نزار قبانى

سمرسمار 06-08-2012 149 رد 17,304 مشاهدة
س
السمفونيه الجنوبيه الخامسه


سَمَّيتُكَ الجنوب

يا لابساً عباءةَ الحسين

وشمسَ كربلاء

يا شجرَ الوردِ الذي يحترفُ الفداء

يا ثورةَ الأرضِ التقت بثورةِ السماء

يا جسداً يطلعُ من ترابهِ

قمحٌ وأنبياء

***

سميّتُك الجنوب

يا قمر الحُزن الذي يطلعُ ليلاً من عيونِ فاطمة

يا سفنَ الصيدِ التي تحترفُ المقاومة..

يا كتب الشعر التي تحترف المقاومة..

يا ضفدع النهر الذي

يقرأ طولَ الليلِ سورةَ المقاومة

***

سميتك الجنوب..

سميتك الشمعَ الذي يضاءُ في الكنائس

سميتك الحناء في أصابع العرائس

سميتك الشعرَ البطوليَ الذي

يحفظه الأطفالُ في المدارس

سميتك الأقلامَ والدفاترَ الوردية

سميتك الرصاصَ في أزقةِ "النبطية"

سميتك النشور والقيامة

سميتك الصيفَ الذي تحملهُ

في ريشها الحمامة

***

سميتك الجنوب

سميتك النوارس البيضاء، والزوارق

سميتك الأطفالَ يلعبونَ بالزنابق

سميتك الرجالَ يسهرونَ حولَ النارِ والبنادق

سميتك القصيدةَ الزرقاء

سميتك البرقَ الذي بنارهِ تشتعلُ الأشياء

سميتك المسدسَ المخبوءَ في ضفائرِ النساء

سميتك الموتى الذينَ بعد أن يشيَّعوا..

يأتون للعشاء

ويستريحون إلى فراشهم

ويطمئنون على أطفالهم

وحين يأتي الفجرُ، يرجعون للسماء

***

سيذكرُ التاريخُ يوماً قريةً صغيرةً

بين قرى الجنوب،

تدعى "معركة"

قد دافعت بصدرها

عن شرفِ الأرض، وعن كرامة العروبة

وحولها قبائلٌ جبانةٌ

وأمةٌ مفككه

***

سميتك الجنوب..

سميتكَ الأجراسَ والأعياد

وضحكةَ الشمس على مرايلِ الأولاد

يا أيها القديسُ، والشاعرُ والشهيد

يا ايها المسكونُ بالجديد

يا طلقةَ الرصاص في جبينِ أهلِ الكهف

ويا نبيَّ العنف

ويا الذي أطلقنا من أسرنا

ويا الذي حررنا من خوف

***

لم يبقَ إلا أنت

تسيرُ فوق الشوكِ والزجاج

والإخوة الكرام

نائمون فوقَ البيضِ كالدجاج

وفي زمانِ الحربِ، يهربون كالدجاج

يا سيدي الجنوب:

في مدنِ الملحِ التي يسكنها الطاعونُ والغبار

في مدنِ الموتِ التي تخافُ أن تزورها الأمطار

لم يبق إلا أنت..

تزرع في حياتنا النخيلَ، والأعنابَ والأقمار

لم يبقَ إلا أنت.. إلا أنت.. إلا أنت

فافتح لنا بوابةَ النهار
س
حبيبتي هي القانون


أيتها الأنثى التي في صوتها

تمتزج الفضة . . بالنبيذ . . بالأمطار

ومن مرايا ركبتيها يطلع النهار

ويستعد العمر للإبحار

أيتها الأنثى التي

يختلط البحر بعينيها مع الزيتون

يا وردتي

ونجمتي

وتاج رأسي

ربما أكون

مشاغبا . . أو فوضوي الفكر

أو مجنون

إن كنت مجنونا . . وهذا ممكن

فأنت يا سيدتي

مسؤولة عن ذلك الجنون

أو كنت ملعونا وهذا ممكن

فكل من يمارس الحب بلا إجازة

في العالم الثالث

يا سيدتي ملعون

فسامحيني مرة واحدة

إذا انا خرجت عن حرفية القانون

فما الذي أصنع يا ريحانتي ؟

إن كان كل امرأة أحببتها

صارت هي القانون
س
22 نيسَان


المَسَا ، شَلالُ فَيْرُوزٍ ثَرِي

وبِعَيْنَيْكِ ، ألوفُ الصُوَرِ

ضَوْءُ عينَيْكِ .. وضَوْءُ القَمَرِ ..

وبِعَيْنَيْكِ مرايا اشتعلتْ

وانفتاحاتٌ على صَحْوٍ.. على

رحلتي طالَتْ .. أما من مرفأٍ

فيه أَرسُو ، عَسَليِّ الحَجَرِ؟

قَبْلَ بَدْءِ البَدْءِ ، قبلَ الأعصُر

أنا بعثرتُ نُجومي فيهما

ما المصابيحُ التي لاحتْ على

فَتْحتيْ عينيْكِ .. إلا فِكَري

إعْقِدي الشالَ .. فلو أنتِ معي

مرة ، غيَّرتُ مجرى القَدَرِ

بَعْدُ .. تدعوكِ ، فلا تَفْتكِري

رَجَعَ الصيفُ لعينيكِ.. ولي

وأراجيحُ لنا معقُودةٌ

نحنُ منثورُ الرُبَى .. زَنْبَقُها..

شَهْقَةُ النَجْماتِ في المُنْحَدَرِ

بالأغاني .. برُفُوف الزَهَرِ

إنَّهُ أوَّلُ صيفٍ مَرَّ بي

***

مَنْ تكونينَ أَيَا أٌغْنيةً

أنتِ يا وَعْداً يصَحْوٍ مُقْبِلٍ

بعطايا فوق وُسْع البَيْدَرِ

وافتكارٌ بإنائَيْ جَوْهَرِ..

وتَوَقَّعْتُكِ دَهْراً .. فإذا

فوقَ ما يحلُمُ ثلجٌ بِذُرىً

وترابٌ برجوع المَطَرِ

لو معي حبُّكِ .. لاجْتَحْتُ الذُرى

ولحرَّكْتُ ضميرَ الحَجَرِ

في عُرَى هذا القميص الأحمرِ

تُنْبِئي الليلَ بهذا الخَبَرِ

واتْرُكيهِ .. واتْرُكيني نَبَأً

***

أيُّ فَضْلٍ لكِ في الدنيا إذا

ضَلَّ إزْمِيلي .. إذا لم تُصْبِحي

قَمَراً .. أو شُرْفةً في قَمَرِ ...

وتَوَقَّعْتُكِ دَهْراً .. فإذا

بكِ فوقَ المُرْتَجَى المُنْتَطَرِ..

فوقَ ما يحلُمُ ثلجٌ بِذُرىً

وترابٌ برجوع المَطَرِ

***

لو معي حبُّكِ .. لاجْتَحْتُ الذُرى

ولحرَّكْتُ ضميرَ الحَجَرِ

ولَجمَّعتُ الدُنَا .. كُلَّ الدُنا

في عُرَى هذا القميص الأحمرِ

إنَّني أعبُدُ عَيْنَيْكِ .. فلا

تُنْبِئي الليلَ بهذا الخَبَرِ

واتْرُكيهِ .. واتْرُكيني نَبَأً

لم يَجُلْ بَعْدُ بفكرِ المُضْمَرِ..

***

أيُّ فَضْلٍ لكِ في الدنيا إذا

أنتِ لم تحترقي كالشَرَرِ

ضَلَّ إزْمِيلي .. إذا لم تُصْبِحي

قَمَراً .. أو شُرْفةً في قَمَرِ ...
س
الثقافةُ المُفَخَّخَةْ..


كلُّ شيءٍ في حياتنا

صارَ مُفَخَّخاً..

السيَّاراتُ.. والرسائلُ.. والطرودُ البريديّةْ

حتّى الثقافةُ العربيةْ

صارَتْ مُفَخَّخَةْ...
س
هاملت شاعراً


أنْ تكوني امرأةً .. أو لا تكوني ..

تلكَ .. تلكَ المسألَهْ

أنْ تكوني امرأتي المفضَّلهْ

قطَّتي التركيَّة المدلَّلهْ ..

أنْ تكوني الشمسَ .. يا شمسَ عُيوني

و يداً طيّبةً فوقَ جبيني

أنْ تكوني في حياتي المقْبِلَهْ

نجمةً .. تلكَ المشكِلَهْ

أنْ تكوني كلَّ شيّْ ..

أو تُضيعي كلَّ شيّْ ..

إنَّ طبْعي عندما اهوى

كطبْع البَرْبَريّْ ..

أنْ تكوني ..

كلَّ ما يحملُهُ نوَّارُ من عُشْبٍ نديّْ

أنْ تكوني .. دفتري الأزرقَ ..

أوراقي .. مِدادي الذهنيّْ ..

أنْ تكوني .. كِلْمةً

تبحثُ عن عُنوانِها في شَفَتيّْ

طفلةً تكبرُ ما بين يديّْ

آهِ يا حوريةً أرسَلهَا البحرُ إليّْ ..

و يا قَرْعَ الطُبُولِ الهَمَجيّْ

إفْهَميني ..

أتمنَّى مُخْلصاً أن تَفْهَميني

رُبَّما .. أخطأتُ في شرح ظنُوني

رُبَّما سرتُ إلى حُبِّكِ معصوبَ العيونِ

و نَسَفْتُ الجسرَ ما بين اتِّزاني و جُنوني

أنا لا يمكنُ أن أعشقَ إلاّ بجُنوني

فاقْبَلِيني هكذا .. أو فارْفُضِيني ..

*

إنْصتي لي ..

أتمنَّى مُخْلصاً أنْ تُنْصِتي لي ..

ما هناكَ امرأةٌ دونَ بديلِ

فاتنٌ وجهُكِ .. لكنْ في الهوى

ليس تكفي فتنةُ الوجه الجميلِ

إفْعَلي ما شئتِ .. لكنْ حاذِري ..

حاذِري أنْ تقتلي فيَّ فُضُولي ..

تَعِبَتْ كفَّايَ .. يا سيِّدتي

و أنا أطرُقُ بابَ المُسْتَحيلِ ..

فاعشقي كالناس .. أو لا تعشقي

إنَّني أرفُضُ أَنْصَافَ الحُلولِ ..
س
بلادي


مِنْ لَثْغَةِ الشُحْرُور .. مِن

بَحَّةِ نايٍ مُحْزِنَهْ ..

مِنْ رَجْفَة المُوَّال .. مِنْ

تَنَهُّداتِ المِئْذنَهْ ..

مِنْ غَيْمةٍ تحبكُها

عند الغروب المَدْخَنَهْ

وجُرْحِ قِرْميدِ القُرى

المنشورةِ المزيَّنَهْ ..

مِنْ وشْوَشَاتِ نَجْمَةٍ

في شرقنا مُستَوطِنَهْ

مِنْ قصَّة تَدُورُ

بين وردةٍ .. وسَوْسَنَهْ

ومِنْ شذا فَلاحةٍ

تَعبَقُ منها (الميْجَنَهْ)

ومِنْ لُهاث حاطبٍ

عاد بفأسٍ مُوهَنَهْ ..

جبالُنا .. مَرْوَحَةٌ

للشرقِ .. غَرْقى ، ليِّنَهْ

تُوزِّعُ الخيرَ على الدنيا

ذُرانا المُحْسِنَهْ

يطيبُ للعصفور أن

يبني لدينا مسكنَهْ ..

ويغزلُ الصَفْصَافُ ..

في حضن السواقي موطنَهْ

حدودُنا بالياسمينِ

والندَى مُحصَّنَهْ

وَوَرْدُنا مُفَتِّحٌ

كالفِكَرِ المُلوَّنَهْ ..

وعندنا الصخورُ تهوَى

والدوالي مُدْمِنَهْ

وإنْ غضِبْنَا .. نزرعِ

الشمسَ سيوفاً مُؤمِنَهْ ..

***

بلادُنا كانتْ .. وكانتْ

بعدَ هذا الأزمِنَهْ ..
س
خَاتَم الخطبَة


ويْحَكِ ! في إصْبَعكِ المُخْمَلي

حَمَلتِ جُثْمَانَ الهوى الأوَّلِ

با من طعنت الهوى

في الخلف .. في جانبه الأَعْزَلِ

قد تخجلُ اللبْوَةُ من صَيْدِها

بائعتي بزائِفاتِ الحُلَى

بخاتمٍ في طَرَفِ الأَنْمُلِ

وبالفراءِ ، الباذخِ ، الأهْدلِ

***

فلا أنا منكِ .. ولا أنتِ لي..

وكلُّ ما قلنا . وما لم نَقُلْ

تَسَاقَطَتْ صرعى على خاتمٍ

***

كيف تآمرتِ على حُبِّنا

جَذْلَى .. وفي مأتم أشواقنا ؟

جَذْلَى .. ونَعْشُ الحبِّ لم يُقْفَلِ؟

يرصُدني كالقَدَر المُنْزَلِ

يُخبرني أنَّ زمانَ الشَذّا

***

ماذا تمنَّيتِ ولم أفْعَلِ؟

نَصَبْتُ فوق النجم أُرجوحتي

وبيتُنا الموعُودُ .. عمَّرتُهُ

من زَهَرَاتِ اللوزِ ، كي تنزِلي

ورداً على الشُرْفةِ .. والمدخلِ

أَرقُبُ أن تأتي كما يرقبُ

***

صدفتِ عنّي .. حينَ ألْفَيْتِني

أَبْني بُيُوتي في السَحَابِ القصي

جواهرٌ تكمُنُ في جَبْهَتي

أثمنُ من لؤلؤكِ المُرْسَلِ

سبيّةَ الدينار ، سيرى إلى

شاريكِ بالنقودِ .. والمُخْمَلِ

اليدِ التي عَبَدْتُها .. مَقْتَلي !!

من زَهَرَاتِ اللوزِ ، كي تنزِلي

قَلَعْتُ أهدابي .. وسوّرتُهُ

ورداً على الشُرْفةِ .. والمدخلِ

أَرقُبُ أن تأتي كما يرقبُ

الراعي طلوعَ الأَخضَرِ المقبِلِ..

***

صدفتِ عنّي .. حينَ ألْفَيْتِني

تجارتي الفِكْرُ .. ولا مالَ لي

أَبْني بُيُوتي في السَحَابِ القصي

فيكتسي الصباحُ من مِغْزَلي

جواهرٌ تكمُنُ في جَبْهَتي

أثمنُ من لؤلؤكِ المُرْسَلِ

***

سبيّةَ الدينار ، سيرى إلى

شاريكِ بالنقودِ .. والمُخْمَلِ

لم أَتَصَوَّرْ أن يكونَ على

اليدِ التي عَبَدْتُها .. مَقْتَلي !!
س
تأخذبنَ في حقائبكِ الوقتَ وتسافرين


1

أيتها المرأة التي كانت في سالف الزمان حبيبتي.

سألتُ عن فندقي القديمْ..

وعن الكشْكِ الذي كنتُ أشتري منه جرائدي

وأوراقَ اليانصيب التي لا تربحْ..

لم أجد الفندقَ.. ولا الكشْكْ..

وعلمتُ أن الجرائدْ..

توقّفتْ عن الصدور بعد رحيلكْ..

كان واضحاً أن المدينة قد انتقلتْ..

والأرصفةَ قد انتقلتْ..

والشمسَ قد غيَّرتْ رقم صندوقها البريديّْ

والنجومَ التي كنّا نستأجرُها في موسم الصيفْ

أصبحتْ برسم التسليمْ...

كان واضحاً.. أن الأشجارَ غيَّرتْ عناوينَها..

والعصافيرَ أخذت أولادها..

ومجموعةَ الأسطوانات الكلاسيكيّةِ التي تحتفظ بها.

وهاجرتْ..

والبحرَ رمى نفسه في البحر.. وماتْ..

2

بحثاً عن مظلّةٍ تقيني من الماءْ..

وأسماءُ الأندية الليليّة التي راقصتُكِ فيها..

ولكنَّ شرطيَّ السَيْر، سَخِر من بَلاهتي

وأخبرني... أن المدينةَ التي أبحثُ عنها..

قد ابتلعَها البحرُ..

في القرن العاشر قبل الميلادْ...

3

ذهبتُ إلى المحطّات التي كنتُ أستقبلكِ فيها...

وإلى المحطّات.. التي كنت أودّعكِ منها..

المخصّصةِ للنومْ...

عشراتٍ من سلال الأزهارْ..

ولافتةً مطبوعةً بكل اللغاتْ:

"الرجاء عدم الإزعاج"..

وفمهتُ أنكِ مسافرةٌ.. بصحبة رجل آخرْ..

قدَّم لكِ البيتَ الشرعيّْ

والجنسَ الشرعيّْ

والموتَ الشرعيّْ...

4

أيتها المرأةُ التي كانت في سالف الزمان حبيبتي

لماذا تضعين الوقتَ في حقائبكِ..

وتسافرينْْ.؟

لماذا تأخذينَ معكِ أسماءَ أيام الأسبوعْ؟

وكرويّةَ الأرضْ..

كما لا تستوعب السمكةُ خروجها من الماءْ..

أنتِ مسافرةٌ في دمي..

وليس من السهل أن أستبدل دمي بدمٍ آخرْ..

ففصيلةُ دمي نادرةْ..

كالطيور النادرة..

والنباتات النادرةْ..

والمخطوطات النادرةْ..

وأنتِ المرأةُ الوحيدةُ ..

التي يمكنُ أن تتبرَّع لي بدمها...

ولكنكِ دخلتِ عليَّ كسائحهْ..

وخرجتِ من عندي كسائحهْ...

كانت كلماتُكِ الباردة..

تتطايرُ كفتافيت الورق..

وكانت عواطفكِ..

كاللؤلؤ الصناعيِّ المستوردة من اليابانْ...

وكانت بيروت التي اكتشفتها معكِ..

وأدمنتُها معكِ..

وعشتُها بالطول والعرض .. معكِ..

ترمي نفسَها من الطابق العاشر..

وتنكسرُ .. ألفَ قطعهْ...

5

توقَّفي عن النمو في داخلي..

أيّتها المرأة..

التي تتناسلُ تحت جلدي كغابهْ...

ساعديني.. على كسر العادات الصغيرة التي كوَّنتُها معك..

وعلى اقتلاع رائحتك..

من قماش الستائرْ..

وبللورِ المزهريّاتْ..

على تَذَكُّر اسمي الذي كانوا ينادونني به في المدرسهْ..

ساعديني..

على تَذَكّرِِ أشكال قصائدي..

قبل أن تأخذَ شكلَ جسدِكْ..

ساعديني..

على استعادةِ لُغَتي..

التي فَصَّلتُ مفرداتِها عليكِ..

ولم تعد صالحةً لسواكِ من النساءْ...

6

دُلّيني..

على كتابٍ واحدٍ لم يكتبوكِ فيهْ..

وعلى عصفورٍ واحدٍ..

لم تعلّمهُ أُمُّهُ تهجيةَ اسمكِ..

وعلى شجرةٍ واحدةٍ..

لا تعتبركِ من بين أوراقِها..

وعلى جدولٍ واحدٍ..

لم يلْحَسِ السُكَّرَ عن أصابع قَدَميْكِ..

ماذا فعلتِ بنفسكِ؟..

التي كانتْ تتحكَّمُ بحركة الريحْ..

وسُقُوطِ المطرْْ..

وطُولِ سنابل القمْحْ..

وعددِ أزهار المارغريت..

أيَّتُها المَلِكةُ...

التي كان نهداها يصنعان الطقسْ..

ويسيطرانِ ..

على حركةِ المدّ والجزْْرْ..

لتتزوّدَ بالعاج.. والنبيذْ..

ماذا فعلتِ بنفسكِ..

أيَّتُها السيّدةُ التي وقع منها صوتُها على الأرض..

فأصبحَ شَجَرهْ..

وَوَقَعَ ظلُّها على جَسَدي..

فأصبحَ نافورةَ ماءْ..

لماذا هاجرتِ من صدري؟..

وصرتِ بلا وطنْ..

لماذا خرجتِ من زَمَنِ الشِّعْْر؟

واخترتِ الزمنَ الضَيّقْ..

لماذا كسرتِ زجاجةَ الحبرِ الأخضرْ..

التي كنتُ أرسمُكِ بها..

وصرتِ امرأة..

بالأبيض..

والأسودْ..

أيَّتُها السيّدةُ التي وقع منها صوتُها على الأرض..

فأصبحَ شَجَرهْ..

وَوَقَعَ ظلُّها على جَسَدي..

فأصبحَ نافورةَ ماءْ..

لماذا هاجرتِ من صدري؟..

وصرتِ بلا وطنْ..

لماذا خرجتِ من زَمَنِ الشِّعْْر؟

واخترتِ الزمنَ الضَيّقْ..

لماذا كسرتِ زجاجةَ الحبرِ الأخضرْ..

التي كنتُ أرسمُكِ بها..

وصرتِ امرأة..

بالأبيض..

والأسودْ..
س
على القائمة السوداء

[COLOR="Red"]
في خانةِ المهْنَةِ من جَوَازي

عبارةٌ صغيرةٌ صغيرَهْ

تقولُ:

إنّي (كاتبٌ وشاعرْ).

في اللحظة الأولى ، اعتقدتُ أنَّها

عبارةٌ سحريةٌ

ستفتحُ الأبوابَ في طريقي

وتجعلُ الحُرَّاسَ يسجدونَ لي

وتُسْكِرُ الضبّاطَ والعساكرْ...

*

ثم اكتشفتُ أنها فضيحتي الكبيرَهْ

وتُهْمَتي الخطيرَهْ..

وأنَّها السيفُ الذي يطولُ رأسي

كلّما أردتُ أن أسافرْ....
[/COLOR]
س
غرناطة


في مدخل الحمراء كان لقاؤنا ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد

عينان سوداوان في حجريهما تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد

هل أنت إسبانية ؟ ساءلـتها قالت: وفي غـرناطة ميلادي

غرناطة؟ وصحت قرون سبعة في تينـك العينين.. بعد رقاد

وأمـية راياتـها مرفوعـة وجيـادها موصـولة بجيـاد

ما أغرب التاريخ كيف أعادني لحفيـدة سـمراء من أحفادي

وجه دمشـقي رأيت خـلاله أجفان بلقيس وجيـد سعـاد

ورأيت منـزلنا القديم وحجرة كانـت بها أمي تمد وسـادي

واليـاسمينة رصعـت بنجومها والبركـة الذهبيـة الإنشـاد

ودمشق، أين تكون؟ قلت ترينها في شعـرك المنساب ..نهر سواد

في وجهك العربي، في الثغر الذي ما زال مختـزناً شمـوس بلادي

في طيب "جنات العريف" ومائها في الفل، في الريحـان، في الكباد

سارت معي.. والشعر يلهث خلفها كسنابـل تركـت بغيـر حصاد

يتألـق القـرط الطـويل بجيدها مثـل الشموع بليلـة الميـلاد..

ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتي وورائي التاريـخ كـوم رمـاد

الزخـرفات.. أكاد أسمع نبـضها والزركشات على السقوف تنادي

قالت: هنا "الحمراء" زهو جدودنا فاقـرأ على جـدرانها أمجـادي

أمجادها؟ ومسحت جرحاً نـازفاً ومسحت جرحاً ثانيـاً بفـؤادي

يا ليت وارثتي الجمـيلة أدركـت أن الـذين عـنتـهم أجـدادي

عانـقت فيهـا عنـدما ودعتها رجلاً يسمـى "طـارق بن زياد"
س
قصة خلافاتنا


برغم .. برغم خلافاتنا

.. برغم جميع قراراتنا

.. بأن لانعود

.. برغم العداء .. برغم الجفاء

.. برغم البرود

.. برغم انطفاء ابتساماتنا

.. برغم انقطاع خطاباتنا

.. فثمة سر خفي

.. يوحد مابين أقدارنا

.. ويدني مواطئ أقدامنا

.. ويفنيكِ فيّ

.. ويصهر نار يديكِ بنار يديّ

.. برغم جميع خلافاتنا

.. برغم اختلاف مناخاتنا

.. برغم سقوط المطر

.. برغم استعادة كل الهدايا .. وكل الصور

.. برغم الإناء الجميل

.. الذي قلت عنه.. انكسر

..برغم رتابة ساعاتنا

.. برغم الضجر

..فلا زلت أؤمن أن القدر

.. يصر على جمع أجزائنا

.. ويرفض كل اتهاماتنا

.. برغم خريف علاقاتنا

.. برغم النزيف بأعماقنا

..وإصرارنا

.. على وضع حد لمأساتنا

.. بأي ثمن

.. برغم جميع ادعاءاتنا

.. بأنيَ لن

.. وأنكِ لن

.. فإني أشك بإمكاننا

.. فنحن برغم خلافاتنا

.. ضعيفان في وجه أقدارنا

.. شبيهان في كل أطوارنا

.. دفاترنا .. لون أوراقنا

.. وشكل يدينا .. وأفكارنا

.. فحتى نقوش ستاراتنا

.. وحتى اختيار اسطواناتنا

.. دليل عميق

.. على أننا

.. رفيقا مصير .. رفيقا طريق

.. برغم جميع حماقاتنا
س
أعراس


كُلُّ قصائدي...

تزوَّجتْ -والحمد للهْ -

ولم يبقَ عندي في البيتْ

قصيدةٌ واحدةٌ، لم يأتِ نصيبُها

لذلكَ يكرهني.. كلُّ من لَدَيْهْ

بِنْتٌ عانِسْ

أو قصيدةٌ عانِسْ...
س
طبيعةُ الرجل


يحتاجُ الرجلُ إلى دقيقةٍ واحدَهْ

ليعشقَ امرأَهْ...

ويحتاجُ إلى عصورٍ لنسيانِها...
س
إلى ميّتة


إنْتَهتْ قهوتُنا

وانتَهَتْ قِصَّتُنا

وانتَهَى الحُبُّ الذي كنتُ أُسمِّيهِ عنيفا

عندما كنتُ سخيفا ..

وضعيفا ..

عندما كانتْ حياتي

مَسْرَحاً للتُرَّهاتِ

عندما ضَيَّعتُ في حُبّكِ أزْهَى سَنَواتي.

بَرَدَتْ قهوتُنا

بَرَدَتْ حُجْرَتُنا

فلنَقُلْ ما عِندَنَا

بوضوحٍ ، فلنَقُلْ ما عِندَنَا

أنا ما عُدْتُ بتاريخكِ شيئا

أنتِ ما عُدْتِ بتاريخيَ شيئا

ما الذي غَيَّرني؟

لم أعُدْ أُبْصِرُ في عينيكِ ضَوْءَا

ما الذي حَرَّرني ؟

مِنْ حكاياكِ القديمَهْ

مِنْ قَضَاياكِ السقيمَهْ ..

بعد أنْ كنتِ أميرهْ..

بعد أن صَوَّرك الوَهْمُ لعينيَّ.. أميرَهْ

بعد أَنْ كانتْ ملايينُ النُجُومِ

فوق أحداقكِ تغلي

كالعصافير الصغيرهْ..

***

ما الذي حَرَّكني؟

كيفَ مَزَّقْتُ خُيُوطَ الكَفَنِ ؟

وتمرَّدْتُ على الشوق الأجيرِ ..

وعلى الليلِ .. على الطيبِ .. على جَرِّ الحريرِ

بعدَ أن كانَ مصيري

مرةً ، يُرْسَمُ بالشعر القصيرِ ..

مرةً ، يُرْسَمُ بالثغر الصغيرِ ..

ما الذي أيقظني ؟

ما الذي أرْجَعَ إيماني إليَّا

ومسافاتي ، وأبْعَادي ، إِليَّا ..

كيف حَطَّمتُ إِلهي بيديَّا ؟.

بعد أن كادَ الصَدَا يأكُلُني

ما الذي صَيَّرني ؟؟

لا أرى في حسنكِ العاديِّ شَيَّا

لا أرى فيكِ وفي عَيْنَيْكِ شَيَّا

بعد أنْ كُنتِ لدَيَّا

قِمَّةً فوق ادِّعاءِ الزَمَنِ..

عندما كُنْتُ غَبِيَّا..
س
وَجْهُكِ مثلُ مطلع القصيدة


وَجْهُكِ .. مثلُ مَطْلَعِ القصِيدَهْ

يَسْحَبُني ..

يَسْحَبُني ..

كأَنَّني شِرَاعْ

ليلاً ، إلى شواطئِ الإِيقاعْ .

يَفْتَحُ لي ، أُفْقَاً من العَقيقْ

ولَحْظَةَ الإِبْداعْ

وجْهُكِ .. وجهٌ مُدْهِشٌ

وَلَوْحَةٌ مَائيَّةٌ

ورِحلَةٌ من أبْدَعِ الرِحْلاتِ

بينَ الآسِ .. والنَعْنَاعْ ..

*

وجْهُكِ ..

هذا الدفترُ المفتوحُ ، ما أَجْمَلَهُ

حينَ أراهُ ساعةَ الصَبَاحْ

يحملُ لي القَهْوةَ في بَسْمَتِهِ

وحُمْرةَ التُفَّاحْ ...

وجْهُكِ .. يَسْتَدْرِجُني

لآخِرِ الشِعْرِ الذي أَعرفُهُ

وآخِرِ الكَلامْ ..

وآخِرِ الوَرْد الدِمَشْقِيِّ الذي أُحبُّهُ

وآخِرِ الحَمَامْ ...

*

وجْهُكِ يا سيِّدتي .

بَحْرٌ من الرُمُوزِ ، والأسئلةِ الجديدَهْ

فهل أعودُ سالماً ؟

والريحُ تَسْتَفِزُّني

والموجُ يَسْتَفِزُّني

والعِشْقُ يَسْتَفِزُّني

ورِحْلتي بعيدَهْ ..

*

وَجْهُكِ يا سيِّدتي .

رسالةٌ رائعةٌ

قَدْ كُتِبَتْ ..

ولم تَصِلْ ، بَعْدُ ، إلى السَمَاءْ ..
س
متى يعلنون وفاة العرب؟

1 -

أحاولُ منذ الطُفولةِ رسْمَ بلادٍ

تُسمّى - مجازا - بلادَ العَرَبْ

تُسامحُني إن كسرتُ زُجاجَ القمرْ...

وتشكرُني إن كتبتُ قصيدةَ حبٍ

وتسمحُ لي أن أمارسَ فعْلَ الهوى

ككلّ العصافير فوق الشجرْ...

أحاول رسم بلادٍ

تُعلّمني أن أكونَ على مستوى العشْقِ دوما

فأفرشَ تحتكِ ، صيفا ، عباءةَ حبي

وأعصرَ ثوبكِ عند هُطول المطرْ...

- 2 -

أحاولُ رسْمَ بلادٍ...

لها برلمانٌ من الياسَمينْ.

وشعبٌ رقيق من الياسَمينْ.

تنامُ حمائمُها فوق رأسي.

وتبكي مآذنُها في عيوني.

أحاول رسم بلادٍ تكون صديقةَ شِعْري.

ولا تتدخلُ بيني وبين ظُنوني.

ولا يتجولُ فيها العساكرُ فوق جبيني.

أحاولُ رسْمَ بلادٍ...

تُكافئني إن كتبتُ قصيدةَ شِعْرٍ

وتصفَحُ عني ، إذا فاض نهرُ جنوني

- 3 -

أحاول رسم مدينةِ حبٍ...

تكون مُحرّرةً من جميع العُقَدْ...

فلايذبحون الأنوثةَ فيها...ولايقمَعون الجَسَدْ...

- 4 -

رَحَلتُ جَنوبا...رحلت شمالا...

ولافائدهْ...

فقهوةُ كلِ المقاهي ، لها نكهةٌ واحدهْ...

وكلُ النساءِ لهنّ - إذا ما تعرّينَ-

رائحةٌ واحدهْ...

وكل رجالِ القبيلةِ لايمْضَغون الطعامْ

ويلتهمون النساءَ بثانيةٍ واحدهْ.

- 5 -

أحاول منذ البداياتِ...

أن لاأكونَ شبيها بأي أحدْ...

رفضتُ الكلامَ المُعلّبَ دوما.

رفضتُ عبادةَ أيِ وثَنْ...

- 6 -

أحاول إحراقَ كلِ النصوصِ التي أرتديها.

فبعضُ القصائدِ قبْرٌ،

وبعضُ اللغاتِ كَفَنْ.

وواعدتُ آخِرَ أنْثى...

ولكنني جئتُ بعد مرورِ الزمنْ...

- 7 -

أحاول أن أتبرّأَ من مُفْرداتي

ومن لعْنةِ المبتدا والخبرْ...

وأنفُضَ عني غُباري.

وأغسِلَ وجهي بماء المطرْ...

أحاول من سلطة الرمْلِ أن أستقيلْ...

وداعا قريشٌ...

وداعا كليبٌ...

وداعا مُضَرْ...

- 8 -

أحاول رسْمَ بلادٍ

تُسمّى - مجازا - بلادَ العربْ

سريري بها ثابتٌ

ورأسي بها ثابتٌ

لكي أعرفَ الفرقَ بين البلادِ وبين السُفُنْ...

ولكنهم...أخذوا عُلبةَ الرسْمِ منّي.

ولم يسمحوا لي بتصويرِ وجهِ الوطنْ...

- 9 -

أحاول منذ الطفولةِ

فتْحَ فضاءٍ من الياسَمينْ

وأسّستُ أولَ فندقِ حبٍ...بتاريخ كل العربْ...

ليستقبلَ العاشقينْ...

وألغيتُ كل الحروب القديمةِ...

بين الرجال...وبين النساءْ...

وبين الحمامِ...ومَن يذبحون الحمامْ...

وبين الرخام ومن يجرحون بياضَ الرخامْ...

ولكنهم...أغلقوا فندقي...

وقالوا بأن الهوى لايليقُ بماضي العربْ...

وطُهْرِ العربْ...

وإرثِ العربْ...

فيا لَلعجبْ!!

- 10 -

أحاول أن أتصورَ ما هو شكلُ الوطنْ؟

أحاول أن أستعيدَ مكانِيَ في بطْنِ أمي

وأسبحَ ضد مياه الزمنْ...

وأسرقَ تينا ، ولوزا ، و خوخا،

وأركضَ مثل العصافير خلف السفنْ.

أحاول أن أتخيّلَ جنّة عَدْنٍ

وكيف سأقضي الإجازةَ بين نُهور العقيقْ...

وبين نُهور اللبنْ...

وحين أفقتُ...اكتشفتُ هَشاشةَ حُلمي

فلا قمرٌ في سماءِ أريحا...

ولا سمكٌ في مياهِ الفُرات...

ولا قهوةٌ في عَدَنْ...

- 11 -

أحاول بالشعْرِ...أن أُمسِكَ المستحيلْ...

وأزرعَ نخلا...

ولكنهم في بلادي ، يقُصّون شَعْر النخيلْ...

أحاول أن أجعلَ الخيلَ أعلى صهيلا

ولكنّ أهلَ المدينةِيحتقرون الصهيلْ!!

- 12 -

أحاول - سيدتي - أن أحبّكِ...

خارجَ كلِ الطقوسْ...

وخارج كل النصوصْ...

وخارج كل الشرائعِ والأنْظِمَهْ

أحاول - سيدتي - أن أحبّكِ...

في أي منفى ذهبت إليه...

لأشعرَ - حين أضمّكِ يوما لصدري -

بأنّي أضمّ تراب الوَطَنْ...

- 13 -

أحاول - مذْ كنتُ طفلا، قراءة أي كتابٍ

تحدّث عن أنبياء العربْ.

وعن حكماءِ العربْ... وعن شعراءِ العربْ...

فلم أر إلا قصائدَ تلحَسُ رجلَ الخليفةِ

من أجل جَفْنةِ رزٍ... وخمسين درهمْ...

فيا للعَجَبْ!!

ولم أر إلا قبائل ليست تُفرّق ما بين لحم النساء...

وبين الرُطَبْ...

فيا للعَجَبْ!!

ولم أر إلا جرائد تخلع أثوابها الداخليّهْ...

لأيِ رئيسٍ من الغيب يأتي...

وأيِ عقيدٍ على جُثّة الشعب يمشي...

وأيِ مُرابٍ يُكدّس في راحتيه الذهبْ...

فيا للعَجَبْ!!

- 14 -

أنا منذ خمسينَ عاما،

أراقبُ حال العربْ.

وهم يرعدونَ، ولايمُطرونْ...

وهم يدخلون الحروب، ولايخرجونْ...

وهم يعلِكونَ جلود البلاغةِ عَلْكا

ولا يهضمونْ...

- 15 -

أنا منذ خمسينَ عاما

أحاولُ رسمَ بلادٍ

تُسمّى - مجازا - بلادَ العربْ

رسمتُ بلون الشرايينِ حينا

وحينا رسمت بلون الغضبْ.

وحين انتهى الرسمُ، ساءلتُ نفسي:

إذا أعلنوا ذاتَ يومٍ وفاةَ العربْ...

ففي أيِ مقبرةٍ يُدْفَنونْ؟

ومَن سوف يبكي عليهم؟

وليس لديهم بناتٌ...

وليس لديهم بَنونْ...

وليس هنالك حُزْنٌ،

وليس هنالك مَن يحْزُنونْ!!

- 16 -

أحاولُ منذُ بدأتُ كتابةَ شِعْري

قياسَ المسافةِ بيني وبين جدودي العربْ.

رأيتُ جُيوشا...ولا من جيوشْ...

رأيتُ فتوحا...ولا من فتوحْ...

وتابعتُ كلَ الحروبِ على شاشةِ التلْفزهْ...

فقتلى على شاشة التلفزهْ...

وجرحى على شاشة التلفزهْ...

ونصرٌ من الله يأتي إلينا...على شاشة التلفزهْ...

- 17 -

أيا وطني: جعلوك مسلْسلَ رُعْبٍ

نتابع أحداثهُ في المساءْ.

فكيف نراك إذا قطعوا الكهْرُباءْ؟؟

- 18 -

أنا...بعْدَ خمسين عاما

أحاول تسجيل ما قد رأيتْ...

رأيتُ شعوبا تظنّ بأنّ رجالَ المباحثِ

أمْرٌ من الله...مثلَ الصُداعِ...ومثل الزُكامْ...

ومثلَ الجُذامِ...ومثل الجَرَبْ...

رأيتُ العروبةَ معروضةً في مزادِ الأثاث القديمْ...

ولكنني...ما رأيتُ العَرَبْ!!...
س
الشمس


الشعرُ والديكْ

مصابان بجُنُون العَظَمَةْ

فهما مقتنعانْ

أن شَمْسَ الصباحْ

تطلعُ من حُنْجُرَتَيْهِمَا.
س
تلومني الدنيا


تلومني الدنيا إذا أحببتهُ

كأنني.. أنا خلقتُ الحبَّ واخترعتُهُ

كأنني أنا على خدودِ الوردِ قد رسمتهُ

كأنني أنا التي..

للطيرِ في السماءِ قد علّمتهُ

وفي حقولِ القمحِ قد زرعتهُ

وفي مياهِ البحرِ قد ذوّبتهُ..

كأنني.. أنا التي

كالقمرِ الجميلِ في السماءِ..

قد علّقتُه..

تلومُني الدنيا إذا..

سمّيتُ منْ أحبُّ.. أو ذكرتُهُ..

كأنني أنا الهوى..

وأمُّهُ.. وأختُهُ..

هذا الهوى الذي أتى..

من حيثُ ما انتظرتهُ

مختلفٌ عن كلِّ ما عرفتهُ

مختلفٌ عن كلِّ ما قرأتهُ

وكلِّ ما سمعتهُ

لو كنتُ أدري أنهُ..

نوعٌ منَ الإدمانِ.. ما أدمنتهُ

لو كنتُ أدري أنهُ..

بابٌ كثيرُ الريحِ.. ما فتحتهُ

لو كنتُ أدري أنهُ..

عودٌ من الكبريتِ.. ما أشعلتهُ

هذا الهوى.. أعنفُ حبٍّ عشتهُ

فليتني حينَ أتاني فاتحاً

يديهِ لي.. رددْتُهُ

وليتني من قبلِ أن يقتلَني.. قتلتُهُ..

هذا الهوى الذي أراهُ في الليلِ..

على ستائري..

أراهُ.. في ثوبي..

وفي عطري.. وفي أساوري

أراهُ.. مرسوماً على وجهِ يدي..

أراهُ منقوشاً على مشاعري

لو أخبروني أنهُ

طفلٌ كثيرُ اللهوِ والضوضاءِ ما أدخلتهُ

وأنهُ سيكسرُ الزجاجَ في قلبي لما تركتهُ

لو أخبروني أنهُ..

سيضرمُ النيرانَ في دقائقٍ

ويقلبُ الأشياءَ في دقائقٍ

ويصبغُ الجدرانَ بالأحمرِ والأزرقِ في دقائقٍ

لكنتُ قد طردتهُ..

يا أيّها الغالي الذي..

أرضيتُ عني الله.. إذْ أحببتهُ

هذا الهوى أجملُ حبٍّ عشتُهُ

أروعُ حبٍّ عشتهُ

فليتني حينَ أتاني زائراً

بالوردِ قد طوّقتهُ..

وليتني حينَ أتاني باكياً

فتحتُ أبوابي لهُ.. وبستهُ
س
تعوّد شَعْري عَلَيكْ


تعوَّدَ شَعْري الطويلُ عليكْ

تعوّدتُ أرخيه كلَّ مساءٍ

سنابلَ قمح على راحتيكْ

تعوّدتُ أتركه يا حبيبي..

كنجمة صيفٍ على كتفيكْ..

فكيف تَمَلّ صداقةَ شَعْري؟

وشَعْري ترَعْرعَ بين يديكْ.

ثلاثُ سنينْ..

ثلاثُ سنينْ..

تُخدّرني بالشؤون الصغيرَه..

وتصنع ثوبي كأيّ اميرَهْ..

من الأرجوانِ..

من الياسمينْ..

وتكتبُ إسمَكَ فوق الضفائرْ

وفوق المصابيح.. فوق الستائرْ

ثلاثُ سنينْ..

وأنتَ تردّد في مسمعيّا..

كلاماً حنوناً.. كلاماً شهيّا..

وتزرعُ حبّك في رئتيّا..

وها أنتَ.. بعد ثلاث سنينْ..

تبيعُ الهوى.. وتبيعُ الحنينْ

وتترك شَعْري..

شقيّاً.. شقيّا..

كطيرٍ جريحٍ.. على كتفيّا

*

حبيبي!

أخافُ اعتيادَ المرايا عليكْ..

وعطري. وزينةِ وجهي عليكْ..

أخافُ اهتمامي بشكل يديكْ..

أخافُ اعتيادَ شفاهي..

مع السنواتِ، على شفتيكْ

أخافُ أموتُ

أخافُ أذوبُ

كقطعة شمعٍ على ساعديْك..

فكيف ستنسى الحريرَ؟

وتنسى..

صلاةَ الحرير على ركْبتيكْ؟

*

لأني أحبّكَ، أصبحت أجمّلْ

وبعثرتُ شعري على كتفيَّ..

طويلاً .. طويلاً..

كما تتخيّلْ..

فكيفَ تملّ سنابلَ شعري؟

وتتركه للخريف وترحَلْ

وكنتَ تريحُ الجبينَ عليه

وتغزلُهُ باليدينِ فيُغْزَلْ..

وكيف سأخبر مِشْطي الحزينْ؟

إذا جاءني عن حنانكِ يسألْ..

أجبني. ولو مرةً يا حبيبي

إذا رُحْتَ..

ماذا بِشَعْري سأفعَلْ؟
س
الحَسْناء والدّفتَر


قالت : أتسمح أن تزين دفتري

.. بعبارةٍ أو بيت شعرٍ واحد

بيت ٍ أخبئه بليل ضفائري

و أريحه كالطفل فوق و سائدي

قل ما تشاء فإن شعرك شاعري

أغلى و أروع من جميع قلائدي

ذات المفكرة الصغيرة .. أعذري

ما عاد ماردك القديم بمارد

من أين ؟ أحلى القارئات أتيتني

.. أنا لست أكثر من سراج خامد

أشعاري الأولى .. أنا أحرقتها

ورميت كل مزاهري وموائدي

أنت الربيع .. بدفئه و شموسه

. ماذا سأصنع بالربيع العائد ؟

لا تبحثي عني خلال كتابتي

شتان ما بيني وبين قصائدي

أنا أهدم الدنيا ببيتٍ شاردٍ

و أعمر الدنيا ببيتٍ شارد

بيدي صنعت جمال كل جميلةٍ

و أثرت نخوة كل نهدٍ ناهد

أشعلت في حطب النجوم حرائقاً

وأنا أمامك كالجدار البارد

كتبي التي أحببتها و قرأتها

ليست سوى ورقٍ .. وحبرٍ جامد

لا تُخدعي ببروقها ورعودها

فالنار ميتةٌ بجوف مواقدي

سيفي أنا خشبٌ .. فلا تتعجبي

إن لم يضمك ، يا جميلة ، ساعدي

إني أحارب بالحروف و بالرؤى

ومن الدخان صنعت كل مشاهدي

شيدت للحب الأنيق معابداً

.. وسقطت مقتولاً .. أمام معابدي

.. قزحية العينين .. تلك حقيقتي

هل بعد هذا تقرأين قصائدي ؟
X