:::::: أنــــــثى العنــــــــــــــكبوت :::::::::::

تـــرانيم 29-02-2008 90 رد 9,049 مشاهدة
ط
ااااااااااااااااااااااااااااااااااه يا احلام

لو انا بدلها اخذ الشايب هههههههههه

على قولت المثل شايب يدلعني ولا شاب يبهدلني .................تقبل بايت احد بس تخلص من ابوها الله يكفانا الشر

يسلموووووووو يا الغلا وننتظرك لا تتاخرين علينا
ق
ما أحب الضعف واحلام إنسانه ضعيفه

إلا كلهم ضعفاء

يعني ما طلع فيهم واحد يقول لا وهالأبو لي متى يسطي ويظلم مرده بيطيح

بس ما توقعت إنها ترضخ لهالزواج ومن شايب عنده 2

بس أتمنى إنها تغير حياتها وما تسمح لأبوها يدفنها

طيف الماس
قريت ردج وحبيت أرد عليج

أنا أختلف وياج في كلمتج اللي قلتي ترضى باي أحد بس تهرب من أبوها

لا يا طيف وش يدريها أن هالزوج مو نسخه من أبوها وبعدين أي راحه بتلاقيها بنت عشرينيه من شايب سبعيني ريله والقبر؟؟؟؟؟؟؟؟
د
عن جد هذا الأبو ظالم ويتمرد في ظلمة ولاكفاه إلي سواه في أولاده مع أنه صحه ضميرة لما مرض بس بعد ماشفاه ربنا رد ظالم أكثر عن قبل والله وعن جد كلهم ضعيفين وأنا توقعت أن أحلام توقف في ويه بس لا أنصدمة بموقفها وضعفها يمكن السبب في هذا الضعف أنها ماشافة يوم من الأيام حد يوقف في ويه هذا الطوفان الظالم ويقدر على جبروته
ترانيم القصة عن جد وايد حلوة بس هل هذي القصة حقيقية أم من نسج الخيال ومشكورة وننتظر باقي القصة
ت
ما شاء الله عليكم ..

النقاش حامي ومجلسكم صاخن بالأراء

ربي يحميكم من كل شر ويوفقكم

طيب ما بقول رايي بكل مشاركه لكم

لأن القصه فيها احداث ممكن تأثر على آرائكم ..

انتظروني عن قريب ..
ت
نتابع معا ما تبقى من الاحداث ..,,,



(18)

حلم بشع او كابوس مريع رافقني على مدى ليلة بأكملها , ارى نفسي خلاله على قمة جبل عال وحيده انظر الى مجموعه من الناس اسفل الجبل واشير لهم بعلامة الوداع , لم اميز من هؤلاء الناس سوى زميلتي صباح , والبقيه لم اكن اعرفهم او ربما كنت اعرفهم ولم اميزهم جيدا لكنهم ليسوا غرباء عني أبدا ...

نهضت من نومي منقبضه النفس ممزقه الفؤاد احمل فوق كاهلي اكواما من الاحزان والعذابات , اجر قدمي جرا الى الحمام ثم اهبط درجات السلم وفي حلقي مرارة يحيط بي السواد من كل جانب , ارى الدنيا كئيبة تعيسه لا تستحق من يحياها او يتنفس هواءها , احسست بضيق شديد اجاهد لمحاولة التنفس بشكل طبيعي , لكنني فشلت فقد كان شئ ما لا ادركه يجثم على صدري ويكتم انفاسي دون ان اراه او اعرفه ....

سألتني صباح وصوتها مغلف ببقايا النوم :

-ماذا بك ؟ تتنهدين بقوه وكأنك ستموتين ...

أجبتها محاوله ان اخرج من قوقعه ذاتي المحطمه :

-لا ادري لماذا اشعر بالاختناق والهبوط النفسي والمعنوي ...

قالت ضاحكه :

-ربما هو الحب ...

رددت بحسرة عجزت عن اخفائها :

-أين انا والحب اين , اتدرين يا صباح ان زواجي بعد شهو واحد او اقل ...

شهقت صباح شهقه عاليه ودارت بجذعها نصف دوره لتقترب مني اكثر فأكثر ثم قالت بصوت رائق صاف وقد تطايرت من بقايا النوم تماما :

-حقا .... أحقا زواجك بعد اقل من شهر .... ومن هو سعيد الحظ هذا ؟ هل هو من ... اقصد يمت للقريه التي ندرس فيها بصلة ؟

تعالت الصرخات داخلي وازداد وجاني ألما ونحيبا .... تقصدين سعد يا صباح بالتأكيد أنت تعنينه بكلماتك الآن فقط عرفت بأن الزميلات كلهن يعرفن قصة حبي بل ربما الهجرة بأسرها تعرف ذلك , لكن ما لا يعرفه هؤلاء ان سعد ليس من نصيبي وان ابي قد فرق بيننا الى الابد , كلا يا صباح كلا يا زميلتي العزيزه , فحبي الوحيد لن يتوج بالزواج بل سيداس تحت الاقدام ويموت شر ميتة وان لم يمت في القلوب فستقتله المرارة والحرمان ...

تمالكت دمعي واوقفت طوفان حزني وانا اقول :

-كلا يا صباح .... زوجي المقبل ....

وخنقتني العبره بيد انني خنقتها وتغلبت عليها بشجاعة خارقة ولم أشأ إخبارها بالحقيقه الموجعه ! فماذا سأجني لو صارحتها بأن زوجي المقبل في خريف العمر يخطو خطواته الاخيره في الحياة ويرغب في ممرضة للمرافقة أكثر منها زوجة وشريكة حياة ؟ تابعت بصوت مخنوق :

-إن زوجي المقبل هو من أقارب والدي ....

أمطرتني صباح بعدها بالأسئله حتى ندمت على تسرعي بإبلاغها بأمر زواجي , لكنها شغلتني الى حد ما عن آلامي الكثيره وبددت جزءا من وحشة كنت استشعرها داخل نفسي , كانت صباح منطلقة مرحه على غير عادتها وكأنها عادت الى الوراء فتره طويله , فترة ما قبل خطوبتها ووفاة خطيبها وكأنها استردت روحها الغائبه مره أخرى , قالت بمرح :

-هل ستعزمينني على حفل زفافك ؟

وفجأه قبل ان اتفوه بحرف حدثت هزة قويه بالسيارة وتعالت الصرخات الزميلات الفزعه , لحظات خارج الزمن وقف شعري خلالها ذهولا , فلم ادر ماذا يحث لنا , ادركت لوهلة انه اصطدم بصهريج مياه ضخم خرج علينا دون ان ندري , ربما غفا السائق او سها او اصابه دوار لكن الحادث تم والصدمه القويه ساهمت في تدحرج سيارتنا على رمال الصحراء مرة واثنتين وربما ثلاث مرات , لا ادري , كل ما ادريه ان الصدمه والانقلاب أطاحا بي خارج السيارة من خلال زجاج النافذه المهشم , لحظات رهيبة قاتلة توقف فيها عقلي عن التفكير وعجزت عن الاستيعات وكأنني في عالم آخر , خيط ما يربطني بالحياة وخيوطي الباقيه تقطعت , صراخ وتأوهات وحريق , حريق هائل يشعل سيارتنا بأسرها فبدت ككتلة عملاقه من النيران اللاهبه تصل الارض بالسماء , وعويل , عويل يصم الآذان ويوقف الدماء السائره في العروق , ثم لا شئ , تلاشى كل شئ في لحظات ولم يبق الا السكون , السكون القاتل المخيف , ينبثق من صمت الصحراء الممتدة بلا نهاية يشكلان لي رعبا بلا حدود , سيارتنا الصالون التي تقلنا وقد غدت كتلة هلاميه متفحمه صامته , صامته بكل ما فيها من اجساد وارواح كانت تتطلع نحو الأمل , وصهريج المياه بكل ثقله وضخامته منكس على رمال الصحراء بلا حركه ولا ادري من بداخله هل هم احياء او صعدت روحهم الى بارئها كما حدث مع زميلاتي , زميلاتي , آه رباه لا اكاد اصدق , من دقائق فقط كنا نتبادل الحديث بكل حيويه ونشاط ثم يا الهي , مضيت اتحسس جسدي بوجل , لا شئ , سوى بضعة جروح بسيطه في القدم اليمنى حدثت إثر اندفاعي من زجاج النافذة , اشعر بصداع شديد يكاد يحطم رأسي , لم استوعب بعد كوني الناجيه الوحيده من حادث مريع كهذا , فلم يسعفني تفكيري بأي شئ سوى النظر في شتى الاتجاهات لمعرفة اين انا وفي أي مكان نقبع , فرجئت بصرخاتي تنطلق بلا وعي مناديه :

-صباح , صباح , ابو راشد , أم راشد .....

وترتد صرخاتي الي مضمخة بالالم والحسرة وبأنه لا حياة لمن تنادي , دقائق اخريات وبدأ تفكيري يصفو شيئا فشيئا , أدركت هول ما حدث , تلفت حولي باحثه عن مخرج ولحسن الحظ تذكرت انه بعد هذا المرتفع الصخري تكمن الهجره التي نعمل فيها , أي انني قريبه جدا من القريه , مسافة كيلو متر واحد او يزيد فقط لا غير , احكمت عباءتي الممزقه حولي ومضيت في السير بلا حقيبه او حذاء , مضيت اسير دون ان التفت ورائي , احمل الفاجعه داخلي لتمزقني الى شظايا , هل يعقل ان زميلاتي كلهن لقين حتفهن , احترقن كلهن ذهبن سدى , لا حول ولا قوة الا بالله , منهن الام والزوجه والفتاة التي تحلم بمستقبل باهر وبزوج يحملها على اجنحة الاحلام , امهات تركن وراءهن اطفالا رضعا ينتظرونهن بفارغ الصبر وازواج عشاق يحلمون باليوم الذي تنتقل فيه زوجاتهم الى المدينه لينعموا بالاستقرار والحب والحنان , وحدي فقط أنجو , يالسخرية القدر , أنا التي لا امل لها في حاضر أو مستقبل , فبعد ان فقدت حبي وحياتي فقدت معهما كل شئ ...

أيام قلائل وادخل شرنقة الاحتضار الاخير فزواجي من هذا الشيخ العجوز موت اخر , موت بطيء وايام ابعثرها في اللاعوده تمتص شبابي رويدا رويدا حتى اغدو عجوزا في العشرين , تماما كشقيقتي سعاد , رباه ان الموت اهون علي الف مره من زواج كهذا , ليتني مت كزميلاتي , لو كنت استطيع افتداء احداهن لما ترددت ابدا , حتى السائق ابو راشد وزوجته هما احق بالحياة مني , ليتني حشرت نفسي في السياره المحترقه لأموت معهم حرقا كما متن , لكن وفجأه بدأت الفكرة تلتمع في ذهني المكدود , نعم لماذا لا اموت ؟

لماذا لا اموت فعلا وصدقا , ابدو امام ابي والعالم اجمع انني قد احترقت مع زميلاتي بينما انا اعيش في علام آخر , واين اعيش ؟

لم افكر طويلا , بل غذذت السير حتى وصلت الى الهجرة التي نعمل فيها , درت من حولها نصف دوره لأصل الى بيت سعد , تمنيت من اعماقي ان اجده في البيت لكنني لم اجد سوى والدته التي رحبت بي ايما ترحيب مندهشه من وصولي اليها بهذا الشكل المزري , فوجئت بنفسي لم استطع الحديث او حتى التفوه بحرف واحد , كنت ارتجف بعنف من رأسي حتى اخمص قدمي , أسرعت أم سعد لتحيطني بالدثارات السميكه وتمددني على الارض ثم ناولتني القهوه والمشروبات الساخنه , كانت الصدمه قويه بحيث انني شعرت بأنني كائي هوائي , لست بإنسانه حيه ولا ميتة بل شئ ما يسبح في الهواء , في الفضاء بين النجوم وكأنني قد اصبت بحالة انعدام وزن , ففقدت توازني واتزاني , ادركت ام سعد بخبرتها الطويله انني اعاني من شئ ما فتركتني لفترة عادت بعدها لتدللك اقدامي ويدي بماء ساخن ...

جزعت لجروحي الظاهره فانبرت تعالجها بمهارة تحسدها عليها امهر الممرضات , وقالت ان هناك كدمات برأسي وجبيني ثم صمتت , أتى بعدها دوري بالحديث او المفترض ان اتحدث لكنني انتحبت بشده دون ان انبس ببنت شفه , ضمتني لصدرها بحنان ام حقيقيه , أم استشعرتها لأول مره في حياتي , احسست في احضانها بدفء الذي افتقدته والامان الذي انشده وانهارا من الحنان , رباه كيف كنت اعيش في ماضي ايامي بدون ان اعرف طعم حنان الأم وحب الأم ورعاية الأم , إنه شئ مختلف تماما عن كل ما عرفته وعشته , كم انت محظوظ يا سعد وانت يا وضحى بأمكما الرائعه , انني احسدكما حقا , وتمنيت لوهلة بل انني دعوت لربي بأن يبقيني كما انا في حضنها وفي هذا المكان الذي استشعر الأمن في جدرانه الصدئه اكثر من أي مكان اخر في العالم ...

أتمنى ان اغمض عيني في حضنها وانام الى الابد ...

مر الوقت سريعا لأسمع صوت سعد ينادي على أمه في ساحة الدار , وعندما حاولت النهوض أمسكت بيدها برقه متشبثه بها كيلا تغادرني الى أي مكان , فإحساسي المؤلم بالضياع قادني الى يقين انني قد وصلت اخيرا الى شاطئ الأمان الذي لن اغادره أبدا سوى إلى قبري ........

لحظات ثم دخل سعد الحجرة , حاولت امه ان تغطيني بوشاحها , فرفضت الوشاح ودفعته بعيدا عني , أرعبتني نظراته الذاهله المصعوقه وكأنه ينظر الى كائن من كوكب آخر , فاغرا فمه من هول المفاجأة .... قال أخيرا بدهشه :

-أمي .......... أحلام ..... هل هي أنت ... أحلام ؟

ولدهشتي الشديده فكت عقدة لساني فرددت عليه بصوت ليس صوتي :

-نعم أنا أحلام ...

اقترب مني غير مصدق ما يراه محاولا الإمساك بيدي , نهرته أمه بأن هذا لا يجوز , توجه لأمه بالكلام قائلا :

-أنت لا تدرين يا أمي بما حدث , لقد كنت اعتقد ان احلام قد ماتت محترقه , فقد اصطدمت سيارتهم بصهريج مياه في حادث شنيع وتوفي الجميع محترقين عدا سائق الصهريج الآسيوي , فهو لم يمت ولكنه في قسم العنايه المركزة في المستشفى في حالة حرجة , لقد انتشر الخبر في القريه يا أمي والناس يعتقدون بأن أحلام قد احترقت معهم فلم أتوقع ولا في أكثر أحلامي تفاؤلا بأن أراها مرة اخرى وأمام عيني هاتين ...


خرج صوتي مبحوحا محشرجا وأنا أسأله :

-هل مات الجميع فعلا ؟

هز رأسه علامة الايجاب دون ان تحيد نظراته الموجهه صوبي بلهفة ممتزجه بدهشه , امسك يدي برقة وهو يقول :

-أحقا انت أحلام , أحقا لم تموتي مع الأخريات , هل هذه أنت أمامي ام شبحك حضر ليقتلني في الصميم ؟

إغرورقت عيناه بالدموع , جاوبتها عيناي وبكت والدته وهي تحمد الله على سلامتي , سمعنا صوتا في الخارج لتدخل وضحى ممتقعة الوجه تنظر لي بذهول قاتل , ثم اسرعت لتلقي نفسها بين احضاني وهي تجهش بالبكاء , مر الوقت سريعا وانا اشعر باطمئنان غريب وخدر لذيذ يسري في اوصالي المرتجفة , لا ادري هل هو فرحة بالنجاة من موت محقق أم هي سعادة الوصول الى مرفأ آمن , أم انه احساسي المفاجئ بأنني قد وجدت نفسي أخيرا وان مكاني الحقيقي بين هؤلاء الأحبة في بيت متواضع عامر بالحب والموده , أم بسيطة هي كتلة من الحنان والعطف , رجل أشعر إلى جواره بالأمن والأمان والراحة والاطمئنان , فتاة هي أكثر من احت واعز من صديقه .... همست أم سعد برقة :

-هيا يا ابنتي , هيا لتطمئني أهلك على نفسك , بالتأكيد هم في حالة لا يعلم بها إلا الله ...

عادت ذاكرتي الى ذلك البيت الكبير والصقيع الذي ينتشر في أرجائه , الأب الظالم القاسي وزوجته اللامبالية رغم طيبتها وأخوة غير أشقاء لا اشعر بهم , تذكرت زفافي المقبل والقبر الحقيقي الذي ينتظرني فيقضي على سعادتي قضاء مبرما , فصرخت في جزعة :

-لا يا خالة ...... لا يا سعد ....... أرجوك لا تعدني إلى هناك أبدا , دعهم يعتقدون بأنني مت محترقه , فالموت اهون عندي من ان يزفوني الى شيخ في عمر أبي .........

ثم مضيت احكي لسعد ووالدته وشقيقته ما حدث لي بعد زيارتهم الأخيره , وكيف قرر ابي زواجي وسعى إليه , ثم اجهشت في البكاء , احتضنتني أم سعد بحنان وهي تهمس :

-لا عليك يا ابنتي سنحاول ان نوسط الجميع لدى أبيك كيلا يزوجك بهذه الطريقه ....

صمت سعد وعلى وجهه سيماء تفكير عميق ثم قال أخيرا :

-لا فائدة يا أمي إنه سيزوجها رغما عنها شاءت أم أبت .......

ضربت أمه صدرها بقوة وهي تهتف :

-ألا تخاف الله يا سعد , وهل تخطفها أنت اذا كان أبوها سيزوجها , ألا تدرك سوء العاقبة ؟

تكلم سعد بهدوء ورويه :

-أمي , إنني لن اخطفها , ولكنني أفضل اختفاءها المؤقت حتى نجد حلا , ولتختر أي احد تضمنه من اقاربها بأنه لن يفشي سرها وسأوصلها عنده بكل أمان ...

صرخت بلا وعي :

-بدريه , نعم , اوصلني يا سعد لشقيقتي بدريه , وأرجوكم أن لا تخبروا أحدا بوجودي على قيد الحياة .....


أمضيت النهار بطوله في بيت سعد ووالدته , وبعد حلول الظلام صعدنا الى سيارة سعد التي اقلتنا الى الرياض , لكنني كنت ذاهله معظم الرحله استند الى ذراع والدته في صمت , وهو ووضحى القابعه الى جواره في المقعد الامامي لا ينظران سوى للطريق امامها ...

ما إن رأتني بدريه شقيقتي حتى وقعت على الأرض مغشيا عليها ....


(19)

صباح وابتسامتها الوضيئه هل غابا الى الأبد وتشتت احلامها العريضه على ارصفة الأحزان , صباح تلك الفتاة المبتسمه أبدا وروحها المرحة اللاهيه تعربد حولها بفرح طاغ , كلماتها , ضحكاتها , حركاتها الكثيره كلها تدل على حياة عريضه كامله حافلة ممتدة حتى نهايات البشر أو حتى نهاية الكون , لم اتوقع او اصدق ان هذا الكائن الخرافي ممكن ان يطويه قبر ما , وللأبد , وأن يصمت صوت الحياة بداخلها للأبد .....

تلك الضاجة بالمرح , المزيج الرائع من الأمل والحلم والإراده و هزمتها الدنيا مرات لكن انطبق عليها المثل القائل , الضربه التي لا تقتلني تقويني , فخرجت من معركتها قويه رغم حزنها متماسكة رغم ألمها , مبتسمه رغم مرارة الجرح واستجداء النسيان , كانت تطمح بالنقل الى المدينه الى جوار اسرتها وتطمح بالزوج الذي ينتشلها من براثن الوهم والكآبه , وينفض عن ثوب عرسها الابيض عذاب الانتظار , تطمح بأشياء كثيره لم يمهلها وآمال تبعثرها الرياح , لحقت بعريسها الذي بكت دما عليه , رب اجمعهما في الآخرة كما لم يستطيعا في الدنيا , وارحمهما برحمتك يا ارحم الراحمين , تتراءى لي فوزيه بوجهها الشاحب وعينيها القلقتين أبدا , دائما قلقة متوترة يخنقها الاحساس بالمسؤوليه والتشتت بين عمل بعيد لا يرحم وبيت وزوج واطفال يحتاجونها باستمرار , دموع أبديه تسكن عينيها تهفو للعودة والاستقرار مع أطفالها , لكنه العمل والحاجة له , لمحتها مرات تبكي في صمت منزويه في الفناء الخلفي للمدرسه , تنظر الى لا شئ وتبتلع دموعها مع قطعة خبز مبتلة بالعرق والدمع الغزير , تواريت كيلا يحرجها وجودي , سألتها يوما عن سر حزنها , تنهدت وهي تحكي لي عن تمزقها وضياعها وتشرد اطفالها في بيوت الاقارب والعقارب وتهديد زوجها المستمر لها بأنه سيتزوج من اخرى اذا لم تتدبر وسيلة تنقل بها الى الرياض , وانتقلت نعم انتقلت ولكن الى الدار الآخره , انتقلت قبل ان تكتحل عيناها بمرأى قرار نقلها , قبل ان يضمها بيت هادئ واطفالها الصغار, قبل ان يهدأ بالها وتقر عيناها , ماتت معذبه مشتتة تعيسة ترقب الأمل بعيون قلقة عله يطرق بابها ذات يوم ولم يطرق بابها سوى الفناء ...

حكت احدى الزميلات للمديرة وأنا استمع للحديث الدائر بينهما ان الخلافات بين فوزيه وزوجها قد ازدادت كثيرا في الفتره الاخيره , وانه قد قال لها صراحة انه لا يشعر بها كزوجه , فهي تخرج قبل شروق الشمس وتعود بعد الغروب متعبة منهكة لا تقوى حتى على الحديث , فما بالك برعاية بيت ومداراة زوج واحتضان اطفال , لذلك هي تشعر جيدا بتأفف زوجها ونفوره بل اخطر من ذلك انها تعلم العلاقه التي بدأت تنمو بالسر بين زوجها والخادمه , لكن ماذا تفعل ...؟. اذا خرجت الخادمه من البيت فستخرج هي منه حتما , يؤلمها منظر اطفالها في الصباح الباكر وهي تنتزعهم من سررهم الدافئه لتودعهم عند جارة او قريبه لحين عودتها عدا قسوة برودة الصباح هناك , ما هو اقسى واشد مرارة هو الوداع الاجباري اليومي لرحلة لا يعلم الا الله كيف ستنتهي وعلى ماذا , صراخهم وبكاؤها , تشبثهم وتخليها القسرى , تقربهم وابتعادها ثم تمضي رحلتها بقلب ممزق ونفس كسيرة تعد الدقائق والثواني لتعود اليهم ويضمهم حضنها الدافئ , فتتلاشى كل متاعبها واحزانها ثم تعيد الايام دورتها من جديد دون ان تتمتع برفقة زوجها واطفالها الى رجلة او نزهه او حتى زياره عائليه عاديه , يكبر اطفالها دون ان تدرك , دون ان تتبع نموهم لحظه بلحظه كما تفعل الامهات , دون مشاركة حقيقيه لها بأي شأن من شؤونهم او شؤون ابيهم , تشتتها الصراعات في اعماقها بين واجبها كزوجه وام وعملها ودخلها الذي تحتاج اليه , لقد انطفأ كل شئ فجأة وماتت فوزيه لتموت الصراعات داخلها ولينتظر أطفالها عودتها كثيرا بدون طائل , سيبكي الاكبر كثيرا لأنه يفهم ويعرف ان الموت معناه الفناء وانها لن تعود اليهم مره اخرى , فقد ابتلعتها القريه النائيه في جوفها الى الابد ولن تقذفها قلقه مجددا , فقد طوتها داخلها بدون عودة , الاصغر لن يفهم سر اختفاء امه ولن يفهم معنى الموت والحياة , لذلك سيتعذب كثيرا وكثيرا وسيبحث عنها في ارجاء البيت الصغير وفي وجه كل امرأه يراها , سيناديها في ليالي الشتاء القارسه وفي حمى المرض الملتهبه ولن تلبي النداء , سيبحث في ثيابها واشيائها الصغيره عن روحها , عن ام كانت له واختفت فجأه ولن يجدها , ثم يكبر وينسى لكنه لن ينسى ابدا تلك القريه التي طوتها وابتلعتها وسيكرهها للأبد , لقد ارتاحت فوزيه لكن أطفالها لن يرتاحوا بعدها مطلقا ...


أخذت انتحب بقوه وانا اقرأ الخبر في الجريده , كان يحتل الصداره في الصفحة الاخيره واعلى الخبر صورة لوزير التعليم وهو يعزي أسر الضحايا , كان اسمي من بينهم واسماء زميلاتي تحفر أخاديد من الأحزان داخلي , لقد ذهبوا بدون عودة , لم يتبق منهن سوى اسماء لامعة واشلاء محترقه ولا شئ آخر ....

احتضنتني شقيقتي بدريه ودموعها معلقة بأهدابها .... قالت لي بحسره :

-ثم ماذا يا أحلام ؟

ابتلعت شهقاتي وانا اقول :

-لا أدري , لكنني لن ادع ابي يتحكم بمصيري , لن ارضخ للطوفان واحني رأسي للعاصفه واتزوج الرجل العجوز ثم احيا على الهامش واموت , كلا لن اعيد مأساتك يا بدريه ومآسي اخوتي , لن اتركه يدفنني وانا على قيد الحياة , بل سأتشبث واحاول واقاوم وادافع عن حريتي , عن وجودي , عن كياني الذي اراد له الاضمحلال ووضعه داخل قفص كعصفور كناري جميل يغرد لكنه لا يطير , يتمتع بالاكل والشراب لكنه محروم من الحريه , كلا يا بدريه فليعتقد ابي بموتي , ليقيم لي سرادقا ويتقبل العزاء بوفاتي , فهذا افضل ألف مره من ان يقتلني وانا حيه , لأحي وأنا ميته بنظر الناس خير من ان يراني الناس احيا وانا ميته في الحقيقه ...

همست بدريه :

-ولكن الى متى ؟

هتفت بثقه :

-حتى أختار الحياه التي اريدها واشق طريقي بنفسي بلا وصاية من احد , حتى اتزوج سعد يا بدريه ...

صرخت بدريه بلا وعي :

-ماذا ؟ تتزوجين سعد ؟ بدون ولي أمر , هل جننت ؟ ماذا يقول ابي لوعرف وقد اضفت الى جريمتك السابقه بإخفائك خبر نجاتك من الكارثة جريمه اخرى ادهى وأمر وهو تزويج نفسك بنفسك دون علم أبيك ....

قلت بهدوء :

-أرجوك يا بدريه كفي عن الصراخ والتشنج , فأنا لست طفله ثم ان سعد رجل لا يعيبه شئ وهو قد طلبني للزواج فلن أرفض ...

نظرت لي بدريه بدهشه شديده وهي تقول :

-لقد تغيرت يا احلام , غيرتك تلك الحادثه كثيرا , فبدأت تتمردين على العادات والتقاليد وما عشنا ونشأنا عليه , لكنك لست وحدك المخطئه , بل انا المخطئه أكثر منك , لأنني رضيت بأن ادخل معك هذه اللعبه السخيفه منذ البدايه , وتعذبت كثيرا , تعذبت وانا ارى ابي وقد اذهلته الصدمه , تعذبت وانا ارى بيتنا الكبير وقد عم الحزن والصمت ارجاءه , تعذبت بتمثيلي وخداعي وتحملت , وفي النهايه تصدمينني بخبر كهذا , بالتأكيد أنت مجنونه ....


ألقيت نفسي بين احضانها واحطتها بذراعي بينما اؤكد لها انها سندي الوحيد في الحياة وانني بدونها لا شئ ابدا , اقنعتها بأن زواجي من سعد سيقطع الطريق على ابي من ان يفكر بتزويجي ذات الرجل العجوز وسيضعه أمام الأمر الواقع وربما تنسيه فرحته بوجودي على قيد الحياة أي تفاهات اخرى وسيقبل الامر بكل شئ بل سيباركه أيضا وسيحتفي بزواجنا ربما .........

تنهدت بدريه بقوه حتى انني احسست بقلبها ينسحب تحت اضلاعها وهي تقول :

-أنت مصممه إذن ....

هتفت بقوه :

-كل التصميم ..

ابتسمت رغم دموعها وهي تقول :

-إذن على بركة الله ...

ثم دار بيننا نقاش حول الرجل الذي سيحل محل ولي أمري وسيعقد زواجي على سعد , استعرضنا أسماء اخوتي الواحد تلو الآخر , كلهم لا يصلحون , صالح الأكبر والأكثر قربا والتصاقا عاجز عن فعل شئ , رغم رجولته واستقلاله وقربه لا يستطيع ان يقف امام ابي , لا يستطيع ان يخالف له امرا او يقوم بعمل دون مشورته ليتجنب غضبه وتحقيره ...

صالح بشخصيته الباهته وارادته التي تقترب من الصفر وخوفه الشديد من كل شئ لا يستطيع ان يتحمل مسؤولية عظمى كهذه , وقد عجز عن تغيير دفة حياته التي لا يريدها وزوجته التي لم يحبها يوما وسجنه الذي رفض ان يحطمه , فبقي سجينا أبد الدهر , زوجا رغم أنفه يستنشق هواء فاسدا بلا اكسجين ويحلم بحياة يعجز عن تحقيقها , أحلامه , أمنياته , طموحاته , وحتى حبيبته الوحيده , كلها داسها بأقدامه من أجل إرضاء أبي وشراء لمودته , فكيف سيقف الى جواري في محنة كهذه وهو عاجز عن السير على قدميه والنهوض بنفسه الكسيره , كلا ان صالحا لا يصلح ولن يصلح ابدا ...

خالد اكثر اخوتي فهما واكثرهم تعرضا لظلم ابي وجبروته , بالاضافه لهزات الحياة القاسيه والضربات المتواليه التي لم تخلق منه شخصا جبانا ...

إنه الاصلح والأقدر , لكن لا , انه لا يستحق مني هذا المصير , لن اضاعف احزانه واحباطاته بالزج به في معكرة غير متكافئه مع أبي , ربما يطرده , ربما يقاطعه وربما يحرمه من أن يرثه ...

كل الاحتمالات قائمه وكل الخواطر واردة عدا اقحام خالد في موضوع هو لا ذنب له فيه ...

يكفيه ما لقيه من ابي , يكفيه ما تعرض له من اذلال تأنفه رجولته وكرامته , واعراض يجرح صورة الابوه في نظره فلن ازيده عذابا وإيلاما ...

لذلك فخالد رغم رجولته وشجاعته ونفسه الابيه لا يصلح اشفاقا عليه من الآتي الذي لا يرحم ...

حمد , بعد طول جدب وعذاب ومرارة اشرقت حياته بقدوم توأميه عبدالرحمن وهشام , فأدار ظهره للعالم بأسره ليستقبل وجه طفليه فقط لا غير , يعلم مواعيد رضاعتهما واوقات تبديل ثيابهما واوقات اللعب والنوم ...

غدت حياته اشبه بمدرب في سيرك , لا يرى غير الوحوش التي يدربها , غاب عن الدنيا وهمومها ومتاعبها باستغراقه الشديد في عالم آخر , عالم طفولي بريء نقي لا يرى من الاشياء سوى محاسنها , لذلك لا ادري كيف وقع عليه خبر وفاتي المزعوم , ترى هل انتشلته من عالمه المثالي ام انه مر عليه مرورا عابرا , فلم يشعر به على الاطلاق ؟.

هل بكى وانتحب ام استمر يدندن بأغنيات البراءه والحلم والمستقبل ؟

هل احس بفقدانه شقيقته أم ان هذين الطفلين قد عوضاه عن الدنيا بأسرها , فلم يحس بفقد احد او احزنه غياب احد؟

كلا ان حمد لا يصلح , ليس انتقاصا من شأنه , لكن رحمة بفرحته الوليده وسعادته المتأخره ودنياه المتخمة بالسرور الطاغي , لن انتزعه من عالمه البريء لنواجهه بقسوة الحياه الحقيقية , لن نعيد احزانه من جديد ونحمله مسؤوليات هو اكثر صفاء من ان يتحملها , فلندعه يلهو مع اطفاله وندعو له باستمرار البهجه ...

وأخيرا صرخت بدريه ..... سعود ... نعم انه سعود وليس غيره .... طفلها الذي غدا رجلا , وقد اكسبته التجربه الاخيره مع الادمان قوه وصلابه وقدره على الاحتمال , انه يعيش مع ابي وتحت رعايته , لكن هذا لا يمنعه من زيارة والدته بين الفينه والاخرى والاطمئنان على احوالها ....

كما حلمت طويلا حدث , ارتديت ثوب الزفاف الابيض وتأبطت ذراع سعد زوجي وشريك حياتي , تشيعنا عيون الاحبه من حولنا بالسعاده والحبور , بكت بدريه طويلا وهي تحتضنني قائله :

-أنت الصغرى بيننا لم اتوقع يوما زواجك على هذا النحو , سريا ومختصرا بدون زفه واحتفال أو فرحه من أي نوع ...

همست لها ضاحكه :

-هل اشتقت للرقص ... وتريدين ان ترقصي ؟

ابتسمت قائله :

-اتمنى لك التوفيق من كل قلبي يا أحلام ...

أمسكت يد سعد ومعها كل أمنياتي بحياة سعيده , يملأني الأمل ويزف خطواتي الراقصه قلب لا يعرف المستحيل ...

لكنه كان حلما لا اكثر كعادة الدنيا معي حينما تعطيني كل شئ ثم تبخل علي بأغلى شئ , فقد رفض مأذون الأنكحه زواجي من سعد لأن سعود أصغر من ان يكون وليا لأمري , ثم انه لن يكون وليا لأمري وابي على قيد الحياة , حلقت طيور السعاده من عالمي ولن تعود مرة أخرى ....


::::::::::::::::::::::::::

باقي خمس اجزاء على نهاية القصه ...

وترقبوا المزيد من المفاجأت ...

......................
ق
وأنا أقره الحادث أقول لو أنا منها جان ما برجع البيت وبتزوج من الحبيب ههههههه

وإلا أشوفها سوت مثل تفكيري؟؟؟؟؟؟

ولما تكلمت عن الزواج
صدقت إنها تزوجت هههههههههههه

بعدين طلع أن ما يتم الزواج والأبو على قيد الحياة والله بلوه مالها إلا الصبر لين يفارق أبوها (استغفر الله) بس الظالم عمره طويل رحمة من رب العالمين لسببين الأول انه يمكن يتوب في يوم من الأيام، والثاني إنه لو ما تاب يكون أخذ من الدنيا كفايته ولكن شنو اللي يكفيه بس ربج كريم.
ع
والله شي هالروايه بس كرهت فيها ابوها الظالم لهذي الدرجه ماعنده احساس يارب تنتهي الروايه بشي مفرح لااحلام ماتوقع بعد هالهموم تنتهي بهم اكبر

يالله لاتتاخرين تراني انتظر التكمله على احر من الجمر

والله يعطيكي العافيه تتعبين معانه
ش



يســــــــــــــــــلمو ترانيــــــــــم
ربي يعطيك الصحه والعافيه
خليتيني دمووووعي تصيرررررر شلالات وانا اتخيل فوزيه وصباح وكيف حكمة ربنا انو احلام تكون هي ناجيه
اتذكرت الايه الكريمه (ولا تقنتو من رحمة الله)
واوقات كان بدي امسك احلام واخنقها لانها كانت راضخه لامر
يلااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا مســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتااااااااااااااااااااااانيتــــــــــــــــــــــــــــــك
مــــــــــــــــــا طوليييييييييييييي




د
أنتظر بقية القصة بفارغ الصبر مشكورة الغالية ترانيم على المجهود الكبير

ت
(20)

لم يعد هناك جدوى من الاختفاء والاختباء والتواري , وجودي من عدمه سيان , اذا كان املي لن يتحقق وحلمي الذي سعيت وراءه طويلا يوغل في الابتعاد والتلاشي , ما جدوى دفن الرأس في الرمال كالنعامه ؟

وشطب اسمي من سجل الاحياء الى الأبد ؟ اذا كنت سأبقى حيه بالهواء الذي يتردد في صدري فقط دون ان يجد صداه في حياتي , سجينه بيت شقيقتي وقبلها سجينه نفسي وظروفي , أتطلع لآمال لا تسعها حياتي تماما كصائد الرمال بشبكة صياد , من زرع الخوف في اعماقي ؟

متى اثمرت حياة القسوة التي كنت اعيشها ؟
لماذا اجني حصادا لست انا التي بذرته ؟
دوامه سوداء اقتلعتني من جذوري فوجدت نفسي في بيت ابي ابكي وانتحب , والاسرة متحلقه حولي بنظرات غاب عنها الذهول ليحل محله الألم والغضب واشياء أخرى , تكفلت بدريه بسرد كل ما تم الاتفاق عليه للأسره ..

حكت كيف وجدني بعض الرعاة فاقدة الوعي خلف احدى التلال القريبه من مكان الحادث وكيف نقلوني الى المستشفى المركزي لأبقى فيه أسابيع قليله حتى استرددت وعيي,فحادثت بدريه لتحضر مع شقيقي حمد ويعيدوني إلى بيت أبي , قبل ذلك بأيام ذهبت شقيقتي بدريه الى حمد وانتشلته من عالمه الوردي الى دنيا الواقع المليء بالأشواك , هزته حد الصدمه وأفاقته على شئ لم يخطر له على بال , فحضر إلي مهرولا من جنته الصغيره , لأعانقه ونبكي سويا ثم اتفقنا بعدما عرف الحقيقه ان يكتب لي تقريرا طبيا من المستشفى الذي يعمل فيه يفيد بأنني كنت ارقد في المستشفى في قسم العناية المركزه حتى استعدت وعيي ...

لم يعلم بالحقيقة سوانا (حمد وأنا وبدريه ) وحاولنا إقناع من حولنا بما رويناه , اقتنعت زوجة ابي واخوتي جميعا , بيد ان ابي بدا غاضبا وغير قانع , احترت كثيرا في تفسير موقفه وشككت أكثر وأكثر في حزنه لموتي المزعوم , بل كان يبدو حزينا لعودتي للحياة مرة اخرى ويتمنى اختفائي من امامه بأية طريقه ..

حدجني أبي بنظرة صاعقة قبل ان يسألني :

-لماذا لم تتصلي بي مباشرة بعد استعادتك وعيك ؟

ابتلعت ريقي بصعوبة وانا استشعر كتلة حجريه في جوفي لا تخرج ولست بقادره على ابتلاعها و قلت برهبه :

-ل...لم أتذكر سوى بدريه .... وحدها ... التي تذكرت!

ضمتني زوجة ابي وهي تبكي قائله :

-كم كان البيت موحشا بدونك .... وأشياؤك ... إنها ....


ثم انتحبت بصدق وحرارة ليبكي الجميع لبكائها ...

ثم قالت شقيقتي الصغرى ببراءة متناهيه :

-سامحيني يا أحلام لقد سرقت ثوبك الأحمر وأطواق شعرك الملونه لكنني سأعيدها لك فورا ...

ومضت تصعد السلالم بسرعة قبل ان اتفوه بحرف واحد , مشاعر الحب من حولي لم تعد لي سلامي الداخلي , ولم تبث الفرحة المتلاشيه في قلبي , بل على العكس من ذلك , فقد أثارت شجوني وبعثت أحزاني المدفونه من رقادها لتعود حية قوية متدفقة من جديد , وتطرق ابوابي بعنف وصلابة , حبي الذي انتهى قتيلا بلا أمل في حياة , وزميلاتي اللاتي تبعثر شبابهن على رصيف الحاجة والمستقبل , فانتفت الحاجه وضاع المستقبل , فلقين حتفهن شهيدات لمعركة لم يخترنها ولم يخضنها بإرادتهن وتركن وراءهن نفوسا ضائعه وقلوبا تحترق , ثم جاء قرار نقلي المتأخر الى الرياض كرصاصة الرحمة التي اطلقها الجلادون على قلبي , أرادوا الرأفه بوضعي كناجيه وحيدة من موت محقق , لكنهم بهذا قذفوا بي الى اتون الجحيم , فقد انتهى كل شئ يربطني بسعد , بعد هذا النقل المفاجئ , لن أراه بعد اليوم ولن تخطو قدمي ارضه الحبيبه , ولن ألتقي بعيني شقيقته المعبرتين , لن اعيش الاجواء التي احببتها حتى الثمالة , منظر القريه من بعيد , بيوتها الطينيه المنخفضه , مدرستي الحبيبه , حجرة المعلمات التي كانت ميدانا لأفكاري , وصراعي اللذيذ بين قلبي وعقلي , حجرة الصف وطالباتي الحبيبات بطيبة قلوبهم العجيبة المعجونه بماء هذا التراب الحبيب , حتى المديره المترعة بحنان الامومة وروعة التعامل الودي , الى الارض الطينيه لفناء المدرسه الكبير , لقد بنيت عليه بيوتا من خيال ورأيت احلامي تدرج فيه وتمضي وتكبر , نصبت عليه خيمتي الصغيره التي ضمتني وسعد وسعادة بلا حدود , وتشرب التراب الحبيب دموعي الغزيره فشكل عجينه طينيه أرتق بها ثقب أحلامي لماذا ؟
لماذا يأتي نقلي الآن بالذات بعد ان ضمر أمل زواجي من سعد وبات يندرج في خانة المستحيلات , لماذا يضن علي المسؤولون بامل البقاء معه في مكان واحد وأرض واحدة وتنفصل خطواتنا فلا نعود ندرج على قريتنا الحبيبه سويا بل يخطوها سعد وحيدا دامعا ينظر الى مدرستي السابقه بحزن يمزق الضلوع وقلب يعتصر ألما ومرارة ودموعا متحجرة تزرع البؤس والفناء , لم يكن همي النقل منذ وطئت قدماي القريه , ثم تشبثت بها كما يتشبث الغريق بالقشه التي تطفو على الماء , ثم ضربت جذور حبها مقا كبيرا في قلبي وكياني فلم اعد استطيع البعد عنها يوما واحدا
حتى بعد الحادث الأخير فقد كان املي الكبير في الحياة على ارضها يخفف من ألم ابتعادي المؤقت عنها , لكن بعد النقل , النقل الذي لم اطلبه يوما ولم اكتب به طلبا كزميلاتي اللاتي كن فعلا بحاجة اليه , فمنهن الابنه والزوجه والام والحبيبه ولم اكن من هؤلاء , لكن الدنيا هكذا تعطي الانسان ما هو ليس بحاجه اليه وتسلبه ما يحتاجه ويطلبه وحدث ما كنت اخشاه منذ عدت لدار ابي , فقد اجتمع بي أبي ذات مساء وانهي إلي أمر زواجي وانه بات مقررا بعد اسبوعين .... شهقت بهلع وقد اهتز كياني :

-ومن هو يا أبي ......... أقصد .... زوجي القادم ؟

قال بحسم وهو يمد لي يده بصورة فوتوغرافيه :

-الشيخ أبو علي تاجر قطع الغيار ...... وقد طلب سرعة تجهيزك لذلك أبدأي منذ الغد في التسوق ....سأعطيك مبلغا من المال لترافقي أم بدر او اختك بدريه للسوق ...

تنازعتني المشاعر فلم أدر بماذا اجيب ..... إنه يبيعني بثمن بخس ويعرض علي ببساطه أن اكفن نفسي للموت القادم وكأنه ليس موتا ...

كأنه ليس انتهاء وتلاشيا .... لملمت أشلائي الممزقه وجراحي الندبه , وبقايا من كرامتي السلبيه ومضيت احدق في الصوره التي احتوتها يداي .

ملامح صارمه جامده لوجه مجدور منفر مترهل وقبيح ....

فرت الدماء من عروقي وجف ريقي وتصلبت يداي ...

أضحكت الصورة ترتجف بين يدي ...

وصرخات عالية تدوي داخل كياني ....

كــــــــــــــــلا ....

لن اتزوجه كلا يا أبي أرجوك لن اتزوج هذا المسخ الآدمي المشوه ....

لن أدفن شبابي معه .....

كيف أجالسه وأبادله الحديث واتناول الطعام معه ........

بل كيف أراه وانظر اليه دون ان أتقيأ ويصيبني الاشمئزاز والغثيان ...

أبي ارحمني واتق الله في ابينتك التي تقودها نحو الهاويه ....

ربما تكون مجبرا على هذا الزواج لتنسيني سعد ..

لكن يا أبي ليس هذا هو من سينسيني سعد ولا عشره من أولاده او احفاده سنسوني سعد , إن سعد يا ابي كالمرض الخبيث , قد تمكن من نفسي وروحي فملكهما واستشرى دخل نفسي وضلوعي وامتد يسري مع الدماء والشرايين ثم يضخه القلب مرة اخرى ليعاود الكرة مرات ومرات , إن سعد يا ابي هو حياتي التي اعيشها , ودنياي التي أحياها وإذا أردتني ان أنساه فاقتلني فورا وحالا فسيطويني وحبه قبر واحد على أمل اللقاء في الآخره ...

إن هذا الرجل المنفر المائل في الصورة سيزيد من حبي لسعد بل سيؤججه ويشعله ويقطع أي أمل لي في حياة سعيده هانئه , ابي ارجوك لا تقتلني مرتين , فإذا كنت قد رفضت سعد زوجا في فدع الزمن يداوي جراحي ....

ويبرئ نفسي ويخفف احزاني ....
وبعدها ربما اتزوج وانسى وربما يقتلني الحرمان فأموت ... سألني أبي بهدوء :

-ما رأيك يا أحلام ؟

تدافعت الكلمات لتخرج من جوفي فلم أنطق ... لم أحر جوابا .... بقيت أحدق في الصورة ذاهله وقد تجمدت الدموع في المآقي وتحجرت الصرخات في الأعماق وتصلبت اليدان على الصورة بجنون ..... أردت أن اتكلم ..... أعبر عن رأيي , عن رفضي, عن عذابي , أن اصرخ بوجهه مهددة بأن اقتل نفسي لو أجبرني على هذا الزواج أو اهرب من البيت او في احسن الأحوال ألجأ إلى القضاء , تملكني لحظتها جنون عنيف أردت ان أمزق ثيابي وأدوس على الصورة القبيحه بأقدامي ثم انثر شظاياها بوجه أبي ....

قال أبي بنفس الصوت الهادئ :

-السكوت علامة الرضا .... إذن فأنت موافقه ....

سحب مني الصورة بنفس الهدوء القاتل المعذب ... ومضى ينشب مخالبه الحاده فيما تبقى من رفاتي المتحلله , بنفس تجردت من كل معالم الإنسانيه ومعاني السمو والرحمه ...

-سيدفع زوجك المقبل مهرا كبيرا اتفقت معه عليه سأعطيك جزءا منه والجزء المتبقي من حقي , فقد ربيتك ورعيتك ولم ابخل عليك بأي شئ أردته ....

اندلعت النيران في أعماقي وأنا جالسه أتشبث بمقعدي خرفا من الانهيار والتجاوز ...

لقد طالني ظلمك اخيرا يا ابي وانا التي انتظرت أياما وشهورا في سلسة لا تنتهي ....

مضيت أنظر عذاب اخوتي وخذلانك لهم وانا ارتقب دوري بحدس لا يخيب وخوف يخالطه رهبة كمن ينتظر دوره لدى طبيب جراح بعد سلسة من المرضى ...

كنت انتظر واثقه بأن أجلي سيحين عاجلا أم آجلا ...

وقد حان أجلي وبدأت يا ابي بضمير غائب ونفس متجردة من كل معاني الانسانيه والرجوله بظلمي وسلبي من ابسط حقوقي , بدءا من حبي الذي قضيت عليه بدون وجه حق , وفرقت بيني وبين حبيبي للأبد , مرورا بدفعي الى زواج غير متكافئ ويفتقر الى ادنى مقومات الزواج الطبيعي دون بارقة امل او بادرة تدل على انسجام او سعاده في قادم الايام , وانتهاء بقبض ثمن بيعي لتضيفه الى رصيدك المتنامي في البنوك بعد ان ألقيت لي بالفتات, وكأنك كنت تربيني وترعاني لتأخذ ثمني أضعافا مضاعفه , رغم أنني كنت اعتمد على نفسي منذ التحقت بالجامعه وبدأت أتسلم مكافأتي الشهريه , وقتها فقط بدأت أعرف طعم الحياة التي لم أعرفها قبلا ...

ابتعت لنفس ما احب من الثياب والحلى والحلوى والهدايا الصغيره التي اهديها لمن حولي في المناسبات ولم تدفع من جيبك قرشا واحدا علي منذ التحاقي بالجامعه عدا الطعام الذي نتناوله جميعا مع الخدم ....

أحسست بدموعي تحرق عيني ....

تود الانهمار بغزاره احتجاجا على الظلم والقسوة والألم وأمنعها قسرا كيلا استبيح ما تبقى من كرامتي وكبريائي ....

تراءى لي وجه أمي ...

لا ادري لماذا تراءى لي وجهها هذا الوقت فقط دون بقية الايام السابقه ...

ترى هل كنت اشعر بحاجه اليها , استمد من خيالها طاقه على الصبر والاحتمال , أم كانت تمثل لي الاستسلام اليائس والخنوع الذليل والامتثال على ما ليس لنا طاقه بتغييره أو احتماله ؟

فوجئت بنفسي اهتف :

-لا حول ولا قوة الا بالله ...

نظر لي ابي فجأه بذهول وترقب وكأنه خشي ان اكرر مأساة امي او اعيد الكره كشقيقتي ندى , لكنني فاجأته بعيون صلبة صلدة لا تحمل أي معان ووجه جامد خاو خال من أية تعابير .....
تحول ترقبه الى نظارت مقت وازدراء ثم تجبر وقسوة قبل ان يقول :

-استعدي من الآن ........ فزواجك قريب ...

أي زواج يا ابي هذا الذي تتحدث عنه ؟

اية فرحة تنتظرها بانكسارات الآخرين ؟

أي رقص على الجراح سترقصه ؟

أي شراب يمتلئ بدموع العروس , ستفرقه على مدعويك ؟

أي قلب معذب ستهديه لصديقك العريس ومعه اطنان من التعاسة والتمزق وحب يتشبث بالروح مختبئ في ازقتها ودهاليزها , مقسما ان لا يفنى حتى تفنى هي ....
أو يفنيا معا ...

أي عروس تلك التي تتباهى بها وبأنها فتاة غضة طاهره الذيل لتقدم لعجوز فان ....

قسما ان العجوز أفضل منها بكثير ...

فشبابها يتآكل من الداخل ويذوي بلا حساب وروحها كسيرة وقلبها انطوى على الاحزان ...

إنك تخدعه يا أبي , وستنكشف خدعتك قريبا ....

ثم أجهشت ببكاء مرير ......

(21)

أكنت حية ام ميتة تلك الليلة ؟
أكنت ملء السمع والبصر ام في غياهب النسيان ؟

لا أذكر سوى أطياف باهتة لخيالات ضئيله ثم تذوي حتى يطويها الزمان ...

يتناهى الى سمعي ضحكات خافتة ونساء يتحدثن وصراخ اطفال ....

تتسلل الى انفي رائحة البخور مختلطه بشذا العطور المختلفه وروائح العرق ...

أصداء لأصوات بعيده ورائحة طعام زكية تخترق ذاكرتي ثم سمت أبدي ...

اختلط علي الامر مرارا ...

بدوت جثة ثلجيه محاطه بكومة من الثياب البيضاء اللامعة ....

أكنت انتظر الدفن ام انتظر جثه اخرى قادمة لاصطحابي ؟

الى اين ؟

بالتأكيد قبر واسع بارد يسعنا نحن الاثنين بحوائط ثلجيه راسخه وبقلوب داميه ونفس صدئه بالأحزان ....

سمعت صوتها بقربي ..... إنه صوت أعرفه .......صوت حبيب وقريب الى قلبي :

-أحلام ...هل أنت بخير ؟

لم أرد .... وبماذا أجيب وهي تعرف تمام المعرفه ما بي .... تعرف قلبي المعلق بسعد وروحي المشتته لبعده عني , تعرف ايضا قصة بيعي وشرائي وقصة تحنيطي استعدادا للدفن , وكم قضيت وإياها ليالي ساهرات نبكي وننتحب دون ان تعطيني أملا واحدا في مصير آخر او حياة أخرى غير تلك التي انساق اليها رغما عني ...

دون ان تغذي نفسي بالتحدي والتصميم أو تغريني على الرفض والتحدي , ولكن ماذا بيدها هي حتى تفعله , إنها غير قادره حتى على الكلام , إن فاقد الشئ لا يعطيه , وهي تفتقد كل شئ , الحيريه والامل والمستقبل وحتى القدره على التعبير , انها ميتة مثلي حتى لو سارت واكلت ونامت , انها مسلوبة الاراده مشلوله التفكير , انها عاجزه حتى عن اختيار مستقبلها واخضاع ابي لإرادتها , انها عاشت وستموت كما اراد لها تماما , أرمله وحيده كسيرة تربي اولادها دون حلم غير احلام اليقظه , أو آمال غير أمل الصحة واستر او رؤبة غير رؤية أولادها وهم يكبرون امام عينيها ولا شئ آخر , أعادت علي السؤال بطريقه أخرى :

-أحلام ......... مابك ؟


وجدت نفسي ابتسم بمرارة .....ابتسم بألم .....أبتسم وكياني كله يبكي اشفقت عليها من جوابي , فمهما يكن فهي شقيقتي الكبرى , الضعيفه الغزلاء , التي ليس بيدها لا حول ولا قوة ...

ثم دخلة في نوبة من الذهول والصدمه انستني كل ما يدون امامي , فلم اعد ارى بعيني سوى ضباب , ضباب كثيف يهطل بلا انقطاع ويملأ الصمت داخلي ومن حولي , غرقت في عالم داخلي بلا حدود او عوالم , وخفتت الاصوات من حولي شيئا فشيئا , حتى تنبهت فجأة لوجه حبيب يقترب مني وجه خفق له قلبي واضطربت جوانجي , وجه سكن قلبي وتربع على عرشه بدون منازع , وجه أحيا له ومن أجله وأحببت الحياة لوجوده فيها , وما إن يغيب عن عالمي حتى تتبدى لي البشاعه في كل شئ , حتى في وجوه أحبتي , وأفتقد طعم كل شئ وأمقت كل شئ , ...... كلا ........

مستحيل هتفت بلا وعي ودموعي تغرق وجهي ..... سعد ........... سعد ......

تلقفتني اليدان برهبة وجاءني صوت نسائي اعرفه جيدا واحببته مرارا :

-كلا يا أحلام ..... أنا وضحى ....

حتى هذه اللحظه , وفقدت كل تماسكي ورزانتي وهدوئي ..... ألقيت نفسي بين احضانها أنتحب بيأس , تحول وجهي في لحظات الى خارطه ألوان ممزقه , لماذا جئت يا وضحى ؟

لماذا الآن فقط أقبلت ؟

لماذا ذررت الملح على جرحي ونكأت جرحا اقفلت على صديد ؟

لماذا جئت وجلبت معك الحنين والأمل واسترجعت معك حب الحياة والتشبث بالإراده ؟

لماذا تعودين الآن فقط وتبذرين في صحارى يأسي قطرات رجاء لا تتحملها إرادتي الضعيفه ويعجز عنها علمي التعس ؟

لماذا تعودين فتقضين على البقيه الباقيه من تجلدي وصمودي ؟

كيف اتقبل الآن حضنا غير حضنك ونفسا غير نفسك , وذراعين غير ذراعيك المحملتين حبا وشوقا بلا حدود من ذلك الواقف في الظل في احد الشوارع الخلفيه المظلمه يبكي بلا انقطاع ويمتلئ صدره بالحسرات ولآلام , ذلك الذي يرى انوار عرسي وضجة العرس خواء مريعا وصمتا داخليا يقتله الف مرة ومرة , قولي له يا وضحى ان يجفف دموعه ويتعالى على أحزانه ويطوي جرحه داخله وينساني ...

قولي له يا وضحى انني قد مت منذ ودعته اخر مره وان هذا العرس ليس الا مأتما حزينا يقودني نحو القبر الأخير ...

أقسمي له يا وضحى بأنني لن اكون لغيره ما حييت ....

ولينسني هو ... لينس أنه احبني يوما وليحب اخرى غيري ويتزوجها , أما انا فليرحمني الله .......أوصيك يا وضحى بسعد خيرا , فلا تنكأي جراحه ولا ترغموه على ما لا يريد , وان رأيته يوما باكيا أو دامع العين فقولي له بأنني لن أنساه ابدا طوال العمر ....

من بين ضباب دموعي احسست بمن ينتزعني من احضان وضحى بشده وعنف ثم سمعت صوتا يقول لوضحى :

-لماذا حضرت ؟ لقد كانت هادئه وصامته قبل ان تحضري ....

تناهى إلي صوت وضحى وانا في غيبوبة أحزاني :

-إنه سعد قد أمرني أن أوصل لها رسالة ...

رد الصوت عليها حانقا وقد عرفت ان صوت شقيقتي بدريه ....

-رساله !!! وفي ليلة زفافها ؟ هيا اذهبي من هنا رجاء .... وليعنا الله على تهدئتها ...

حاولت ان اتكلم , ان اطلب رسالة سعد بعد ان طلبتها كل جوارحي , حاولت ان انطق لكن دموعا هادره كاسحة اعتصرتني اعتصارا حتى غدوت كقطعة باليه لا يحويها شئ , سمعت اصواتا كثيره من حولي , احدها ينصح بإعطائي اقراصا مهدئه والآخير يوصي بإعادة تزيين الوجه مره اخرى , وامتثلت لكل شئ , تناولت اقراصا كما طلب مني , وسلمتهم وجهي ليضعوا عليه ما شاؤوا من ألوان , فلن ترسم تلك الالوان الفرحه على وجهي ولن تعيد صفاتي وابتسامتي , لن تخلق روحا مرحة ولن تصنع سعاده مفقوده , لن تزرع الوانهم الضحكه على شفتي ولن توشي عيناي بألق سرور لست استشعره داخلي , مضيت متجمده صلدة كقطعة ثلج خرجت لتوها من التجميد وزادتني الاقراص المهدئه خدرا وابتعادا , فلم استشعر شيئا مما يدور حولي , وكأنني كنت في عالم آخر أتفرج على انسانه اخرى يحدث لها ما يحدث لي وتساق لحتفها كما اساق لحتفي وتؤخذ غدرا واحتيالا ....


تعالت أصوات حاده من حولي خلتها في بداية الامر نواحا وعويلا ثم اكتشفت انها زغاريد مع دخول العريس , لدهشتي وذهولي لم اشعر بشئ على الاطلاق , لا خوف ولا رهبة ولا ترقب ولا مشاعر من أي نوع , فقط هدوء وتبلد ومشاعر ثلجيه لا تذوب ....

اقترب الوجه البشع مني , يدا بارده تحاكي مشاعري , تمسك بيدي , امشي باستسلام وتجلد , ساق الى نهاية لم اخرتها وحياة لم اردها ........عالم سطره والدي سطرا سطرا واختاره حرفا حرفا دون ان يفكر في تبعات أي شئ يفعله ....

غبت في غيبوبه اخرى والوجه القبيح يتفحصني بدقة وكأنه يعاين يضاعة استلمها للتو ليتأكد من صلاحيتها وخلوها من العيوب ...

أعجبته رغم تمزقي وضياعي ....

أعجبته البضاعه الشابه الجديده رغم قلبها المسلوب رورحها المفقوده ...

اكتشفت ذلك من ابتسامة وضيعة كشفت عن فم يخلو من معظم الأسنان ...

ابتلع عدة اقراص لا عرفها وشرب ادوية ومساحيق اجهلها ثم تخلى عن آدميته دفعة واحده وتحول الى وحش كاسر يلوح بأنيابه ومخالبه ...

ثم افقت على الحقيقه المروعه ...

ثيابي ممزقه بلا رحمة وشيخ يئن عجزا وانكسارا ...

عيناي تبتلعان الدموع ...

فما عاد لها جدوى او نفع ...

احدق في السقف المائل امامي بعيدا كقاع بئر مخيفة ثم قريبا كفوهة بركن يوشك ان ينفجر ثم ترقص الجدران امامي بدون غناء او موسيقى ...

تدور بي الدنيا , أكاد ادخل غيبوبه متواصله قبل ان ارى نحلة في منتصف السقف أو ربما كانت ملكة النحل كبيرة ومخططة باللون الاسود تنظر لي بعينيها السوداوين وقد انهت احد امورها الخاصه ...

لم اكن ادرك ما يحدث لي تماما حتى توالت الصفعات على وجهي قويه ثابته وكأنها ليست الايدي التي كانت تهتز منذ برهة ضعيفه عاجزه ....

صرخات حاده من حنجرة تحتضر :

-لماذا لا تساعدينني ؟ أنت لا تريدينني ولا ترغبين بي كزوج ...
أنت فاجره وتريدين فتى صغيرا في سنك...

لم افهم .... كيف اساعده ... وماذا افعل ... ولا كيف اوقف لطماته العشوائيه على صدغي وكتفي وكل مكان من جسدي ....

نظرت اليه بصمت وبلا دموع ...

يعينين فزعتين متسائلتين اثرت غضبه من جديد فأعاد الكره الفاشله مع مزيد من الضرب والتعذيب ...

وأدركت كل شئ فجأه وبلا مقدمات , إنه يبحث عن حائط ... حائط فقط وليس زوجة , حائط يلقي عليه بكل احباطاته وفشله وقذارته , حائط يجلده كل يوم ليفرغ به حمولة أعوام طويلة من القهر والصمت والانحناء , في ليلة واحده طالت قامته حتى تجاوزت كل الحدود وتقزم كل من امامه ليمارس تجاربه المكتومه على بشر أسوياء فيفشل المره تلو المره فيتحطم حاجزه أمام ذاته ....

فتبدو نفسه على حقيقتها بشعة ضئيله عاجزه , ولانه لا يقر بالعجز ولا يعترف به يمضي في ممارسة سلطاته العنتريه على من هو اضعف منه فيقسو ويقسو حتى لا يتبقى لمن امامه ذره كرامة امام فقدانه الانسانيه والعطاء ...

كان واقعي حقيقيا ....

لم تفاجئني به ايامي او تفرضه على ظروفي...

كنت استشعر التعاسه مقدما وادرك حجم مأساتي قبل ان اغشاها واعلم انني اسير في درب مظلم شائك لمستقبل اكثر ظلاما واعتاما ....

لذلك كان تقبلي لواقعي هادئا حد الركود , مثيرا حد العجب , لم اصرخ او ابك احتجاجا وألما , فزمن البكاء قد انتهى منذ فقدت حبي وحريتي , اما الاتجاج والتحدي فلا مكان لهما في خارطة عقلية ابي وتفكيره , فلم اجني سوى مزيد من القمع الاذلال , لم يكن من امر سوى الخنوع والصمت والامتثال مهما كابدت او قاسيت , تعذبت او بكيت , ضربت رأسي بالحائط أو بحجر لا فرق وسيان , لابد مما ليس له بد .....

بكيت طويلا على صدر شقيقتي بدريه , بكيت وانا استشعر حنانها الدافق واحضانها الدافئه أسألها بشوق ودموع تنثال على وجهي بغزاره :

-ما أخبارك ...... وسعود , هل كل شئ على ما يرام ؟ ...و ....

قاطعتني بإشفاق :

-رويدك يا احلام .... تخاطبينني وكأنك لم تريني منذ أعوام لا منذ أيام فقط ...

ثم أردفت ضاحكه :

-أخبارك هي المهمه ... ماهي احوال العروس ؟

شردت نظراتي طويلا حتى جفت دموعي وغرقت في دوامه صمت جديده . غاضت الابتسامة عن وجه بدريه ولاحظت ارتجاف يديها وهي تهتف :

-أحلام لقد اقلقتني ؟ هل انت حزينه لأنه رجل عاقل وكبير في اسن لقد كنت تعرفين هذا جيدا قبل ان تتزوجيه ... أم أنه لا يعاملك جيدا ...

عاودني التمزق والضياع واسئلة حيرى تتقاذفني دون رحمة , هل اشركها في مأساتي الجديده , وهل في قلبها مستع للعذاب ؟

الا تكفيها مسأساتها الازليه كأرمله أبديه بدون امل او رجاء عدا تشتتها بين عشرات المشاكل الصغيره و الكبيره التي تتوالد في بيتها بلا انقطاع , اهمالها من ابي , برودها مع زوجة ابي وافتقادها الحنان والرعايه من أخوتها ....

همست بقلب واجف :


-بلى يا بدريه إنه يعاملني جيدا ...

أحسست بارتياحها النسبي وهي تقول ك

-لم إذن لا تنسي سعد ؟

سعد ....... ياه ..... لقد ذهب تفكيرك بعيدا يا بدريه , لقد قطعت اشواطا لم افكر لحظة في تخطيها , لقد عبرت الفيافي والقفار والمحيطات التي حالت بيننا , في غمضة عين , كلا يا بدريه , كلا يا حبيبتي إن سعد أصبح بمنأى عن كل ما يدور في حياتي من نكبات متواصلة , إن سعد اسبح بعيدا كحلم بعيد المنال او كنجمه لا لا تطالها الايدي , بل غدا سعد كرابع المستحيلات الثلاثه , احتفظ به في قلبي منجما للحب يغذي نفسي التائهة بومضات حب تساعدني على الصمود والاستمرار , تساعدني على احتمال بومضات حب تساعدني على الصمود والاستمرار ...

تساعدني على احتمال كل الظروف مهما قست واستبدت , سعد يا حبيبتي هو من اعطى لحياتي معنى , ولوجودي بريقا , ولكابوسي الذي يتجدد احتمالا , سعد هو سعادتي المفقوده فكيف تريدين مني ان انساه يا بدريه ؟

إن هذا هو المحال بعينه...

أردفت مغيرة الموضوع ككل وكأنها قد ندمت على فتحه :

-وهل انتهى كل شئ مع زوجك على ما يرام ؟

حانت مني نظرة عابرة الى وجهها , فألفيتها تبتسم بخجل , أشحت بوجهي لأتابع ابن بدريه الصغير الذي كان يرافقها وهو يحاول بصعوبه فتح زجاجة المشروب , ولما فشل حطمها بقوة على الارض لتتناثر شظاياها في كل الاتجاهات , أحسست بألم الانكسار وقسوة التحطم فانكفأت باكية بلا شعور ...


::::::::::::::::::::::::::

إن شاء الله الإضافه الثانيه لي ستكون الاخيره مكونه من ثلاثة اجزاء وهي الاخيره

بقصة انثى العنكبوت ...

هل هناك شئ ما سوف يزيد من رصيد حزنها ؟؟

أم ان حياتها انتهى الى هذا الحد فقط مستسلمه وراضخه لحياتها الجديده ؟؟

انتظروني ...
ع
ياااااااااااااااارب تكون في احسن حال حرام تنتهي حياتها كذا الله لايسامحها ابوه لو انا منها اشتكي عليه في المحكمه ويجلسوني يدار رعايه ولا اجلس عنده............ انفعلت سوري هههههههههه بس كانها حقيقيه
لله يعطيكي العافيه بانتظار التكمله
ا
ش
لاااااااااااااااااااااااااااا لاااااااااااااااااااااااااااا ليه هيك
شو هل ياس هاااااااااااااااااااااااااااااد
معقول تظلهاااااااااا مستسلمه هيك
لازم يكون لاخر ظلم حد
يعطيك الف عافيه ترانيم
ما تطولي عليناااااااااااا
د
مشكورة الغالية ترانيم بس عن جد عيلة كلها ضعيفة حتى الرجال ضعاف هذي بسبب التربية من الصغر رباهم أبوهم على الضعف والإستسلام فكبروا وهم على هذا الحال

ننتظر بقيت القصة

ق
أما أبوها قصة لحالها هههههههههه
يعني مسوي فيها صاحب حق أنا بعطيج المهر وباخذ نصه خخخخخخخخخ
ولا هذي صورة المعرس، إي السكوت علامة الرضا هههههههههه وش هالكلام الواحد ما يدري يضحك لو يصيح

إإإإإإإإإإإإإإإإإيه دنيا الحمد لله على نعمة العقل والدين


عساج ع القوه ترانيم

يالله ننتظر البقية
ش
وينـــــــــــــــك تــــــــرانيم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
طـــــــــــولــــت عــــــــــــــلينــــــــا
مستنيتك :):)
ع
طولتي ياقلبي ياترانيم عسى المانع خير

ننتظرك ترى انا حصلتها عند اختي كتيب للروايه بس مو حابه اكملها الا معك
e
أختي ترانيم قصة أكثر من رائعة أرجو أن لا تطولي علينا بالاحداث لاني عن نفسي شعرت اني اعيش معها لحظة بلحظة
ق
بعد اليوم ما حطيتي شي
ت
كتبت ثلاث أجزاء الباقيه

إن شاء الله صفحتين وأخلص ...
ت
(22)



أتخذت مكاني بين زميلاتي الجديدات جسدا بلا روح , وعينين لا تبصران واعماقا تنزف بلا حساب , وبين ضحكاتهن وقرقعة فناجينهن ورائحة القهوه العابقه بالهيل رحلت بعيدا بعيدا حيث جروح جسدي التي تأبي الاندمال وتعيش حية نابضة بالألم والتحدي , تتجدد كل يوم وتسطر صفحات من اليأس والهوان بين يدي من يدعي رجولة لا يملكها ويملك قسوة لا يدعيها ....

تراءت لي ليلة الأمس بكل تفاصيلها المخزيه البغيضه بدءا من تناوله اقراصا زرقاء اللون ثم ارتدائه ثياب حيوان بري متوحش حتى ارتداده على عقبيه يجرجر أذيال الهزيمه , تلوح علائم الانكسار والخيبه على وجهه الدميم , عرق غزير , أنفاس كريهه تعبرني ببطء متعمد , ثقل يجثم على صدري , الخشونه تطارد أجزائي فلا اشعر لها وقعا ولا املك لها دفعا , أحول الهرب أغمض عيني وأشغل تفكيري ثم احسب الثواني والدقائق لتمر الأزمه ونجتاز ممرات لا تسمح بالعبور ...

بيد ان النهاية تتكرر وكأن العجز غدا الركيزة الوحيده لعلاقتنا وكل ما عداه من قبض الريح ...

أوهام واحلام نسجناها ببراعة لتدير شبكة الوهم عقولنا فلا نرى مواضع اقدامنا ...

انزوى جانبا يخلع ثياب الحيوانية ليعود انسانا من جديد وأي انسان !!!

إنه ليس سوى كومة قذره من الشيخوخه والعجز والانكسار ...

انحنيت اجمع بقاياي وألملم ما تبقى من ذاتي الكسيرة وكرامتي المبعثرة , حتى فوجئت بصفعة تدوي في فضاء الحجرة البارد , ثم انهالت الصفعات والركلات تطول ما عجزت الشيخوخه عن الوصول إليه ... صرخ بصوت جريح :

-ماذا تريدين , تكلمي .... ماذا تريدين ؟ سأعطيك كل شئ مجوهرات وأموالا .... ماذا تريدين ؟



وماذا فعلت ؟ حقا ماذا فعلت ليسألني ذاك السؤال ... لقد اتيته مسلوبه الاراده ذليلة خاضعه ليفعل بي ما يشاء , لم ارفض شيئا ولم اعارض او امنع , بل على العكس كنت له موردا وماء عذبا ملقى تحت اقدامه ليغترف منه كيفما شاء , لعبة خاليه من الروح والحركه ....

تمثالا من خزف او معدن ثمين او ذهبي حتى يضعه حيث يريد ويكسره ان شاء ان يكسره ويلقيه في البحر إن شاء ان يلقيه لكن العيب يكمن داخله .....

عجزت بقايا الرجوله الكامنه في اعماقه ان تتواءم مع جسد مسجى بلا روح كجثه باردة تبحث عن كفن يضمها , أو ربما هي الشيخوخه التي عجزت الا ان تطلق عنانها امام الشباب الحي والامل المتجدد , وربما هو عجز المالك عن احتواء البضاعه الجديده بعد ان اعتاد على البضائع القديمه وتعامل معها طويلا ....

صرخ بصوت اكثر حده :

-ردي ....... أجيبي على سؤالي ... ماذا تريدين ؟

الحب ....... هل اقول له اريد الحب ...... اريد من اهفو له نفسا وقلبا لتتداعى أمامه حصون جسدي وترفع قلاعي راياتها البيضاء , اريد من ارى نفسي بين عينيه ويراني روحا قبل ان اكون جسدا يرى السعاده في وجودي وارى الدنيا ملك كفيه , من ينبض قلبي له حبا وشوقا , من تهتف اعماقي باسمه ليل نهار , من يستعبد تفكيري ويأسر روحي ويملك قلبي بكل زواياه وأركانه , من يحيلني كتلة نار بنظره او بكلمه وأغدو قطعة ثلج لا تذوب حينما يلمسني غيره ...

من أشرقت دنياي لوجوده وازدان عالمي بحضوره وعدت منه واليه ...

صرخ كثور جريح :

ماذا تريدين ؟

الطـــــــــلاق .... هل هو أملي ومناي , هل فيه راحتي وسعادتي , هل استعيد بعده حبي وحريتي أم انه بعيد المنال كبعد شطحات أحلامي عن واقعي التعيس , الطلاق في عائلتنا مرفوض برأي أبي , وممجوج في نظر رجال الأسرة ومعيب لنسائها , فمن تطلب الطلاق فهي ترفض النعمة وتثور على المجتمع وتتحدى التقاليد والعادات وتقف امام الجميع كريشه في مهب الريح , ومن تطلق على الرغم منها فهي وضيعة منحرفه بلا اخلاق او ضمير .... وهو ؟ هل سيطلقني ؟ هل يتنازل بسهوله عمن بذل في سبيلها الغالي والنفيس ولم يجن منها سوى الذل والانكسار , هل يعيدها كما هي ليكتشف عجزه رجل آخر ويمضي بقية حياته سخريه الآخرين وشماتتهم , كلا انه لن يطلقني ولو كان الثمن هو حياته , فأنا حصيلة عجزه وفشله وشرخ رجولته , لذلك فلن يفرط بي أبدا , ولن يفرقنا سوى الموت !!

جذبني من شعري بكل قواه حتى خلت خصلاتي تتساقط بين أصابعه , صرخت من شدة الالم فضرب برأسي الحائط مرات ومرات حتى رأى الدماء تسيل على وجهي بغزاره فركلني وخرج ....

تحسست موضع الألم بينما قالت احدى الزميلات ضاحكه :

-من منكما الغالب ومن هو المغلوب ؟

أحمر وجهي بشدة لتقول الأخرى مشفقه :

-إن وفاء كثيرة المزاح والسخريه فلا يعرف احد جدها من هزلها فاعذريها .....

ثم تابعت وهي تنظر الى رباط رأسي بحذر :

-هل سقطت على راسك ... أم ؟

قاطعتها مضطربه :

-لقد اصطدمت بدولاب المطبخ عفوا ...

كانت هذه اجابتي النموذجيه التي سهرت طويلا لأطلقها في وجه من يسألني عن ضمادتي , وقد كنت اعرف انني سأسأل , ولن يدعني احد في حالي , اعانق جروحي الكثيره بلا امل في الشفاء , نحن نعيش في الشرق حيث لا حوائط ولا أقبية , الأسرار مشاعة للكل والحرية الشخصيه جماعية والمرأه مهمشه ذليلة والانسان يعيش في بيت من زجاج حيث باستطاعة كل البشر ان يقذفوه بالحجاره ...

-تفضلي هذه حلوى جديده اخترعتها واسميتها باسمي .... اسمها فياجرا ليلى .... لا تنسي ... احفظي هذا الاسم جيدا واذكريه لي كلما اعددتها لزوجك ...

تابعت بضحكه ذات مغزى ....

-سيعجبه طعمها بالتأكيد ...

دسست القطعه في فمي ليسري مذاقها الحلو وينعش خلاياي , إنها حلوى مصنوعه من التمر وبعض المكسرات المعروفه , ليس فيها أي جديد سوى اسمها المبتكر والذي يشكل جزءا لا يتجزأ من ليلي البيضاء التي يحيطها ضباب ازرق بلون السماء , ابتدأت الأحاديث النسويه تأخذ منحنى آخر وتعالت الضحكات الخافته والكلمات المغلقه , كرهت ان ابدو كتلميذه بليده تخطو اولى خطواتها على سلم الحياة , ابتلعت خجلي وترددي واحمرار وجهي المعبر , لأغادر في أول فرصه متحججه بدرس إضافي سأعطيه لطالباتي ...

ويتوه عقلي بين عيون طالباتي المحدقه في وجهي كأسراب من الخفافيش تطاردني حيثما كنت وحللت , ويبدأ القلب ينفض اوجاعه في سراديب الظلام , يتراءى لي وجه حبيب يحجبني عن العالم ويسدل استارا من النسيان على واقعي الكئيب , حينما كدنا نقترن بزواج ابدي همس لي ضاحكا :

-هل ستبقين تحبينني طوال العمر يا أحلام , أم سينتهي حبك شيئا فشيئا مع قدوم الأطفال وضجيجهم ؟

قلت بخجل :


-لن انجب لك سوى دسته أطفال فقط لا غير ...

ويضيع صدى ضحكاتنا في غياهب الصمت والألم لينبع صوت جديد يمزق شراييني بأنني لن احمل ولن ألد أبدا وسأخرج من الدنيا بقصة حب لم تتم , بيد انها ملأت حياتي طولا وعرضا واكسبتها مذاقا أقتات منه سنوات طويله مترعة بالجفاف والتصحر ....

-أبله ... كلمة منفى هل هي مذكر أم مؤنث ؟

انتشلت نفسي بصعوبه من براثن تفكيري , مشيت الى السبوره ببطء لأكتب الكلمه واعرابها , ثم اطلب منهم تدوينها في دفاترهم رغم انها ليست في المنهج , منفى , نعم انا اقبع في المنفى , زنزانه انفراديه تفصلني عن اهلي واشقائي واحبائي , يزورني السجان كل مساء لأذوق على يديه الوانا من الاذلال والمهانه والسقوط البشع , اشعر بأنني اتردى في هاويه بلا نهاية , انحدار بشع لانسانيتي وكرامتي وانوثتي , يقودني نحو الهلاك , لا بد من فعل ما , لا بد من ثوره , لا بد من تحرر والا انتهيت ذليله راكعه بلا مبدأ أو هوية , حضرتني مقوله لأحد الكتاب ( ان النمل بقى نملا طوال حياته لأنه لم يسع لتغير ذلك , لم يثر ولم يرفض فاستمر نملا الى الأبد ) وأنا لن ابقى نمله صغيره تداس تحت الاقدام , انني انسانه املك كل مقومات الحريه والشجاعه ولن اقف صامته هكذا الى الابد , لا بد ان افعل شيئا وسأفعل ....

-أبله احلام ... متى سيكون الاختبار ؟


تدافعت الاصوات الصغيره الى اذني لتزيح جبال الهموم التي اصمت اذني عن سماع أي صوت , نظرت لمن امامي مباشره طفله جميله لم تتجاوز العاشره من العمر ...


-أبله كل المعلمات قررن ان تكون اختباراتنا غدا , نرجو ان تؤجلي اختبار القواعد قليلا ...

سالتها بابتسامه انتزعتها من بحار الكآبه التي تعج بها نفسي :

-لماذ يا صغيرتي ؟

أطرقت قائله بأسى :

-زوجة ابي لا تسمح لي بالمذاكره سوى ساعتين فقط باليوم , وبقية الوقت اساعدها في اعمال المنزل ...

خفق قلبي وأنا اقول :

-وأمك ..؟

غشاء رقيق من الدموع غلف عينيها وهي تهمس :

-أمي ماتت , ماتت منذ زمن طويل , وقد كنت احبها كثيرا ..

ابتلعت دموعي التي تحشرجت داخلي , وقد فجرت مأساتها شظايا من الاحزان تؤلمني بلا حساب ...

قلت بصوت عال انكرته :

-سنؤجل الاختبار الى يوم السبت القادم ...

هللت الصغيرات فرحا لتعكس بريقا من اللؤلؤ في عيني اليتيمه الصغيره ثم تركض لتحتضنني هامسة :

-شكرا يا أبله انا احبك كثيرا ...

رفعت ذقنها بيدي لأمسح لؤلؤتين من الدمع الحقيقي لنحدرتا على خديها وقلت لها برقه :

-أنت ذكيه وجميله وستنجحين دائما بإذن الله ....

عادت الى مقعدها ترقبها عيناي .... رأيت فيها صورتي القديمه , احلام الطفله اليتيمه المهيضه الجناح بلا ام او اب او سند , ريشه تتقاذفها الرياح في كل اتجاه وتمزقها اعاصير الشتاء وزمهريره , ما زلت في اولى خطوات العذاب صغيرتي , ما زالت قدمك الطريه تلامس اول سلالم الموت البطيء , ستضربين وتهانين ثم تحملين جروحك داخلك وتسيرين داخل متاهات الحياة وتضيعك الدروب التي ضيعتني وتمزقك الانياب التي مزقتني , ثم ستكبرين وتحبين , ينمو الحب داخلك قليلا لتزهر نفسك كثيرا , ثم تتخاطفك المخالب والخناجر وتمزق قلبك الى مئة قطعة وقطعة لتنسيك حبك ومن خفق له قلبك , ولا تنسيه , لتعاود الاقدام الشريره تفتيت قلبك تحت ثقل خطواتها ولا تنسيه فيشعلون الدنيا حطبا ونيرانا ليحرقوا كل شئ ويتفحم جسدك عدا قلبك فلا تنسيه ... فيكتشفوا متأخرين ان حبه قد استوطن ذاتك وجرى جريان الدم في العروق وغلف الشرايين والاورده ولا مناص من انتزاعه الا بانتزاع الروح ذاتها وهذا ما لا يريدونه , ستكبرين حبيبتي وسيكبر معك العذاب , فكأنكما توأمان لا تفترقان وصنوان لا بد ان يجمعهما طريق واحد ...

ثم تلطمك الحياة اللطمة إثر اللطمه , تمتطين فجيعتك وترحلين في دروب الأسى حتى يدفنوك مع رجل , أي رجل , ليس مهما اسمه او رسمه , المهم انه ليس من اخترته واحببته , بكل كيانك فغدا محرما عليك حرمة المحارم والاشقاء ولن تلتقيه سوى في الجنه ...

ستبكين كثيرا وكثيرا ولن تكون لؤلؤتاك اللتان اهدرتهما توا سوى اول الغيث وليس نهايته .....

-احلام .... لقد انتهت حصتك منذ دقائق ...

انتفضت بعنف وانا اواجه زميلتي الجديده عائشه , حييتها بارتباك ثم سرت على عجل دون ان انظر الى الماضي من خلفي , الى احلام الصغيره البائسه التي عادت من الماضي لتذكرني بشوط كبير قطعته من المآسي ولم يعد في مقدوري تحمل المزيد و طريق طويل موحل وقذر لن يخلو من الحفر الصغيره والسقطات رغم ما صادفته في الواحه الأخيره من آمال واحلام داعبتني حد التصديق إلا ان وعورة الطريق اعادتني مره اخرى لتصطدم احلامي بصخره الواقع المرير فتتحطم ببشاعة وقسوة اقسى من قدرة ابي على تحطيمي وابشع من تعمد زوجي اذلالي , وافجع من تخلي اخوتي عني لدنياهم الخاصه ...

سألتني احدى زميلاتي باسمه :

-ما رأيك ؟ هل اعجبتك المدرسه الجديده ... أعني مدرستنا ؟


أحسست بهسيس الاحتراق داخلي وأنا اجيبها :

-نعم ...

(23)

يا أحبائي
لماذا ترحلون
بين أدغال الليالي القاتمه
أحرق الشوق فؤادي والظنون
أيقظت كل الجراح النائمه

(بشير عياد )

كفراشة ...... كحمام .... كيمام
غادرت عش تلك العاتية .... في هدوء في سلام في وئام
امتطت صمتي ذيول الفاجعه
انتهيت ....تاه عقلي .... هل ألام ... ذوب روحي في سماء سابعة

(سعد )

ورقة صفراء ممتقعه تحاكي شحوبي الماثل امامي في المرآه ... عينان سوداوان فارغتان , وجه جامد بملامح باردة كئيبة كوجوه الموتى , شفتان ذابلتان بلا روح او حياة , الورقة مثبتة بإحكام في بطاقة دعوة , دعوة زواج سعد على ابنة عمه , هل تمزقت , تداعيت تبعثرت أجزائي في كل مكان ؟
لكن مالي انا وزواجه ؟
فليتزوج أربعا لو شاء , فقد تحدد مستقبلي وانتهيت ولن يجمعني واياه طريق واحد الى الابد فلماذا تشتعل حرائقي ويمزقني الألم بنصله الحاد لأمضغ في فمي مرارات الدنيا بأسرها وأستعيد ذكريات ذهبت ولن تعود ....
ذكريات حبي وشجني وقطاري الذي يمضي مسرعا ملتهما احلامي وآمالي مواريا قلبي التراب , تقوض عالمي الداخلي كزجاج هش , ولم يبق سوى هيكل يتحرك بلا شعور او تطلعات ...... سعد حبي الوحيد .... حب الماضي والمستقبل , فرحتي اليتيمه وومضة الضوء الوحيده في حياتي القائمه , لماذا اصبح لي هاجسا ملحا ؟
لماذا عاد حبه بقوه كاسحة مدمرة وكأنني لم احبه ابدا سوى الآن ...

استسلمت للطوفان داخلي ليندفع محطما كل شراييني وتفيض عيناي بالدمع الغزير ...

همست وضحى مشفقه :

-أتبكين يا أبله أحلام ؟

وكأنها سكبت نفطا على نيران جراحي فاندلعت ألسنة اللهب حارقة موجعة تئن هل من مزيد ؟
احتضنتها ببؤس العالم كله وبيأسي وانهياري أزلزل دهورا من الصمت على صدرها المشفق الحاني ونبضات قلبها تصخ الحياة في أوصالي المرتجفه ....

قالت وكأنها تحكي لي قصة :

-لقد تعذب سعد ..... تعذب كثيرا وبكى كثيرا وبقي طريح الفراش أسابيع طويله لا يرى خلالها سواك ولا يهذي سوى بأسمك ...اغتالته نوبات الحمى التي لا ترحم ولا يجد الطب له شفاء ....حتى الشيوخ ومحترفو طب الأعشاب قرانا في أعينهم ظلال النهاية ولم نملك له سوى الدعاء ثم دخل في نوبة نوم متواصل لمدة أسبوع كامل كان لا يفيق خلالها الا لماما , وفي نهاية الاسبوع نهض فجأة من فراشه بين ذهولنا وفجيعتنا من أن تكون الصحوه الأخيره قبل الموت ....

بيد ان قلقنا تلاشى حينما رفمقناه يصلي , يصلي صلاة طويله , يبكي بحرقه وهو يدعو ثم يسجد مره أخرى , ومضى ليله بطولها على هذه الحال , وفي الغداة استحال الى كائن آخر ليس هو سعد المريض ولا الشاعر المرهف قبل أزمته بل رجل لا نعرفه , هادئ الطباع متزن تملؤه السكينه والثقه , عرفت وقتها ان سعد اخي الذي كان قد انتهى , سحقته الأحزان , وقتله اليأس , وتوارى في رمال الاستحاله , وان رجلا جديدا بطباع جديده قد سكن جلده وتقمص روحه وسرق دوره , سعد الجديد انسان ساخر يحتقر الحياة بماديتها وجمودها ويشكك في كل القيم النبيله على وجه الارض , انه لا يعرف سوى ان الدنيا قد سرقت منه روحه فليسرق هو من الدنيا روحها , أذهلني قبل أيام حينما عرض عليه والدي الزواج من ابنة عمي , وافق سعد بسرعة دون مماطله أو نقاش كعادته دائما , ومضى يستعد لشئ لا ادري كنهه لكنني اخافه , حينما ناقشته بضرورة إبلاغك بالأمر استمهلني قليلا ليعطيني هذه الورقه ملصقه ببطاقة الدعوه , فعرفت أنك ما زلت تحتلين أعماقه وتتنفسين خلاياه ...

همست لها وصدري يعلو ويهبط :

-أريد أن أراه ....

انتزعت نفسها من بين أحضاني هاتفة بجزع :

-هل ...أقصد ....يمكن .....أن يحدث ..... هذا ؟

ابتلعت دموعي الكثيره وانا اقول بثقه :

-وضحى ...يجب ان ارى سعد وبأسرع وقت ممكن ..


اقتحمت بدريه جلستنا المنفرده وهتفت بصوت جزع :

-أحلام ... لم تبكين ؟

ثم قالت لوضحى مؤنبه :

-ألم أقل لك يا وضحى انه من الافضل الا تلتقيها , لقد تحملت الصعاب من اجل لقائكما في بيتي , لكنني لم اتوقع ان يحدث هذا , هيا يا احلام ازيلي اثار الدموع واعيدي تجميل وجهك فزوجك ينتظرك في الخارج ...

مضيت معه منقبضه النفس مكلومة الفؤاد بيد ان احلاما غافيه نبضت في قلبي وأملا ساطعا كسهم مضيء ومض في طريقي المعتم بأنني سائرة الى لقاء سعد شئت هذا أم أبيت فهو قدري الذي أتطلع إليه ...

كان لقاؤنا قويا عاصفا محطما لكل السدود والعراقيل والحواجز , لقاء اختصر الزمان بلحظة واعتصر المكان بخطوه وألغى كل المسافات والاشتياق , فتفجرت البراكين من حولنا لتطلق حممها وشظاياها الناريه فتحيلنا الى كتلة محمومه ملتهبه تلتحم اجزاؤها بلا فكاك , مادت الارض تحت اقدامنا لنتوغل بخطوط زلزالية فنسقط في فوهة البركان , مرت شهور زواجي سريعة أمام ناظري لأنسى انني زوجة موصومة بعار العبوديه الأبدي , ونسي سعد انه عريس في ليلة زفافه , جرفنا التيار الشوق حتى الثماله لأفيق في اللحظه الأخيره :


-كــــــــــــلا ....إنني عــــــذراء !!!

التهمتني نظراته المتسائله وملامحه التي استفاقت توا على كابوس خيالي لا يصدق ...

طفقت أروي له كل شئ وكأنني أزيح اكواما من الجبال على عاتقي , قال بصدق وحبات من العرق تلتصق بجبينه :

-أحلام .... أريد ان أتزوجك ..

نظرت في عينيه وأنا ألهث :

-وزوجي .... وعروستك التي تنتظرك ...

اغرورقت عيناه بالدموع ليقول بثقه :

-لا مستقبل لك مع زوجك , يجب ان تنفصلي عنه بأسرع وقت ممكن افهمت وبأية طريقه ممكنه , وأنا لن أتزوج , لن أعقد القران الليله ولن أدخل على عروسي وليقولوا جن سعد أو فقد عقله فلا يهمني في الدنيا سواك ...

رافقتني وضحى حتى باب قاعة الزفاف الرئيسيه لأغادر المكان مع زوجي وكياني كله يرتجف ..... ترى ماذا سيحدث الليله ؟

لقد كان لقاؤنا من الصعوبه بمكان بحيث لم يكن هناك اكثر امانا من قاعة الزفاف المحجوزه لسعد , وفي ليلة زفافه بالتحديد قبل موعد الزفاف بساعتين على وجه الدقه , اقنعت زوجي بأنه زفاف صديقتي المقربه , رفض , وامعانا في اذلالي اغلق باب حجرتي من الخارج لأبقى محبوسه فترات طويله , انتظرته حتى عاد , القيت بنفسي تحت قدميه باكية وانا اعده ان هذه اخر مره أطلب منه هذا الطلب , وانني لن اخرج من البيت مطلقا , حدجني بنظره متفحصه ثم وافق على مضض بشروط غير مكتوبه ولا تقرا سوى في الأعين الصدئه المغلفه بغبار الشيخوخه ...
أرهبني الفارق الشاسع بين حنان سعد وعاطفته المتدفقه المشبوبه وبين الجيف المتعفنه التي تمزقني ليلا ونهارا بمخالبها النتنه وتلون امسياتي بلون الحداد , اذهلني الفارق بين الحياة والموت , الحيويه المتقده سحرا وجمالا ,والعجز المتفتق عن برودة وخواء , الاحتواء الرقيق المباغت وعنف الانكسار وفقدان الرجوله , تساءلت بكل مرارة الدنيا كيف أعود الى الصقيع البائت بعد ان عرفت نفسي حرائق العشق ومتعة البوح ....

كيف استسلم وانسى كعادتي , كيف انظر الى السقف أرقب عش العنكبوت الذي اكتمل وأعدو خلف الثواني البطيئه لتسير بسرعه .....


سألني بصوت أجش بارد :

-لماذا هاتفتني بسرعه لتعودي باكره ....الزفاف لم يبدأ بعد ؟

قلت بمرارة :

-ربما لن يحدث زفاف أبدا .... صديقتي قد تغير رأيها ....

ضحك بصوت محشرج مختلط بالسعال ليبدو فمه الخالي من الاسنان ثم قال :

-ربما هي خائفه من ليلة الزفاف ....

استمر يضحك وكأنه يسخر مني ومن جمودي وصمتي الغبي , نز جسدي عرقا عزيرا حتى كدت اغرق , يا الهي الهذا الحد يستضعفني وينكر وجودي ويسخر من عجزه وصمتي , انعدام رجولته وفقدان اهليتي , ظلمه وذهولي , وغربان سوداء تنعق فوق عشنا المتهالك آذنة بالخراب ...

ويحي , خاضعة ذليله , ويحي خائفه متهاويه لا املك جرأة سجين ثار على سجانه , ولا اتمسك بذرة كرامه تعينني على الهروب , ابي هل هو كلمة السر ام كلمة الظلم والانانيه والجبروت والقسوة ؟

وماذا يفيدني ابي عندما أموت مظلومه مسحوقه كنخله سامقة يقطع عنها امدادات المياه , لن يقلدني نيشان الشجاعه او وسام البطوله المستحقه بل سيركلني بعيدا عنه في قبر بالكاد يحتويني ثم يعود الى بيته متنهدا في راحة (لقد سترنا البنت ) هكذا انا في عقيدته شئت ام ابيت , ولادتي عار وزواجي خلاص وموتي سترة , اقفز على الدود الموجعة واستخلص حياة رفضتني في البدء وكرهتني في المنتهى , اعيش في مثلث خطر يهون امامه مثلث برمودا الشهير وينحني له اجلالا وهيبه , ليس هناك جدود متعارف عليها للممنوع والمباح ....

كل شئ ممنوع ولا شئ مباح ...

اشعر بأيد خفيه تتسلل الى عنقي لتخنقني , اجاهد لاتنفس , اجاهد لأستجلب نسمة هواء لرئتي المنهمكتين , وتبدت لي الحرية فجأة غامضه مغريه ...

لماذا لا أعود حرة أبيه من جديد ؟

لم لا اتخلص من هذا القيد الذي يخنقني ويسرق الهواء من محيطي ؟


لم لا اهرب بعيدا حتى لو ذهبت الى الجحيم ؟

لماذا اسلم نفسي وشبابي وحياتي مطيه لمن لا يرحم ولا يقدر ولا يفهم ؟

وحتى متى حتى اصحو ذات يوم وقد فقدت كل شئ واعود بيدين خاويتين ونفس ممزقه وجسد متهاو ولن يرحمني احد ....


كلا ..... دبت بي قوة مفاجئه وعاصفة من الرفض لم أعرفها قبلا تدوي داخل اعماقي ورنين كلماته الاخيره يبتر أي موجه استسلام تخضع لها نفسي من جديد ...


سأكون كما كنت دائما حرة ابيه ولن استجدي تراثي من احد فجداتي كن دوما نساء عظيمات لا يخضعن لأحد ولا يسمحن لكائن من كان ان يسطر امجاده المقدسه على حساب ضعفهن واحتياجهن ....

سواك يا أمـــــــــــي ...

واعذريني يا أمــــــــــــــاه ....

فضعفك كان يسري في شرايني ورئتي كما اورثته اخوتي من قبلي رجالا ام فتيات , أورثتنا ربما رغما عنك ....

الذل والاستجداء ونكس الرؤوس حتى العاطفه يا امي كنا نستجديها من الناس ...

كنا نشعر بأننا نسكن بيتا من زجاج يرانا الناس باحتياجاتنا عرض الحائط ...

لقد تركتنا يا امي ضعافا كقش تذوره الرياح ...أدوات ..... لعب في يد ابي يحركها كيفما يشاء واينما حطت مصالحه ونزواته , تركتنا نتخبط دون ان نعرف خيوط اللعبه ....

دون ان نعرف ان لنا حقوقا كما ان علينا واجبات وان لنا لسانا يجب ان نستخدمه وايديا لم تخلق عبثا ....

واقداما لن تعرف سوى الهروب ...

سامحك الله يا امي وغفر لك فما أورثتنا إياه لم يكن سوى إرثك الذي حصلت عليه من أجدادك وسنورثه نحن ايضا لأحفادنا اذا لم أقم بثوره ضد سجاني وجلادي .....

احتوتنا حجرتنا الكئيبه واجوائي تضطرم بنيران صاخبة تعكس لهيبها على وجهي الصامت ....


اقترب مني ملاطفا لم أر منه سوى حيوان متوحش بأنياب بارزة ومخالب حادة توشك تمزيقي , طفحت رائحته الكريهه لتزيد من لهيب النار التي تفوح داخلي وتوشك على الانفجار , انقلبت أمعائي وانا اشعر بغثيان شديد , دفعته بيدي وأنا اهتف لا ....

برزت عيناه من محجريهما وكأنني قد كفرت بالله او اعلنت إلحادي ...

صرخ قائلا بصوت جريح :


-هل جننت يا امرأه ؟

أعاد الكره فدفعته بشده اكبر وبحقد أعظم وبكراهيه أشد ...


أشهر سلاح الضعيف سلاحه الذي لا يملك غيره ..

انهال علي بالصفعات والركلات والضرب المبرح ...

وغلياني يزداد والحرارة اللافحه في جوفي تطلق حممها حتى نسيت نفسي وخرج المارد الحبيس داخلي ليعلن عن انتهاء فترة صمته , دفعته بكلتا يدي ....

ازداد جنونه وهو يرى تمردي وجسارتي ...

فأمعن في ضربي , ولم أشعر الا ويداي تمتدان الى عصاه الغليضه الملقاة على الأرض وأهوي بها بكل قواي على رأسه الفارغه فأحطمها بضربة واحده ...

ليتهاوى الى جواري فاقدا للوعي ....

وفاقدا الحياة كذلك ....
X