الشاعر إبراهيم ناجي (شاعر الأطلال)

لوليكي 16-05-2012 243 رد 101,900 مشاهدة
ل



*** قسوة ***



قَسَتِ الحياةُ على الطّريدِ ***** فقم بنا نَنْعى الحياه

وقسا الحبيبُ على الغريبِ ***** فلا الدموع ولا الصَّلاهْ

فرغ الحديثُ ومن رواه ***** طُوِيَ الكتابُ فمن طواهْ؟

عجباً لهذا الحب من ***** بدءِ الزمانِ لمنتهاهْ

وقضائِهِ بين الذي ***** حفظ الوفاءُ ومن سلاهْ

قتلى الهوى لا يُذكرون ***** ولا حساب على الجناهْ


ل

*** محنــــــــــــة ***



هي محنةٌ وزمان ضيقْ ***** وتكشَّفَتْ عن لا صديق

جرَّبتُ أشواكَ الأذى ***** وبلوتُ أحجارَ الطريقْ

وكأنَّ أيّامي التي ***** من مصرعٍ ليست تفيقْ

كأنَّ موصول الضنى ***** يَمتاحُ من جُرْحٍ عميق

زرعٌ على ظُلَلٍ فذا ***** أبداً لصاحبه رفيقْ

هذا الذي سَقَت الدموعُ ***** وذاك ما أبقى الحريقْ



ل


*** الحب والربيع ***



جدّدي الحبَّ واذكري لي الربيعا ***** إنني عشت للجمال تبيعا

أشتهي أن يلفَّني ورق الأيكِ ***** وأثْوي خلف الزهورِ صريعا

آه دُرْ بي على الرِّفاق جميعاً ***** واجعل الشمل في الربيع جميعا

لا تقل لي أشتر المسرَّة والجاه ***** فإنِّي حُسنَ الربى لن أبيعا

فلغيري الدنيا وما في حماها ***** إنني أعشقُ الجمالَ الرفيعا

أنا من أجله عصيتُ وعُدِّبْتُ ***** وأقسمتُ غيرهَ لن أطيعا

وبطيبِ الربيع أقتاتُ زهراً ***** وعبيراً ولا أُكابد جوعا

فَهو حسبي زاداً إذا عَفَت الدُّنيا ***** وأقْوَتْ منازلاً وربوعا



ل


*** إلى ابنتي ضوحية ***



يا من طلبتِ الشعرَ هاك تحيّتي ***** وهواي يا روحي ويا ضوحيّتي

أيُرادُ تفصيلٌ لما عندي وكم ***** قلبٍ وموجز أمره في لفظة

لكن فنَّ الشعر وردُ أحبة ***** يُهدى فهاك قصيدتي بل وردتي

والشعر روضٌ يانعٌ وعبيرهُ ***** سارٍ إلينا من عبير الجنّةِ

وأراكِ روضة رقةٍ ومحاسنٍ ***** هل روضةٌ تهدي البيان لروضةِ؟

فإليك يا أغلي عزيزٍ يا ابنتي ***** وأحبَّ من تصبو إليه مهجتي

تذكار والدك المحبِّ وديعةً ***** فإذا ذكرت فهذه أمنيّتي

والخطّ مثل الرسم إن يوماً نأى ***** رسمي فللأثرِ العزيز تلفّتي



ل



*** غيـــــــوم ***



أملٌ ضائعٌ ولبٌّ مشرَّدْ ***** بين حبٍّ طفى وجُرحٍ تمرّدْ

وضلالٌ مشت إليه الليالي ***** هاتكاتٍ قناعه فتجرّدْ

وبدا شاحباً كيوم قتيلٍ ***** لم يكد يلثم الصباحَ المورّدْ

غفر الله وهمها من ليالٍ ***** صوّرت لي الربيعَ والروض أجردْ

قاسمتني الورقاءُ أحزانَ قلبي ***** وشجاه وغَرَّدَتْ حين غرّدْ

ثم ولَّتْ والقلبُ كالوتر الدامي ***** يتيمُ الدموعِ واللحنُ مفردْ

ما بقائي أرى اطِّراد فنائي ***** وانتهائي في صورةٍ تتجدّدْ

ورثائي وما يفيد رثائي ***** لأمانٍ شقيةٍ تتبدّد

عبثاً أجمع الذي ضاع منها ***** والمنايا منِّي ومنها بمرصدْ

وبقائي أبكي على أملٍ بالٍ ***** وأحنو على جريحٍ موسَّدْ

واحتيالي على الكرى وبجفنيَّ ***** قتادٌ ولي من الشوك مرقدْ

وشكاتي إلى الدجى وهو مثلي ***** ضائعٌ صبحهُ ضليلٌ مسهَّدْ

وشخوصي إلى السماء بطرفي ***** وندائي بها إلى كل فرقدْ

فجعتني الأيامُ فيه فلم يَبْقَ ***** على الأرض ما يسرُّ ويُحمدْ

ذهبت بالجميل والرائعِ الفخمِ ***** وطاحت بكل قدسٍ ممجّدْ

مالَ ركنٌ من السماءِ وأمسى ***** هلهلَ النسج كلُّ صَرحٍ مُمرَّد

ربِّ عفواً لحيرتي وارتيابي ***** وسؤالٍ في جانحي يتردّدْ

هو همس الشقاء ما هو شك ***** لا ولا ثورةٌ فعدلك أخلدْ

أين يا رب أين من قبل حيْني ***** ألتقي مرةً بحلمي الموحّدْ؟

بخليلٍ ما ردَّه كيدُ نمّامٍ ***** ولم يَثْنِه وشاةٌ وحُسَّدْ

وحبيبٍ إذا تدفَّق إحساسي ***** جزاني بزاخرٍ ليس ينفدْ

وعناقٍ أُحِسُّه في ضلوعي ***** دافقاً في الدماءِ كاليمّ أزبدْ


ل


*** ذهب العمر ***



قضيتَ العمر تذكر لي ***** وأذكر في الهوى جرحكْ

فقم نسخرْ من الأمَلِ ***** ومن أعماقنا نضحكْ!

***

وقم نسخرْ من الدنيا ***** وقم نَلهُ مع اللاهي

طويتُ صحيفة الأمسِ ***** فَدَعْها في يد اللهِ

***

هي الدنيا كما كانت ***** وماذا ينفع الوعظُ

وما عتبت ولا خانت ***** ولكن خانك الحظُّ

***

أردنا الجاهَ والذهبا ***** فلم يتلطّفِ المولى

وهذا العمرُ قد ذهبا ***** وأحسن ما به ولّى


ل



*** رباعيــــــــــات ***



صيرَك الحسن أميرَ الوجودِ ***** والشعر من درّاته كلّلكْ

مستلهماً منك معاني الخلود ***** فكل تاجٍ في العلى منك لكْ

***

فَنَاهِبٌ برقَ الثنايا العذابْ ***** وسارقٌ ياقوتهً من فمكْ

وكل تغريد الهوى والشبابْ ***** أغْنيةٌ حامت على مبسمكْ

***

وذلك الماس الرفيع السنا ***** والجوهر الغالي الذي صِدْتُهُ

أرفع من فكر الورى مَعْدِنا ***** وكل فضلي أنني ضُغْتُهُ!

***

لا فكر لي، عشتُ على فكرتكْ *****أقبس ما آقبس من غُرَّتكْ

ودمعتي تقتات من عبرتكْ ***** فانظر بمرآتي إلى صورتكْ

***

أشقاني الحبُّ وقلبي سعيدْ ***** يَعُدُّ هذا الدمع من أنعمكْ

أجزل ما كافأ هذا الشهيدْ ***** بلوغُه المجد على سُلَّمكْ

***

لا شيء من يوم النَّوى منقذي ***** إني امرؤٌ عنك وشيك المسيرْ

وأنت باقٍ والجمال الذي ***** غنّى به شعري ليومي الأخيرْ

***

انظر إلى آيات هذا الجمالْ ***** ترتدُّ عنها عاديات البلى

عاجزةَ الباع ويأبى الزوالْ ***** لوردةٍ مت عَدْن أن تذبلا

***

للأنفس الظمأى إليك التفاتْ ***** ولهفةٌ ملءَ اللّحاظ الجياعْ

ولي التفاتٌ لسريّ الصّفات ***** واللؤلؤِ اللمّاح خلف القناعْ

***

قلبي مع الناس وفكري شَرودْ ***** في عالَمٍ رَحْبٍ بعيد الشِّعابْ

عيني على سرٍّ وراء الوجود ***** وبغيتي عرشٌ وراء السحابْ!

***

كم طرت بي واجتزت سور الضبابْ ***** والضوء ملءُ القلب ملءُ الرحابْ

وعدت بي للأرض أرض السَّرابْ ***** والليلُ جهمٌ كجناح الغرابْ

***

أريْتُني الغيبَ الذي لا يُرى ***** كشفتَ لي ما لا يراه البصرْ

ثم انحدرنا نستشفُّ الثرى ***** علّ وراءَ التُّرب سرَّ السفرْ

***

صدري وسادٌ زاخرٌ بالحنانْ ***** تصوُّري أعجب ما في الزمانْ

موج على لُجَّته خافقان ***** قَرَّا على أرجوجةٍ من أمانْ

***

كمركب في البحر يومَ اغترابْ ***** ما أبعد المحنة بعد اقترابْ

هيهات يُنْجي من شطوط العذابْ ***** إلاّ عبابٌ دافقٌ في عبابْ

***

ملأتُ كأسي وانتظرتُ النديم ***** فما لساقي الرُّوح لا يُقبلُ

شوقي جحيمٌ وانتظاري جحيم ***** أقلُّ ما في لفْحِهِ يتقلُ

***

أنت كريمُ الودِّ حُلوُ الوفاءْ ***** فما الذي عَاقَكَ هذا المساءْ؟

وما الذي أخَّر هذا اللقاءْ ***** وحرَّم النبع وصدَّ الظِماءْ؟

***

أذمّ هذا الوقت في بُطْئِهِ ***** آخرهُ يعثرُ في بَدْئِهِ

لله ما أحمل من عِبْئِهِ ***** وما يُعاني القلب من رُزْئهِ

***

تدقُّ فيه ساعةٌ لا تدورْ ***** وإن تَدُرْ فهو صراعُ اللغوبْ

رنينها يقلق صمَّ الصدورْ ***** وطَرْقُها يقرع بابَ القلوبْ

***

يا ذاهباً لم يشْف مني الغليل ***** ما أسرع العقربَ عند الرحيلْ

هتفتُ قف لم يبق إلاّ القليلْ ***** وكلُّ حيٍّ سائرٌ في سبيلْ!

***

يومٌ تولّى أو ظلامٌ سجا ***** كلاهما بالقرب منك انتصارْ

أأحمد اليوم تلاه الدُّجى ***** أم أحمد الليل تلاه النهارْ؟

***

إنْ نَوَّر النجمُ به مرَّةً ***** فإن إشراقَكَ لي مرّتانْ

وكيف يُبقي الشكُّ لي حيرةً ***** ولي على برج المنى نجمتانْ؟

***

فهذه تلمع في خاطري ***** مِلءُ دمي إشراقُها والبهاءْ

وهذه تُومِئُ للساهرِ ***** والليل صافٍ وأديم السماءْ

***

وهذه تجلو كثيف الغيومْ ***** وهذه تَدْرَأُ عني الهمومْ

وتَمحق الحزنَ وتَأسُو الكلومْ ***** فما الذي أَجْرى دموعَ النجومْ؟

***

هيهات أنسى دُرَّة الأنجمِ ***** إليَّ من آفاقها ترتمي

وفي جريحٍ أعزلٍ تحتمي ***** من أي هولٍ؟ هي لم تعلمِ!

***

إنَّ ضلوعاً تحتمي في ضلوعْ ***** مقادرٌ ليس بها من رجوعْ

أخلدُ أصفاد الجوى والنزوعْ ***** هوى الحزاني وعناق الدموعْ

***

رضيت بالدهر على ما جَنَى ***** وأُبْتُ بالحكمة بعد الجنونْ

ومرَّ يومي هادئاً ساكناً ***** وأَيُّ شيءٍ خادع كالسكونْ

***

أرنو إلى الصحراءِ حيث الرمالْ ***** نامت كأنَّ اللفحَ فيها ظلالْ

يا ليت لي والدهر حالٌ وحالْ ***** من وقدةِ الإحساسِ بعض الكلالْ

***

فأقبلِ الدنيا على حالها ***** مسلِّماً بالغدرِ في آلها

وراضياً عنها بأغلالها ***** محتملاً وطأة أثقالها

***

الرُّعْبُ سيّان بها والأمانْ ***** والحسنُ زادٌ سائغٌ للزمانْ

والوهمُ في حالاتها كالعِيان ***** والحبُّ والكرهُ بها توأمانْ

***

وَدِدْتُ لو قلبي كهذي القفارْ ***** أصمُّ لا يسمع ما في الديارْ

أعمى عن الليل بها والنهارْ ***** وددتُ لو قلبي كهذي القفارْ

***

وددتُ لو عنديَ جهلُ الثرى ***** تَعْمُر أو تقفر هذي البيوتْ

غفلان لا يعنيه أمرٌ جرى ***** أيُولدَ الحيُّ بها أم يموتْ

***

وليلةٍ تمضي وأخرى وما ***** جئتَ فهل ألهاك عني أحدْ؟

ما ضاء من ليلاتنا أظلما ***** والسبت خَدَّاعٌ بها كالأحدْ

***

يمتلئُ السطحُ على ضيقهِ ***** والوقت عندي كانفساح الأبد

حسدته والقلب في ضيقه ***** أنا الذي لم أدْرِ طعمَ الحسدْ

***

وذلك (الجاز) وهذا ***** منتقلاً بين الرضا والألمْ

يحمل لي طيفَ خيالٍ قَدِم ***** تراه عيني في ثنايا حُلُمْ

***

في واحةٍ يرسو عليها الغريبْ ***** فكلُّ ما فيها لديه غريبْ

وهكذا الدنيا خداعٌ عجيبْ ***** إذا خلت أيامُها من حبيبْ

***

وهكذا يومٌ ويومٌ سواه ***** ينكرها القلبُ الصَّبورُ الحمولْ

وهكذا يذهب طِيبُ الحياهُ ***** بين التمنّي واعتذار الرسولْ

***

هنا مِهادُ الحبِّ هل تذكرينْ ***** وها هنا بالأمس طاب السمرْ

وتلك الأحلامُ الهوى والسنينْ ***** يحملها التيَّارُ فوق النهرْ

***

والقمرُ الفضيُّ بين الغيومْ ***** يخفق كالمنديل عند الوداعْ

يا حسرتا! هل صوّرتهُ الهمومْ ***** كالزورقِ الغارقِ إلاّ شراعْ

***

قد جلّلته غيمةٌ عابرهْ ***** تسحبُ أذيالَ الأسى والندمْ

وأغرقتهُ موجةٌ غامرهْ ***** فأطبق الصمتُ وَرَانَ العدم

***

ضممت أضلاعي على نعشِهِ ***** فلم يزلْ فيها لهاوٍ شعاعْ

لأيّ غورٍ زالَ عن عرشِهِ ***** وغاص في اللجِّ إلى أيِّ قاعْ

***

أرثي لحظِّ الأفق وهو الذي ***** يرمقُني بالنظرة الساخرهْ

وتهرب الأنجمُ هذي وَذي ***** ويجثم الليلُ على القاهرهْ

***

ويزحف الكونُ على خاطري ***** كأنه في مقلة الساهر

سَدٌّ من الرُّعبِ بلا آخرِ ***** يعبُّ عَبُّ الأبدِ الزاخرِ

***

وفي ظلالِ الموت موتِ الوجودْ ***** وخلفَ أطلال البلىِ والهمود

وبين أنفاس الرّدى والخمودْ ***** وتحت سُحْبٍ عابساتٍ وسودْ

***

تدفعني عاصفةٌ عاتيهْ ***** تقصف من خلفي وقُدّامِيَةْ

قد مزّقت روحي وآماليَهْ ***** وقرّبتْ لي طرَفَ الهاويةْ!

***

تلمع في الظلمة أحداقُها ***** قد رحّبَتْ باليأس أعماقُها

شافية النفس وترياقُها ***** مشتاقةٌ أقبل مشتاقُها

***

قد كان لي عندك عزُّ الذليلْ ***** وكان للآمال ومضٌ ضئيلْ

يلمع في ظَنِّي قبل الرحيلْ ***** فانطفأ النورُ ومات القليلْ

***

فداك يا جاهلةً ما بيَهْ ***** قلبي وأنفاسي الظمّاء الحِرارْ

وكيف أنسى ليلتي الداميَهْ ***** ولهفتي أَلْهَثُ خلف القطارْ؟

***

وعودتي أجرع كأسَ الحياة ***** مُعاقِراً سُمَّ الفناءِ البطيءْ

أُنْكِرُ أو أفزعُ ممن أراه ***** سيان من يذهب أو من يجيءْ

***

وليلةٍ فاضت بوسواسها ***** تعجبُ من إلْفَين بين البَشَرْ

ذلك يعدو خلف أنفاسها ***** وهذه تتبع سير القمرْ

***

تتبعه بين الرُّبى والشِّعابْ ***** تتبعه يسري خلال الحسابْ

كم هَلَّلَتْ وهو يضيء الرِّحابْ ***** والتفتَتْ محسورةً حين عابْ

***

وذلك الطفل اللهيف الغيورْ ***** في فَلَكِ من ضوء ليلى يدورْ

يقفو خطاها وهي بين الطيورْ ***** لها جناحان مراحٌ ونورْ

***

كزورق يعبرُ بحرَ الوجودْ ***** له شراعان ولحظٌ شَرُودْ

كم شرّقا أو غرّبا في صعودْ ***** وارتفعا حتى كأن لن يعودْ

***

ليلى ارجعي إني شقيٌّ كئيبْ ***** أهتف مفقودَ الهُدى والقرارْ

يا هاته الأوطان إني غريبْ ***** وعالمي ليس هنا يا ديارْ!

***

تركتني وحدي وخلّفتني ***** أرزح تحت المبْكيات الثقالْ

أنكرتِ ميثاقي وأنكرتني ***** أكُلُّ ماضينا وليد الخيالْ؟

***

فرغت من أحلامه وانطوى ***** بِمُرّهِ وارتحتُ من عذبهِ

الأمرُ ما شئتِ فذنب الهوى ***** على الذي يكفر يوماً بهِ

***

كان إلى الله سبيلي وما ***** كان إلى الإيمان دَرْبٌ سواهْ

وكان في جُرح الهوى بلسما ***** وكان عندي منحة من إلهْ

***

مهما تكن ناري فإنّ الجحيم ***** أرأفُ بي من ظلم هذا البعادْ

وربّ همّ مُقْعِدٍ أو مقيمْ ***** قد لطّفَتْهُ نسماتُ الودادْ

***

فخفَّتِ النارُ وقرَّ الهشيمْ ***** وعاودتني الذِّكَرُ الغابرهْ

والنيلُ يجري هادئاً والنَّسيمْ ***** معربدٌ في الخُصَل الثائرهْ

***
كم تهتف الأيامُ: خانت فَخُنْ ***** ويح حياتي إنْ تَخُنْ أمسها

إن هنتُ هذا عهدُها لم يَهُنْ ***** ولا لياليها وإن تنسها

***

تُهيب بي الفرصةُ قبل الفواتْ ***** ويعرض الصَّيدُ فلا أقنصُ

إني امرؤ زادي على الذكرياتْ ***** وما غلا عنديَ لا يرخصُ

***

ومطلبٍ في العمر ولَّى وفات ***** وكان همِّي أنه لا يفوتْ

كأن فجراً ضاحكاً فيّ ماتْ وملءُ نفسي مغربٌ لا يموتْ

***

في السّأم الحيِّ الذي لا يَبيدْ ***** والأملِ الطاغي بأن ترجعي

أجدِّدْ العيش وما من جديدْ ***** وأدّعي السلْوان ما أدّعي!

***

كم خانني الحظُّ ولا انثني ***** أقضي زماني كلَّهُ في لعلْ

وتقسم المرآة لي أنني ***** رَقَعْتُ بالآمالِ ثوبَ الأجلْ

***

قد فاتني الصيفُ وخان الربيعْ ***** وكان همّي كلُّه في الخريفْ

وما شَكاتي حين شملي جميعْ ***** وانت لي أيكٌ وظلٌّ وريفْ

***

والآن قد مزّق عندي القناعْ *****موتُ الأباطيل وزحف الشتاءْ

وبدَّد الوهمَ وفضَّ الخداعْ ***** بَرْدُ المنايا وشحوبُ الفناءْ

***

وأَسِفَ القلبُ لكنزي الذي ***** غَصّتْ به أفئدة الحُسَّدِ

صحوت من وهمي ولا كنز لي ***** قد صَفِرَتْ منها ومنه يدي

***

أين زمانٌ مُكتسٍ يومُهُ ***** بالحبِّ مَوْشِي بحُلْم الغدِ؟

من هاته الأيام محرومةً ***** عريانة الآمال والموعد

***

قد قتل الدهر هنائي كما ***** ماتت بثغري ضحكات السعيد!

وربما رقَّ زمانٌ قسا ***** فانعطف الجافي ولان الحديدْ

***

محقق الآمال أو واعدٌ ***** بفرحةٍ يوم لقاء وعيدْ

فإن يَعِدْني ثار شكّي به كأنما وعد الليالي وعيدْ!

***

وا أسفا هذا سجلٌّ كُتِبْ ***** خَطَّتْهٌ كفُّ القدَرِ المحتجبْ

ففيم عَوْدِي لقديم الحِقَبْ ***** وفيم تَسْآليَ عمّا ذهبْ؟

***

ضاقت بنا مصرُ وضقنا بها ***** وكلُّ سهلٍ فوقها اليوم ضاقْ

وضاقتِ الدنيا على رحبِها ***** أين نداماي وأين الرفاقْ؟

***

كفٌّ تَلُمُّ العمرَ والعُمرُ راحْ ***** وقبضةٌ تجمع شملَ الرياحْ

لا حَبَبٌ باقٍ ولا ظل راح ***** ليلٌ تولَّى وتولَّى صباحْ

***

هذا نهارٌ مات يا للنَّهارْ ***** كل مساءٍ مصرعٌ وانهيارْ

مال جدارُ النورِ بعد انحدارْ ***** وغابتِ الشمسُ وراءَ الجدارْ

***

وذا مساءٌ صبغتْهُ الهمومْ ***** بلونها القاني وهذي غيومْ

تحوم والظلمةُ فيها تحومْ ***** تبسط مهداً ليّناً للنجومْ

***

كأن ثوباً في السماء احتراقْ ***** فلم يزل حتى استحال الأفقْ

ظلُّ دخانٍ أو بقايا رمقْ ***** ولمَ يعُد إلاَّ ذيولُ الشفقْ

***

وتزحف الظلماءُ زحفَ المُغيرْ ***** حاجبةً ما دونها كالسِّتارْ

وكل حيٍّ وادعٌ أو قريرْ ***** ما اختلف الشأن ولا الحظّ دارْ

***

العيشُ أمرٌ تافهٌ والمنونْ ***** والحكمةُ الكبرى بها كالجنونْ

وهكذا نمضي وتمضي السنونْ ***** وهكذا دارتْ رحاها الطحونْ

***

في شَجِّهَا حيناً وفي طَعْنِها ***** سينقضي العمرُ وأين الفرار؟

وثورةُ الشاكين من طحنِها ***** نوحُ الشظايا وعتابُ الغُبارْ!





* المصادر لجميع القصائد السابقة :-


- المرجع الأساسي كتاب الأعمال الكاملة الذي يضم دواوين الشاعر إبراهيم ناجي ومن ضمنه ديوان ((( الطائر الجريح - 1957م )))
الطبعة الثالثة -دار الشروق - القاهرة
(1417 هـ - 1996 م)

- adab.com (الموسوعة العالمية للشعر العربي)

- أدب العرب

- موقع الشعر
ل



قصائد الديوان الرابع ((( في معبد الليل )))
الطبعة الثالثة -دار الشروق - القاهرة
(1417 هـ - 1996 م)



*** إلى ابنتي ***



يا ابنتي أني لأشعر أَني ***** ملأتِ مهجتي شموس منيره

أشرقت فرحتان عندي فهذي ***** لعماد وهذه لأميرهْ

انتما فرقدان، وهو جديد ***** بالذي ناله وأنت جديرهْ

اغنما كل ما يطيب وفوزا ***** بالمسرات والأماني الوفيرهْ

وافرحا بالذي يطيبُ ويرجى ***** عيشةٌ نضرة وعين قريرهْ


ل



*** أبد الخلود ***



- عندما زارت الشاعرة نازك الملائكة الدكتور إبراهيم ناجي في مصر أهدى إليها ديوانه ليالي القاهرة وقد كتب " الإهداء " هذه القصيدة .



**********



ما كان أقصر هذه من زورة ***** ما أشبعتْنا من بشاشة نازكِ

كلا ولا رَوى النهى من زهرةٍ ***** بالطهر تفصح عن سمات ملائكِ

انا حمدنا لليالي انها ***** قد قرَّبتنا من سنيّ سمائكِ ...

أن كان اسعدنا الزمانُ بساعةٍ ***** فكأنها أبد الخلودِ حيالكِ


ل


*** تكريم ((( قصيدة في الأديب الراحل "سامي الكيالي" ))) ***



- قصيدة الدكتور ناجي في الحفلة التي أقامها فريق من أنصار التجديد وأعلام المدرسة الحديثة تكريماً لصاحب مجلة الحديث الحلبية للأديب الراحل سامي الكيالي سنة 1932م .




**********



نفدي النزيل ونكرمن ***** ان لم نكرمه فمن؟

يا ضيف مصر أقم مقام ***** الأهل وانزل في وطن

إنا اشتركنا في الأماني ***** والتقينا في المحن

فمن الشآم إلى العراقِ ***** إلى الحجاز إلى اليمن

والصرخة الكبرى كموج ***** البحر تدوي في الأذنْ

تتباين الأصوات فيها ***** لا تبالي بالثمن

***
نبغي الحياة وما الحياة ***** سوى مماشاة الزمن

الدهر دفاق فكيف ***** نعبّ من ماءٍ اسنْ

العصر عصر السابقين ***** إلى الشواهق والفتن

لا عصر مفتتنين بالأ ***** حلام غرقى في الوثنْ

ومقيّدين إلى الثرى ***** بين التخاذل والوهن

يا أيها الشرق الذي ***** يدعو : رويدك واطمئن

انا اليك وللشباب ***** رسالة لا تمتهنْ

قمنا لها! كل بناحية ***** رسول مؤتمن

ما في طلائعنا الضعيف ***** ولا الذليل المستكنْ

ما في طبائعنا الخصام ***** ولا الحفيظة والضغن

انا جنود النور من ***** علم ومن أدب وفن

القاتلون الجهل مثل ***** اليوم عشش في الدمنْ

انا لأعداء الجمود ***** وواضعوه في الكفن

*****

يا أيها الضيف العزيز ***** نعمت بالعيش الحسنْ

يا مؤنس المصري في ***** حلب وما ننسى المننْ

صدر الشآم حنا عليك ***** ومصر لو تدري أحنّ

بردى لنا، وصباه والجّنات ***** والطير المرنْ

والأرز والطود المعصّب ***** بالجلال المطمئنْ

والنيل نهركم وما ***** زان الخميلةَ والفتنْ

والقوم أهل والقرى ***** وطن عطوف والمدنْ


ل


*** إلى أمينة ***



- قرأ الشاعر - وهو جالس على شاطئ كليوباترا مع صديق له - رسالة بعثت بها كاتبة تسمى " أمينة ..." تقول فيها : إنها قرأت قصيدة للشاعر زكي مبارك مطلعها:

أرَبّاه أنقذني فأنت رميتني ***** بقلب على عهد الاحباء بكاء

وهي تريد تغيير عجز هذا البيت : فكتب ناجي هذين البيتين.



**********


أرَبّاه أنقذني فأنت رميتني ***** بقلبٍ على الأشواكِ والدم مشاءِ

"أمينة" هذا ما أتاني كتبته ***** وعندك أخباري وعندك أنبائي



ل


*** تحت الباب ***



- ذهب الشاعر لزيارة بيت أخيه محمد, وعند خروجه عرج على جارته الشاعرة زينب محمد حسني وطرق الباب فلم يجدها , فترك لها هذه الأبيات ( عن مخطوطة عندها ).



**********



أقبلتُ أطرق منزل الأحبابِ ***** ودسست هذا الشّعرَ تحت البابِ

أترى أكون بثثت شوقي كلَّه ***** وشرحت حالي يا أولي الألباب

يا جارة "الوادي" إذ الوادي أخي ***** وكريم "إحسان"(1) ولطف صحابِ

قسماً بموصول المودة بيننا ***** هذي الزيارة لم تكن بحسابي

قد يجمع الله الشتيت ويلتقي ***** ناءٍ بناءٍ طول غيابِ



(1) : هي زوجة أخيه.


ل


*** تكريم ***



- قالها الشاعر في حفلة تكريم أقامها له أصدقاؤه بمقصف " سان جيمس " بالقاهرة عقب صدور ديوانه " ورار الغمام " .


**********


يا صفوة الأحباب والخلاّن ***** عفواً إذا استعصى عليّ بياني

الشعرُ ليس بمسعفٍ في ساعةٍ ***** هي فوق آي الحمد والشكرانِ

وأنا الذي قضّى الحياةَ معبراً ***** ومرجعاً لخوالج الوجدانِ

أقفُ العشيةَ بالرِّفاقِ مقصراً ***** حيران قد عقد الجميلُ لساني

يا أيها الشعر الذي نطقتْ به ***** روحي وفاض كما يشاء جناني

يا سلوتي في الدهر يا قيثارتي ***** ما لي أراكِ حبيسة الألحان؟

أين البيان وأين ما علمتني ***** أيام تنطلقين دون عنانِ؟

نجواك في الزمن العصيب مخدَّرٌ ***** نامت عليه يواقظ الأشجانِ

والناسُ تسأل والهواجسُ جمةٌ ***** طبٌّ وشعرٌ كيف يتفقان؟

الشعرُ مرحمة النفوسِ وسِرُّه ***** هِبةُ السماءِ ومِنحةُ الدَّيانِ

والطبُّ مرمحه الجسومِ ونبعُهُ ***** من ذلك الفيضِ العليِّ الشانِ

ومن الغمام ومن معينٍ خلفَهُ ***** يجدان إلهاماً ويستْقيان

يا أيها الحبُّ المطهرُ للقلوب ***** وغاسل الأرجاس والأدران

ما أعظم النجوى الرفيعة كلما ***** يشدو بها روحان يحترقان

أنفا من الدنيا وفي جسديهما ***** ذُلُّ السجين وقسوة السجانِ

فتطلعا نحو السماءِ وحلّقا ***** صُعُداً إلى الآفاق يرتقيان

وتعانقا خلفَ الغمامِ وأترعا ***** كأسيهما من نشوةٍ وحنانِ

اكتبْ لوجه الفَنِّ لا تعدلْ بهِ ***** عَرَض الحياةِ ولا الحطامِ الفاني

واستلهم الأمَّ الطبيعةَ وحدَها ***** كم في الطبيعةِ من سَرِيّ مَعانِ

الشعرُ مملكةٌ وأنتَ أميرُها ***** ما حاجة الشعراءِ للتيجانِ

"هومير" أمّرهُ الزمانُ لنفسه ***** وقضت له الأجيالُ بالسلطان

اهبطْ على الأزهار وأمسح جفنَها ***** واسكب نداك لظامىءٍ صَدْيانِ

في كلِّ أيكٍ نفحةٌ وبكل روضٍ ***** طاقةٌ من عاطر الريحانِ


ل


*** إلى أميرتنا ***


- إلى أميرتنا في عيد ميلادها الرابع عشر 10- 4 - 1946 م.



**********


إقبلي يا "اميرة" اللطف حبي ***** واقبلي من أبيك هذا الكتابا

إجعليه ذكرى له، وإجمعي ***** الآراء فيه واستكتبي الأصحابا

جعل اللهُ كل عمرِكِ عيداً ***** وربيعاً منضّراً وشبابا



ل


*** عجبـــــا! ***



يا هاجري، يا من ***** هجرتَ بلا سببْ

أترى العقاب بغير ***** إثم قد وجب؟

عجباً لقرص الشمس ***** في البيت احتجب

عجباً . . لأعجب ***** ما يكون من العجب


ل


*** بعد اعتزال الأدب ***


- كتب الشاعر هذين البيتين على صورة له أهداها لصديقه "السيد مجد الدين سعفان " خلال الفترة التي اعتزل فيها الشعر, وقد بدا له يومئذٍ أن صحته قد تحسنت بعد اعتزال الشعر. وتاريخها 16 -6 -1935م.


**********


صديقي "سعفانُ" ألف سلامْ ***** ولا زلتَ صاحبيَ المرتقبْ

ستعجب من صورتي هذه ***** ألم تر أني اعتزلت الأدب؟




ل


*** أمير الكمان ***



- تحية لأمير القيثارة سامي الشوا .



**********


آه من لحنٍ سماويّ ***** عجيب النغماتِ

أيها الساحر لم تضرب ***** بقوس، بل عصاة

يا أبا الفن المصفى *****هات ألحانك هات

في شطوط النيل، مهد الفن، ***** مهد المعجزات

"الصّبا" في ريح "لبنان" ***** رقيق النفحات

"وحجاز" راقص أو ***** هات من "شط الفرات"

نحن أبناء المعالي ***** نحن أبناء الغزاة

غننا لحن أبينا الشرق، ***** واهتف بالحُماة

هاتِ لحنَ الشرق . . ما ***** أجدره بالعبرات

هو أرض المجد، أرض الخـ ***** لد من بدء الحياة

هات لحن الشرق هات .. ***** هاتِ لحن الشرق هاتِ

رُب لحن قدسيٍّ ***** من جنان الخلد آتِ

جعل الأرواح في هيـ ***** ـكله مزدحمات

حشدَ العالم كالعُبَّاد ***** قاموا للصلاة

جَمَعَ الناسَ على ***** الحبِّ وأدنى من شتات



ل


*** شفاء ... وشفاءْ ***


- نظم الشاعر هذه الأبيات رداً على أبيات أخرى من الروي نفسه للشاعرة زينب محمد حسين , تمتدح بها الدكتور مظهر عاشور. وفي البيت الأول إشارة إليها. وقد عثرنا على هذه الأبيات في عدد 29 مايو سنة 1951م من جريدة البلاغ.



**********



إن يكن "مظهرُ" يا زيـــ ***** ــــنب" ربّ المعجزات

مِبْضَعٌ يأسو ويشفي ***** في الأكف الشافيات

وفتى كالملَكِ السا ***** حر حلو الكلمات

وله مجد المجدّ ***** ين وأقدار الثقات

فوق أخلاق كريما ***** ت رقاق محسنات

إنه يَشفِى .. وتَشفِى ***** زينبٌ بالبسمات

أبداً دأبكما الخا ***** لد بعثٌ للحياة

ومسير الرحمة الكبــ ***** ــرى كما في النسمات

فاهنآ .. إنكما حـــ ***** ــقاً سواء في السمات




ل

*** تحية لضوحية ***



إليكِ يا ضوحيتي ***** ابعث بالتحيةِ

تحيةً من قلمي ***** ومثلَها من مهجتي

إنك كالزهرة في ***** جمالها والرِّقة

تقبّلي من روضة الأ ***** شعار خيرَ زهرةِ

عبيرُها خواطري ***** وملؤُها محبتي


ل

*** حبــــان ***


- أبيات أرسلها الشاعر من الإسكندرية لابنته ضوحية.


**********


كرقة طبعك, كالنسمة ***** ومن شاطئ البحر , ضَوْحِيَّتي

أزف إليك جميلَ البيان ***** وأوجزُ حبيَ في لفظةِ

أحبكِ حُبَّين ... حب ابنتي وحبي لما فيك من رِقة


X