شعر الخمر
حديث الشعراء عن الخمر ليس وليد العصرالعباسي ، فقد وجدناه عند شعراء جاهليين كالآعشى ، وأمويين مثل الأخطل والوليد بن يزيد ، لكنه كان يأتي عندهم لمحات سريعة لا يتوقف عندها الشاعر كثيرا ، في أبيات تنتمي إلى غرض آخر مثل الفخر أو المدح أو الحماسة ، لكن الجديد في العصر العباسي هو زيادة اهتمام الشعراء بها : فأفردت لها القصائد وأصبحت غرضا شعريا مستقلا ، فقد وقف الشعراء عندهاوقفات طويلة في تتبع لكل ما يتصل بها بدءا من الحديث عن كرمتها إلى تصوير آثارها في محتسيها ، مرورا بوصفها ووصف شاربيها وبائعيها وتصوبر مجالسها بما اقترن بها من غناء ومجون ، ووكان لأبي نواس الحسن بن هانئ الدور الأكبر في إزدهار هذا الشعر وتطوره لا لكثرة ماقال فيه فقط ، وإنما لما أبدع في معانيه ، وجدد في أساليبه ، حتى استحق أن يطلق عليه شاعر الخمر الأكبر .
وسوف نقف مع إحدي خمرياته في محاولة للتعرف على أهم ما يميز شعره الخمري .
أبو نواس الحسن بن هانئ ، الشاعر العباسي الذي شاعت سيرته في عصره وبعد عصره ، ارتبط اسمه باللهو والمجون والخمر من ناحية ، وبالتجديد في الشعر العربي نابذا التقليد ، وداعيا إلى أن يكون الشاعر صادقا مع نفسه معبرا عن واقعه وظروف حياته من ناحية أخرى ؛ وما ثورته على المقدمة الطللية الموروثة عن الشعر الجاهلي إلا مظهر واحد من مظاهر هذا التجديد .
لقد توفرت عوامل عدة كان لها تأثيرها في شخصية أبي نواس إنسانا وشاعرا .
وساعدت ظروف نشأته على أن يبلغ في هذا الاتجاه غايته ؛ فقد توفي أبوه وهو صغير ، وتولت أمه تربيته
و لم تلبث أن دفعت به إلى عطار بالبصرة يبري له أعواد البخور
، ثم كان أن تزوّجت برجل من أهل البصرة ؛ لتنقطع تلك الصلة الضئيلة التي كانت تربطها بابنها ؛ فقد انصرفت عنه إلى زوجها ونفسها ، واسغرقتها حياتها الطارئة .
كان في أبي نواس ذكاء مبكر ولديه رغبة قوية في العلم ، فكان بعد انتهاء عمله لدى العطار يذهب إلى الكتاب ويرتاد مجالس العلماء ، وكانت كثيرة بالبصرةتزخر بـها مساجد ها ومربدها . وشاءت ظروف الغلام أن يتعرف بوالبة بن الحباب الأسدي ، وكان من أشد شعراء العصر مجونا وعربدة ، ويصحبه أبو نواس إلى الكوفة ، ليختلط بجماعته الماجنة ، ملازما لهم ، يحضر مجالسهم ، حيث يشربون ويتحادثون حول اللغة والشعر، ويُسمع كل منهم رفاقه من الشعر ما تتفتّق عنه قريحته.
ومن الكوفة يرتحل أبو نواس إلى البادية في صحبة جماعة من بني أسد ، فيقيم فيها سنة ، يأخذ اللغة من ينابيعها الأصيلة ، ويتعرف حياة العرب هناك ، ثم يعود إلى البصرة مواصلا التزوّد من ثقافتها على يد أكبر علمائها في اللغة والشعر ، ويحتكّ بعلماء الكلام ويستمع إليهم ويحاورهم ، وينهل من ثقافة العصر المتنوّعة : عربيّةً وفارسيّةً ويونانية وهنديّةً ، إسلاميّةً ومسيحيّةً ويهودية ومجوسية .