الشاعر إبراهيم ناجي (شاعر الأطلال)

لوليكي 16-05-2012 243 رد 101,900 مشاهدة
ل



*** ذنبــــي ***



أيكون ذنبي أن رفعتُك ***** وارتفعت إلى السماءْ؟

وعلى جناحك أو جناحي ***** قد رقيتُ إلى الصفاءْ

إن كان حقّاً أو خيالاً ***** فهو وَثْبٌ للضياءْ

وتحرُّرٌ مما جناه ***** طينُ آدم في الدماءْ

أيكون ذنبي أن جعلتُكِ ***** فوق عرش من سناءْ

وجثوت في محراب قُدْ ***** سكِ عابداً هذا الرُّواءْ

أيكون ذنبي أنني ***** بك أحتمي من كل داءْ

وأراك عافيتي فأضْرعُ ***** طالباً منكِ الشفاءْ

أيكون ذنبي أن أراك ***** لخاطري قَبَساً أضاءْ

وأُحسُّ وحيَكِ من علٍ ***** لي دون أهل الأرض جاءْ

أيكون ذنبي أن يُناط ***** بك التعلُّل والرجاءْ

وإليك شكوى القلبِ نجوى ***** الروحِ أجمع النداء

أيكون ذنبي أن أحبّكِ ***** لي من الدنيا وقِاءْ

فإذا رضيتِ فإن نعمَتَها ***** ونقمتَها سواءْ؟

أيكون ذنبي .. أي ذنب ***** صار لي إلا الوفاءْ

إنّي عشقتكِ ما طلبتُ ***** على محبّتيَ الجزاءْ

مَن همُّه هَمّي سيحمل ***** من حبيبٍ ما يشاءْ

ولقد يُساءُ فما يرى ***** من حُبِّه أحداً أساءْ

قد كان عندي عزَّةٌ ***** بصبابتي ولي احتماءْ

إن لانَ عودي للخطوبِ ***** شدَدتِ أزري باللقاءْ

أنسيتِ كيف نسيتِ يادنيا ***** على الدنيا العفاءْ!

يا للهوى لا صُبح لي ***** ألاّ هواكِ ولا مساءْ

أشوامخُ الأحلامِ والمثلُ ***** الرفيعةُ كالهباءْ؟

ل



*** الطائر الجريح ***



أيُّ جوادٍ قد كبا ***** وأيُّ سيفٍ قد نبا

تعجبتْ زازا وقد ***** حقَّ لها أن تعجبا

لما رأتْ فيَّ شحوب ***** الشمسِ مالت مغربا

وهي التي زانت مشيبي ***** بأكاليل الصِّبا

وهي التي قد علّمتْني ***** حين ألقى النُّوبا

كيف أُداري النابَ إن ***** عضَّ وأخفي المخلبا

لاقيتُها أرقصُ بشراً ***** وأُغنيّ طربا

وهي التي تهتك سِتْرَ ***** القلبِ مهما انتقبا

لا مُغلقاً تجهله ***** يوماً ولا مُغَيّبا

في فطنةٍ تومضُ حتّى ***** تستشفَّ ما خبا

رأتْ وراء الصدرِ طيراً ***** قلِقاً مضطربا

في قفصٍ يحلمُ بالأفقِ ***** فيلقى القُضُبا

إنَّ زماناً قد عفا ***** وإنَّ عمراً ذهبا

وصيّرتْهُ طارقاتُ ***** السقمِ وَقراً متعبا

ورنَّقتْ موردَهُ ***** أنّى له أن يَعُذبا؟

إني امرؤٌ عشت زماني ***** حائراً معذَّبا

عشت زماني لا أرى ***** لخافقي منقلبا

مسافراً لا قوم لي ***** مبتعداً مغتربا

مشاهداً عَلِّيَ في ***** مسرحِهِ أن ارقبا

رواية مُلَّت كما ***** مُلَّ الزمانُ معلبا

وظامئاً مهما تُتَحْ ***** موادٌ أن أشربا

وجائعاً لا زادَ في ***** دناي يشفي السغبا

فراشة حائمة ***** على الجمال والصبا

تعرَّضت فاحترقت ***** أُغنية على الربى

تناثرت وبعثرت ***** رمادها ريح الصّبا

أمشي بمصباحي وحيداً ***** في الرياح متعبا

أمشي به وزيتُه ***** كاد به أن ينضبا

وشد ما طال الصراع ***** بيننا واحربا

ريحُ المنايا تقتضيني ***** نسماتي الخُلّبا

وليس بالأحداث فيما ***** قيل أو ما كتبا

كالعمر والسقم إذا ***** تحالفا واصطحبا

لولاكِ ما قلت لشيء ***** في الوجود مرحبا

ولم أَجد ركناً غنّياً ***** بالحنانِ طيِّبا

أنتِ التي أقمت مر ***** فوعَ البناءِ من هَبا

وإنني الصخرُ الذي ***** أردتِ أن لا يُغلبا

ويضرب البحرُ عليه ***** موجَه منتحبا

علمتِ يأسي وجنوني ***** وجهلتِ السببا

يا أملي إنك يأسُ ***** القلبِ مهما اقتربا

يا كوكباً مهما أكن ***** من بُرجه مقرَّبا

فإنه يظل في السَّمْتِ ***** البعيدِ كوكبا

وأين منّي فلكٌ ***** قد عزّني مطَّلبا

ليس إلى خياله ***** إلا السهاد مركبا

أستبطئُ الريحَ له ***** وأستحثُّ الكتبا

ولو طريق حبّه ***** على القتاد والظُّبا

وقيل للقلب هنا الموتُ ***** فعُدْ تسلم أبى

إني امرؤٌ عشتُ زماني ***** حائراً معذّبا

لا أحسِب الأيام فيه ***** أو أعُدُّ الحِقبا

ضقتُ بها كيف بمن ***** ضاق بها أن يَحسبا

تغيّرتْ واختلفتْ ***** وسائلاً ومطلبا

وارتفعتْ وانخفضتْ ***** طرائقاً ومأربا

ساوت على الحالين حُمْلاناً ***** بها وأذؤُبا

وشاكلتْ لناظري ***** سهولَها والهُضُبا

دخلتها غِرّاً وعدت ***** فانياً مجرِّبا

لا أسأل الأيام عن ***** أعمالها معَقِّبا

إن كان هذا الدهر فيما ***** جرَّه قد أذنبا

فإنه تاب وأدَّى ***** وعدَهُ المرتقبا

لقاكِ ماحٍ للذنوب ***** كيف لي أن أعتبا

ضممتُ عطْفيْكِ غداة ***** الروع أبغي مهربا

كم خفتُ من أن تذهبي ***** وخفتِ من أن أذهبا

كأن طفلاً خائفاً ***** في أضلعي حلَّ الحُبى

يضرب ما اسْتطاع على ***** جدرانها أن يضربا

يكافحُ الأمواجَ أو ***** يصرعُ جيشاً لجبا

إن بَعُد الشطُّ فقد ***** آن له أن يقرُبا

أنتِ الحياةُ والنجاةُ ***** والأمانُ المجتبى


ل


*** القمـــــــــــة ***



يا أيُّها العالي الغفورُ الصفوحْ ***** هل ترحم القمَّةُ ضعْف السُّفوحْ

تاجُك في النور غريقٌ وفي ***** عرشك غنَّى كل نجمٍ صَدُوحْ

وأين هامات الربى نُكِّسَتْ ***** من هامةٍ فوق مُنيفِ الصُّروحْ؟

وأين أوراقٌ خريفيّةٌ ***** أرْجَحَها الشكُّ فما تستريحْ

من باسقٍ راسٍ به خضرَةٌ ***** ثابتةُ الرأي على كل ريحْ

بَرئتَ من هذي الوهادِ التي ***** نَغْدُو على أنّاتِها أو نروحْ

وأين في مبتسمات الذرى ***** برق الأماني من وميض الجروحْ؟

أصخْ لهذي الأرضِ واسمعْ لما ***** تشكو، لمن غيرك يوماً تبوحْ؟

تطفو على طوفان آلامها ***** وأين في آلامها فُلْكُ نوح

أروع شيءٍ صامتٍ في العُلى ***** أفصح مفْضٍ بالبيانِ الصّريحْ

يُعيِّر الأرضَ إذا أظلمتْ ***** بما على مفرقِه من وضوح

هل تسخرُ الحكمةُ مما بنا ***** من نزواتٍ وعنانٍ جَموحْ

حمقى، قُصارى كل غاياتنا ***** عزمٌ مَهيضٌ وجناحٌ كسيحْ

أُعيذ عدل الحقِّ من ظلمنا ***** فكم على القِيعان نسْر جريحْ

ونازحٌ من قممٍ في علٍ ***** أوطانُه كل سموقٍ طروح

أنت له كل الحِمى المرتجى ***** وكلُّ مبغاه إليك النزوحْ

ما النسر إلاّ راهبٌ في العُلى ***** محرابُه وجهُ السماءِ الصبيحْ

وقلبُها السَّمْح فما حطَّه ***** على الثرى الجهم الدميمِ الشحيحْ

على الثرى حيث تسابيحُه ***** نوح الحزانى ونداء القروحْ

مبتهلٌ باك بدمع الأسى ***** على الليالي وسقيم طريحْ

ما أتعس الأرضَ بعُبَّادها ***** تبْهِجُ من أخلاطِهم ما تُبيحْ

قد أنكرَ الهيكلُ زوَّارَه ***** وأصبح الديرُ غريبَ المُسوحْ

لم يعرف الجسمُ خلاصاً به ***** من كدرةِ الطين ولم تنجُ روحْ

يا سيِّد القمّةِ أنصِتْ لنا ***** لا يعرفُ الإشفاقَ قلبٌ مُشيحْ

وانظرْ إلى السِّكين في ساحةٍ ***** قد زمجرتْ فيها دماء الذَّبيحْ

واسكبْ نَدَى الحبِّ بأفواهِنا ***** كم من بَكِيٍّ وظَمِيٍّ طليحْ

فربما يُشرقُ بعد الضّنى ***** وجهٌ مليح وزمانُ مليحْ!


ل


*** أيها الغائب ***


أيها الغائبُ العزيزُ النائي ***** فَسَدَتْ ليلتي وضاع هنائي

قَمَري أنت ليس لي منك بدٌّ ***** في اعتكار السحائبِ السّوداءِ

هذه الشُّرْفةُ التي جمعتنا ***** يا حبيبي بوجهِك الوضّاءِ

سألتْ عنك فالتفتُّ إليها ***** وبنفسي كوامنُ البُرَحَاءِ

قائلاً صَهْ! باللهِ لا تسأليني ***** فكلانا من دوِنها في عناءِ

أين ذاك الوجهُ الذي يُرسلُ النورَ ***** ويُوحِي إشراقُه بالصّفاءِ؟


ل



*** أيــــن غـــــــد ***



يا قاسيَ البعدِ كيف تبتعدُ ***** إني غريبُ الفؤادِ منفردُ

إن خانني اليومُ فيك قلت غداً ***** وأين منّي ومن لقاكَ غدُ؟

إنَّ غداً هوَّةٌ لناظرها ***** تكاد فيها الظنونُ ترتعدُ

أُطلُّ في عمقها أُسائلها ***** أفيك أخفى خاليه الأبدُ؟

يا لامسِ الجرحِ ما الذي صنعتْ ***** به شفاهٌ رحيمةٌ ويدُ؟

ملء ضلوعي لظىً وأعجبه ***** أني بهذا اللهبِ أبتردُ

يا تاركي حيث كان مجلُسنا ***** وحيث غنّاك قلبيَ الغردُ

أرنو إلى الناسِ في جموعهمُ ***** أشقتهمُ الحادثاتُ أم سعِدوا

تفرَّقوا أم همُ بها احتشدوا ***** وغوَّروا في الوهادِ أم صعدوا؟

إني غريبٌ تعال يا سكني ***** فليس لي في زحامهم أحدُ!


ل


*** شــــــــك ***



تَشُكِّين في حبِّي؟ لك الحقُ إنني ***** جديرٌ بهذا الظُّلم والريبِ والشّكِّ

خليقٌ بأن تَنْسي هوايَ فتنطوي ***** سعادةُ أيامي التي ذُقتُها منكِ

إذا أنا لم أذْكركِ في كل لحظةٍ ***** وقصّرتُ لم أسألْ ثوانِيَهَا عنكِ

إذا أنا لم أبْذلْ شجايَ وعبْرَتي ***** على كل وقتٍ ضائعٍ كنتُ لا أبكي

فلا حبَّ عندي أستلذُّ به الجوى ***** بما فيه من سقمٍ وما فيهِ من ضنكِ

أليلايَ حُبِّي فيك حُبُّ مُوَحِّدٍ ***** تَنزَّهَ عن ريبٍ وجلَّ عن الشِّركِ

تبقّى بقاء القلب ينبضُ دائماً ***** وليس لسلوانٍ وليس إلى تركِ


ل


*** ليـــلة ***



وليلةٍ بات من أهوى ينادمني ***** ما كان أجمله عندي وأجملها

بتنا على آيةٍ من حسنه عجَبٍ ***** كتابه من خفايا الخلدِ أنزلها

إذا تساءلتَ عمّا خلَف أسطرها ***** رنا إليَّ بعينيه فأوَّلها

مصوِّباً سهمه مُستشرقاً كبدي ***** مستهدفاً ما يشاء الفتك مقلتها

يا للشهيدة لم تعلم بمصرعها ***** ما كان أظلم عينيه وأجهلها

حتى إذا لم يدَعْ منها سوى رمق ***** عدا على الرمق الباقي فجندلها

وصدَّ عنها وخلاّها وقد دمِيَتْ ***** في قبضةِ الموتِ غشّاها وظللها

وحان من ليلة التوديعِ آخرها ***** وكان ذاك التلاقي الحلو أوَّلها

ضممْتها لجراحاتي التي سلفتْ ***** إلى قديمِ خطايا قد غفرتُ لها!


ل


*** في الباخرة ***




أحبُّ أجلْ أحبُّ كأن نبعاً ***** سماويّاً تفجّر في دمائي

لقد طاب الوجودُ بحالتيه ***** شقائي فيك أجمل من هنائي

وليلي فيك أحسن من نهاري ***** وصبحي فيك أجمل من مسائي

فمفترقان فيه إلى لقاء ***** وملتقيان حتى في التنائي

أميمةُ إن عمرَ الحبِّ حقاً ***** لأعجب آية تحت السماءِ

فما أدري لأيهما ثنائي ***** ثوانيه السِّراع أم البطاءِ

أهذا الحلم يمضي شبه لمحٍ ***** أم الأبدُ المديدُ بلا انتهاءِ؟

أتفكيري هناك أم انتظاري ***** لأروعِ هالةٍ حولَ البهاءِ

وأزهى من تثنَّى في حُلِيٍّ ***** وأبهج من تهادى في رداءِ

وأسنى من تخطَّر في دلالٍ ***** وأطهر من تعثرَ في حياءِ

سيذكر ملتقانا النيلُ يوماً ***** غداة تُعَدُّ أيامَ الصفاءِ

وحيدٌ غير أني في زحامٍ ***** من الآمالِ تترى والرجاءِ

إلى أن لاح عرشُ النورِ مني ***** قريباً والهلالُ إلى اعتلاءِ

فمؤتلقٌ على أفقٍ بعيدٍ ***** ومنعكس على فضِّيِّ ماءِ

كذلك أنت في فكري وروحي ***** سناك مع الهلال على سواءِ

وطيفٌ عبقريٌ في خيالي ***** وحيد الذّات مختلف الرُّواءِ!


ل

*** سر بي ***



أحبك فوق ما عشقتْ قلوبٌ ***** ولا أدري الذي من بعدِ حبي

وأعلم أن كُلِّي فيك فانٍ ***** وعيني فيك ذائبةٌ وقلبي

وأعلم أن عندك من يُنادي ***** خفيّاً هاتفاً وأنا الملبي

وأعلم أن حبي ليس يشفي ***** وبعدي ليس يُجديني وقربي

ولما لم أجدْ للحبِّ حلاّ ***** هتفتُ به كما يرضيك سِر بي!

وخذني حيث هند لا تسلني ***** لأية غايةٍ ولأيِّ دربِ!
ل


*** الفراق ***



يا ساعة الحسرات والعبرات ***** أعصفت أم عصف الهوى بحياتي؟

ما مهربي ملأ الجحيم مسالكي ***** وطغى على سُبُلي وسد جهاتي

من أي حصن قد نزعت كوامنا ***** من أدمعي استعصمن خلف ثباتي

حطمت من جبروتهن فقلن لي ***** أزف الفراق فقلت ويحك هاتي!

***

أأموت ظمآناً وثغرك جدولي ***** وأبيت أشرب لهفتي وولوعي

جفًّت على شفتي الحياة وحلمها ***** وخيالها من ذلك الينبوع

قد هدَّني جزعي عليك وأدّعى ***** أني غداة البين غير جزوع

وأريد أشبع ناظري فأنثني ***** كي أستبينك من خلال دموعي؟

***

هان الردى لو أن قلبك دار ***** أأموت مغترباً وصدرك داري؟

يامن رفعت بناء نفسي شاهقاً ***** متهلل الجنبات بالأنوار

اليوم لي روحٌ كظلٍ شاحبٍ ***** في هيكل متخاذل الأسوار

لو في الضلوع أجلت عينك أبصرت ***** منهارةً تبكي على منهار!

***

لا تسألي عن ليل أمس وخطبه ***** وخذي جوابك من شقي واجم

طالت مسافته عليَّ كأنها ***** أبد غليظ القلب ليس براحم

وكأنني طفلٌ بها وخواطري ***** أرجوحةٌ في لجّها المتلاطم

عانيتها والليل لعنة كافرٍ ***** وطويتها والصبح دمعة نادم


ل



*** ليـــــلة العيـــــد ***



اليوم منكِ عرفتُ سر وجودي ***** وعرفتُ من معناك معنى العيد

ماكنت بالفاني وسرك حافظي ***** وبمقلتيك ضمنت كلَّ خلودي

الآن أعرف ما الحياة وطيبها ***** وأقول للأيام طبتِ فعودي!

عاد الربيع على يديك وأشرقت ***** روحي وأورق فى ربيعك عودي!



ل



*** كذب السراب ***



البحر أسألُهُ ويسألني ***** ما فيه من ريٍّ لظامئهِ

متمرِّدٌ عاتٍ يضللني ***** كذِبُ السَّرابِ على شواطئِهِ

***

كم جال في وهمي فأرّقني ***** أربٌ وأين الفوز بالأربِ؟

وسرى بأحلامي فعلّقها ***** فوق السُّهى بلوامعِ الشهبِ

***

في يقظةٍ مني وفي وسنٍ ***** صَرْحٌ بذروِتهنَّ متّحدِ

الفجرُ والسحرُ المخضّبُ من ***** لَبِناتِهِ والقمةُ الأبدِ

***

واهاً لضافي الظلِّ ورافِهِ ***** قضّيتُ عمري في توهّمهِ

لما طلعتُ على مشارِفِهِ ***** أيقنتُ أني فوق سُلَّمِهِ

***

ومن العجائب في الهوى اثنان ***** لم يضربا للحبِّ ميعادا

ومحّيِرُ الإفهامِ لحظان ***** قَرآ كتابَهما وما كادا

***

سارا فمذ وقف الهوى وقفا ***** يتبادلان الشوقَ والشغفا

عرف الهوى أمراً وما عرفا ***** مَن ذلك الداعي الذي هتفا

***

قَدَرٌ على قدرٍ تلاقِينا ***** كلُّ الذي أدري وتدرينا

أنّا أطعناهُ مُلَبِّينا ***** من أنت؟ من أنا؟ من يُنَبِّينا؟!


ل


*** أنـــت ***


إذا كنت عارفةً وواثقةً ***** وبعمق هذا الحبّ آمنتِ

فثقي بأنكِ قِبْلتي أبداً ***** وصلاةُ روحي حيثما كنتِ

إن كان لي في الدهرِ أمنيةٌ ***** منشودةٌ أمنيَّتي أنتِ


ل



*** قيثارة الألم ***



إن حان لحنُ الختامْ ***** صار النشيدُ دعاءْ

مرّ الهوى في سلامْ ***** فلنفترق أصدقاءْ

***

سرٌّ وراء الظنونْ ***** أظلّني وأضاءْ

لم أدرِ ماذا يكونْ ***** ولم أسَلْ كيف جاءْ

***

ما بين ضحكِ الرياحْ ***** وقهقهات الغيوبْ

ولّى خيالٌ وراحْ ***** وحلَّ ظلٌّ غريبْ

***

يا ذنبُ فات المتابُ ***** لما تحطَّمَ صرحي

ما لي عليها عتابُ ***** إني أعاتبُ جرحي

***

وهذه قيثارتي ***** ذاتُ الشجى والأنينْ

وهذه أوتاري ***** أصرتِ لا تطربينْ؟

***

يا كم شدوتُ بلحني ***** ما بين حزني ودمعي

ما باله طيَّ أذني ***** لكنْ غريباً لسمعي

ل



*** حلم الغرام ***



لا حبَّ إلا حيث حلَّ ولا أرى ***** لي غير ذلك موطناً ومقاما

وطني على طول الليالي دارهُ ***** مهما نأى وهواي حيث أقاما

والأرضُ حين تضمُّنا مأهولةٌ ***** لحظاتُها معمورةٌ أيّاما

لا فرق بين شَمالِها وجنوبِها ***** فهما لقلبي يحملان سلاما

وهما لعهدي حافظان وقلّما ***** حفظ الزمانُ لمهجتين ذماما

وإذا بكيتُ فقد بكيتُ مخافةً ***** من أن يكون غرامُنا أحلاما

ولربما خطرَ النّوى فبكيتُهُ ***** من قبل أن يأتي البعادُ سجاما

ل
*** ثلاث سنين ***


ثلاث سنين أم ثلاث ليالِ ***** هي البرق أم مرَّتْ كلمحِ خيالِ؟

وما كان هذا العمرُ إلاّ صحائفاً ***** تلاشتْ ظلالاً رُحْن إثر ظلالِ

وما كان إلاّ أمس لقياك إنه ***** لأثبتُ ما خطّ الزمانُ ببالي

وما العمر إلا أنت والحب والمنى ***** وما كان باقي العمر غيرَ ضلالِ!




ل


*** عدنا وعدت ***



عُدنا وعدتِ وعادتْ ***** إن الحظوظَ أرادتْ

وبالعجائب جاءتْ ***** وما بذاك غريبَةْ

***

إن الغريبَ التنائي ***** فإن فيه شقائي

وإن أردت دوائي ***** داوي الهوى ولهيبه

***

أنت المنى والعبادهْ ***** وليس عندي زيادَةْ

يا هند هذي شهادَهْ ***** لو أنّها مطلوبَهْ

***

وأنت منّي كنفسي ***** هواك يومي وأمسي

وأنتِ جهري وهمسي ***** صديقةً وحبيبَةْ

ل


*** المقعد الخالي ***



همٌّ أناخ فما انجلى ***** وخلا مكانُك - لا خلا!

ليل الحياة وكان ليلي ***** في الهواجِسِ أطولا

كم لحظةٍ في الصدر ناشبةٍ ***** كجزّارِ الكلا

كالرَّمْسِ فارغةٍ وإن ***** حفلت بإيجاشِ البلى

في إثر أخرى لم تكن ***** إلاّ كجرداءِ الفلا

برّحْنَ بي من وحشةٍ ***** وقتلتهُن تململا

وجَنِنّ من قلقي عليك ***** وكيف لي أن أعقلا؟

قد رِشْنَ لي سهماً يحاول ***** من يقيني مقتلا

فتعرّض الماضي الجميلُ ***** بوجهِهِ متهللا

فلوى عناني فالتفتُّ ***** فلم أجد لي مَوئِلا

إلا دروع اليأسِ إنّ ***** اليأسَ أيسرَ محمِلا

يقتادني فأردُّهُ ***** عن خاطري وأقول لا!

يا هندَ إن يكُ قلبُك الوافي ***** تغيّرَ أو سلا

وحصدتُ آمالي فإنّ ***** الموتَ أرحمُ منجلا


ل



*** رحــــلة ***


نقلتُ حياتي والحياة بنا تجري ***** من الحُلمِ المعسولِ للواقعِ المرِّ

فيا منتهى فنّى إلى منتهى الهوى ***** على ذروةٍ بيضاءَ في النور والطهرِ

عرفتك عرفان السماء ولم تكنْ ***** سوى همسات النجم ما جال في صدري

وغامت خطوطُ السفحِ حتى نسيتها ***** وحتى توارى السفح من عالم الذكر

وفي القممِ الشّمّاءِ حلّقتُ حائماً ***** وأنبتُّ في أعلى شواهقها وكري

ولم يبقَ إلا أنت والجنَّةُ التي ***** زرعنا وكلّلّنا بيانعة الزهرِ

ولم يبقَ إلا أنت والنسمةُ التي ***** تهبُّ من الفردوسِ مسكيَّةَ النشرِ

ولم يبقَ إلا أنت والزورقُ الذي ***** ترنَّحَ منساباً على صفحة النهرِ

فيا منتهى مجدي إلى منتهى الغنى ***** غنىَ الروحِ بعد الضّنكِ والذلِّ والفقرِ

أعيذك أن أغدو على صخرة لَقىً ***** وكنتِ مِجَنّي في مقارعةِ الصخرِ

أعيذك بعد التاجِ والعرشِ والذي ***** تألَّقَ من ماسٍ وشعشع من تبرِ

أعيذك من ردّي إلى سَفهِ الثرى ***** وحِطَّتِه بين الأكاذيبِ والغدرِ

أعيذكِ أن تنسي ومن بات ناسياً ***** هواه فأحرى بالنُّهى عقم الفكرِ

إذا ما ذكرتِ العمر يوماً تذكري ***** هوى وزماناً لا يتاحان في العمر

فيا لك من حلمٍ عجيبٍ ورحلةٍ ***** تعدَّتْ نطاقُ الحُلمِ للأنجمِ الزُّهرِ

ويا لك من يومٍ غريبٍ وليلةٍ ***** عَفَتْ وغفتْ عن ظلمِ روحين في أسر

ويا لك من ركنٍ خَفِيٍّ وعالمٍ ***** خَفِيٍّ غنيٍّ بالمفاتنِ والسحرِ

ويا لك من أفقٍ مديد ومولدٍ ***** جديدٍ لقلبينا ويا لك من فجرِ

عرفتك عرفان الحياة أحسَّها ***** وأبصرها من كان يخطو إلى القبر

عرفتك عرفان النهار لمقلةٍ ***** مخضّبةِ الأحلام حالكةِ الذعرِ

رأت بك روحَ الفجرِ حين تبيّنتْ ***** بياض الأماني في أشعّتِهِ الحُمرِ

بيَ الجرحُ جرحُ الكونِ من قبل آدمٍ ***** تغلغلَ في الأرواحِ يَدْمي ويستشري

تولّتهُ بالإحسانِ كفٌّ كريمةٌ ***** مقدّسةُ الحسنى مباركةُ السرِّ

فإن عدتُ وحدي بعد رحلتِنا معاً ***** شريداً على الدنيا ذليلاً على الدهرِ

رجعت بجرحي فاغرَ الفمِ دامياً ***** أداريه في صمتٍ وما أحد يدري

هو العيشُ فيه الصبرُ كاليأس تارةً ***** إذا انهارت الآمالُ واليأسُ كالصبرِ

عرفتكِ كالمحرابِ قدساً وروعةً ***** وكنتِ صلاةَ القلبِ في السرِّ والجهرِ

وقد كان قيدي قيدَ حبِّكِ وحدَةُ ***** أنا المرءُ لم أخضعْ لنهيٍ ولا أمرِ

وأعجبُ شيء في الهوى قيدُكِ الذي ***** رضيتُ به صِنْواً لإيماني الحرِّ

بَرمْتُ بأوضاعِ الورى كل أمرهمْ ***** وسيلةُ محتاجٍ ومسعاةُ مضطرِّ

برمتُ بأوضاعِ الورى ليس بينهمْ ***** وشائج لم توصَلْ لغايٍ ولا أمرِ

إذا كان ما استنُّوا وما شرعوا القِلى ***** فذلك شرعُ الطينِ والحمَأ المَزري

تمرّدتُ لا أُلوي على ما تعوّدوا ***** ونفسي بهذا الشرعِ عارمةُ الكفرِ

وهبْ ملَكي الغالي الكريمَ وحارسي ***** تخلّى فما عذرُ الوفاءِ وما عذري؟

عشقتُكِ لا أدري لحبيَ مبدأ ***** ولا منتهى حسْبي بحبِّكِ أن أدري

إذا شئتِ هجراناً فما أتعس المدى ***** من النورِ للّيل المخيِّمِ للحشرِ!



ل


*** شعرة ***



وشعرةٍ خطفتُها ***** كأنني قطفتُها

ملكتُ ملكَ الدهرِ وحدي ***** حينما ملكتُها

إذا الرياحُ نازعتني ***** أمرَها ضممتُها

بقبضتيَّ خائفاً ***** إذا اعتدتْ رددتُها

وفي مكانٍ ليس في ***** بالٍ جَرى خَبَأتُها

خبأتُها حيث إذا ***** جُنَّ الهوى رأيتُها

حبستُها قرب عيوني ***** إن أشَأْ نظرتُها

كأنما في بصري ***** ومقلتي أخفيتُها

هذي لديَّ صورةٌ ***** من حالنا جلوتُها

أنت كهذي الشعرة السمراء ***** مذ عرفتُها

أقسم بالحب وهاتيك ***** السنين عشتُها

كأنني في جنّة الفردوسِ ***** قد قضيتها



X