:::::: أنــــــثى العنــــــــــــــكبوت :::::::::::

تـــرانيم 29-02-2008 90 رد 9,049 مشاهدة
ت
(10)

أدرت قرص الهاتف بأصابع مرتجفه , وما ان وصلت لسادس رقم حتى وضعت السماعه مكانها , الساعه كانت تقترب من التاسعة وخمس دقائق مساء , تبا لي , أين الجرأه والشجاعه , اين القوه التي استمدها من كرامتي كامرأه لا ترضى لأي كان ان يمسها بنظرة او بكلمه ؟

إن صمتي ليس له سوى معنى واحد انني اطمع بالمزيد , وما المزيد الا خدش لسمعتي كفتاة واهانه لمكانتي كمعلمه محترمه , كلا, يجب ان استجمع شجاعتي وألقنه درسا لن ينساه طوال حياته , نظرت للدفتر الوردي بحنق ثم ادرت قرص الهاتف للمره العاشره ربما , جاءني صوت دافئ واثق يسألني من أكون , تلجلجت بالكلام قبل ان اقول :

-لو سمحت أريد ان أحادث الأستاذ سعد عبدالله .

سمعت آهه ارتياح من الطرف الآخر قبل ان يقول :

-أهلا , أنا سعد , من يتحدث ؟

اشتد غيضي وغضبي للثقه العاليه في صوته , وكأنني انسقت اليه ووقعت تحت سحره , فقلت له بنبرة عاليه :

-أنت تعتقد يا استاذ سعد ان الفتيات متماثلات , لكن لا , أنا لست مثلهن , أنا بنت ناس وقد تربيت تربيه عاليه واخلاقي فوق مستوى الشبهات , لذلك ارجوك ان تحفظ أدبك معي وأن تلتزم بأدب الحوار , لقد قبلت كتابك الأول لأنني كنت في حالة نفسيه يرثى لها , وكتبك الأخرى فوجئت بها رغم ان وضحى قد وعدتني ان تهديني اياها , وذلك الشعر السخيف الذي ارسلته ماذا تقصد به ؟

والله لو وقع في يد أبي لمزقك الى قطع صغيره , ثم الطامه الكبرى تعطيني موعدا على الهاتف يا الهي من تظن نفسك , وماذا تظن بي ؟

انني لست فتاة عابثه ولا لاهيه , وانت ماذا اقول عنك , انك بلا ضمير بلا احساس , أنت الا تشعر ؟

ماذا لو حاول اهم التحرش بوضحى ماذا تفعل بالتأكيد ستقتله , اذن لماذا تعاملني هكذا لماذا ؟

اجهشت بالبكاء رغما عني , جاءني صوته الدافئ كشمس تخترق الغيوم لتظهر


-كلا , لا تفهميني خطأ أرجوك , لست عابثا بدوري ولا أتسلى , لي اخت واعرف كيف احترم بنات الناس , لكن هل تسمحين لي بأن اعبر لك عما في داخلي بصراحه تامه ..

خفت بكائي شيئا فشيئا وانا استمع لكلماته , ثم غرقت في الصمت إزاء سؤاله , فلم اعرف بماذا اجيب , هل من الصواب ان ارد بلا فأجرح مشاعره بدون ان اعرف ماذا يريد قوله , او اجيب بنعم فأبدو كالمتواطئه معه الراضيه بكل شئ وأي شئ ...

تابع قائلا :

-آسف جدا يا انسه ولا اعرف كيف اعبر لك عن عمق اسفي لجرح مشاعرك وكرامتك , لكن الحقيقه إن سمحت لي بإبدائها سوف تبين لك كل شئ وبأنني لا اقصد سوءا من وراء ذلك ..

قلت بصوت خافت :

-ماذا تريد ان تقول ؟؟

علت نبرة الشجن في صوته وهو يقول :

-هل تصدقين عندما اقول لك بأنني صعقت عندما رأيتك للمره الاولى في بيتنا , لا اقول احببتك من اول نظره , كلا , فمشاعري اكبر من ذلك بكثير , كيف اعبر لك , كنت الفتاة التي ابحث عنها منذ ولدت , الفتاة التي اريدها الى جواري طوال حياتي زوجه ورفيقه درب , صديقه وحبيبه و اما لأطفالي وربة بيتي وأولا وأخيرا ملهمتي التي لا استغني عنها ابدا ..

قاطعته بخجل :

-أرجوك

تابع :

-بل ارجوك انتي , لا تظني بي السوء , فأنا لست من شباب المدن اللاهين العابثين , انني قروي ابن البدو الذي لا يعرف الا الصدق والحقيقه وقد احببتك واردتك زوجه لي منذ اول لحظه رأيتك فيها .....

صمت , وصمت بدوري , كان لصمتنا لغه اقوى من أي لغه في العالم , كنا لا نسمع سوى دقات قلوبنا واصوات انفاسنا اللاهبه ....

همس :

-احلام ..

نبض قلبي بجنون وانا اهتف :

-ارجوك دعني الآن , مع السلامه ...

رد بصوت خافت وكأنما قد استنفذ قواه ..

-آسف مره اخرى , مع السلامه ..

ألقيت برأسي على الوساده وجسدي كله يرتجف بعنف , ماذا حدث , وهل هذا ما اردته من مهاتفته , ان يسقيني حبه وعشقه وولهه كما تسقى الزهرة العطشى بالماء , ان يبث في اعماقي سمه الزعاف فلا يبقي ولا يذر , هاتفته لأقرعه واشتمه واصرفه عن طريقي بكرامه وكبرياء , فماذا حدث ؟
وكيف أخطأت المهاتفه هدفها واصبحت لقاء غراميا وبذرة حب تلقى في ارض مهيأه لتنمو وتخضر , ويحي , انه لم يطلب علاقه غراميه بلا هدف , أو لهوا ينذر بمأساة , بل احبني وارادني زوجه له على سنة الله ورسوله , وانا ألم اشعر بميل شديد اليه ؟

بالتأكيد نعم , بل قد تخلل صوته الدافئ شراييني وسار مع الدماء باتجاه القلب ليستوطن كل جزء به , انني اشعر بصدق كلماته , بتلقائيه بوحه , بدفء عباراته وهذا ما دك حصوني واقتحم قلاعي المشيده , فبت بالعراء معرضه لأية عاصفه او سحابة عابرة تقصف اجوائي , رباه ماذا دهاني وما الذي غير الدنيا في عيني فبدت اجمل والسماء اشد زرقه والنجوم اكثر لمعانا ؟ ما هذه الفرحه الغريبه الطارئه على عالمي ؟

ما هذا الاحساس بالخفه والانتعاش الخدر والذهول وكأنني قد ابتلعت شريطا كاملا من الاقراص المهدئه ؟

غابت عن ذاكرتي كل المآسي العائليه , ودموعي التي ذرفتها لأجلها , لتبقى صورته الوحيده في تلك الدار العتيقه عالقه بوجه ذاكرتي تأبى الزوال وكلماته الناعمه تشنف آذاني كمعزوفه موسيقيه رائعه أهدتني نوما هادئا قلما يتكرر مثله ...

صباح السبت فوجئت بصباح تجلس الى جواري في السياره التي تقلنا الى القريه , تبعثرت كلمات العزاء في جوفي , فلم أدر ماذا اقول لها ولا كيف اعبر لها عن ألمي وحزني لمصابها , بادرتني قائله :

-لقد وجدت رقم هاتف أبي راشد مع إحدى زميلاتنا فهاتفته البارحه ليمر علي اليوم , لقد غبت عن المدرسه بما فيه الكفايه , أليس كذلك يا أحلام ؟

ابتلعت ريقي بصعوبه باحثه عن كلمات رقيقه مواسيه , لكنها تابعت قائله :

-أتدرين يا أحلام , أن وفاة خطيبي عادل غريبه , فهل تعتقدين انها عين شريره عرقلت موضوع زواجي ؟

قبل ان أتفوه بحرف أردفت برنه حون دخيله على صوتها :

-كان يجهز شقة الزوجيه في ذلك اليوم المشؤوم , تقول أمه انه كان يرتب غرفة النوم الجديده ومعه عاملان وفجأه سقط على رأسه المكيف الذي لم يتم تثبيته جيدا , ونقل الى المستشفى لكنه مات في الطريق , أليس هذا عجيبا ؟


فتحت فاهي لأنطق لكنها قاطعتني قائله :

-الأعجب والأغرب من هذا , أن والدته تعتبرني شؤما ووجه نحس , فلم يمت الا حينما خطبني , احلام اليس هذا قدرا مكتوبا , اليس هذا قضاء الله وقدره , ما ذنبي أنا ؟ لقد انتظرت طويلا طويلا , وحينما فرحت خنقت فرحتي وقتلت داخلي , أتدرين ان ثوب زفافي الأبيض معلق في دولاب ثيابي أراه ليل نهار يسخر مني , يهزأ بي , يثبت لي انني لن اتزوج مدى الدهر ..


ثم بكت صباح , مضت تنشج بصوت مسموع وشهقاتها تكاد تمزق صدرها اليائس , ثم خرج صوتي وانا اقول :

-صباح , ما هذا , ألست مؤمنه بالله , ما هذا اليأس والقنوط ؟ لقد مات خطيبك لأنه ليس من نصيبك , ونصيبك آت بلا ريب , فما زلت صغيره وجميله , كما انك متعلمه ومئات يرغبون الزواج منك ...

قالت بصوت متهدج بالبكاء :

-إنني يائسه يا أحلام , يائسه وحزينه ومحطمه , ولا ارى حولي سوى السواد , لا امل في ماض ولا مستقبل ولا حاضر , إنني ....

وانهارت في بكاء حاد مره أخرى لتجتمع عليها زميلات الدرب ما بين مواسيه ومعزيه , لا ادري لماذا دمعت عيناي أنا ايضا ؟ أكان تجاوبا مع دموع صباح ومشاطرة لأحزانها , أم حزنا آخر بدأ ينبثق من داخل أضلعي وقد دفنته الأحداث الأخيره لكنها لم تمحه ابدا , خالد وقد ودعنا مثقلا بالأحزان ومترعا بالخيبه ومحملا بالهزيمه عاد الى ابنه المريض خالي الوفاض الا من حقد ومرارة وآلام لا توصف بعد ان ودعه والأمل يحلق به الى احلام ورؤى واطياف رائعه من وهج المستقبل , لكن أباه قد خذله وأعاده يخفي حنين , الدموع عصيبه في عينيه والقلب تعصف به أحزان وفقدان الامل , احزان من يكتشف فجأه ان الاسوار العاليه من حوله ليست سوى جدران هشه من زجاج تتحطم لأقل حركه فتصيب الشظايا نفوسنا بجروح لا دواء لها ولا شفاء , احزان الخذلان المرير فيمن كنت تعلق عليه اكبر الآمال واحزان العوده بأيد خاويه لطفل يموت وأم تنتظر على حافة الأنهيار , أحزان الضعف والضآله لقلة الحيله وانعدام الرجاء ..

لكن الأمل في الله كبير , وقد بعثت اليه كل مدخراتي القليله مع ما تملكه شقيقتي بدريه وما تبرع به صالح , مع اعتقادي بأنها غير كافيه لكننا نطمح بالمشاركه بكل ما استطعنا لعل وعسى أن يقدر الله أمرا ويشفى هذا الصغير من أجل أبويه ...

ثمست لي إحدى الزميلات :

-إن صباح منهاره تماما , المفروض ان تحصل على إجازه حتى تنسى او تسلو او حتى تعود لحالتها الطبيعيه ...

التفتت لأجد صباح تهتف غير مباليه بصوتها العالي الذي يصل الى السائق ابي راشد :

-شئ غريب , بالتأكيد هي عين واصابتني , مات , مات فجأه ..

وأنا لن اتزوج ابدا ابدا , وثوب العرس , وجهازي الذي ابتعته من افخم الاسواق ....

تعاونا على انزالها من السياره الى المدرسه واجلسناها في حجرة المعلمات مع احدى الزميلات , ثم جلسنا مع المديره نتباحث في شأنها , فقررت المديره تحويلها للوحده الصحيه لتتمكن من الحصول على إجازه رسميه ترتاح فيها وتعود كما كانت , صباح المرحه المازحه المتفائله دائما ..

بعد ان اطمأننت على صباح ذهبت لإعطاء الطالبات درسا , وما ان كتبت عنوان الدرس حتى صرخت احدى الطالبات :

-أبله ... اليوم هو اختبار مادة القواعد ...

ابتسمت وانا امسح ما كتبت على السبوره لأبدلها بكلمة اختبار , وقع نظري على وضحى وانا اكتب اسئلة الاختبار للطالبات , اندفع الدم الى وجهي وارتجفت اطرافي , تذكرت ذلك القابع في اعماقي , بل انني ما نسيته لحظه واحده , كلماته الدافئه لا تزال ترن بأذني , عاطفته الصادقه أيقظت حنيني الغافي , حبه الصريح فجر ينابيع مشاعري فتدفقت كسيل جارف لا يحده شئ , رباه إنني احبه , احبه بكل ما في هذه الكلمه من معنى , احبه بصورته الرقيقه بصوته الواثق الحنون , بكلماته المعبره الشجيه وحتى بخطه الدقيق الأنيق , احبه كما لم احب بشرا في حياتي , واحببت لأجله قريته النائيه ومدرستي العتيقه , وبيتهم الطيني القديم , وسكان القريه , ايضا طريقي اليومي الى المدرسه , سبحان الله كم كنت امقت هذا الطريق الوعر واشعر بالخوف والوحشه حينما اصحو صباحا , ثم اشعر بضيق في الصدر وغثيان شديد حينما انضم لزميلاتي في السياره وامضي بقيه الطريق في قلق لا يسرقني منه النوم كزميلاتي حتى عودتي الى بيتنا مره اخرى , لقد تبدلت الأحوال في لمح البصر فأصبحت أصحو دون منبه بنشاط وحيويه وبهجه وأركب السياره مع زميلاتي بفرحه زاعقه كفرحة الطفل بنزهه في مدينه الملاهي واغيب في نشوه الطريق حتى نصل للقريه الحلم فيدق قلبي بجنون , وأراقب الطرقات البسيطه لعله يكون في أحدها سائرا , اتابع بعيني الماره لعله يكون بينهم , احدق في وجه شقيقته امامي بحثا عن ملامح حبيبة غائبه أو بالجوار , قالت وضحى باسمه :

-لقد انتهيت يا أبله من حل الاختبار ...

وأخذت منها الورقه لتنهال علي بقية الاوراق من باقي الطالبات , في نهاية اليوم وقبل ان تبدأ رحلة المغادره اقتربت وضحى مني لتبلغني سلام والدتها وتعطيني وعاء صغيرا من السمن البلدي الذي تبرعت والدتها في صنعه ...

في السياره قلبت الوعاء في يدي لأفاجأ برساله ملتصقه أسفل الوعاء , كانت اول رسالة حب أتلقاها في حياتي ....


(11)


أول مره في حياتي اركب طائره أشعر بأنني احلق بين السماء والارض بلا ثوابت او رواس , اتعمق داخل السحب وتبتعد عني الارض شيئا فشيئا حتى تغيب عن ناظري , فلا ارى سوى سماء زرقاء من مختلف الجهات وقطع ضخمه من السحب , ترى هل معنى هذا انني قريبه من الله , ايكون دعائي في الطائره أقرب الى الله من دعائي وانا على الأرض , اذن فلأدع وأتوسل الى ربي ان يشفي عبدالرحمن ابن اخي خالد ويزيح هذه الغمه من صدره , سألني شقيقي صالح الراكب بجواري في الطائره وكأنه يقرأ أفكاري :

-هل تعتقدين أن عبدالرحمن سيشفى ؟

تنهدت بقوه وانا ألملم أطراف عباءتي السوداء ..

-أرجو ذلك , فلندع الله يا صالح ان يشفيه الله لا يخيب رجاء عبد اذا دعاه ..

بسمل صالح وتمتم بمناجاة طويله لم اسمعها ثم غرق كل منا في افكاره ....

تداعت ذكرياتي القريبه حينما هاتفني شقيقي خالد قبل ليال , سالته بلهفه اذا كان قد استطاع تدبير السفر الى الخارج لإجراء الجراحه لابنه عبدالرحمن , أجابني بصوت يخيم عليه اليأس والقنوط :

-أحلام أنا بحاجه اليك , بل في امس الحاجه لوجودك الى جواري , فعبد الرحمن في حالة صحيه حرجه جدا ولم اتمكن من تدبير المبلغ اللازم للسفر , زوجتي ايضا مريضه وترقد الآن في المستشفى , فهي حامل بالشهر الثامن كما تعلمين , لكنها تعاني من نزيف حاد وهبوط في الضغط وحالتها حرجه ايضا فهي تعلم حال ابنها جيدا وتعلم انه يموت ....

صرخت هلعا :

-لا يا خالد , لا تقل هذا , ان عبدالرحمن سيعيش عمرا مديدا بفضل الله ورحمته فلا تتشاءم يا اخي رجاء ...

أجابني بهدوء :

-إنك رقيقه يا احلام , وتحاولين تجميل الحقائق , لكننا نعلم جيدا انه لا أمل , احلام هل تستطيعين ان تحضري الى تبوك وتمكثي لفتره بسيطه حتى تتحسن الأحوال أو يأخذ الله أمانته ؟


امتلأ قلبي بالأحزان فلم اعرف بماذا اجيب , اردف خالد قائلا :

-أعرف ان ابي سيعارض مجيئك لكن هل ستحاولين ؟ لا احد الى جوارنا هنا , فزوجتي ليس لها شقيقات , وامها متوفاة كأمي ولا صداقات قويه تتيح لنا ان نثقل على الآخرين , انني وحدي في البيت مع الاطفال , واجازتي التي اخذتها من مدير المدرسه قاربت على الانتهاء وانا مضطر أن أعود خلال أسبوع ..

حاولت اخفاء نبرة الحزن من صوتي وانا اقول :

-عموما الاجازه الصيفيه على الابواب , اسبوعان على الأكثر وتبدأ الاجازه , خالد اعدك بأنني سأحاول مع ابي ولن يرفض مساعدة انسانيه كهذه ..

أحسست به يبتسم في سخريه على الطرف الآخر لكنني تابعت :

-لن أتأخر يا خالد في مساعدة بسيطه , وسأحاول بكل جهودي ....


قامت زوبعه في البيت ليس لها اول ولا آخر منذ اخبرت أبي بطلب أخي خالد , انتفخت اوداجه وبرزت عروق رقبته نافرة جليه وهو يصرخ :

-أنت فتاة , الا تعلمين ما معنى فتاة , يعني أي شئ يخدشك ويقضي على سمعتك وسمعة أهلك ....

-لكنني يا ابي سأذهب عند اخي وليس عند احد غريب ..

-ولو أي مكان تغادرين فيه بيت اهلك هو خطر عليك واي خطر , لن تخرجي من هذا البيت الا لبيت زوجك , وليتصرف خالد كما كان يتصرف دائما بدوننا , ألم يشعر بالحاجه الينا سوى الآن , الآن فقط ..

-إننا أهله يا أبي , لمن يلجأ اذا لم يلجأ الأبن الى أهله , فالظفر لا يخرج من اللحم ....

-إنسي هذا الموضوع واغربي عن وجهي وإلا حرمتك من التدريس , انكفأت أبكي بحراره وانا اصور خالد يواجه الدنيا بمفرده , بلا أب ولا أم ولا أخوه وكأنه يتيم لا حول له ولا قوة , إتق الله يا أبي وقف الى جوار ابنك ولو مره واحده في حياتك ليذكروها لك بعد الممات ..

لقد رفضت مساعدته وهو في أحلك الأوقات وأتعس الظروف وقبضت يدك عنه وأدرت ظهرك له , لا تقض عليه يا أبي بهذه الضربه القاصمه بأن تمنع أخوته من مساعدته , فلن يضيرك في شئ ان سافرت له ووقفت الى جواره في مأساته المزدوجة باسمك وتحت رعايتك , وتأكد أنني شريفه طاهره سأحفظك في أي مكان أحل فيه وفوق أي أرض وتحت أي سماء فلا تخذلني يا أبي ..

عجزت عن النطق بحرف مما يدور في أعماقي ومضيت أنهنه في بكاء خافت يحمل عجزي وضعفي ويأسي , حتى تدخلت زوجة أبي , سمعتها تناقشه وتقنعه ثم تقترح ان يرافقني اخي صالح في غدوي ورواحي , علا صوته في البدايه حتى ملأ فضاء الحجره من حولي ثم تضاءل شيئا فشيئا حتى خفت , فترقبت قدومه ليعلن لي موافقته المشروطه , انها ليست المره الاولى التي تتدخل فيها زوجة ابي لصالحي , فقد تدخلت مرات كثيره اذكر منها حين رفض ابي تعييني في مدرسه بعيده عن مدينتنا , فأقنعته حتى وافق , وقتها ايقنت بأن الاب لا يحب اولاده الا اذا كان يحب والدتهم , وربما بل بالتأكيد ابي يحب زوجته ..

جاءني بعد لحظات قائلا :

-استعدي للسفر قريبا , لكن مع اخيك صالح ولمدة قصيره فقط , أفهمت ؟

مرت ايام قبل ان يستأذن صالح من عمله وأستأذن من مديرتي في إجازه اضطراريه قصيره ثم نحلق في الطائره ..


سمعت صوت الميكروفون يعلن وصول الرحله الى تبوك , نزلنا مع افواج المسافرين وانا اقبض يد شقيقي بقوه شديده وكأنه سيهرب مني ...

لفحتني الأجواء الحاره بمجرد خروجي من جو الطائره المكيف , اذ الاجواء متشابهه في بلادي , لكن احساس المرء قوي بما هو غريب عنه اكثر من القريب ...

رأينا خالد في المطار , غصة ألم في حلقي شعرتها حينما اقترب منا , لقد نحل عوده وشحب وجهه وذبلت عيناه , بيد ان الالم الأكبر احسست به حينما رايت طفله عبدالرحمن في المستشفى , لم اشعر الا بدموعي تجري حارة على خدي , لقد هالني مرآه لدرجه كبيره , فقد كان كومه عظام ملقاة على سرير , لم يبق فيه سوى عينين سوداوين كبيرتين , خالد كان على حق , إن عبدالرحمن يموت لكن ببشاعة وبطء...

استقبلتني زوجة اخي خالد بنواح افزعني رغم انني توقعته , هي الاخرى ترقد على سرير المرض هزيله ناحله الا من حزن كبير تشي به عيناها , رباه الهذا الحد تنهار الاسره وتتحطم , رباه إنني ابتهل اليك ان تشفي عبدالرحمن لتعود اسره اخي كما كانت وتعود الابتسامه اليهم من جديد ...

لكن أحقا كنت أمل ؟ أكان لدي رجاء بأن تحدث معجزة في هذا الحطام البشري ؟
لكنه يحي العظام وهي رميم وهو قادر على كل شئ سبحانه ....

الوحيد الذي كان لاهيا مبتسما غير عابئ بشي هو ريان , إنه لا يدري بالمأساه المروعه التي تحيط بالأسره , لا يدري شيئا عن نعيق البو وعن طيور الموت القادمه لتخطف شقيقه, احسست بألم شديد يعصف بكياني , لماذا بخلت عليه يا أبي بحفنه من النقود لينقذ حياة ابنه او حتى ليلقيها في البحر أو ليحرقها إن شاء , فمهما يكن من امر تكون قد فعلت ما يجب علي أي أب ان يفعله وضميره مرتاح , لكن ما فعلته يا أبي يخالف كل الشرائع والقونين وسنن الحياة وضمائر البشر , لقد قتلت ابنك مرتين , مره برفضك لمساعدته والمره الاخرى بتنكرك لإحساس الأبوه داخلك وكأنه ليس ابنك ولست أباه ...

حادثت شقيقتي بدريه عبر الهاتف وأنا ابكي , وما لا تعبر عنه الكلمات ولا تفي به العبارات أحست به بدريه بأعماقها تدعمه قوة الترابط بيننا , همست لي بأن اتماسك ولا انهار امام خالد حتى لا يفقد هو الآخر رباطة جأشه , اوصتني ان ادعمه بالأمل رغم غيابه وأبدد طائر الموت بالوهم والرجاء وأن اعين زوجته المحطمه على تقبل اعباء الحياه , ويحك يا بدريه ان ما تطلبينه مني هو المستحيل بعينه , كيف ابدو رزينه هادئه امام براءة يغتالها وحش كاسر , أبوه يتمزق لوعة وامه تتلوى حسرة وألما , كيف ارى الحياه وهي تسلب منه رويدا رويدا ولا اصرخ ..... أبكي وانتحب بجنون , اعذريني يا أختاه فالموقف أكبر مني والوضع لا طاقة لي بالتجمل امامه , لقد نسيت نفسي وقريتي وحبي الوليد , ضاعت قيمة الاشياء وازدادت تفاهتها امام وهبة الموت القادم ...

تحاملت على نفسي ومضيت ارفع من معنويات اخي وزوجته , فوجدت بي زوجته متنفسا لحونها المكبوت , وعذابها الصارخ ودموعها الحبيسه , فبدأت شيئا فشيئا تتخفف من همومها وتتماثل للشفاء حتى استطاعت العوده الى البيت على قدميها والصغير لم نملك ازاءه الا الدموع وآيات من القرآن الكريم أتلوها عليه بصمت شفيف وعينين دامعتين ...

حينما خفت وطأة المرض قليلا ينظر لي بعينيه الواسعتين ثم يبتسم بوداعة قائلا بصوت خافت :

-أريد أن ألعب بالكرة ..

شئ ما يجثم على صدري , خالد يختنق بالدمع فلا يجيب فأقول له ببشاشه :

-ستلعب بالكره ان شاء الله قريبا ..

-وريان ؟

-ريان سيلعب معك لكنك ستفوز عليه ..

-لكنني متعب ورأسي يؤلمني

-ستشفى ان شاء الله ولن يعود رأسك يؤلمك ..

ثم أدير رأسي الى الحائط وأبكي , ابكي بصمت وحسره تجاوبني عيون اخوي خالد وصالح , يهتف خالد بمرارة وهو يضرب الحائط بقبضة يده :

-أشعر بالعجز الشديد , لماذا لم يساعدني أبي وهو يملك الاموال الطائله , ما نفع امواله اذا لم تسعد اولاده في حياتهم , تبا لها من اموال ...

أتبادل وصالح نظرات صامته حائره , يتابع بأسى :

-كان هناك امل كبير بالشفاء بعد العمليه الجراحيه اخبرني الاطباء ان نسبة الشفاء عاليه تصل الى 90% لكن ماذا أفعل ؟ لقد فعلت كل ما في وسعي ولم استطع استكمال بقية المبلغ , الهي انني عاجز , عاجز ..

وجلس على ارضية المستشفى البارده يبكي بمراره .

حادثنا ابي بضرورة العوده الى الرياض , وقال بأن الحاجه قد انتفت لوجودي , فقد خرجت زوجة خالد من المستشفى ولم يعد هناك مبرر لبقائي ...

ودعتهم وانا اتجلد وأقاوم كيلا أسفح الدموع لتجري كالأنهار , ثم مررنا بالصغير في المستشفى , كان يعيش نوبة قاسيه من ارتفاع الحراره الشديد وجسده يتفصد من العرق ...

قبلته على جبينه قبلة انحدرت على اثرها الدموع لتبلل وجهه الحبيب وعينيه وفمه الصغير , انتزعني صالح من بين احضان الطفل وهمس لي بأن اتجلد من أجل خالد الذي ينتظرنا بالخارج ..

ودعنا خالد وقد بدا مذهولا ضائعا ..

وفي الطائره بكيت كثيرا لدرجة انني لم ار الناس من حولي ولا المضيفات ولا ادري اين اجلس وبجوار من !!

بعد وصولنا البيت بفتره قصيره , رن جرس الهاتف , لا ادري لماذا شعرت بانقباض النفس , تناولت سماعة الهاتف وانا اقاوم غثياني , جاءني صوته , خالد , وكأنه قادم من عالم آخر , تماسكت بصعوبه كيلا اتهاوى سألته ونذير الشؤم يقترب امام عيني ....

-كيف حال أم عبدالرحمن ؟

بصوت معدني بارد أجاب :

-لقد انجبت طفلا ...

قبل ان أبارك له , أردف قائلا بنبرات الصوت البارد القاتل :

-وأسميناه عبدالرحمن ..

شهقت برعب وأنا أهتف :

-هل تعني .... تعني .....أن ؟

-لقد مات عبدالرحمن منذ نصف ساعة فقط ...

صرخت بلوعة وانا اسقط في عالم من فـــــــــــراغ ...
ط
الله يرحمه وربي اني حزنت عليه وعلى ابوه وامه

اااااااااااااه منك يا ترانيم كملي كملي يالغلا ناقصين احنا عوار قلب وحزن

قصه موثره وحلوه وواقعيه كاني اشوفها او اسمع عنها

كملي مشتاقه اشوف بقية القصه

والله يعينك علينا ويعطيك الف عافيه
ق
ما توقعت إن أبوها يوافق تسافر، وما توقعت إنها تتصل على سعد الصراحة بدل ما ترفع نفسها طيحتها المفروض ما تتصل ولا كأنها شافت الرقم وتخليه في حيره لكن إتصالها ما بيعطيها قوه أبدا بل ضعف لأنها في داخل نفسها تحن للحب والحنان وأي كلمه بتسمعها بتصدقتها حتى لو ما كانت نابعة من القلب.

أما استغربت من أخوها اشلون يسمي البيبي على إسم ولده اللي مات أحسها غريبه وخصوصا أن يكون لنفس الأب والام يعني لو كان لأم ثانية كان قلنا معليش، بس ما أدري أحسها الحركة اللي صارت ضعف في القصة وما كان لها داعي أن يسمي بإسم ولده اللي مات وهذي معناه أنه ما يكن أي مشاعر لولده عشان جذي سمى باسمه عشان ينسونه ويمحون ذكراه، واذا كان تصوري خطا والابو يحب ولده فعشان جذي سمى ولده الثالث باسمه فهو بهذي الطريقة يظلم هالولد الجديد عشان هم الغو وجوده وإعتبروه بديل لعبد الرحمن وهذي خطأ كبير.
وبعدين اشلون الوزارة وافقت على تسميه الولد باسم أخوه لنفس الأبو (هذي أعتبره خلل في القصة) هذي بالنسبه للحياة الدنيا أما بالنسبه للآخره فإذا جينا نوزنها يوم القيامه الأولاد ينادونهم لأمهاتهم يعني ما يصير ينادون 2 عبدالرحمن لنفس الأم فمن هذا الباب المسلمين ما يسمون 2 بنفس الإسم لأم وحده.

ا
اه ياقلبي يارب يشفي كل الاطفال اللي بمثل هالمرض
اتخيلت الولد اااااااه

قصة رااااائعة تشوقنا نعرف النهاية الله يعطيكي العافية يارب
د
الله يرحمه وربي اني حزنت عليه وعلى ابوه وامه
ومعقولة في ناس ببساطة تتخلى عن أولادها بالسهولة هذي ظالم هذا الأبو
حبيبتي ترانيم ممكن تكملين القصة
ش
لا حول ولا قوة الا بالله
كملي ترانيم كملي
قصه رائعه مع انها حزينه جدا
من واقع مررررررررريررررررررررر
ربي يشفي كل مريض ويصبر هم يا الله
ق
وين القصة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ق
شوووووووش

عجبوني الفراشات ممكن آخذ وحده ؟؟؟؟

أنا فراشاتي ميتين ههههههههه ما يتحركون
ش
هههههههه
خديهم حبيبتي قطايف كلهم

على حسااااااااااااااابك
بس المشكله مش عارفي وين راحو لانهم اختفوووووووو ههههههه
ق
شكراااااااا


ترانيم وينك اليوم 3 يوم ولا شفنا شي عسى ما شر
د
قطاف;5418275:
شكراااااااا


ترانيم وينك اليوم 3 يوم ولا شفنا شي عسى ما شر





من طول الغيبات جاب الغنايم أكيد بترجع لنا بالقصة كلها
ت
(12)


إلى أحلام ..

عيناك عيناك .. ماذا اقول ؟

فجر يضئ سمائي وبدء افول ..

عشقتك دهرا .... أريد الحلول .... حصوني دكت ليلي نهار وجبالي سهول ....

أحلام ....

أعذريني فلن تلجمني لسان محب فصيح عن التعبير , اعذريني إن احرجتك او جرحتك أو آلمتك بأية كلمه او حركه أو عباره ....

لكن المشاعر تمور في صدري , فلا أجد لها متنفسا سواك , أتدرين أنني اقف صباحا أراقبك حين قدومك الى المدرسه وما ان اطمئن عليك حتى اعود راضيا الى مدرستي , اتحسبين أنني لا أعرفك او أميزك من بين الف فتاة اخرى , انت مخطئه , فقلبي يدلني عليك اينما كنت وحيثما حللت ...
أحلام , اشعر بأن حبي لك نادر الوجود , ليس مثل أي حب في هذا العالم ...
إنه حب متفرد يسري مع الدماء ليأخذ بمجامع قلبي وعقلي وكياني ..
وهذا الحب نهايته الطبيعية هي الزواج فهل توافقين ؟
هل تحلمين بي كما احلم بك ليل نهار ؟
هل تحبينني كحبي الأهوج لك ؟
هل أنا فتى أحلامك مثلما أنت فتاة احلامي , انتظر ردك لأحضر على جناح السرعه خاطبا واخطفك على الحصان الأبيض ...


متى ستعرف كم أهواك يا أملا أبيع من أجلك الدنيا وما فيها لو تطلب البحر في عينيك أسكبه أو تطلب الشمس في كفيك أرميها ..

أسير هواك سعيد ..
الرياض 9مساء ـ ت : 477..... كل أربعاء



الى أحلام

لا أدري لماذا اسطر لك هذه الكلمات , اهي رغبه في البوح أم هو احتياج للمشاركه , أم هي اخوة وصداقه لا اكثر , وأيا كان السبب فإنني أتألم , أتألم بكل ما في هذه الكلمه من معنى , في صحوي ومنامي , غدوي ورواحي , تطاردني عينان سوداوان لجسد ناحل أصفر , يغلبني إحساس المهانه والضعف بأنه كان في مقدوري عمل شئ ما لإنقاذ ولم أفعله , كان بإمكاني أن أبيع كليتي , أعضائي كلها واحد واحدا , نفسي حتى , لأنقذه من المصير المحتوم , كان يجب ان افعل شيئا , أسرق أقتل ولا اتخلى عنه بهوان كما تخلى عني والدي , ما الفرق يا أحلام بيني وبين أبي , أحدنا باع ابنه من أجل حفنه نقود , والآخر باع ابنه لأنه ضعيف , كلانا أنذال جبناء , كلانا لا يستحق سوى الازدراء والمقت , لكن ماذا افعل أكثر من ذلك , لقد ازدريت نفسي ومقتها وقتلتها حزنا ندما , ماذا أكثر ؟

أتعرفين انني اتحاشى النظر الى عبدالرحمن الجديد , عبدالرحمن الصغير أشعر بأنه قد سلب أخاه روحه كما سلبه اسمه وسيسلبه حب أمه وأبيه وعطف شقيقه ريان , ومن ثم الاهتمام والرعايه ثم نسيان الراحل شيئا فشيئا حتى يهال على ذكراه التراب كما اهلناه على جسده ذات يوم ...

أحلام , سامحيني , إنها تداعيات أب مكلوم ونفثه من غليان تكاد تفجر صدري ....

أخوك
خالد ... أبو عبدالرحمن


...........

خطابان قرأتهما في اليوم ذاته , الأول أقرأه للمره الثالثه على التوالي , وتنتابني الاحاسيس نفسها والمشاعر الفياضه ذاتها , احساس غريب بأنني أحلق فوق السحب خفيفه منتشيه اشعر بأنني مختلفه عن بقية البشر متفردة بذاتي , لي كينونتي الخاصه وأحلامي التي ليست كالأحلام , انني احبه بالفعل وهو اول حب يتفتح عليه قلبي ويزهر , احببت كل شئ فيه , شخصيته العبقريه التي تشفها كتبه بنبوغه , تميزه , وسامته وصوته الحبيب , كل شئ فيه يشدني اليه ويجعلني ارسم الصوره الورديه التي اهفو اليها بكل كياني , صورة بيت الزوجيه المقبل المملوء حبا ودفئا وحيويه وزوجا يأسرني بعاطفته وحنانه الدافئ وعينيه الآسرتين وأطفال كأزهار صغيره يانعه ...


ترى هل يوافق ابي على زواجي من سعد ؟ أم يحطم أحلامي كما فعل مع اشقائي من قبل , لكن سعد رجل لا يرفض ابدا , شاب متعلم مثقف طموح من عائله مرموقه محترمه , بأي مبرر يرفضه ويقضي على مستقبلي , كلا انه لا يستطيع ولو حاول , فسعد لي وانا له , ارتبطنا بخيوط لا مرئيه تشابكت فيها احلامي مع احلامه , طموحي وطموحه , ورسمنا مستقبلا باسما نرغب في تحقيقه , لا يهم ان انتقل هو الى مدينتي او انتقلت الى قريبته البعيده او اقمنا خيمه في الصحراء هي عش الحب المأمول , ما يهمني ان نكون معا يدا بيد في أي مكان وزمان يجمعنا الحب والود ويدفعنا الطموح لتحقيق كل ما يمكن تحقيقه , سأهاتفه في موعده المرتقب ولن اخيب رجاءه لا لأبثه لواعج حبي بل لأطلب منه كفتاة محترمه تقدر وضعها جيدا وتحافظ على سمعتها ان يلج البيوت من ابوابها ولن يخيب رجاؤه ابدا بإذن الله ...



بيد ان خطاب أخي خالد أحبطني ونشر في داخلي مشاعر الأسى والإحباط فتذكرت الصغير الراحل بعينيه السوداوين المتسائلتين وقبلتي الأخيره التي اختلطت بالدموع وانا اطبعها على جبينه الملتهب , رجفة شديده تسري في كياني وانا اتصور ذلك الجسد الصغير تحت الثرى , هل كانت نقود ابي ستساعده وتمنع شبح الموت عنه , انه مقدر ومكتوب ولا مفر منه لكن أبي بقسوة قلبه لم يدرك فائدة الامل وبث الرجاء في نفوس من حوله وكسب اولاده الى صفه بجزء تافه لا يذكر من النقود بالنسبه لثروة ابي الكبيره , لكنه , سامحه الله , يتفنن في ابعاد اولاده وقتلهم واحدا بعد الآخر حتى صغاره من زوجته الثانيه لم يشملهم بعطفه وحنانه سوى فيما ندر , وكأنه يخشى ان تضيع هيبته حينما يلاعبهم او يضمهم الى صدره , اخي خالد تجلد فأنت تعاني مرارة الخذلان أكثر منها مرارة الفقد , الإحساس البشع المريع بأنه لا حائظ تتكئ عليه وان ذلك الجبل الصامد في حقيقته ليس الا بئرا جافة هاوية , فخا أكثر منها نقظة حماية , لست الوحيد يا خالد الذى عانى خذلان ابي له فواقع أخوتك يشهد على ذلك , لا تيأس يا أخي الحبيب , فعزاؤك أننا دائما معك بقلوبنا وأرواحنا وكل ما نملك , واحمد الله انه عوضك بسرعه عن عبدالرحمن بعبدالرحمن آخر , وما اراده الله هو الخير دائما , وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم , قبل عبدالرحمن بالنيابة عني وابعث لي صورة له وهو يبتسم , لا تيأس اخي فالدنيا قادمه ..

بعثت له الرساله ليجاوبني بعد ايام قليله بصورة للصغير الذي كان لدهشتي صورة طبق الاصل من اخيه الراحل بعينيه الواسعتين وشعره الاسود الحريري , وحتى ابتسامته الرائعه , وقد كتب خلف الصورة الى عمتي الحلوه , شكرا ...

فرحت بتخفف اخي من احزانه رغم المرارات العالقه بوجدانه وانتظرت الساعه التاسعه من يوم الاربعاء بفارغ الصبر لأسمع الصوت الذي لا يفارقني دفئه , وقد استعددت استعدادا حقيقيا , وكأنني سألتقي معه هو وليس مع صوته فقط , فارتديت ثوبا ابيض ناصعا بلا اكمام واطلقت شعري من اسره وقيوده , فتهادى على ظهري بفوضاويه محببه معلنا الفرح باستقبال حبيب العمر وزوج المستقبل , ما ن خرج ابي من البيت حتى اختطفت الهاتف وقلبي يدق في خوف , ثم ادخلته حجرتي واغلقت الباب بالمفتاح ...

انتظرت لحظات ليتوقف قلبي عن الخفقان ثم ادرت قرص الهاتف وشوقي يسبق الأرقام ...

جاءني صوته مضمخا باللهفة :

-أحلام ... أخيرا ... لقد انتظرت دهرا ..

أغمضت عيني وكأنني اختزن صوته الرائع في ذاكرتي قبل ان اجيب :

-لقد انتظرت ابي حتى يخرج .... رغم انني اعرف ان ما افعله هو الخطأ بعينه لكنني لا ادري لماذا افعله .. إنني لم احادث رجلا في حياتي , ولا اتصور تلك العلاقات القائمه بين الفتيات والشبان , فإنها في عرفي محرمه وممنوعه ومستحيله أيضا ...

-أحلام .... أنت تعرفين جيدا بأنني لا ألهو ولا أعبث ... إنني احببتك لأتزوجك , لا لأي غرض آخر , وقد اخبرت امي بذلك ولا تتصوري مقدار سعادتها وفرحها , فقد اثنت عليك كثيرا وقالت انني لن اجد افضل منك جمالا وأخلاقا وتدينا , حتى وضحى .... إنها تحبك كثيرا يا أحلام .... كلنا نحبك يا أحلام ...

ضحكت على الرغم مني .. وأنا اقول :

-نسيت أن أبارك لك نجاحها , ماذا تفعل وضحى بالعطله الصيفيه ؟

خيل لي أنه ابتسم قبل ان يقول :

-لا شئ , تقرأ أحيانا , تجتمع مع بنات الجيران أحيانا اخرى , ونادرا جدا آخذها معي الرياض وأمي بالطبع , كما انا الآن ربما لا تدرين أنني أحادثك من بيتنا في الرياض , فنحن نملك عمارة كبيره تتكون من 12 شقة ..

أعطاني أبي هذا السكن لأتزوج فيه فيما بعد , لأنني انوي جادا الاستقرار في الرياض ....

ثم أردف قائلا :

-متى تريدين أن أتقدم لوالدك يا أحلام ؟

تلعثمت وتلجلجت قبل أن أهتف :

-كلا ... ليس الآن ... وقت آخر ..

صاح بحزن :

-أحلام .. أشعر بأنك غير راغبه في الزواج مني , تحاولين التأجيل أو المماطله , لماذا ؟ هل هناك آخر ؟

شهقت بفزع :

-أبدا أبدا , مستحيل , لا يوجد سواك في حياتي , لكن ....

ومر طيف عبدالرحمن الصغير بخيالي كما رأيته آخر مره بعينيه السوداوين ووجهه الشاحب المودع ... فتابعت بأسى :

-إننا نمر حاليا بظروف سيئه , لقد توفي ابن أخي منذ أيام وهو في حالة يرثى لها ...

-أنا آسف , لم اكن اعلم , عموما احببت ابلاغك بأن هناك قصيده ستنشر لي في جريدة الرياض , ربما بعد غد , أرجوك اقرأيها , فهي موجهة اليك بالدرجة الأولى ...


-حسنا أعدك بقراءتها , وداعا فأبي على وشك الحضور ...

-إذن سأنتظرك كل اربعاء في الموعد نفسه .... ألن تعطيني رقم هاتفك ؟

-بلى في المره القادمه ... وداعا ...

أعدت الهاتف الى مكانه وحمدت الله ان احدا لم يلحظ غيابي , ثم عدت الى فراشي هائمه في عالم آخر لا يمت لعالمي بصله , لقد اصبح هذا الرجل جزءا لا يتجزأ من حياتي , بل أضاف معنى وبريقا لوجودي , فقبل ان اعرفه كانت حياتي عاديه باهته تكر كما حبات سبحة عتيقه , أو كالماء النقي بلا لون ولا رائحه ولا طعم , وبمجيئه تغيرت الاشياء وارتدت لون البهجة والفرح , تبدل الماء الصافي الى الوان والوان وسلب شتى النكهات والروائح , غدوت أدرك معنى الحياة وسر السعاده والبهجة , ان الاهتمام بشخص ما معناه ان ادور في فلكه كقمر تحركه الارض بجاذبيه لا تقاوم واستمد السعاده من وجوده وعطائه , سبحان الله , كانت حياتي السابقه كئيبه جافه بلا روح فأشرقت الانوار بوجوده وبت اجد السعاده في اشياء صغيره لم ألتفت إليها سابقا حتى ابتسامه طفل من اخوتي تمدني بعاطفة حسبتني لا املكها , لمذا صددته حينما عرض التقدم لخطبتي , اهو حقا من اجل اخي خالد أم خوفا من ان يصده ابي وتوارى أحلامي الثرى , اردت ان اعطي نفسي مجالا اكبر للأمل , فسحة اكبر للرجاء , احلاما اطول واطول , ترى ماذا يكون موقفي لو رفضه أبي ؟
هل سأقف في وجهه رافضه ساخظة معارضه ام سأنكس رأسي باستسلام مرير وانسى كل شئ؟ وهل استطيع ان انسى ؟ وهل مثل سعد ينسى ؟ إن ابي لن يرحم ضعفي ودموعي , لن يأبه لألمي وانكساري لن يثنيه رجائي واسترحامي , إنه ابدا سادر في غيه ماض في حكمه دون النظر لأي اعتبارات اخرى حتى لو كان من يتكسر تحت قدميه هي قلوب ابنائه وليست اوراقا خريفيه صفراء ...

قلبي يؤلمني واشعر بضغط شديد على صدري حتى انني لا اقوى على التنفس حينما اتخيل ابي وهو يجهض حلمي الوحيد ....

اشعر انني في حاجه لإنسان ما , انسان قريب حبيب افضي اليه بما يقض مضجعي دون عقد ودون حياء , فوجئت بنفسي اسرع لأجلب الهاتف , وفي لحظات أدرت رقم هاتف شقيقتي بدريه ...

-أهلا أحلام ... هل أنت متعبة ؟

-لا .... لا شئ

-هل يؤلمك موت عبدالرحمن ؟

-كثيرا ..... كثيرا جدا ....

وأجهشت بالبكاء ... سمعت صوتها الطرف الآخر رقيقا مواسيا لا يحتمل آلاما اكثر .... يكفيها ما تعانيه ....

-شكرا يا بدريه .... لقد ارتحت الآن ...

-هل هناك شئ آخر يزعجك ؟

-إنه مغص لا يلبث أن يزول ....

أغلقت سماعة الهاتف ودموعي عالقة بالسماعه ...

(13)

مرض أبي , نعم سقط الجبل الشامخ الصامد في نوبة حمى طويله ...

أحالته سهلا منخفضا منبسطا بلا ارتفاعات أو التواءات , سقط بلا حول ولا قوه كرضيع ما زال يتلمس خطواته الاولى عبر الآخرين ...

ما زلت اذكر ذلك اليوم الذي دخل فيه ابي البيت مرتبكا مهزوزا على غير العاده , سالته زوجته اذا كان يريد الغداء فورا لكنه ابلغها بأنه متعب ورفض كل شئ ودخل لينام , لتصرخ ام بدر بعد ساعات : اسرعي ....

أسرعي يا أحلام إن أباك لا يفيق ولا يتحرك ولا يتكلم ....

تجمدت في مكاني لحظات لأستوعب المفاجأه , ثم أسرعت ركضا لجهاز الهاتف أطلب شقيقي صالح ليحضر طبيبا على وجه السرعه ....

عايشنا قلقا رهيبا واحتمالات مخيفه وتوجسات واوهاما حتى طلب الطبيب نقله فورا الى المستشفى وطمأننا أنها حالة عارضه وستزول خلال أيام ....

انتقلنا جميع الى المستشفى ليرقد أبي على السرير الأبيض لمدة يومين عاد بعدها الى البيت ناجيا من ذبحة صدريه كادت تخسره حياته , فقد اكتشف الاطباء انه يعاني من ضيق في الشرايين التاجيه يلزمه علاج دوائي طويل الأمد وراحة نفسيه وجسديه ...

وقفت بمحاذاة فراش أبي أغالب دموعي , فقد كان ضعيفا , في منتهى الضعف والخوار , لم أره إلا قاسيا مستبدا يبطش بلا رحمة ويقبض عطفه حتى عن أقرب المقربين إليه , يغتال الدمعة ويجهض الفرحه , ابي ليس أبي ....

فقد تحول الى انسان آخر لا يمت لأبي بصله , أبي الجديد انسان كسير مهزوم لا يملك سوى دموع شفافه تترقرق بها عيناه كل حين ....

أثارتني المفارقه واستدرت عطفي ودموعي , فوقفت إزاءه مواسية , قال بصوت خافت متهافت :

-أحلام , هل تهاتفين سعاد ؟

فغرت فاهي دهشة , سعاد , يا الهي مالذي جعلها تخطر في باله بعد كل هذه السنوات الطويله ؟

سعاد المتهوره المندفعه التي تتحدث بلا تفكير وتعمل بلا عقل يحركها الجنون والطيش , سعاد الجميله الجريئه ذات الابتسامه المميزه والشعر الاسود الغجري , سعاد التي اخرجتها يا ابي من مدرستها, ودفعت بها في زواج غير متكافئ من اجل خلافات تافهه مع زوجتك على كل شئ واي شئ , أتذكر سعاد يا أبي بشقاوتها وعنادها وحركتها السريعه التي لا تهدأ , وكأنها تريد انجاز كل شئ في وقت واحد , فيضيع الوقت ولا تنجز شيئا ابدا , سعاد يا ابي فتاتك المميزه بكل شئ فيها , حتى جننها المستعر وحرائقها الدائمه , لقد بكت طويلا يا ابي ليلة احضرت فيها زوجتك الجديده الى بيتنا , بكت حتى تقرح جفناها من كثرة البكاء , ثم قالت كلمتها التي لم تحد عنها ابدا ( لن أدع هذه المرأه تأخذ مكان امي في البيت بسهوله , لن ادعها ترتاح , إما هي في هذا البيت وإما انا ) بالتأكيد كانت هي , وليست سعاد , هي بريئه يا ابي رغم شراستها , طيبه رغم جنونها , لم تكن تدري لسذاجتها أنك قد دفنتنا وقتما واريت امي التراب , فمتنا معها في نظرك لتبدأ حياة جديده وأولادا جددا , لم تكن تدري انك لم تحب سوى نفسك , وأنك لا تتورع ان تبيع ابناءك للشيطان من أجل راحتك وطمأنينة بالك ...

لم تكن تدري ان خلافها الدائم مع زوجتك سيؤدي بها الى هذا المصير ...

وأي مصير ؟؟

إنه قتل بطئ متعمد مع سبق الاصرار والترصد ...

لقد حرمتها من الدراسه التي عشقتها ووهبت فيها واحبت مجتمعها من صميم قلبها , ولم تكد تصحو من هذه اللطمه الموجعة حتى فاجأتها باللطمه التاليه الأشد قسوة ومرارة لتموت سعاد واقفه !!

ما زلت اذكر اليوم البعيد حينما قلت لها بصيغة الأمر : غدا زواجك فاستعدي ..

كانت الصدمه قاتله فلم تحر جوابا , المتكلمه كانت شقيقتي الراحله ندى حينما سألت بذهول :

-ومن هو يا ابي ؟

قلت بلا اهتمام وانت تدير ظهرك لنا :

-إنه رجل عاقل توفيت زوجته ويعيل أولادا ..

هتفت ندى بلا وعي ...

-مثلك يا أبي ...

فوجئنا بالصفعه المدويه التي هوت على صدغ ندى لتهتز لها جدران البيت وتتحطم نفس ندى الى الأبد ..

عاد صوتك حادا متحديا من جديد :

-وماذا يعيبني , ماذا في الأمر اذا كان مثلي , ألست بقادر عليكن ؟ الا املك المال والجاه ؟

بكت ندى وتقوقعت سعاد وصرخت أعماقي , لا يا ابي الحياة ليست مالا وجاها انها اشياء اخرى , اشياء لا تشتري بالمال ولا يعوضها الجاه وان كثر ...


تركتها تتزوج يا ابي , خطفت شمعة الدار المتوهجه لتزفها الى رجل في سنك لا يملك سوى المال وعقليه متحجره وحفنة من الاولاد , أي مستقبل باسم يعدها به هذا الرجل واي قبر دفنتها فيه وهي حيه ؟

اقترن الشباب بالفناء , الربيع ببرودة الخريف , وفعلا كما توقعنا احاطها بأسوار واغلال من الغيره والشك والعذاب وخطفها الى منفاه البعيد بلا أيه صلات وكأنها زهرة ربيعيه اقتلعت من جذورها الى صحراء بلا ماء ولا غذاء .. لقد اغتلتها يا أبي ...

-أحلام أين سعاد ؟

أعادني السؤال من غفوتي مع طيف سعاد التي تملك ما يفتقده الكثيرون من الجمال والشباب والصحة , اشفقت عليه فلم أجب ...

وبماذا اجيبك يا ابي ؟

لقد بدأت انت في ابعادها عن محيطها فأكمل زوجها ما بدأته بكل همة ونشاط , انني لا اعرف عنها يا ابي سوى انها انجبت ثلاث فتيات وولدا واحدا من زواجها ولا ادري عنها شيئا اخر ..

جاءني صوت ابي فيه رجاء وإلحاح :

-أحلام ابحثي عن سعاد بأية طريقه , يجب ان اراها قبل ....

لا لا يا ابي لا تقلها . انت لن تموت , لن تموت قبل ان ترى بعينيك ما فعلته بزهرات فؤادك , لن تموت قبل ان تجني الحصاد المر الذي زرعته بيديك , لن تموت قبل ان تتجرع الكؤوس الندم والألم على انانيتك وظلمك , انني لا اتمنى لك الموت , بل انني مشفقه عليك لكن رغبة قويه جامحه تجعلني اهفو الى رؤيتك وانت تحصد ما بذرت ....


ان ارى دموع الندم تنسكب من عينيك ونشيد الغفران والتسامح ينطق به لسانك ولمسات التعاطف تشي بها يداك , فما حال اولادك أبتي وماذا جنيت عليهم ؟

بدريه مع اطفال يتامى , وقضبان لا ترى , بدون بارقة امل في مستقبل زاهر ...

وصالح وحياة باهته بلا طعم ولا لون يعيش فيها مجبرا خاضعا كرجل يعيش على الهامش ..

وندى التي لم تعرف السعاده طوال حياتها وماتت غيله على يديك ..

وسعاد التي دفنتها مع رجل طاعن في السن دون وازع من ضمير , فعاشت محنطه في بيت لا تريده , كسلعة لا ترد ولا تستبدل ...

خالد الذي فر من بين اصابعك ليشكل مستقبله بنفسه تركت طفله يموت امام عينيه وأعيننا دون ان تمد له يد المساعده , رغم انه لم يطلبها منك يوما , لكنك كنت قاسيا متحجر القلب حينما أدرت ظهرك ليده الممدوده وقتلته ألف مره قبل ان يموت ابنه الذي يحمل اسمك ويرجوك بعينين بريئتين أن تنقذه من حتفه ....

وحمد الذي غادرنا شابا يافعا هاربا من غربه تسكن خلايا جلده لائذا بأخيه من قسوة متعمده للهروب القسري ولا ندري بعدها عنه شيئا سوى بعض الاخبار المتطايره يتناقلها الرواه , ألم تلحظ أبي مواسم هجرة اولادك , اختيارا وقسرا , هربا من القسوه أم تعطشا للحنان , لقد قتلتنا يا ابي وحان دورك لتلقى الحصاد ....

أسرعت الى اخي صالح ليحاول البحث عن سعاد وابلاغها بالحضور على وجه السرعه ....ودونما استشاره ابي اتصلت بحمد وخالد للحضور ...

اكتمل عقد الفل , واجتمع شمل العائله الممزقه حول فراش الرجل الذي مزقهم وشتتهم ولم يسعدهم يوما , بدريه بوجهها الشاحب الذابل الذي اخذ يذوي شيئا فشيئا مع ذوبان شموع الامل انظفائها التدريجي ...

وحدتها القسريه اكسبت عينيها حده لا تتناسب مع رقة ملامحها وقوامها فبدت اشبه بشبح اسطوري لا يرى منه سوى عينيه , سعاد الشقيه سعاد الجميله , سعاد الجريئه وقد سحقتها ايام البؤس والتعاسة في ظل شبه رجل أذلها حتى النخاع , فتحولت الجرأه الى جبن والشقاوه الى جمود والمرح الى عبوس , وتمزقت روحها لاحلوه الشفافه تحت اقدام جاهله بغيضه لا ترى من الحياه غير رنين الذهب ... تعاودني شهقتنا المشتركه ونحن نحتضن بعضنا بعد غياب طويل قائله لي :

-لقد اصبحت فتاة رائعه ....

تحولت شهقتي الى غصة بكاء والم وأنا احتضن جسدها النحيل المتهاوي , كبت دموعي الغزيره لتنساب داخلي دون حساب ولم اصارحها بما يدور في خلدي من انها قد اصبحت عجوزا في الثلاثينات من عمرها حتى ليخال الى من يراها بأنها تكبر شقيقتي بدريه بعشرة أعوام على الأقل ...

صالح وعينان كسيرتان بيأس متغلغل في الوجدان ضارب في جذور الذات لا يرى من الحياة سوى ان يأكل ويرى وينام ويربي اولاده بلا احلام ولا امنيات أو فرح آت ....

وخالد الذي جاء مرغما من اجلي بدموع حائره في عينيه وحزن عميق مرتسم على وجهه البائس , همس لي بضحك كالبكاء :

-لقد كبر عبدالرحمن الصغير وبدا شبيها بأخيه الراحل بدرجه غير معقوله ...

بعد ان انهى كلماته البسيطه ادركت بأنه لم ولن ينسى وان الجرح يملأ فؤاده ويفيض به ...

لم يأت حمد وربما لن يأتي , فابي لم يهتم به في حياته حتى يهتم هو به عند اقتراب النهاية ...

ولكنها ليست النهايه كما اعتقد ابي واعتقدنا , فبعد يومين من اجتماعنا معا , نهض ابي من فراشه صباحا وهو اكثر نشاطا وحيويه , ثم بدأت جحافل المرض تنهزم امام قوة الاراده ورغبة الحياه , فبدأ يتحسن شيئا فشيئا , فأمر الطبيب بتخفيض كمية الادويه التي يتناولها يوميا والاكتفاء بدواء واحد يتناوله مدى الحياه , وبهذا خلع ابي رداء الضعف والمسكنه والحنان الزيف ليظهر على حقيقته ماردا جبارا لا يحنو ولا يلين , انسحب الاخوه تباعا هربا من المخالب التي بدأت تظهر مع عودة الصحة تدريجيا إليه , لم يتفوه بكلمة عزاء لخالد بل قال له بسخريه أصابتني في مقتل :

-هل تتفاءل بأسم عبدالرحمن لدرجة ان تطلقه على طفلك الجديد وقد مات لك طفل بهذا الاسم من قبل لا تسم أولادك على أسمي ...

غلالة رقيقه من الدمع غشت عيني خالد وهو يقول :

-انتهى الامر يا ابي , والله كريم , ولن يخيب رجاؤنا ان شاء الله ...

ثم غادرنا غير آسف ليترك في قلبي غصة ألم ونهرا من الأحزان ليأتي دور سعاد في الرحيل , تشبثت بها راجية أن تطيل المكوث لدينا فتره اخرى لأفاجأ بها تنخرط في بكاء مرير اهتز معه جسدها النحيل الصغير ...

وقفت اتأملها برهة قبل ان اشاركها البكاء بكل تعاسة الدنيا التي اختزنتها داخلي وسألتها ودموعي عالقة بأهدابي :

-ألست سعيده في حياتك ؟

أجابتني بعاصفه من الدموع , لأعيد لها السؤال بشكل آخر :

-مملكة أنت ملكتها المتوجه وأطفال هم أولادك زهر قلبك , لا بد ان تكوني سعيده حتى لو لم تتبادلي عاطفة صادقه مع زوجك ....

بقيت الحجرة غارقه في صمت لا يقطعه سوى صوت شهقاتها الباكيه , وكأنها لم تبك منذ أمد طويل .. قلت لها مواسيه :

-المهم ان تتفائلي وتنظري للحياة بمنظار وردي حتى ولو كان زوجك طاعنا في السن , المهم ان تتعاونا على تربية الاطفال وتكونا سندا لبعضكما في الحياة ...

ردت اخيرا بزفره أخرى :

-إنه ليس معي يا أحلام , لقد رضيت به ولم يرض بي , تحملت من اجل اطفالي كل شئ , قسوته وبخله وجفاءه وتعذيبه لي , ورغم هذا أزاحني من حياته بقسوه ليتزوج بأخرى وهجرني ...

قلت مندفعه :

-ألم تطلبي الطلاق يا سعاد ؟

ردت بهدوء انكرته فيها :

-ولمن اذهب بعد الطلاق , ابوك سيطردني بالطبع , وزوجي بعد الطلاق لن يبقيني في بيته دقيقه واحده , فهو ابخل رجل في الوجود ,انه يستبقيني الآن لأنني امثل له خادمه بدون اجر ومربيه لأطفاله ...

قاطعتها بحماس :

-كلا , كلا يا سعاد انها ليست الحياة تلك التي تعيشينها , انها موت بطيء يجب ان تثوري على اوضاعك وان تطلبي الطلاق , لتبدأي حياة جديده مع رجل آخر يقدرك حق قدرك ... سعاد ....

همست ودموع جديده تلوح في عينيها :

-أحلام .... ارجوك .... دعيني ارحل بسلام ...

عانقتها بحرارة وأنا أبكي .....
ت
(14)

بدأت الدراسه من جديد , ودعنا عاما دراسيا ليبدأ آخر , ألفيت نفسي استقبل العام الجديد بلهفه غير مسبوقه وآمال تسبقني على الطريق ونفس تواقه للحب والحنان ...

ابتعدت عن سعد فترة طويله , مكانية وزمانيه , فلم احاول محادثته على الاطلاق بعد آخر محادثه رغم يقيني التام بأنه ينتظرني بشوق كل يوم اربعاء , لكنني لم استطع , بدءا بمرض والدي وحتى زيارة اخوتي لنا في البيت , وحتى فترة طويله اخرى بعد مغادرة سعاد احاول فيها مداواة الجروح التي خلفتها تلك الزياره , وكياني الذي تبعثر جراء ظروفها القاسيه , نعم كنت اخمن بأن سعاد ليست سعيده , لكنني لم اتصور ذلك الرجل القميء الهزيل المجرد من العاطفه يغمد خنجرا لأنوثتها المتفجرة فيهجرها ليتزوج بأخرى , عجبا بدلا من ان يركع تحت قدميها منفذا كل اوامرها كفتاة صغيره جميله تتزوج رجلا في سن ابيها , ينعكس الوضع فيعافها هو , مبعثرا كرامتها في الاوحال ليطبق المثل القائل ( رضينا بالهم والهم لا يرضى بنا ) الأنكى والامر انها لا تستطيع التذمر ولا التمرد ولا حتى المناقشه , فهي بلا حائط تستند عليه كقطه مشرده بلا سند ولا حمايه وزوجها يعلم هذا تماما لذلك هو سادر في غيه ممعن في الهجران والإذلال مغلقا كل خطوط العوده وطرقها , لا أب ولا بيت ولا زوج , فليساعدك الله يا سعاد .........

جلست صباح الى جواري في السياره صامته لا تتحدث الا لماما وتجيب على اسئله الزميلات اجابات مقتضبه , يالله كم تغيرت صباح , لم تعد تلك الفتاة المرحه الضحوك التي تلقي بضحكاتها ذات اليمين واليسار وتهزل اكثر مما تتحدث جاده اغلب كلماتها كانت مزاحا , ونصف عباراتها ضحكا وابتسامات لا تأخذ من الدنيا غير وجهها الضاحك الباسم وتبحث عن السعاده اينما وجدت , وعندما ادارت الدنيا وجهها الضاحك لتتبدى الخلفيه البشعه والحقيقه المهوله بأن الحياه لا تسير على وتيره واحده وبأنها مزيج من المتناقضات التي يجب ان نتواءم معها لنحيا بسلام فهي الفرح والترح , السعاده والتعاسه , الألم والأمل وعجلة الحياه تدور وتدور وكل شئ الى زوال , عندما كشرت الدنيا عن انيابها انتزعت معها ابتسامه صباح ومرحها وحتى صباها , فبدت كامرأة في منتصف العمر ملت الحياة كما ملتها الحياه لتعيش على حافة الجرح تهاويات وتداعيات بلا بصيص من نور ...

سألتها بمرارة متحاشيه جرحها وساعية لمعرفة حالتها النفسيه :

-هل انت مستعده للعام الدراسي الجديد يا صباح ؟

أجابت بهدوء أنكرته منها :

-لا ادري , لكنني متشائمه , ربما هذا اصبح طابعي اخيرا التشاؤم لكنني منقبضة النفس وارغب في النقل من هذه القريه بأسرع وقت وبأية طريقه , حتى لو دفعت كل اموالي التي ادخرتها ثمنا لهذا .....

همست لنفسي :

وانا على النقيض منك يا صباح , مستعده ان ابذل كل ما في وسعي لأبقى في هذه القريه التي اصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتي وموطنا لأحلامي وصباحا يختلف عن كل الصباحات الاخرى في أي مكان في العالم ...
انه دار الحبيب , منه استمد بقائي , وفيه تزهر عواطفي الظليله , تسقيها شمس حبي بالماء والهواء , دخلنا القريه وكياني كله يرتجف بعنف , وقلبي يخفق بشده , وشئ ما في نفسي يتوق للمجهول ....

يتوق لسعاده مجهوله ونبض حبيب وآمال بلا مدى , بعد ان تبادلنا القبلات والتحيات مع الزميلات , ذهبت الى فصلي لتقع عيناي على وضحى دون غيرها كأول ما أرى ...

حادثت تلميذاتي وسألتهن كيف قضين إجازتهن وأين , لكنني كنت مع وضحى فقط ابحث في ملامحها الهادئه عن وجه حبيب يؤرقني غيابه ....

عن كلمات دافئه تلون ايامي بلون الفرح , عن همسات تسكب الحياة رويدا رويدا في شرايني , عن حلم وأمل وبدايات ....

إليك يا رجل يسكنني بجنون , اليك رساله حب سأسكبها في عيني شقيقتك لعلها تفهم وتوصلها لك , او تأسى فتصلك دموعي في عينيها او تحلم فأصلك انا بدلا منها ....

رسالتي يا حبيب العمر انني انتظرك ...

فأدركيني يا عينيها واوصلي عمق مشاعري وحرارتها ...

أفهميه كيف ان الهجره الصحراويه المهجوره تحولت الى جنه من بساتين في وجوده ...

افهميه كيف ان الاجواء الحارة ولفحات الصيف التي لا تطاق اصبحت نسمات بارده عليله وزخات من مطر خفيف يندي الوجوه دون ان يبللها ...

افهميه يا عينيها ان الطرق الوعره اصبحت سلالم انيقه توصل بعرش الحب وأن المدرسه القريه الطينيه المتهاويه تبدلت بمدرسه نموذجيه رائعه , كأرقى الاكاديميات في العالم منذ مسها الحب بعصاه السحريه ...

عينيها انني أحملك امانه فلا تخيبي رجائي ....

وكأن الامانه قد وصلت , فما ان انتهى وقت الحصه حتى فوجئت بوضحى تلحق بي قائله :

-أبله , امي تسلم عليك وتهديك هذا البقل , فهو من صنع يديها ...

ابتسمت لها بهدوء رغم اهتزاز يدي الواضح وانا استلم منها الوعاء المعدني , فقد وصلتني الرساله ...

لم أفاجأ وأنا في البيت حينما وجدت خطاب سعد اسفل الاقراص اللبنيه المجففه , قرأتها بلهفه وانا اتذوق قطعه منها , يسري مذاقها معا الى جوفي فأبتسم , أبتسم لسعد وهو يعاتبني على الغياب الطويل ....
أبتسم له وهو يعلن لي حبه وشوقه ولهفته ابتسم وهو يطلب ان يتقدم لخطبتي في اسرع وقت ممكن , ابتسم وهو يهديني قصيده شعريه غزليه , هي اخر انتاجه , كتبها لي كما قال لي وقد اضناه الشوق والهجر والحرمان , فجاءت رائعه معبره , ابتسمت لطرفته الاخيره في نهاية الرساله هل تتزوجيني أم أخطفك ؟

ما ان طويت الرساله لأخفيها عن الأعين حتى بكيت بشده , بكيت لا ادري لماذا ؟ ونمت وسط دموعي ترافقني رسالته في احلامي وطعم لاذع حامض لأقراص البقل يذوب في فمي ببطء...

لم اكن اتصور انني سألتقي بسعد بهذه السرعه , وبطريقه لا ترقى الى أي خيال ...
بل لم اتصور ان اراه امامي رؤى العين ولا في اكثر احلامي تفاؤلا لكنه القدر الذي يرسم لنا ما لا نتخيله ولا يخطر في قلوبنا , بعد خطاب سعد بيومين فقط , وبعد أن اوصلنا ابو راشد الى المدرسه بساعه واحده سقط فجأه مغشيا عليه ثم نقله بعض اهل القريه الى اقرب مستشفى كما اخبرنا الحارس ...

دارت مناقشات طويله بين المعلمات , ثم اعلنت فوزيه انها ستهاتف زوجها ليأخذها , وسألتني اذا ما كنت ارغب في مرافقتها , لأن صباح غائبه , فرفضت بحسم , واخبرتها بأنني سأحادث أبي بدوري , ثم تناولت عباءتي وارتديتها لأذهب مع زميلاتي الى حجرة الحارس الخارجيه , حيث يوجد بها هاتف لاسلكي , تعاونت المعلمات مع اهل القريه على شرائه ليكون حلقة وصل بين القريه وخارجها إبان الازمات , أدرت أرقام النداء الآلي الخاص بأبي ثم انتظرت قليلا , أدرته مرات عدة بعد ذلك وأبلغت الحارس أن يخبر ابي بمرض ابي راشد حال اتصاله وان يبلغه بضرورة حضوره للعوده بي ...

ثم عدت الى المدرسه وانشغلت في حصصي ومشاكل المعلمات التي لا تنتهي وعيني وضحى اللاقطتين , مضى الوقت دون ان اشعر به , لأفاجأ بذهاب كل المعلمات عداي , سألت الحارس , نفى ان يكون ابي قد اتصل , أدرت الارقام مره اخرى ثم اتصلت بزوجة ابي لتبلغني أن ابي غير موجود , ثم اقترحت علي ان اعود مع اية زميله لي , ضاقت الدنيا بي ولم ادر ماذا افعل , فزميلاتي قد رحلن , ولم يتبق غير المديره التي عرضت استضافتي لديها , وقبل ان ابلغها بردي , سلبا كان أم إيجابا , فوجئت بوضحى تقترب مني في خجل وهي تقول :

-نحن سنوصلك يا أبله .... فسيارتنا أمام الباب وأنا سأذهب برفقتك ..

فغرت فاهي لا أحير جوابا ... فهتفت المديره :

-هيا يا احلام لا تضيعي الوقت فأبوك لم يرد عليك , ثم انهم ناس طيبون فجزاهم الله ألف خير , هيا يا احلام ... هيا ...

ثم دفعتني بيدها خارجا وهي تغلق الباب الكبير , ثم تلوح لي بيدها مودعه وكأنها تتخلص من عبء كبير يثقل كاهلها ... ومن يلومها , فهي أم وزوجه ووراءها متطلبات لا تنتهي ... ثم هي غير مستعده للانتظار ساعات طويله حتى يحضر ابي من الرياض , مشيت بلا اختيار ودلفت الى السياره كالمسيره وانا لا ارى ما حولي ...

مشاعر كثيره تختلط في كياني ... خليط من الخجل والغضب والخوف والترقب والمرارة , أفكاري تترى , ما موقف أبي حيال تصرفي هذا ؟

انه ليس مشابها لموقفي القديم , فالمسافات شاسعه وسأبرر لأبي موقفي بشتى الطرق ...

إنني لم افعل جرما استحق عليه العقاب , انني فقط سمحت لتلميذتي ... وشقيقها بتوصيلي , يا الهي , شقيقها , انه سعد , سعد بشحمه ولحمه هو السائق , هو من سيقلني هذه المسافه الطويله الى بيتنا , هو وانا وشقيقته , لا يفصل بيني وبينه الا نصف متر او اقل , رائحته المميزه تقتحمني بعنف , تحاصرني من الجهات الأربع , تنتزع سلاحي وتصفعني بوجودها فلا املك الا الاستسلام , صوته يخترق اذني رائقا شفافا قريبا تحمله لي ذبذبات الهواء التي نتنفسها جميعا ليصل لي مباشره دون وسائط , طازجا كأنه رغيف خرج لتوه من الفرن , يداه السمراوان بعروقهما النافره وبساطتهما العجيبه أراها امامي على المقود , أكاد المسها بيدي وارى كيف تعبر الدماء وتتدفق الى هذه اليد السمراء الخشنه , شعره الناعم اللامع الذي تتدلى بعض خصلاته من تحت غطاء الراس سوداء حالكه متحديه وكأنها تتحدى أصابعي المتجمده ان تعزف عليها احلى النغمات ...

رباه ان القرب مخيف وممتع , حلو ومغرق في المرارة , كيف يكون فتى احلامي قاب قوسين او ادنى مني ؟

كيف أرى خيالي متجسدا أمامي على ارض الواقع مرتديا عباءة الحاضر يلتحف بالممكن والمستحيل ...

انني لا اعي قربه , لا اعي غير هذه الجاذبيه الشديده والذبذبات الامرئيه التي تشدني اليه , وكأن وضحى ليست موجوده , وكأنها تمثال من تماثيل الماضي السحيق , او قابله متمرسه تشهد ولادة حب نادر الوجود لا يولد الا مره كل مائة عام , ويحي انه يحادثني فبماذا ارد عليه ؟

-فرصه سعيده أن نرى انا ووضحى منزلكم ...

مضيت ارتجف بعنف , فماذا اقول وكيف اتكلم وكيف تخرج الكلمات ولساني ملتصق بسقف حلقي رافضا التحرك , الحب الهادر يلفح اجوائي بنيرانه الحارقه وخوفي من ابي يشلني حتى الصدمه , فأي حمق واي جرأه وما هذا الذي افعله بنفسي ؟
أخيرا خرج صوتي مرتجفا مبحوحا :

-لو علم أبي يا سعد بأن رجلا اوصلني الى بيتنا سيقتلني حتما ...

جاءني صوته حنونا مطمئنا :

-أحلام انتي لم ترتكبي خطأ .... لقد علمت من وضحى انك حاولت الاتصال به مرارا , فماذا تفعلين اكثر من هذا ؟ هل مبيتك بالمدرسه اهون ضررا من ان توصلك احدى زميلاتك الى البيت ؟

-لكنه , اقصد , حصل في وقت سابق ان اوصلتني احدى زميلاتي مع شقيقها من الجامعه الى البيت , فكدت اموت على يديه ....


لمحت ابتسامته الجانبيه وهو يقول :

-لن تموتي الا اذا قدر الله لك ذلك ...

ثم انسابت الموسيقى الهادئه لتنزع الرعب والهلع من اعماقي وتلقيها بعيدا كزبد البحر , ثم تغلغل صوت المطرب العذب الى كياني ليحلق بي بعيدا بعيدا في جزر لم تسمها قدم انسان من قبل وانهار عذبه وبساط اخضر في كل مكان اشعر ان الصوت يحتويني , يزلزلني , يخترقني حتى النخاع (فحبيبة قلبك يا ولدي ساكنه في قصر مرصود , فمها مرسوم كالعنقود , ضحكتها انغام وورود ) اذوب في عوالم ورديه لا نهائيه , الصمت هنا له لغة , لغة تركع امامها كل اللغات , لم اعد احس بالطريق ووعورته , الصحراء المتراميه الأطراف التي اعتدت التطلع اليها يوميا عبر النافذه , اللوحات الزرقاء التي حفظتها عن ظهر قلب واسماء القرى والهجر الغريبه التي نمر عليها في رحلة الذهاب الإياب , سيارات النقل الضخمه وهي تسير بمحاذاتنا كل يوم , فتخفق قلوبنا رعبا وهلعا , العبارات التي تصافح أعيننا صباحا وظهرا كل يوم , الحمدلله على السلامه , رافقتكم السلامه , وغيرها من العبارات التي غابت بعض حروفها , فغدت اقرب للملهاة منها لغرضها الاساسي , تلاشى كل هذا ولم اعد ارى سوى شخص واحد يقود امامي تطالعني تعابيره العاشقه في مرآة السياره فتملأ نفسي فرحا وحبورا , انتهى الوقت بسرعه لا ادريها فلم ادر بنفسي الا وانا اصف له الطريق الى بيتنا متعجبه من السرعه التي وصلنا بها وقد كنا مع ابي راشد نقطع الطريق بأوقات طويله ممله لا تنتهي , ما ان وقفت السياره امام الباب , ووضعت يدي في يد وضحى لأسلم عليها مودعة حتى خرج ابي لا ادري من اين .... كمارد خارج لتوه من قمقمه , نظر إلى السياره ومن بداخلها نظره صاعقه قاتله ارتعدت لها فرائصي تحادث مع سعد بكلمات بسيطه , فهمت منها ان سعد يشرح له كيف عرضت عليه شقيقته ان يوصلاني الى البيت ...

في البيت تلقيت صفعات دار لها رأسي فنسيت كل شئ ...


(15)

-نقل شقيقي حمد من القريات الى الرياض نقلا تأديبيا !!!

جزعت لهذه العباره ليتابع صالح هامسا :

-قد نقل الى مستشفى الرياض المركزي وطلب مني ان ابحث له عن سكن بسعر مناسب ...

خرج صوتي هزيلا لا يتناسب مع عظم الموقف :

-لكن يا صالح ماذا فعل حمد لينقل بهذه الطريقه التي تسئ إليه ؟

قال بتردد :

-إنه لم يشرح لي كل شئ بتفاصيله , لكنه قادم ان شاء الله خلال ايام ويمكنك حينها ان تسأليه ....

حمد أحد ضحاياك يا ابي وليس آخرها , ماذا فعل ليستحق هذا المصير البشع المهين لأي انسان , نقل تأديبي , ما معناه , نقل بالرغم عنه , نقل للتأديب والتهذيب , نقل عقابا لشئ فعله , شئ كبير ومنذر بالخطر يتكافأ وهذه النهايه السيئه , ترى هل غش او سرق او قتل ام ماذا بالضبط ؟
منذ غادرنا قبل سنوات وانا اجهل مصيره ....

كل ما عرفته انه التحق بالمعهد الصحي في تبوك ثم تخرج ممرضا , ليتعين في مستشفى القريات العام , ثم تزوج من احدى زميلاته الممرضات التي احبها قبل الزواج وسكن الى جوار اهلها , ثم لا شئ سوى انه بصحه جيده ويحيا حياة زوجيه طبيعيه , لكن هذا الموقف الأخير زعزع كل افكاري السابقه وادركت انه ربما كان يعيش في محنه ....

محنه قادته الى هذا المصير المؤسف الذي يرهبه أي انسان طبيعي ..

الا تشعر بالخجل يا ابي , بالأسف ؟

أي شعور ينتابك وولدك يعود اليك بعد سنوات مبعدا مهانا مطرودا واصابع خفيه تشير اليك بالاتهام بأنك السبب في كل شئ , خروجه وعودته , سفره الهارب وعودته الاضطراريه , ابتعاده بحلم وعودته القسريه بحلم مجهض , تحطم آماله ومستقبله على صخرة قسوتك وظلمك , اشعر بالألام شديده تفري عظامي , ليست هي آلام ضربك المبرح لي , بل هي معاناة اخوتي سكنت جسدي وأبت ان تفارقه ..

تردد صالح قبل ان يقول وكأنه يقرأ افكاري أو رأى دلائل الألم على وجهي :

-أما زلت تتألمين لضرب أبي ؟

كفكفت دمعه فرت من عيني , ومضيت دون ان اجيبه على تساؤله ...

فلم يكن يهمني ضرب ابي لي بقدر ما آلمتني الزوبعه والفضيحه التي أثارها دون أي داع , وما زلت اتذكر اصداء الصفعات وهي تتردد في جنبات البيت وهو يصرخ بأعلى صوته :

-الفاجره , سأقتلها ولن ارحمها....

تدخلت زوجة ابي دون جدوى , ولما شعرت بأنه سيقضي علي , اتصلت بشقيقي صالح ليحضر على عجل ويتلقفني منه كجثه هامده دون أي روح , وابي يهدر بكل قاموسه المعروف من الشتائم البذيئه , ثم حلق بأغلظ الايمان ان يفصلني من عملي ويحبسني في البيت , أغمي علي , ولم اعد اشعر بشئ حتى صباح اليوم التالي ..

أفقت بجسد مضعضع متهاو ونفس كسيرة واهنة وروح تمزقها الآهات , لم استطع تحريك ذراعي او قدمي , فانسابت دموعي غزيره لاذعه لتثبت لي بأن الجسد مهما تمزق او فني , فإن الروح باقيه نشطه لا يحدها حد ولا تربطها قيود , وقتها تذكرت احد حكماء الهند (راجيش ) حينما قال : (اذا ربطوا يديك وقدميك بالسلاسل وكبلوك بالاغلال فلا تيأس فباستطاعتك ان ترقص اليس كذلك , وان تجعل من رنين اصوات السلاسل نغما ترقص عليه ) وانا لم ارقص لكنني بكيت , بكيت وجحافل اليأس تدب في اعماقي طارده كل امل لي في حياة باسمه سعيده , وصورة سعد تغيب شيئا فشيئا عن عالمي مخلفه بؤره صديديه وحرمانا , وفي ضباب آلامي واوهامي جاءتني زوجة أبي وشقيقتي بدريه يعلنان لي بأن ابي قد عفا عني وسمح لي بالعوده الى عملي بشرط الالتزام بكل قوانينه بحرفيتها , ثم حاولت النهوض بكل ما استطيعه من قوه لأجثو على قدمي ابي ابللها بدموعي طالبه العفو والمغفره , ليعفو عني بركله من قدمه وهو يهتف :

-لو كررت هذا ثانيه فلن يمحو عارك الا القبر ...

بكيت على صدر شقيقتي بدريه وصالح يثبت لي بأنه متفهم للأمر , وانني لم افعل شيئا يستحق أي عقاب , وان مرافقة زميلتي وشقيقها ليس عيبا على الاطلاق , ابتلعت غصه في حلقي ربما هي غصة ألم وأنا احاور ذاتي (آه لو تدري يا صالح من هو شقيق زميلتي هذه كما تسميها , آه لو تدري , انه حياتي التي اعيشها ودنياي التي أحياها )


لكن احدا لم يعرف ما بداخلي سواي , ومضيت اجتر آلامي في صمت وانا اترقب عودة شقيقي حمد المحبطه ...

حضر حمد وزوجته ذات مساء , هالني الفارق الشديد بينهما , هو بوسامته اللافته وطوله الفارع وبشرته الوضاءه , وهي بقامتها الضئيله ودمامتها المنفره وبشرتها المائله للا صفرار ...

كان هذا اول شئ لفت نظري فيهما , ثم اكتشفت انهما بدون اطفال , وأدركت ان هذا الامر يشكل لهما مشكله حينما سألت حمد بعفويه :

-أليس لديكما أطفال ؟

حينها فقط تجهم وجهه وغابت الاشراقه المميزه عن ملامحه لتعبر سحابة سوداء عينيه , فتمتلئ بالدموع المتجمده اليائسه ...

أجابت زوجته وهي ترتجف :

-بلى ... ليس بعد ....

ندمت على سؤالي , ايقنت حينها انني قد وضعت ملحا على جرح ينزف فزدته ألما واشتعالا , تقلصت عضلاتي ألما وحسرة و فنكست برأسي دون ان انبس بحرف وكأن شقيقي قد استشعر ندمي وألمي , فهمس لي بأنه سيوصل زوجته البيت ثم يعود ليسهر معي ...

وكانت سهره دامعة داميه أثارت لواعجي وبثت الحزن والألم في نفسي طويلا , فقد حكى لي قصة حبه وعذابه حيث التقى بزميلته الممرضه في المستشفى نفسه , التقاء روحي ليس اكثر , اعجب بنشاطها وذكائها وكفاءتها , وبادلته اعجابا بإعجاب , فنما الحب وتطور ونضج , ولم يكن من نهاية ملائمة له سوى الزواج , فتقدم لأهلها خاطبا ورحبوا به ايما ترحيب , ولم يسألوه عن اهله وابيه ولم يشترطوا عليه أي شروط و بل كان كل شئ سهلا ميسرا بشكل يدعوا للريبه والخوف من المستقبل , فلا سعاده نقيه خالصه بدون شوائب ولا طريق ممهد بدون عراقيل واسلاك شائكه , فبدأت رحلتهما المرهقه المكلفه بعد شهر واحد فقط من زواجها بدون حمل , بدأت الرحله في المستشفيات والمراكز الصحيه المجاوره , ثم تجاوزتها الى المستشفيات الخاصه الباهضه الثمن , لم يكن الموضوع عدم ثقه بالمستشفى الكبير الذي يعملان به سويا لكنه الخوف من انتشار الامر بين زملائهما , فيصبحان موضوعا للحديث ومادة للتندر ولاسخريه او على احسن الفروض تحوطهما نظرات الشفقه والرأفه بحالهما وهما لا يريدان شيئا من هذا , يريدان تعاطفا حقيقيا نابعا من قلب , صادقا مخلصا مجردا من الرياء والمداهنه , ولم يجداه سوى في اسرة زوجته المتعاطفه , وبمرور السنوات بدأت مدخراتهما نتفذ وديونهما تزداد والامل يذوي شيئا فشيئا في نفوس متعطشه لطفل واحد فقط يملأ عليهما حياتهما ويسقى بذرة الحب التي بدأت تعاني من جفاف المشاعر وتصحر العواطف , طفل واحد يا احلام ولا اريد غيره ابدا ابدا ...


وأطلق تنهيده انخلع لها قلبي وارتعدت لها أطرافي , فلم يسعني سوى أن اقول ...

-إن الله كريم يا حمد ولن يخذلك أبدا ...

نظر لي بدهشه وكأنه يشك في إيماني ثم هتف بمرارة :

-سبع سنوات من الزواج بدون أي ثمار ... هل هناك أي أمل ؟

وقبل ان اتفوه بكلمه تابع بحزن :

-أتدرين .... لقد اضطررنا للجوء الى المستشفى نفسه الذي نعمل به وهو ما حاولنا تحاشيه مرارا , لكن حالتنا الماديه المتدهوره وسفرنا المتكرر خارج البلاد اوصلنا الى طريق مسدود , فلم نجد بدا مما ليس له منه بد فحادثت افضل طبيب استشاري في المستشفى , وبدأنا نخضع لعلاج مكثف وأدويه باهضة الثمن صرفها لنا الطبيب من صيدليه المستشفى , لقد كان سبب العقم مشتركا بيننا , فأنا اعاني من ضعف في الاخصاب , وهي دورتها الشهريه غير منتظمه والتبويض ليس طبيعيا , ومع هذه الادويه وعلاج الطبيب المتمكن ارتفعت نسبة الاخصاب لدي وانتظمت الدوره الشهريه لزوجتي ..

صمت حمد فجأه , فرفعت وجهي اليه لأجده هائما يحدق في فراغ وكأنه قد نسي وجودي كليا وغرق في عالمه الخاص , ذلك الماضي الذي يحمل بين طياته كما هائلا من الاحزان والمواجع تشي بها عيناه الدامعتان وحركات يديه العصبيه , لم أشأ ان اقاطع صمته او استحثه على الكلام , فقد توحدت معه في دنيا مضخمه بالحسرات تخلو من صدر الأم الحنون وعطف الأب ومؤازرته وتشتت الاخوه ومعاناة مستمره مع الحياه ...

(خلق الانسان في كبد ) همست بها دون ان اشعر لأنتشل شقيقي من رجلته الداخليه الى دنيا الواقع , تنهد قائلا :

-نعم , نعم صدقت الآيه الكريمه (خلق الانسان في كبد ) مكابده مستمره وصراع من اجل البقاء , لن تصدقي حينما اخبرك بأن زوجتي قد كتب لها الله الحمل على يد هذا الطبيب الشهير لكنه لم يتم , ولا استطيع ان اصف لك مهما عبرت عن مشاعر الفرحه الزاعقه والسرور الطاغي , ما ان علمت بالخبر ثم التعاسه الخالصه والحزن القاتل اللذين اعقباهما , اتدرين ما معنى ان يتعرض انسان ما لمشاعر متناقضه بل شديدة التناقض في وقت وجيز تماما كما يحدث للجسد حينما يتعرض لحرارة ثم بروده والعكس , انه يمرض , ينهار , يفقد صوابه او يتخبط , وهذا ما حدث لي يا احلام , لم اتحمل رؤية احلامي وهي تنهار امامي عيني دفعة واحده , لم اتحمل الامل وهو يتحول الى وهم وسراب , وطفلي المنتظر يتمزق الى اشلاء يحويها التراب , جننت افتعلت مشاجره مع الطبيب اتهمته فيها بتعمده اجهاض زوجتي , حاول ان يفهمني وان يشرح لي , لكنني صددته , وتطور النقاش الى ان اتهمته بسرقة الادويه من صيدليه المستشفى وبيعها , هنا فقد الطبيب هدوءه وصبره فطردني من العياده ليتطور الامر بعد ذلك الى تقديم شكوى ضدي , تلتها شكاوى من زملائي بأنني اهملت عملي في الفتره الاخيره واعاملهم بشئ من الحده والعصبيه , ثم شكوى من مديري المباشر بأنني لا اصلح للعمل , ثم تم عمل تحقيق , واحمد الله على نتيجته فليس النقل التأديبي لمنطقه اخرى كمثل الفصل من الوظيفه او الوقف عن العمل او أي عقاب اخر ....


لا تحزني من اجلي يا احلام , فصدقيني انني لست حزينا فليس هناك في تلك المنطقه ما حزن من اجله حتى ممن ارتبطت معهم بصداقات عميقه , فقد بينت لي هذه الازمه ان صداقتي لهم اوهى من خيوط العنكبوت , وانه لا دائم سوى وجهه سبحانه وتعالى , والامل في الله كبير ...


خرج صوتي مبحوحا خشنا وانا اقول :

-انك لم تفعل شيئا منه يا حمد , فقد كانت مشكلتك مع الطبيب منطقيه من وجهة نظرك , لكنها الظروف السيئه التي وضعتك في هذا الموقف , ومن يدري ( وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) فربما يكون انتقالك الى ها بداية عهد خير ونماء بالنسبه لعملك وحياتك ككل , المهم ان تستقبل حياتك الجديده بأمل وبنظره تفاؤل وحب , ولن تخسر بإذن الله ....


انسحب حمد لأبقى بعده فتره طويله عاجزه عن استرداد ذاتي وكأنني اقف على فوهة بئر عميقه امد يدي بدون طائل جاهدة لانتزاع نفسي المفقوده في قاع البئر , رباه ماذا فعلت بالدنيا وماذا فعلت الدنيا بي ؟
تضعني على حافة المآسي , مأساة تلو مأساة وكأنني افتقد التعاسه داخلي لتمتلئ كأسي المترعه بالمزيد حتى الفيضان وتصفعني الحياه الصفعه تلو الصفعه حتى لماعد اقوى على تحمل المزيد ...

اخوتي ومعاناتهم التي احملها , هموم تضاف الى هموم , وعناء يثقل كاهلي , أتألم لألمهم واعيش حياتهم مرتين , حتى انني اكاد انسى حياتي ومستقبلي وشبابي الذي تسرب من بين اصابعي كدفقات الماء ...

صفعات ابي لا تزال موسومه على خدي تؤرخ نهاية حريتي وبداية معركتي الخاصه مع العالم واولهم ابي , لكن الصفعات تلاشت وكأنه رذاذ مطر عابر , ليغرقني طوفان احزان اخي حمد وانسى على اثره كل شئ حتى نفسي ...


توضأت وتأهبت للصلاه (لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين ) وانبثقت الدموع من عيني حاره صادقه حقيقيه , يارب , ياودود , يا ذا العرش المجيد , يا فعال لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي لا يضام ونورك الذي ملأ أركان عرشك بأن تهب أخي حمد ذريه تحمل اسمه , يا مغيث أغثني , يا مغيث أغثني , يا مغيث اغثني , لم افاجأ بعد ذلك بشهور حينما علمت أن زوجة أخي حمد حامل بتوأم ....
ا
مسكينة هالاحلام شو بدها تتحمل لتتحمل
قصة حلوة
الله يقويكي ترانيمو مشكوووورة والله
د
مشكورة الغالية ترانيم على القصة بس عن جد قلبي عورني على أخوها حمد والله عوضة خير أما بالتسبة لأبوها إلي ظلمها وظلم أخوانها وأمها وظلم نفسه بالدرجة الأولى وإلي ما أخذ العبرة من مرضة ورجع لظلمة إلي ماله حدود
كملي يا (رنوم) ترانيم نحن معج لنهاية القصة
m
قصه اكثر من رائعه......

مشكورررررره....
ق
عجبني مستوى التعبير عن مشاعر الحب النقية الطاهره

بس ليش الأبو ينعت بنته بالفاجره كلش صعبه هالكلمه تنقال وخصوصا من الأبو آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه ساعد الله قلبها

يالله ننتظر البقية
ش
يعطيك العافيه ترانيم
مستنيتك لا طولييييييييي
نفسي اعرف ايش راح يصير مع احلام ممكن ترتبط بسعد اكيد
او لازم يكون اخر روايه اشي من الفرج ربنا كريم
ابوه لازم تكون نهاية سوده من كثر ظلمو
ان الله مع الصابرين
ت
حبيباتي الغاليات

نواصل معا القصه وشكرا لحسن متابعتكم ...,,,

(16)


أحبك لكنني موجع ..... فهل انت يا هاجري تسمع

صددت فأدميت مني الفؤاد .... فلم تهدأ النفس والأضلع

ولم أر بعدك ما يستطاب .... ولم أر بعدك ما ينفع

وإن غرد الطير فوق الغصون .... عجبت له صادخا يسجع

واصبح قلبي كطفل ينوح .... يدور ويطلب من ضيعوا


ورقة ورديه معطره تفوح عذابا وانينا وقعت في يدي وانا اصحح دفتر وضحى , لبثت برهه لا اريم وانا احدق في الكلمات السجيعه امامي , ثم سحبتها ودسستها بلطف في جيب معطفي وقلبي يخفق بعنف , ألن يكف هذا الفتى , ألن ينسى , ألن يسلو , حتى متى والى أين ؟

تراءى لي وجهه الوسيم ينبثق من وجه شقيقته , عيناه السوداوان تبثاني الشوق والهيام , وابتسامته المميزه تتلو آيات الحب والحنان , ملامحه الوادعة تسألني ألا ابتعد وأسلو ...

-أبله , هل تريديني ؟

هززت رأسي بالنفي وأنا اعيد لوضحى دفترها واخرج من الفصل الى حجرة المعلمات لأجدهن يتناقشن بصوت هامس على غير العاده , امرتني احداهن بأن أغلق الباب بهدوء فأيقنت أن في الأمر سرا ...

قالت فوزيه :

-احلام لقد قررنا جميعا تقديم شكوى في مديرتنا لمكتب الاشراف التربوي بالمنطقه ثم لمدير التعليم أيضا ..

وقبل ان اسأل لم ... تابعت فوزيه بصوتها الهادئ ....

-أنت تعرفين بأنها غير عادله في المعامله بيننا خاصه نحن السعوديات والاخريات بنات بلدها , ففي اجتماعاتهن السريه لا نحضر وفي الحصص نصيبهن اقل منا وهن من يتولين الاشراف على الانشطه وامور الطالبات ...
ايضا معامله هذه المديره لنا غير لائقه فهي عصبيه تشتمنا بداع وبدون داع وتعاملنا بحده ولا تقبل تأخيرنا في الصباح مهما كانت الاسباب ...


قالت فاطمه :

-ولا تنسي ما فعلته معي قبل ايام حينما دخلت على الفصل واتفقت مع الطالبات امامي على إلغاء الامتحان دون أي اعتبار لوجودي وكثير من المواقف الاخرى التي لا ننساها ....

تكلمت صباح بهدوئها الذي اكتسبته أخيرا ....

-هذه الورقه دونا فيها اسماءنا جميعا لنرفعها الى مكتب الاشراف ..

هيا دوني اسمك ووقعي على الورقه ...

ألقيت كتبي جانبا وانا اهتف :

-لن أوقع ؟؟


صرخت الزميلات في وقت واحد :

-أحلام ..

تجاهلت صرخاتهن قائله :

-عزيزاتي صدقنني لن نجد افضل من هذه المديره , ولكل انسان في الدنيا سيئات وحسنات , ايجابيات وسلبيات , وايجابيات هذه المديره تغطي سلبياتها ولا اخفيكن بأنني مرتاحه جدا معها لدرجة انني لا اود النقل الى الرياض ..

ضحكت احدى الزميلات باستهزاء , وتهامس اخريات , فقالت صباح بدون مواربة :

-مرتاحه مع المديره أم مع وضحى ..

جف ريقي فجأة وامتقع لوني فلم استطع الرد , لبثت لحظات احاول ان استجمع شتات نفسي واستعيد هدوئي ورباطة جأشي لأتمكن من الرد , ولكن ماذا اقول واي كلمات ممكن ان تسعفني ؟
فمن الواضح ان امري قد انكشف بين الزميلات وربما في المدرسه ككل بل قد يكون الامر قد تعدى الهجرة او القريه بأسرها .... يا إلهي ... رغم تكتمي للأمر ومحاولتي مداراته بكل الطرق الممكنه والمستحيله وإخفاءه بقدر الامكان , اكتشفت مؤخرا بأن العالم أجمع يعلمون عداي أنا .... ترى ماذا يعلمون والى أي مدى انتشرت اخباري وعلاقتي بوضحى وشقيقها والمراسلات السريه بيننا .....

سيطرت على نفسي بصعوبه وتظاهرت باللامبالاة وانا اقول :

-إن وضحى احدى طالباتي المتفوقات لذلك انا احبها واميزها عن بقية الطالبات ....

رنت ضحكه ذات مغزى وقالت فاطمه بسخريه مبطنه :

-نتمنى ذلك ...

اشتعلت غضبا وامتلأت نفسي بالحنق والخجل والاشمئزاز , فمضيت خارجه لا ألوي على شئ ولم اتناول حتى فطوري , استوقفتني صباح قائله :

-أحلام ....الورقه ...

قلت دون انظر اليها :

-لن أوقع شيئا لست مقتنعه به ....

وفي طريق العوده الى الرياض جلست الى جوار صباح كعادتي احيانا , لكنني كنت اعاني تشتتا داخليا مفزعا واسئله شتى تطرق رأسي بلا جواب , ماذا عرفت الزميلات بالضبط ؟

هل تحدثت وضحى الى احد ؟
هل اكتشف شخص ما علاقتي بسعد ؟
وما مدى انتشار هذا الاكتشاف ؟

هل هو على مستوى المدرسه ام على مستوى القريه ككل ؟
وماذا سيحدث لو انتشر الخبر بين زميلاتي ؟
كيف ستكون نظرتهن لي ؟
وهل سيصل الخبر لابي فيقضي على حياتي فورا ؟
هل أسأل تلك القابعه الى جواري بصمت لعلها تخفف بعض ما بي ؟

ترددت قليلا قبل ان اهمس لها بوجل :

-صباح ..... هل .... هل .... أعني خبر ....

قاطعتني بحده :

-اطمئني فقد مزقنا الورقه وألغينا الشكوى هل ارتحت الآن ؟

وفعلا تنفست الصعداء بأنني لم اتهور وأسألها ما كنت انوي معرفته , فمهما يكن من امر , فقد قررت في لحظه ان احادث سعد بما علمته وأسأله الحل ....

وفي الموعد المتفق عليه ادرت ارقام الهاتف بأصابع مرتجفه وقلب واجف وعينين حائرتين كنت اخشى الا اجده في المكان والزمان نفسيهما ولا اجد من يشاركني هذا الحمل الثقيل الذي ينوء به كاهلي وسمعتي التي اصبحت في مهب الرياح عرضه لكل عاصفة هوجاء والسنه لا ترحم , انني لا اخشى على نفسي فقط , فشرفي وكرامتي ليسا ملكي بل هما امانه أهلي وابي واشقائي احملهما كرسول يحب ان يحافظ عليهما , ليعيدهما كما هما ان لم يكن افضل , انني احترم اسمي واسم عائلتي عن عقيده بأن هذا واجب وليس ترفا , اساسي وحتمي وليس جانبيا او لهوا وعبثا ...

صوته الممتد عبر الاسلاك يزلزلني , يخترق كياني :

-أحلام , هل انت مريضه , مابك , لقد انتظرتك طويلا طويلا دون جدوى , هل انت بخير ؟

وتدافعت الكلمات على فمي , تدفق صوتي يحكي له بحرارة عما سمعت ورأيت , عن خوفي وألمي , ترقبي وضياعي , استهزاء الزميلات وغمزهن , سألته في النهايه , هل يعلم احد ما عن شئ ؟

قالت بصوت واثق بعث الهدوء والاطمئنان الى نفسي الخائفه :

-إننا لا نفعل ما هو خطأ او عيب , ولا يعلم عن علاقتنا الشريفه سوى شقيقتي وضحى وهي لم ولن تخبر احدا ولا تجرؤ على ان تفعل ذلك وهي كتومه جدا بالمناسبه , لكن لا تخشي شيئا ربما لاحظت احدى زميلاتك المراسلات بينك وبين وضحى فتوقعت شيئا ما او شعروا انها تخصك بالهدايا وحدك , لكن , احلام , لقد قررت التقدم لخطبتك في اسرع وقت ممكن ولن اقبل معارضتك في هذا الامر ....

شهقت بفزع حقيقي :

-إن أبي يعرفك منذ ان قمت بتوصيلي الى بيتنا وسيكشف كل شئ ...

قاطعني برقه :

-ليس بيننا شئ معيب ليكتشفه ثم انني اتقدم لك على سنة الله ورسوله ولا ابغي منه سوى ان يبارك لنا الزواج ولن ارفض أي طلب له حتى لو طلب مال قارون , ما رأيك ؟

ضحكت بسعاده وانا اتناسى وجه ابي , اردف قائلا :

-سأحضر لكم بعد غد ومعي ابي وامي وشقيقي , وسيجمعنا بيت واحد قريبا إن شاء الله وسأسكن معك في الرياض حالما ينتقل عملك الى الرياض , لكنني اود ان اسألك ماذا تحبين ان يكون اسم طفلنا الأول ؟

ضحكت حتى دمعت عيناي وأنا اجيب :

-ليلة الزفاف سأخبرك ....

ولم أنم ليلتها , احساس بالسعاده أوصلني لمرحلة التعاسه فلم اضحك في حياتي ضحكه قط الا واتبعتها بكلمة (اللهم أجعله خيرا ) هكذا هي انا ارى السعاده تحمل التعاسه والوان الفرح المضيئه تخفي بين طياتها الوان الحزن القاتمه ولا تعبر البسمة حتى تعقبها دمعة , لذلك اخشى ايام السعاده وأرتعد خوفا من فرح آت يعقبه حزن آت لا ريب , فخنقت فرحتي تلك الليلة بتشاؤمي المعهود ولم أطلق لخيالي العنان كبقية الفتيات لأتصور ليلة زفافي الرائعه وثوبي الأبيض الناسع يحوطني سعد بذراعه ويجتاز معي خطوات نحو الأمل والسعاده القصوى , كلا , كنت اركز افكاري فقط على الأيام القادمه وما سيحدث بها ....

يوم الجمعه الساعه السادسة مساء , ما إن خرجت من الحمام حتتى تلقفتني زوجة ابي هامسة بأن هناك ضيوفا يرغبون في رؤيتي ...

ارتعدت اوصالي بعنف وتسارعت دقات قلبي وانا أسألها من هم لتشير علي بأن اتبعها بسرعه ادركت انه سعد هرعت الى حجرتي لأنتقي ثوبا للمناسبه , ولسرعتي واضطراري لم اجد الثوب الملائم فأخرجت كل أثوابي من الخزانه وألقيتها على الفراش , ثم وقع اختياري على زي المدرسة اليومي , قميص أبيض محلى بنقوش سوداء وتنورة سوداء طويله ثم شرعت في تهذيب شعري الطويل وتجميل وجهي ببعض الرتوش الخفيفه , واسرعت الى حجرة الضيوف لأجد وضحى بوجهها الباسم الخجول تجلس الى جوار والدتها , اخذت مكاني بينهم لحظات قبل ان اسمع صوت ابي وهو يعلو ثم صراخه الذي اخذ يتردد في انحاء البيت :

-ابنتي ليست للزواج , انها مخطوبه ...

نزلت علي كلمات ابي كالصاعقه , فلم احر جوابا بل مضينا نتبادل نظرات صامته ذاهله تغلب فيها الدهشه والتعجب على أي احساس اخر ...

ثم علا صوت ابي مره اخرى , علا اكثر فأكثر فملأ الفضاء من حولي وسد جميع الثغرات ليختبئ الصمت في اعماقنا خوفا وخجلا , قال ابي مواريا آمالي التراب وموجها اولى رصاصاته الى قلبي :

-قلت لك ليس لدي فتيات للزواج , انس الامر ولا تعد الى هنا مره اخرى وإلا طردتك , ابنتي زفافها بعد شهر واعتبر نفسك مدعوا منذ الآن ...

ضباب كثيف هبط على نفسي فجأة , فلم اعد ارى شيئا امامي سوة سماء سوداء كئيبه وطرق تلتف حولي كأفاع سامه تود التهامي , وخراب في كل مكان , انهارت معنوياتي وفقدت كل احلامي دفعة واحده , فلم اعد ارى ما يستحق العيش لأجله او تحمل الحياة من اجل عينيه , جفت عيناي فلم ابك وانهمرت دموع الداخل بلا حساب وتزدحم الشهقات الباكيه في صدري دون ان تخرج , فتفرز غيظا وقهرا بلا حدود , اسرعت خارجة من الحجرة دون توديع للضيف إثر كلمة ابي القاطعة (مع السلامه ولا تريني وجهك مرة أخرى ) .


استوقفتني زوجة ابي فدفعتها عني دون ان ادري ومضيت اصعد السلالم واشلائي تتمزق مع كل خطوة اخطوها وصوت اعماقي يبعثرني هاتفا : لماذا ؟ لماذا يا أبي ؟

ليأتيني الجواب سريعا على غير انتظار بصفعه مدويه على صدغي ثم احرى واخرى وهو يهدر غضبا :

-أوصلك الى البيت ثم حضر لخطبتك , ما معنى هذا ؟

ما معنى هذا ؟ على حافة الانهيار كنت حينما امسكت اذناي بتلابيب صوته الجهوري وهو يصرخ :

-الفجور والانحلال مكانهما ليس بيتي , لم يدنس بيتي قبل الآن ...

قبل ان اغيب عن الوعي اطلق على قلبي رصاصته الأخيره وحكم علي بالإعدام ....

-إستعدي , زواجك على ابي علي بعد شهر واحد فقط , لقد طلبك مني مرات عديده والآن فقط سأجيبه لطلبه ...


أبو علي , من هو أبو علي هذا ....... رباه ........كلا ............كلا .........إنه الشيخ السبعيني تاجر قطع الغيار , زوج لامرأتين وأب لخمسة عشر ولدا وبنتا ..........

إنه مصير سعاد يعود لي مرة أخرى ....... كلا بل إنه أسوأ من مصير سعاد , ثم دخلت في غيبوبه أنستني كل شئ مؤقتا..........


(17)

لم أكن أدرك قبل الآن أن المصائب لا تأتي فرادى بل جماعات وركائب متتالية يخيل لمن يعيشها بأنه ليس وحده المصاب والمبتلى , ففي قمة عذابي ويأسي ومصابي شق اذني صراخ ليس غريبا على مسامعي .......

صراخ حبيب ذكرني بصراخ امي حينما اهداها ابي الزوجه الأخرى , انقبض قلبي بشدة وتهاوت اقدامي وانا اسمع صوت شقيقتي بدريه تصرخ من اعماقها واسرعت اهبط السلالم وبرودة غريبه تسري في جسدي ومئات الخواطر تتزاحم في مخيلتي عما يكون قد جرى لها , دعوت في سري الا يكون شئ ما قد اصاب احد اولادها فهم كل حياتها ومستقبلها ...........

بيد ان دعوتي ربما لم تصل الى السماء حالما سمعتها تسرد ما حدث لها لزوجة ابي ...........

كنت اقف في آخر درجة من درجات السلم وصوت بدريه يصلني حيث انا , بل يتردد في ارجاء البيت متعبا متهالكا حزينا , فوقفت في مكاني لا ابرحه تتناهى الي كلماته الحائره سعود طفلها الاكبر ورجلها القادم وفارس احلامها واحلام اطفالها الآخرين , سعود الفتى ذو السادسه عشرة من عمره من غذته بدمها ودموعها وانينها , من نفخت فيه روح الرجوله صغيرا واطعمته احلامها وامانيها وزرعت فيه الحب والخير لكل الناس , سعود ذلك الامل الصغير الذي بدأ يكبر ويكبر ليتضائل كل شئ ويبدو الأمل سرابا والحلم وهما والمستقبل ضربا من الجنون , سعود ذلك الطفل الذي تشرب اليتم صغيرا وتلفت حوله بحثا عن قدوة ومثل اعلى لرجل يقتدي به في كل افعاله فلم يجد سوى امرأه , امرأه كسيرة مهيضة الجناح محطمه ممزقة تنظر اليه على انه إله أو شئ مقدس , فتعطيه كل شئ بلا مقابل لمجرد ذكورة مؤجله وتعطش مرير لرجل يملأ البيت بالهيبة والتقدير , ميزته انه الذكر الأول يليه بعد ثلاث بنات ذكر آخر , أمل صغير آخر لكنه ليس بحجم الامل الاول والاكبر ....

تفقت عليه ينابيع الحنان من ام تعايش عاطفة بلا رجل وانوثة بلا رجاء , واحاسيس معطله حتى اشعار آخر ...

ظلم سعود , رغم طفولته وكم الحنان الهائل فقد كانت المسؤوليه الملقاه على عاتقة كبيره , كبيرة لا تتحملها طفولته الغضة ولا يتمه المبكر و فدور الاب والاخ والزوج والابن لم يكن يليق به او يناسب سنه الصغيره فنشأ يحاول الهرب ويمارس لعبة الابتعاد حتى حطم القيد الذي يكبله بأمه , فابتعد اكثر واكثر لينضم الى جماعة فتيان عابثين , ثم تدرج الامر من تدخين لفافات التبغ الى استنشاق المذيبات المتطايره ثم التحول الرهيب والكبير بتعاطي المخدرات .........

كانت تحاول اعادته الى حظيرة الاسرة بكل الطرق الممكنه ولم تكن تحكي أو تشكو لأحد , بل فضلت معالجة الامر بنفسها كيلا يتطور الامر وتصبح فضيحة تهدد العائلة ويعلم والدها بالامر فتكون العاقبة وخيمة , فحاولت معه بكل الطرق بالود والملاطفة ثم السياسة والمداهنه الى الشدة والقسوة والعقاب ثم الحرمان من النقود, لكنه لم يرتدع بل امعن في غيه وازداد اصرارا على المعصية حتى جاءها اليوم صباحا في حالة غير طبيعية يهذي ويصرخ ويتهم اشاخاصا مجهولين بملاحقته , فحادثت اخي صالح لينقلوه على وجه السرعه الى المستشفى , المصيبه ان المستشفى حولوه الى مستشفى الأمل بعد ظهور نتيجة التحاليل بأنه مدمن , ثم اخذت تبكي بحرقة شديده , تبكي خيبة املها وتحطم حلمها الوردي الى اشلاء متناثرة , تبكي الماضي والحاضر , ماضيا تختره واجبرت عليه قسرا وحاضرا بحرمانها من كل حقوقها المشروعه انتهاء بحصادها المر بعد سنوات طويلة من الحب والرعاية ثم انتهى كل شئ بلا شئ ......

اسرعت لأضمها الى صدري , فلا ملجأ لها سواي ولن تجد صدرا يستوعب احزانها سوى صدري , ولا يدا تمسح عنها عذابها سوى يدي , ولا صوتا حنونا يدواي جراحها سوى صوتي , تعانقنا وفي داخل كل منا عواصف من الاحزان , هي بأملها الذي انهار امام عينيها ومستقبلها الزاهر الذي بنته لبنة لبنة لينتهي في مستشفى الامل بلا اية بارقة من أمل.......... وأنا يقتل احلامي وآمالي على يد ابي وانتهاء قصة حبي نهاية مؤسفة ستظل طوال عمري جرحا عميقا ينزف داخلي بغزارة , سعد حبي الاول والاخير اول انسان يتفتح عليه قلبي , وتزهر به آمالي , احببته حبا ملأ علي حياتي وملك علي عقلي وقلبي , احببته بكل كياني وبكل قطرة دم تسري في شراييني .......
ولم يكن اختياري خاطئا , لم اقع في يد سكير عربيد او لص خبيث او عاطل متسكع او حتى عابث يتلاعب بقلوب الفتيات , كلا فمت احببته واخترته بملء ارادتي كان رجلا بمعنى الكلمه ,صادقا وشريفا , احبني مثلما احببته بل ربما احبني اكثر مما احببته ولم يأت من النافذه سارقا كلص , بل اتى من الباب كأي رجل صادق الوعد والعهد يحترم نفسه كما يحترم حبيبته , ولم يكن ينقصه شئ ليرفض , فهو شاب مستواه المادي ممتاز ايضا , فهو مشروع اديب امامه مستقبل عريض ومع كل هذا فقد رفضه ابي , رفضه بكل قسوة وعنجهية وظلم .........

رفضه لمجرد انه اوصلني ذات يوم فتنبأ بأن هناك شيئا ما بيننا وبدلا من أن يوافق ويسارع للم الشمل يرفض الرجل ويصر على الرفض ثم يطرده بلا حياء .

وزياده في العنجهية والغرور واثبات السلطه يقرر زواجي من عجوز سبعيني لا يعرف الفرق بين الألف والعصا لمجرد ابعاد الشاب عن طريقي ودفعه لأن ينسى أمري ويبحث عن نصيبه في مكان آخر ...

أي تفكير هو تفكيرك يا ابي واي ظلم هو ظلمك !

قتلتني وانا لا ازال على قيد الحياة , حرمتني حق الاختيار وطعم الحريه واحساس الحب والسعاده واردتني اداة لظلمك وقسوتك , أداة تحركها كيفما تشاء ....

تقتلها تحرقها , تحرمها , اداة طيعه بين يديك بلا اختيار ولا أي احساس , اردتني كأخوتي تصنع مستقبلهم كما اردت انت لا كما ارادوا هم , فعاشوا وما زالوا تعساء يعانون خطأ الاختيار ومرارة الانصياع والانحناء للعاصفة , أبي استطيع ان اقف في وجهك وارفض اختيارك الظالم لي واثور على كل الاوضاع , بل استطيع ان اهرب , ان انتحر واقتل نفسي بحيث امنعك من صنع حياتي وتشكيل دنياي وان يكون مستقبلي ممهورا بتوقيعك , كعادتك دائما , لكن لا , شئ ما في داخلي يمنعني بشدة ربما هو آثار ( لاحول ولا قوة الا بالله ) التي حملتها في داخلي إرثا من امي او هو طريق رأيت اخوتي ساروا عليه فسرت عليه كشئ لا بد منه كحال المحكوم عليه بالاعدام حينما يرى رفاقه يعدمون امام عينيه فهو يحني رأسه باستسلام , كشئ حتمي لا مفر منه ام هي رغبة داخليه في الانتقام , الانتقام يا ابي في نفسي , ليراني سلعة ذليلة في يد رجل لا يعرف قدري , ليراني بأم عينيه مهانه كرامتي مستباحه وجمالي يذبل شيئا فشيئا ليغدو الى سراب , ليراني حزينه ضائعه باكيه ارنو الى اشياء لا امتلكها وازهد في اشياء تطفح بها حياتي .

ليراني مبعثرة اجاهد حلما يسكنني وابحث عن امل مستحيل اهفو اليه , ترى هل بعد كل هذا ارى دموع الندم في عينيه , الدموع التي اتحرق شوقا لأن اراها فتطفئ بعضا من النيران المشتعله في جوفي والتي لا تطفئها المحيطات , انه رغم قسوته وجبروته يشعر ببعض الاسى حينما يرى حال اولاده , غصة مرارة , او ربما سحابة ألم عابره يمر بها في فترات استشعرتها به في احوال مختلفه حتى حالة سعاد الاخيره وهي تعود لزوجها ذليلة مهانه بلا آمال وربيع العمر يتبعثر تحت اقدام رجال لا يستحقون , ابي الا تعتبر , الا ترى في احوال اخوتي الكفايه كل الكفايه من هذا المصير الذي تدفعني اليه , الا زالت شهوة التشفي والانتقام جزءا لا يتجزأ منك ؟

لماذا لا ترضي الا ان تحصد المرارة كامله والعذاب مضاعفا وعقاب الرب شاملا ....

لم لا تتخفف من الآثام وتكفر عن ذنبك في حق اخوتي بي , فتزوجني من احببته واحبني ....

من سيرعاني حق الرعايه واخدمه برموش عيني ....

ممن سنعزف أنا وهو سيمفونيه حب كامله لا يعرفها سوى العشاق ...

لم تحرمنا من هذا الحق وتزفني جثه بارده لتاجر سلع ارادني قطعة جميله يزين بها بيته تضاف الى قطيع كامل من البشر لا يربطه بها سوى المال والمال فقط لا غير يا ابي .........

ابي اين ضميرك وكيف يهنأ لك بال ويغمض لك جفن وابنتك تباع وتشترى كسلعة لها ثمن يضمها بيت واحد موحش مقفر مع رجل عجوز يفوق أباها عمرا لا يجمعهما شئ سوى عقد الزواج , فلا حوار متبادل ولا حب او ود او أي شئ مشترك بينهما ......

فأية هاويه تدفعني اليها يا ابي بقرارك وباختيارك دونما تقدير لاحساسي ومشاعري وشبابي الذي حصدته قبل الأوان ؟


أي تفكير هو تفكيرك يا ابي ؟

واي ظلم هو ظلمك ؟

واي جرف عميق ننحدر اليه جميعا بتخطيطك وتقديرك ومباركتك ؟


حتى سعود هذا الصبي المراهق الغض اشم في انحرافه رائحة غدرك وتخليك ونكرانك ....

فأي سجلات حافلة سطرها تاريخك ابي بدءا باغتيال زوجتك على مذبح شهواتك مرورا بتدمير ابنائك الواحد تلو الآخر وانتهاء بتشريد احفادك ....

عفوا وعذرا يا ابي استميحك المعذرة , لكنها الحقيقه البشعه التي لو لم احكها بلساني لنطقت بها عيناي , سعود هو الضحيه وانت الجاني الاول والأخير ...

سعود طفل غرير نشأ في احضان امرأه هي امه ولا وجود لرجل في حياتهما على الاطلاق سوى لمسات بعيده , بعيده تأتي احيانا من الاخوال , ولانها نادره وبعيده ولانك رفضت زواج بدريه من أي رجل على وجه الارض نشأ الطفل وهو يشعر نفسه محور الكون والنبي المنتظر بلا محظورات او محرمات او اسلاك شائكه يحيطه بها المربون من الرجال , فبدريه رغم فطنتها لن تستطيع ملاحقة الصبي على ارصفه الشوارع لتعرف مع من يتحدث ويسير ويصادق وماذا يفعلون او يأكلون ويشربون , فهي امرأه اولا وامراه مقيده ثانيا وامرأه مكبله بالاغلال ثالثا , لأنك يا ابي حرمتها الزواج كما حرمتها الحرية وممارسة حقوقها كامرأه , فلا زوج ولا صداقات , تسير ضمن دائرة مغلقة لا تتعداها هي بيتها واطفالها تحيد بها المحرمات من كل جانب فلا دخول ولا خروج ولا علاقات مع أي احد كان سوى في اضيق الحدود , مسكينه انت يا بدريه وتعيس هذا الصبي اليتيم .....

همست من بين دموعها :

-أحلام , هل تعتقدين انه سيشفى , هل سعود , فتى , سويا كما كان ؟

جاهدت كثيرا كيلا تسقط دموعي وانا اقول لها :

-بالتأكيد سيعود يا بدريه وسينسى كل شئ حدث له , فجميعنا نكبر وننسى لكن كفي عن معاملته كرجل بالغ وعامليه بمستوى طفولته وانك لا تطلبين منه سوى ان يتفوق وينجح , ينجح فقط لا غير , أليس كذلك يا بدريه ؟


انهارت في بكاء عاصف حينما دخل ابي وكان رد فعله تماما كما توقعت فقد غضب وصرخ وشتم وكاد يتهجم عليها بالضرب قائلا :

-انت السبب , انت من افسدته بتدليله حتى حدث ما حدث , انها فضيحة , فضيحة كبيرة , لكنه لن يعيش معك بعد اليوم بل سيعيش معي وسأربيه كما ربيت ابنائي ولا تتدخلي في شؤونه أبدا بعد اليوم أفهمت ؟


ومن بين دموعها وقعت بدريه اقرارا لأبي بأنها لن تتدخل في شؤون ابنها بعداليوم ولا حتى عندما يتزوج وينجب ..

قبل ان تعود بدريه الى بيتها مشتته النفس حائرة تتقاذفها الهواجس والظنون ويؤرقها مصير ابنها الذي يفارقها لأول مره في حياتها وحياته قرت ان ابلغها خبر زواجي المرتقب لتكتمل ثالثة الأثافي ... نظرت الي غير مصدقه ثم ضربت صدرها بيدها وهي تهتف :

-هل انت جاده أم تهزلين ؟

قلت لها بلا مبالاة :

-وهل عهدتني الا جاده يا بدريه , ان زواجي بداية الشهر القادم كما اخبرني ابي ولا مفر ....

انبثقت الدموع من عينيها مجددا وهي تقول :

-وهل ستقبلين هذا الأمر , هل سترضخين , كلا افعلي شيئا يا حلام , ناقشي ابي , امرضي , اهربي , افعلي أي شئ .....


اشحت بوجهي عنها وانا امسح دمعة هاربه من عيني :

-لن افعل شيئا يا بدريه , وليقدر الله أمرا كان مفعولا ....

ثم أدرت ظهري لها وأسرعت أرتقي السلالم بسرعة مذهله لألقى بنفسي على فراشي وأنا انشج ببكاء مرير .....
l
تسلم ايدك على القصة الحلوة
انها مؤثرة وحزينة جدا جدااااااااااااااااااااااااااااااا
القصة حقيقية ولا لأ؟!!
وهل انتهت ولا في اجزا تانية
ياريت احلام توقف امام والدها وماتوافق على الزواج
الله يبعد عن المسلمين مثال الاب السيئ مثل هذا الاب
وبارك الله فيكي
X