الشاعر إبراهيم ناجي (شاعر الأطلال)

لوليكي 16-05-2012 243 رد 101,900 مشاهدة
ل


*** يوم الجمعة ***



أصبحتُ يوم الجمعة ***** ذا غربة ما أضيعهْ!

منفرداً لا خلُّ لي ***** وأينَ مَنْ قلبي معهْ؟

ضاقت بي الأرضُ فما ***** في فُسحة الكون سَعَهْ

أقطع يومي مُبْطئاً ***** كأنني لن أقطعَهْ

إني امرؤٌ يُفضي إلى ***** أزمانه المرقَّعَهْ

يَلُمُّ من شَتاتها ***** بجهده ما وَسِعَهْ

فلا يصيبُ غير ما ***** روًّعه وفزًّعه

ولا يصيبُ غير ما ***** أمَلّهُ وصدَّعهْ

يا هند من يُعيد لي ***** آماليَ المزعزعَهْ؟

وإنّ يوماً واحداً ***** حِبالُه مُقطعّهْ

فكيف لو مرّ بنا ***** ثلاثةٌ أو أربعهْ؟

قلبي خلا من نسمةٍ ***** مشرقةٍ مُرَصّعهْ

طالَعَهُ اليوم بها ***** كأنه قد ودَّعهْ

إن عاشه دونك يا ***** هند تمنّى مصرعهْ



ل

*** تعلة ***



هكذا كلُّ جميلهْ ***** ليس لي في الغدر حيلهْ

أُنْجُ منها وامضِ عنها ***** أخذتْ قلبَكَ غيلهْ

بعد هاتيك الليالي ***** المطمئِنّات الظليلهْ

بخلت ليلاك حتى ***** بالتعلاّت القليلهْ

لم تدّعْ للقلب من طول ***** التباريح وسيلهْ

لم تدع للقلب ما يشفي ***** من الوجد غليلهْ

لم تدع إلاّ رفيفاً ***** من نسيمٍ في خميلهْ

وخيالاتٍ يُداوي ***** طيفُها نفسي العليلهْ

والرسالاتِ اللواتي ***** والأكاذيبَ النّبيلهْ

ل


*** من لي؟ ***



أناشدك الهوى هل أنتِ مثلي ***** نهاري فيكِ أشجانٌ وليلي

زمانٌ لا يفارقني عذابي ***** ولازمني الشقاءُ به كظلّي

كأن الليلَ أصبح لي مداداً ***** أُسَطّر منه آلامي ويُملي

حياتي فيه قفرٌ بعد قفرٍ ***** وعمري فيه كالأبدِ المُمِلِّ

أبعد جوار هندٍ والأماني ***** أكابد جيرةَ النجمِ المُطِلِّ

أحبكِ لا أَمَلُّ لقاكِ يوماً ***** ومن لي بالذي يُدنيكِ من لي؟

أحبكِ لست أدري سرّ حبي ***** وعلمي فيه أشقاني كجهلي

أقول لعلّ هذا الدهرَ يصفو ***** ويا أسفاه لو تُغْني لعلِّي

أحاول سلوةً وأرى الليالي ***** بغيرِ هواكِ لي هيهات تُسلي


ل


*** في لبنان ***



قلبٌ تقسّم بين الوجدِ والألمِ ***** هل عند لبنانَ نجوي النيلِ والهرمِ؟

أشكو جوايَ إلى الرُّوحِ التي احتضنتْ ***** ناري وضَمَّتْ إلى أسقامَها سقمي

وقاسمتني الهوى حتى إذا رحلتْ ***** ألقت فؤاديْ بضنكٍ غير مقتسمِ

ميثاقُنا أسطرٌ من مدمعٍ ودمٍ ***** يا طاهر النفحة اذكرْ طاهرَ القَسمِ

يا من أعاتب دهري إذ أودِّعُهُ ***** وما عتابي على الأقدارِ والقسمِ

إنّ النوى غرَّبتْهُ وهي عالمةٌ ***** أني رجعتُ أُداري النارَ بالضرمِ

ورنّحتْ بعده خطوي وما عرفت ***** من عثرة الحظِّ أم من عثرةِ القدمِ

خَلَتْ وران عليها الصمتُ وانقلبتْ ***** كأنما لَفّها ثوبٌ من العدمِ

بالله أيامَنا هل فيكِ منتَفعٌ ***** ونحن من سَأمٍ نمشي إلى سَأم؟

وما أُرقِّع ثوباً فيك منخرقاً ***** لكن أرقِّعُ جُرحاً غيرَ ملتئمِ


ل

*** في شم النسيم ***



أنت يا من جعلت روض حياتي ***** مهدَ وردٍ إليكِ وردكِ رُدّا

آيةُ الورد أنه نفحةٌ منكِ ***** ومن عطركِ العبيرَ استمدّا

هذه باقةٌ من الورد تجثو مَلكٌ في الرياض أصبح عبدا

يا جمال الجمال من خلّد الحسن ***** جميعاً في نظرةٍ منك تَنْدى؟

يا صباح الصباح من يَمْلكُ الأضواء ***** وصفاً أو الفرائد عَدَّا؟

ليس بدعاً يا وردة العمر أن كانت ***** لمغناك وردة الروض تُهدى

لا تظني ورداً يكافئ ورداً ***** أنت أغلى حسناً وأكرم وردا

غير أني وإن عجزت عن التقدير ***** حاولت ما تمكّنتُ جهدا

باعثاً للوفاء ورداً وللقلب ***** إلى أعمق السرائر ودّا

وإلى العيد أنت عيدٌ لايّامي ***** جميعاً أنت الحبيبُ المُفَدّى


ل


*** في العيـــــد ***



أفدي نهاراً طلعتِ فيه ***** نجم جمالٍ ونجم سعد

إني لهذي العيون عبدٌ ***** والدهر - إما رضيت - عبدي

إن كان عيدٌ به ووردٌ ***** فأنت عيدي وانت وردي

يا خير من مرَّ في وجودي ***** إنك كلُّ الوجود عندي

عندي خَفّي من الأماني ***** أضعافَ ما جئت فيه أُبدي

معذرةٌ في القليل إني ***** والله أعيا الكثيرُ جهدي

يا فتنتي والهوى ديوانٌ ***** حسبيَ إني له أؤدّي

ما أنت من أنت هل مجيبٌ ***** على سؤالٍ بغير ردّ

لم يخلق الله من جمالٍ ***** يلفُّه في سَنِيّ بُرد

حسنٌ قصاراه من شفاهٍ ***** عطرُ ثناءٍ وطيبُ حمد

ويخلق الله معجزاتٍ ***** يجمعها كلَّها بفرد

بسحر عينيك كيدَ باغٍ ***** وسحر عينيك للتحدّي ...

ل


*** رثاء كلب صغير ***



قالت (( لميكي )) سِرْ بنا ***** نمشي لحاجتنا الهُوَيْنى
فأطاع مسروراً كعادته ***** ولم يسأل لأيْنا

***

فيم السؤال وكل شيءٍ ***** طيِّبٌ من أجلها

وبنفسه حبٌّ قُصاراه ***** الحياةُ بظلها

ماذا تغيّر عزّة ***** أو ذلّة في حبها

سارت وكلُّ متاعِهِ ***** في أن يسير بقربها

***

يستاف نعلَيْها ويأبى ***** في الوجودِ مُنافسا

فإذا تخيّل دانياً ***** من ترْبِها أو لامسا

يختال مِلْءَ نُباحِهِ ***** زَهْواً ويخطرُ حارساً!

***

عجباً له ولزهوه ***** ما يصنع الواهي الصغيرْ؟

ما يصنع النابُ الضعيفُ ***** وما يُخيفُ ولا يُجيرْ؟

***

لكنّ (( ميكي )) لا يبالي ***** أن يموت فداءها

في وثبه هيهات يسأل ***** ما يكون وراءها

***

الأمرُ كلُّ الأمر أن ***** يغدو يدافع دونها

والنفس تُنكر في الضحيَّة ***** عقلها وجنونها

***

من ذلك الظلُّ الملازم ***** في الحياة وفي الطريقْ؟

المخلصُ الوافي إذا ***** عَزَّ المنادمُ والرفيقْ

***

من قلبُه صافٍ وديدنُه ***** الولاءُ المطلقُ

فكأنما فيه الولاء ***** سجيَّةٌ تتدفقُ

***

وإذا أُسِيءَ فإن أسمى ***** الحبّ أن يُبدي رضاءَهْ

والصفح عند ذوي القلوبِ ***** البيضِ من قبل الإساءَهْ

***

مهما نظرت له نظرت ***** إلى مَعِينٍ من حنان

يُفضي إليك بسرّه ***** الذَنَبُ الصغير ومقلتان!

***

لا بأس إنْ هند جفت ***** وقست أليست ربَّتَه؟

أَقْصَتْهُ ثم تلفَّت ***** ترجو إلَيها أوْبته

***

زَجَرتْه أو نهرته أو ***** كفَّتْ على جُرْمٍ يده

فهي التي لم تَنْسَهُ ***** والأكل ملءُ المائده

***

وهو الذي في بعدها ***** لم يألُها طولَ ارتقاب

يقظان ينتظر المآب ***** وَثَوى يُرَاقبَ خَلْف بَاب!

***

هند التي اتَّخذته من ***** دون الخلائق إلْفَها

بحثت عن الإلْف الصغير ***** فلم تجدْه خلفها

***

ميكي! وما ميكي ومصرعُه ***** على الدنيا جديد

نفسٌ يذوب وصرخةٌ ***** تدوي هنالك من بعيد

***

وتلفَّتَت هندٌ لموضعه ***** تغالب وَجْدَها

لا شيءَ قد سارت ***** برفقته وترجعُ وحدها

***

خرجت به جذلانَ يضحك ***** مثلما ضحك الصباح

فكأنما خرجت به ***** ليُلاقيَ القَدَر المُتاح

***

سارتْ به صبحاً وعادت ***** بالمواجع والدموع

يغدو الحزينُ على الأسى ***** وأشقُّ شَطْريْه الرجوع


ل


*** خطـــــاب ***



قَبَّلْتُ خطَّك ألْفا ***** ولم أَدَعْ منه حرفا

قد كنتِ توأم قلبي ***** وكنتِ في الغيبِ إلفا

يا هند ما الحسن إني ***** أُجلُّ حسنَكِ وصفا

رأيتُه بخَيال ***** على جمالك رَفَّا

وكيف أخفي اشتياقي ***** ما بيننا ليس يَخْفَى!


ل


*** آه ***



آهِ من ميَّةُ آهٍ ثم آه ***** وحبيبٍ سحرتني مقلتاه

لو تمنّيتُ قُبَيْل الموت ماذا ***** أتمنى؟ قلت تقبيل ثراه!

أتمنى الموت من مقلِتهِ ***** ما الذي يمنع أن أشتاق فاه

آهِ من مَيَّة آهٍ ثم آه ***** وحبيبٍ عزّني اليوم لقاه!


ل


*** في ليلة غارة ***



يا ميَّةَ الحسناء هل يغزو الهوى ***** قلبيْن ما كانا على ميعادِ؟

لا شيءَ إلاّ أن ذُكرتِ فهزّني ***** طربٌ وبات على الحنين فؤادي

وظللتُ أحلم والتفتُّ لساعةٍ ***** تدنو إليَّ بطيفِكِ الميَّادِ

يا مَيَّ إن قد مُنيت بظلمةٍ ***** والليلُ يجثم فوق صدر الوادي

فأنرتِ لي قلبي وصرتُ كأنما ***** هذا السوادُ الجَهْمُ غيرُ سوادِ



ل


*** سمراء المحفل ***



مَلَكي ومحرابي وقدسَ ***** فؤاديَ المتّبتلِ

لمن الجمال الفخمُ يرفُل ***** في الغلائلِ والحُلِي؟!

متألقاً في خاطري ***** متألقاً في المحفلِ

أقبلْ بما ولَّت به الدنيا ***** وهاتِ وعللِ

وابسط جناحكَ فوق ***** قلبيْنا الغداة وظلّلِ

طِرْ حيث شئتَ فإن دنوتَ ***** لناظري فتمهّلِ

واهاً لهذي الطلعةِ السمراءِ ***** عند المجتلي

بغلائل الأضواءِ وشَّتْها ***** رِقاقُ الأنملِ

وشَّت بشاشتُها نضارةُ ***** وجهك المتهلّلِ

فكأن طفلَ الفجرِ نامَ ***** على وسادةِ جدولِ!


ل


*** روض الحسن ***


في أيِّ روضٍ من رياضكِ أمرحُ ***** وبأيِّ آلاءٍ لَدَيكِ أُسَبِّحُ؟

ثمرٌ على ثمرٍ وإن المُجْتني ***** ليحار من عذب الجنى ما يطرحُ

بالشعر أم بالمقلتينِ معلَّقٌ ***** من ناظريْ وخواطري لا يبرحُ

تلك المحاسن في نُهايَ جميَعُها ***** رفّافةٌ ومغرَداتٌ صُدَّحُ

فإذا غفوتُ فإنني أمسي بها ***** وعلى مغانيها الفواتنِ أُصبحُ


ل


*** قلبي الثاني ***



أحببتُ ميَّة حبّاً لا يُعادلهُ ***** حبٌّ وأفنيتُ فيها العمرَ أجمعَهُ

أُحبُّ عمري الذي في قرب ميَّ وما ***** قد مرَّ من دونها ما كان أضيعُهُ

يا ميَّ يا قلبِيَ الثاني أعيش بهِ ***** وإن يكنْ فوق ظنِّي أنّني معهُ

يا بضعة من كيان الصبِّ نابضةً ***** بكل حُبٍّ به الرحمن أودعهُ



ل


*** ما أضيع الصبر ***




ما أضيع الصبر في جُرحٍ أداريهِ ***** أريد أَنْسَى الذي لا شيء ينسيهِ

وما مجانبتي من عاش في بصري ***** فأينما التفتتْ عيني تلاقيهِ!




ل



*** ما حيلتي ***



ما حيلتي يا هند وجهك لاح لي ***** بأنوثةٍ جبَّارةِ الطغيانِ

يا هندُ أين رجولتي وعزيمتي ***** في قرب وجهٍ ساحرٍ فتَّانِ؟

وأنا حزينٌ ظامئٌ قد جدَّ لي ***** وِردٌ وراء مَعِينِهِ شفتانِ!



ل


*** يا نسيم البحر ***



يا نسيم البحر ريانَ بطيب ***** ما الذي تحمل من عطر الحبيبِ؟

صافحتني من نواحيك يدٌ ***** تمسح الدمعةَ عن جفن الغريبِ

وتلقَّاني رشاشٌ كالبكا ***** وهديرٌ مثلُ موصول النحيبِ



ل


*** ذات ليـــلة ***



بين سهدٍ وعذابٍ وضنى ***** مرَّ ليلي، ذاك حالي وأنا

أسالُ الأنجمَ عن حالِ المنى ***** يا حبيبي كيف صارت بيننا

***


كيف أمسي يا حبيبي عهدُنا ***** بعدما طاب هوانا، ودنا

كلُّ ما كان بعيداً، ورنا ***** كلُّ نجمٍ من سماوات السنا؟

***

آه لو ينظر حالي الآن آه ***** حينما ضاقت بآلامي الحياه

ندم النجمُ على غالي سناه ***** ورأى كيف انطوينا فطواه


ل

*** إلى هنـــد ***



غرامكِ لي معبدٌ طاهرٌ ***** دعائمُهُ شُيِّدتْ من ولوعي

تعهدتُ محرابَه بالوفاء ***** وأوقدتُ فيه الهوى من شموعي

جوانبُه من دموعيَ قامتْ ***** وأضلعُه بُنِيتْ من ضلوعي

ومن ذا رأى هيكلاً في الوجودِ ***** يُقام على عمدٍ من دموعِ؟


ل


*** يا دار هند ***



إني لأقنع من ظلالِ أحبّتي ***** بحنان أحتٍ أو بكفّ مسلّمِ

وبجلسةٍ طابت لديّ بغرفة ***** حملت عبيرَ الغائب المتوسّمِ

يا أخت هندٍ خبّريها أنني ***** صبٌ يعيش بمهجة المتألمِ

صبٌ سئمتُ من الحياةِ بدونِها ***** أنا لا أحبُّ إذا أنا لم أسأمِ

ومضى النهارُ ولا نهارَ لأنهُ ***** يمتدُّ عندي كالفراغ المظلمِ

***

يا دار هندٍ إن أذنتِ تكلَّمي ***** يا دارها عيشي لهندٍ وأسلمي

فدمي الفداءُ لحبّ هندٍ وحدها ***** وأنا المقصِّرُ إن بذلت لها دمي

ولقد حلفت لها ودمعي شاهدٌ ***** إني فنيتُ علمتِ أم لم تعلمي!

ل


*** شفــــــاعة ***



لا تمْحُ رَوْعَتَها بذكر فعالها ***** دعْها تمرّ كما بدت بجلالها

لا تنكرنَّ الشمسَ عند غروبها ***** أَوَ ما نعمتَ بِدِفْئِها وظلالها؟

إن كان فاتك مجدها رَأدَ الضُّخى ***** فاحمدْ لها ما كان من آصالها



X