروطها وطقوسها وآدابها ، متعة متعددة الروافد ، وإن ظلت الخمر قطبَ الرحى في هذه المتعة النواسية . وما كل ما يصحبها في مجلسها من موسيقا وغناء وجمال ولهو غير احتفاء بها ، وقيام بحقها . والتزام بآدابها ، فللكأس لدى أبي نواس حقوق وآداب ألح على تسجيلها في شعره .

- ومن حقها وتمام المتعة بـها أن تُقدّم على أنغام الموسيقى وعزف الأوتار ، وأن تكون العازفةُ على قدر كبير من الجمال :

وجاء بها تحدو بها ذاتُ مزهـر

ٍ يتوق إليها الناظرون ربيـبُ

كثيبٌ علاه غصن بان إذا مشى

تكادُ له صم الجبال تنيــبُ

- ومن حقِّها كذلك أن يدير كؤوسها ساقٍ جميلُ الصُّورة والزيِّ والصَّوت ، ماهرٌ في تقديم الخمر ، حذِقٌ في الغناء ، أو كما صوره أبو نواس بقوله :

وأقبل محمودُ الجمال مُقَرْطَــقٌ

إلى كأسها لا عيبَ فيه أريـبُ

يشمُّ النَّدامَى الوردَ من وجناتـه

فليس به غيرُ الملاحة طيــبُ

فما زال يسقينا بكأسٍ مُـجِدَّةٍ

تُوَلِّي وأخرى بعد ذاك تـؤوبُ

وغنى لنا صوتا بلحن مرجَّـع

" سرى البرقُ غربيًّا فحنَّ غريبُ "

إن الجمالَ عنصرٌ أساسيٌّ ، يوليه الشاعر قدرا كبيرا من الاهتمام :

فالحادية ذاتُ المزهر يتوق إليها الناظرون ، تُعُهِّدت وأُحسِن تربيتها حتى أدركت ونضجت فهي " ربيب " ، وهي ممتلئة الأرداف " كثيب " ،وهي ممشوقة القدّ " علاه غصن بان " ، إذا مشت برزت محاسنها حتى إنـها لتفتن كل من رآها " إذا مشى تكاد له صمُّ الجبال تُنيب " .

والساقي المغنِّي محمودُ الجمال ، لا عيبَ فيه ، يستغني بملاحته عن الطيب ، مُوَرَّدُ الوَجَنات ، مقرطق ( لابس القرطق ) وهو لباس فارسي كان شائعا في ذلك الحين. .

بذلك تتنوع متعة الندامى : من نظرٍ إلى الجمال ( يتوق إليها الناظرون ) وشمٍّ لطيب الوجنات حين تقبيلها (يشمّ الندامى الورد من وجناته " وسماعٍ للموسيقا (تحدو بـها ذات مزهر ) .

ومن المهم ألا ننسى أن كل هذه المتع لم تكن إلا احتفاءً بالخمر ، وأداءً لحقها ، وقياما بآدابـها ؛ إن الخمر أساس هذا المجلس النواسي ، وقطب هاتيك المتع : فهذه الجارية الجميلة ما حضرت المجلس إلا لتحدو بالخمر وتزفَّها في موكب جمالي ، وهذا الغلامُ الأريبُ جميلُ الجسم والشكل والصوت قد اختير هكذا ليسقيَ الخمر ويدير كؤوسها بمهارة ، ويغنِّي لها ولشاربيها غناءً يغريهم بمعاودة الشُّرب ويضاعف متعتهم .

وبذلك وجدنا أن الفعلَ الأساسَ لذات المزهر وللغلام خدمةُ الخمر ، والقيامُ بحقِّ مجلسها ، وتقديمُ المتعة لشاربيها : فالجارية ذات المزهر تحدو بها ، والغلام لا يزال يسقي فتيتها ويغنىِّ لهم .

وأما أثر الغناء على الندامى فيصوره قول أبي نواس :

فمن كان منّا عاشقا فاض دمعه

وعاوده بعد السرور نحيــبُ

فمن بين مسرورٍ وباكٍ من الهوى

وقد لاح من ثوب الظلام غيوبُ

لقد حرّك المغنِّي بصوته ولحنه وأبيات غنائه – وكانت عن الغربة والحنين إلى الحبيب – كامنَ الشوق ولاعجَ الحبّ فيمن كان صاحبَ ذكرياتِ هوى وماضيَ غرام ، لا غرو أن اشتد بـهم الوجد : ففاضت دموعهم ، وعلا نحيبهم ، وبدا ما كانوا يكتمون : فاختلطت ضحكات المسرورين بنحيب الباكين ؛ وما هذا الأثر البالغ للغناء إلا آية حذق المغني وإجادتِه فنّه .

أما مجلس الخمر فقد امتدّ إلي آخر الليل حين أخذت فلولُ الظلام تغيب أمام طلائع الصباح :



فمن بين مسرورٍ وباكٍ من الهـوى وقد لاح من ثوب الظلام غيوبُ

وقد غابت الشعرى العبورُ وأقبلت

نجومُ الثريا بالصباح تَثـــوبُ

هذا هو مجلس الخمر استوفى الشاعر عناصره على مدى تسعة الأبيات الأخيرة .

ولكن ماذا عن الجانب الفني في هذه الأبيات ؟

إن كلمة " تحدو " تستحضرُ صورةَ الإبل يُغنِّي لـها الحداةُ في الصحراء يحثونهاّ على السير ، وهي صورة تضفي على الخمر الحياة ، وتوحي بتأبِّيها حتى لتحتاج هذا الُحداء ، كما أنه يرسم لتقديمها هذه الصورة الاحتفالية حين تتقدمها ذاتُ المزهر بعزفها الساحر ,

و " ذات مزهر " كناية عن الجاريةالمغنية بأخصّ صفاتـها ، وفيها دلالة على تخصّصها في هذا الفن ، فنّ الضرب على العود . أما جمال منظرها ، وفتنة جسمها ، فقد أداه باقي البيتين أداء تصويريا : فيه الكناية عن جمال المنظر " يتوق إليها الناظرون " ، والكناية عن جمال مشيتها " تكاد له صمُّ الجبال تنيبُ "، ، وفيه الاستعارة " كثيب علاه غصن بان " ، وهي صورة وإن كانت أصولها تقليدية فإنّ الشاعر أقام منها صورة جديدة ؛ حين ربط بين الكثيب وغصن البان لتغدو صورة واحدة ناقلا إياها إلى الاستعارة التمثيلية التي تختص بتصوير الهيئات .

وفي الحديث عن الغلام الساقي نجد كناية عنه بصفاته : فهو "محمود الجمال … "

وتشبيه الوجنات بالورد قديم ، لكن الصورة هنا لا تخلو من طرافة ؛ فقد رأينا الندامى يشمون الورد من وجنات هذا الغلام ؛ ذلك أنه حين أضاف الندامى إليها فجعلهم يشمون الوجنات كمن يشم الورد أحالها صورة مركبة أشبه ما تكون باللوحة ، إلى جانب أنه بذلك أكّد شبه الوجنات بالورد ، ثم إن الفعل " يشم " يتسع بوجه الشبه فلا يبقى محصورا في شكل الورد ، بل يتجاوزه إلى رائحة الورد وطيبه .

وكان الشطر الثاني " فليس به غير الملاحة طيب " احتراسا موفقا ، أزال لبس أن تكون رائحة الورد في الوجنات أثرا لمساحيق وضعها الغلام على وجهه . إن هذا الشطرجاء ليبين أن طيب هذه الوجنات لا مصدر له سوى الملاحة والجمال .

وتتتابع الكؤوس في حركة يصورها قوله :

فما زال يسقينا بكأسٍ مجدّة

تُولِّي وأخرى بعد ذاك تؤوبُ

فنحن هنا مع كأس تولِّي ، وأخرى تعود ، في تشخيص للكأس ، وتصوير حيّ لتلك الحركة الدؤوب في تتتابع الشرب ، وصور الكؤوس : ترجع فارغة ، وتعود ممتلئة .

وتقديم الجار والمجرور " لنا ” في قوله : " وغنَّى لنا صوتا " يؤكِّد اهتمام صاحب الخمّارة والمغنِّي بـهم ؛ فهذا الغناء لهم ومن أجلهم .

ووصف الصوت بأنه " مرجَّع اللحن " شاهد بمهارة المغني وتأثير غنائه ، كما يدلّ على ما كان لأبي نواس من خبرة بأصوات الغناء وألحانه .

وتسمية الصوت المغنَّى " سرى البرق غربيُّا فحنَّ غريبُ " - في شطر بيت ، أو جزء من شطر ، أو في بيت تام - أمر دأب عليه أبو نواس عند حديثه عن المغنِّي والصّوت الذي غنَّاه ، وقد يكون هذا الصوت لأبي نواس نفسه .

وقد يكون لغيره من الشعراء : كامرئ القسي ، أو جرير ، أو ذي الرمَّة

فهذا البيت الذي سمّى به صوت الغناء هنا " خليليَّ عوجا … " مطلع قصيدة لذي الرمة.

وهذا التضمين يعكس كثرة محفوظ أبي نواس من التراث الشعري .

لكنّ هذا التضمين يمكن أن يشير إلى أمر ذي بال في صنعة أبي نواس لشعره في مثل هذه القصائد ؛ ذلك أنّ القصيدة كلها تبنى على وزن ورويّ هذا البيت المضمّن أو هذا الصوت المغنَّى ؛ أفلا يمكن أن نستنتج من هذا أنّ أبا نواس حين ينشئ مثل هذه القصيدة ينشئها وما تزال نفسه منتشية بمجلس الشراب وصوت المغنيِّ بوزنه ورويِّه ولحنه ، وأنّ هذا الصوت كان يحرك فيه وترَ الشعر ، جاذبا نغمه وموسيقاه إليه ، لتأتي القصيدة متجاوبة والصوتَ المغنَّى ، يجمعهما وزن واحد ورويّ واحد . وهو استنتاج يدعمه ما عرف عن أبي نواس من أنه كان يصنع الشعر بعد أن يشرب ويصبح في حال بين الصاحي وال ؛ " قيل له : كيف عملك حين تصنع الشعر ؟ قال : أشربُ حتّى إذا ما كنت أطيب ما أكون نفسا بين الصاحي وال صنعتُ ، وقد داخلني النشاط ، وهزّتني الأريحيّة "

ومن الكلمات الدالة في هذا السياق قول "ت . س . إليوت ) : " ربما مالت قصيدة أو قطعة من قصيدة إلى أن تتحقق أولا بوصفها إيقاعا معينا قبل أن تصل إلى التعبير في كلمات ، وأن هذا الإيقاع يمكن أن تولد منه الفكرة والصورة "


وتفصيل الشاعر أثر الغناء حتّى ليختلف أثره في العاشق عن أثره في المعشوق آية على الدقة في رسم الصورة والحرص على الصدق والواقعية ، حتى لينقل جوانب الصورة وجزئيّاتـها بمختلف الظلال والألوان ، فنرى فيها المسرور الضاحك والحزين الباكي .


ويبرز التصوير قويّ الحضور في التعبير عن وقت الغناء ، حيث امتدّ زمن المجلس ليشهد انقشاع ظلام الليل وانبلاج نور الصباح ، وقد عبّر عن هذا المعنى بثلاث صور :

الأولى : في قوله : " وقد لاح من ثوب الظلام غيوب " حيث جعل الظلام ثوبا ، وهي صورة تتلاءم وإحساسه تجاه الظلام ، فهو ساتر حبيب إلى نفسه ، يمارس في كنفه ما تـهوى نفسه من فنون اللهو وضروب المجون ، ولا زلنا نذكر قوله للخمار : " فإنّ الدجى عن ملكه سيغيب " وما فيها من صورة ملكية للدجى وإشفاق من أن يغيب عن ملكه .

وفي البيت الأخير :

وقد غابت الشعرى العبورُ وأقبلت

نجومُ الثريّا بالصباح تثــوبُ

تلتقي صورتان : صورة الشعرى العبور وقد غابت وغاب معها ظلام الليل ، وصورة نجوم الثريا ، وقد أقبلت وأقبل معها نور الصباح ، وفيهما إلى جانب المقابلة تشخيص الشعرى والثريّا ، وشاهد بثقافة أبي نواس الفلكية ؛ حتّى ليربط كلّ كوكب بوقته في مغيبه أو طلوعه



ع

ديــــــــــــــــــــــــــــــــــــوان أبي نــــــــــــــــواس
ع
ديــــــــــــــــــــــــــــــــــــوان أبي نــــــــــــــــواس


القصيـــــــــــــــــدة الأولــــــــــــــــــــــــــــى



[POEM="type=1 bkcolor=#FF0033 color=#FFFF00 font="bold large Tahoma, Verdana, Arial, Helvetica, sans-serif""]فَديتُكَ جِسمي كانَ أَحمَلَ لِلشَكوى
وَكانَ عَلَيها مِنكَ يا سَيِّدي أَقوى
فَدَيتُكَ لَم أَنصِفكَ إِذ أَنتَ لابِسٌ
شِعاراً مِنَ الحُمّى وَلَم أَلبِسِ الحُمّى
فَدَيتُكَ لَو أَنَّ الَّذي بِكَ يُفتَدى
بِدُنيايَ لَم أَذخَركَ شَيئاً مِنَ الدُنيا[/POEM]




[/SIZE][/COLOR]
ع
[POEM="type=1 title="شَجاني وَأَبلاني تَذَكُّرُ مَن أَهوى" bkcolor=#FFFF66 color=#FF0000 font="bold medium Tahoma, Verdana, Arial, Helvetica, sans-serif""]شَجاني وَأَبلاني تَذَكُّرُ مَن أَهوى
وَأَلبَسَني ثَوباً مِنَ الضُرِّ وَالبَلوى
يَدُلُّ عَلى مافي الضَميرِ مِنَ الفَتى
تَقَلُّبُ عَينَيهِ إِلى شَخصِ مَن يَهوى
وَما كُلُّ مَن يَهوى هَوىً هُوَ صادِقٌ
أَخو الحُبِّ نِضوٌ لا يَموتُ وَلا يَحيا
خَطَبنا إِلى الدَهقانِ بَعضَ بَناتِهِ
فَزَوَّجَنا مِنهُنَّ في خِدرِهِ الكُبرى
وَمازالَ يُغلي مَهرَها وَيَزيدُهُ
إِلى أَن بَلَغنا مِنهُ غايَتَهُ القُصوى
رَحيقاً أَبوها الماءُ وَالكَرمُ أُمُّها
وَحاضِنُها حَرُّ الهَجيرِ إِذا يُحمى
لِساكِنِها دَنٌّ بِهِ القارُ مُشعَرٌ
إِذا بَرَزَت مِنهُ فَلَيسَ لَها مَثوى
يَهوديَّةُ الأَنسابِ مُسلِمَةُ القُرى
شَآمِيَّةُ المَغدى عِراقِيَّةُ المَنشا
مَجوسِيَّةٌ قَد فارَقَت أَهلَ دينِها
لِبِغضَتِها النارَ الَّتي عِندَهُم تُذكى
رَأَت عِندَنا ضَوءَ السِراجِ فَراعَها
فَما سَكَنَت حَتّى أَمَرنا بِهِ يُطفى
وَبَينا نَراها في النَدامى أَسيرَةً
إِذِ اندَفَعَت فيهُم فَصاروا لَها أَسرى
إِذا أَصبَحَت أَهدَت إِلى الشَمسِ سَجدَةً
وَتَسجُدُ أُخرى حينَ تَسجُدُ لِلمَسرى
أُميتَت بِلَذّاتِ الكُؤوسِ نُفوسُهُم
فَأَنفُسُهُم أَحيا وَأَجسادُهُم مَوتى
وَساقٍ غَريرِ الطَرفِ وَالدَلِّ فاتِنٍ
رَبيبِ مُلوكٍ كانَ والِدُهُم كِسرى
حَثَثنا مُغَنّينا عَلى شُربِ كَأسِهِ
فَتُدرِكُهُ كَأسٌ وَفي كَفِّهِ أَخرى
فَأَمسَكَ ما في كَفِّهِ بِشِمالِهِ
وَأَوما إِلى الساقي لِيَسقِيَ بِاليُمنى
فَشَبَّهتُ كَأسَيهِ بِكَفِّيهِ إِذ بَدا
سَراجينِ في مِحرابِ قَسٍّ إِذا صَلّى
أَديرا عَليَّ الكَأسَ تَنكَشِفِ البَلوى
وَتَلتَذُّ عَيني طيبَ رائِحَةِ الدُنيا
عُقاراً كَأَنَّ البَرقَ في لَمَعانِها
تَجَلّى لِأَبصارٍ فَكادَت بِهِ تَعمى
إِذا ما عَلاها الماءُ خِلتُ حَبابَها
تَفاريقَ دُرٍّ في جَوانِبِها شَتّى
فَتَزدادُ عِندَ المَزجِ طيباً كَأَنَّها
إِشارَةُ مَن تَهوى إِلى كُلِّ ما تَهوى[/POEM]
ع

ديـــــــــــــــوان أبي نواس



القصيــــــــــــــــدة الثالثة

[POEM="type=0 color=#CC3366 font="bold large Tahoma, Verdana, Arial, Helvetica, sans-serif""]مَن سَبَّني مِن ثَقيفٍ
فَإِنَّني لَن أَسُبَّه
أَبَحتُ عِرضي ثَقيفاً
وَلَطمَ خَدّي وَضَربَه
وَكَيفَ يُنكَرُ هَذا
وَفيهُمُ لي أَحِبَّه
لَأوسِعَنَّ بِحِلمي
عَبدَ الحَبيبِ وَكَلبَه
وَلا أَكونُ كَمَن لَم
يوسِع لِمَولاهُ قَلبَه
فَقامَ يَدعو عَلَيهِ
وَيَجعَلُ اللَهَ حَسبَه[/POEM]
ع
ديوان أبي نـــــــــــــــــــــــــواس

القصيدة الرابعــــــــــــــة



[POEM="type=2 bkcolor=#000000 color=#FFFFFF font="bold large Tahoma, Verdana, Arial, Helvetica, sans-serif""]سَأَلتُها قُبلَةً فَفِزتُ بِها
بَعدَ اِمتِناعٍ وَشِدَّةِ التَعَبِ
فَقُلتُ بِاللَهِ يا مُعَذِّبَتي
جودي بِأُخرى أَقضي بِها أَرَبي
فَاِبتَسَمَت ثُمَّ أَرسَلَت مَثَلاً
يَعرِفُهُ العُجمُ لَيسَ بِالكَذِبِ
لا تُعطِيَنَّ الصَبِيَّ واحِدَةً
يَطلُبُ أُخرى بِأَعنَفِ الطَلَبِ[/POEM]
ع
ديــــــــــــــوان أبي نـــــــــــــــواس


[POEM="type=1 bkcolor=#CCCC00 color=#993333 font="bold large Tahoma, Verdana, Arial, Helvetica, sans-serif""]إِذا غادَيتِني بِصَبوحِ عَذلٍ
فَشوبيهِ بِتَسمِيَةِ الحَبيبِ
فَإِنّي لا أَعُدُّ العَذلَ فيهِ
عَلَيكِ إِذا فَعَلتِ مِنَ الذُنوبِ
وَما أَنا إِن عَمِرتُ أَرى جِناناً
وَإِن بَخِلَت بِمَحبوسِ النَصيبِ
مُقَنَّعَةٌ بِثَوبِ الحُسنِ تَرعى
بِغَيرِ تَكَلُّفٍ ثَمَرَ القُلوبِ


[/POEM]
X