الشاعرة / غادة السمان

Anfas Elfajer 17-06-2012 291 رد 63,088 مشاهدة
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]




أوهام
_____



كنت اظن القمر يقطن في أعالي السماء. حتى اكتشفت ليلة
نزهتنا في "كورنيش المنارة" أنه يقطن في عينيك.
ليلتها حلّقتُ على ارتفاع ثلاثين ألف قدم.. تحت جلدك!





[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



الموت الشهي
___________


كل ليلة، أحلم بأن بيروت
تقف فوق صخرة الانتحار في الروشة
وتقفز في ظلام منتصف الليل إلى البحر لتموت...
وكل ليلة، أستيقظ من كابوسي والدموع تغطي وجهي،
وأهرول إلى الشاطئ لأودعها، فتمزّق لي بطاقة سفري
وتجرّني معها إلى القاع..
الموت شهي في بيروت،
ربما أكثر من الحياة في أي مكان آخر!




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



رسالة من عينين عاريتين
__________________



في عينيك متسع للموت والحب...
فهل تسمح لضالّة في براريك مثلي،
بأن تغلق باب جفونك خلفها،
لتختلي قليلاً بموتها؟
الأشياء كلها التي أحبها ليست لي ...
البحر ليس لي،
يأخذني بين ذراعيه كصدفة صغيرة،
يدلّلني ، ثم يلفظني
على الشواطئ لشمسٍ تقدّدني...
الخريف ليس لي،
ترقص حولي أوراقه الملوّنه كالفراشات
لتتزوج من التراب،
وشهواتي تفوح حولها كالغبار المضيء...
حُبك ليس لي،
صهيلك عابر سبيل في مغاوري...
وحده جرحي لي:
شارع يقودني إلى موتي الجميل بوباء الذاكرة...




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



خلاخيل شامية
___________



دوماً يأتيني صوته كصرخة استغاثة من قارة أخرى: تعالي.
دوماً يناديني أميري سلمان فجأة...
ودوماً ألّي. أعرف أنني سأغادر أوروبا إليه في أميركا لنحلم
معاً بآسيا، مبللين بدموعنا منذ لحظة اللقاء في مطار كنيدي-
نيويورك، حيث نتكاتف مثل عصفورين لم تعوّضهما عن عشهما
الأم في دمشق غابات العالم.
كنت قد وضبت في منفاي الباريسي الاختياري "عدة الحماقة"
الملونة كلها لسهرة رأس السنة كجزء من مجاملتي لوعائي
الاجتماعي!
من القارة الأخرى إلى باريس جاءني صوته يرطن بالانكليزية
بعدما كاد ينسى العربية: اركبي أول "كونكورد" وتعالي. بطاقة
السفر في انتظارك عند شركة الطيران!
وأطير إليه أسابق الزمن بالمعنى الحرفي للكلمة! لقد اخترعوا
الكونكورد ولم يخترعوا بعد النسيان!!
ما زلت أراه في أحلامي طفلاً في دمشق، بالرغم من أن
أميري سلمان صار يُشبه صور عنترة بن شدّاد في رسوم أبي
صبحي التيناوي ورفيق شرف.
ما زلت أمشط شعره الأسود الجميل في أحلامي، وأسرق له
دماه الصبيانية، فيركض خلفي في دهاليز الذاكرة لانتزاعها من
اخته المشاكسة التي تكره الدمى الخاصة بالبنات، ويطلق عليّ
اسم: "حسن صبي"!
***
لماذا يستدعيني أميري الدمشقي سلمان فجأة بين وقت وآخر؟
ربما لأن "العرب هم شعب الذاكرة بامتياز". ولعله يشعر
أحياناً أن اسم "سام" كما ينادونه هناك ليس حقاً اسمه، ويشبه
قميصاً خشناً أقسر نفسه على ارتدائه منذ ربع قرن!
وربما كان يشتاق للثرثرة بلغته الأم نصف المنسيّة، وبتلك
التعابير الشامية الخاصة التي كنا نتبادلها طفلين بدءاً بكلمات
العذوبة البريئة وانتهاء بشتائم لحظات الشجار على الدمى القروية
في عطلة الصيف في بلودان والشامية من سحالي وضفادع وبوم
وأفاعٍ وأرانب وأراجيح.
في المطار، لم يقل لي إنه مشتاق للحوار معي عن
امبراطورية الياسمين حيث نتذكر معاً ذلك الوطن الغالي اللامنسي
بيتاً بيتاً وجهاً وجهاً جرحاً جرحاً شوقاً، شوقاًُ، ولم يكن بحاجة
إلى أن يقول لي ذلك كله...
كان الصمت يشدّنا دائماً أكثر من الحوار.
لم أطرح عليه أسئلة حمقاء من نمط: لماذا لا تعود؟ كان نهر
الزمن قد تدفق على مدى ربع قرن منذ رحيله، فمن يستطيع أن
يسبح تلك السنوات الضوئية للفراق إلى الجهة المعاكسة؟
***
جالسان في الدور الأخير من ناطحة السحاب في مانهاتن -
نيويورك حيث أحد مكاتبه. يسألني عن أصدقاء طفولته فرداً
فرداً. أخترع لأعمارهم حكايا حلوة، وهو يعرف أنني أكذب
ويستمتع بكذبي. من يجرؤ على تخريب الخاتمة السعيدة لحكايا
الأطفال؟
يحدّق في مطر الليل كأنه يراهم في المدة الخفي، وعبر
النافذة تبدو نيويورك كما من طائرة تتأهب للهبوط لكنها تظلّ
معلّقة كدمعة تجهل فنون الانتحاب.
نتبادل أنخاب الذكريات أكواباً من الدمع السرّي... وتدور
"آلة الزمن" بنا، وها نحن نسبح معاً في نهر بردى عفريتين
صغيرين، كأنه لم يصبح أباً لثلاثة أولاد بريطانيين - أميركيين ولم
يتحول إلى دماغ علمي مهاجر مرشّح لجائزة نوبل.
عاد كما أراه في أحلامي كلها، طفلاً يشاركني سرقة بغل
الجار لنركض به في البساتين ونسرق التفاح والمشمش! أقول له:
أتذكر يوم عات جدتنا من الحجّ، وقد حملت لنا معها قارورة
من ماء زمزم، وخصّتني بجرعة... فركضت على حناء يديها
مهرة فرح.
يقول أميري سلمان: أتذكر حصرماً ما رأيته في حلب. ذقته
خلسة وكان شهياً واستثنائي الطعم، أشهى من العنب الناضج
الشائع...
أتذكّر، حين كنت أنام باكراً مرغماً قبل الامتحانات، فأشعر
أنني ارتكبت إثماً في حق الليل والنجوم... وستعاقبني الحياة
بالسجن المؤبد داخل النوم مع الكوابيس الشاقة.
كنت حزيناً ، كجناح نسر ممنوع من التحليق، وها أنا حزين
كنسر طار أكثر مما ينبغي في دروب الهجرة!
***
اتكئ على الليل، واكتب باصبعي اسم دمشق على نافذة
الدور السبعين في مانهاتن،
فتهبّ في الغرفة رائحة الياسمين كروح غالية تمّ
استدعاؤها...
أحدّق في أضواء نيويورك، لكنني أرى مدينة تتدثر بعبيرها
الخرافي اسمها دمشق، تمتشق أنهارها سيوفاً من الخصب،
تحاصرها الأشجار كوكبةً من الشعراء.
يهذي ليل مانهاتن بأبجدية الحنان بين الغوطة وقاسيون الذي
أتسلّقه وشقيقي سلمان وقد عدنا طفلين يتسابقان بين "قبة السيّار"
و "جبل الأربعين" حتى يهبط الليل على دمشق.
أكانت تلك نجوم سمائها، أم بصمات أصابع عشاقها على
سقف ذاكرتها الشاسعة - بعدما رحلوا - وخلّفوا انفجارات القلب
الضوئية في لحظات غابرة لا منسية؟
نغادر ناطحة السحاب.
يهمس قلبي والسيارة تركض بنا في شوارع نيويورك بين
صفارات سيارات البوليس وأبخرة الجحيم من شقوق أسفلتها:
قولوا لسوريا إنني قطفت لها من كل غربة وردة...
توليب هولندا، واوركيد سنغافورة، وزنابق الشمال لم تنسني
يوماً،
عريشة الياسمين على شرفتي العتيقة، وبحار شقائق النعمان
مجنونة الحمرة في حقول غوطة دمشق...
حانات الدنيا كلها لم تمسح عن قلبي بصمات "ديك الجن"
في نبع العاصي، العاصي مثلي!
قولوا لدمشق إنها لا تزال تتدلى من عنقي كمفتاح الكنز...
عن أشجار الأبجدية قطفت لعينيها لآلئ الجنون هدية
عشق... ولم أتعب!
عبثاً نصدّق أن ذكريات الماضي التي نترنم بها ونحن في
الدرب إلى بيته المعلّق على سطح ناطحة سحاب أخرى لا تتابع
حياتها المستقلة بطفلَيْ الزمن الغابر كما كانا تماماً منذ ألف عام،
والمدينة على حالها وناسها على حالهم!... وأن تلك الوجوه
التي نستعرضها حيّة على شاشاتنا الروحية صارت غباراً مضيئاً في
فضاءات الزمن...
عبثاً نصدق أن غزلان الماضي الراكضة في دورتنا الدموية
أضغاث أحلام.
عبثاً تعلّمنا العناكب درس حياكة أكفان النسيان، ويلقننا الصدأ
رقصته على صناديق القلب.
فجأة تبدو حقائق عمرنا الراهن أكاذيب،
وتلك الذكريات الطفولية الضبابية حقيقتنا الصلبة الوحيدة!
***
تنهض الذاكرة من موتها الموهوم، ونُنشد معاً بما يُشبه
الهمس أغنية طفولية كنا ندمدم بها ليلاً حين يجافينا النوم ريثما
نغفو: "ماروشكا... في الغاب الحزين... هلا تسمعين...
أجراس الحنين"...
ننشدها معاً في وجه الليل النيويوركي والغربة الكونية وثقب
الأوزون والإيدز و "الكريديت كاردز" ودهاليز المطارات
والمجاعات والحروب والأحزان والكلاب المرفهة والتلقيح
الإصطناعي والكوارث النووية وبقية مفردات أحزان كنا
نجهلها...
ننشد أغنية البراءة كتعويذة، أو كجزء من طقوس الغربة التي
نمارسها عاماً بعد آخر لنستعيد ذاتاً مستلبة.
من يصدق أنني قطعت آلاف الأميال لأغنّي مع شقيقي وأمير
ذكرياتي سلمان أغنية طفولية بريئة ليلة رأس السنة؟
كثيرون سيصدّقون! كثيرون يطيرون مثلي في هذه اللحظة
آلاف الأميال إلى حيث يلتقون بزمن القلب في الوطن اللا منسي.
يرن هاتف السيارة... زوجته تزجرنا لأننا تأخرنا عن
السهرة، وأولاد أميري الشامي سلمان يزقزقون معها باللغات كلها
باستثناء العربية. أسأله ماذا حمل لابنتيه هدية السنة الجديدة؟
أميري سلمان ينسى أن اسمه صار "سام"، ويقول لي بصوت
جدي الشامي العتيق وبقية أجدادي: خلاخيل شامية!!
________
نيويورك 1 / 1 / 1993



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



هواجس في قارب الرحيل
__________________



تحت مظلة فقدان الذاكرة...
عبثاً أخدر وجع الروح،
بابرة ضوء الشمس في العروق...
عبثاً ترفع مياهي الأقليمية رايات النعاس...
ويصدح قلبي بنشيد النسيان، وأنا أسدّ أذنيَّ بأصابعي
واحشوهما بالرمل كي لا تحمل لي الرياح أصوات ما يدور
هناك... كأنني لا أريد حقاً أن أنسى ، لكنني أزني مع النسيان
من وقت إلى آخر... كأنني مصمّمة على الاستمرار في درب
الحلم والدهشة...
كأية مجنونة مثالية سأظل أحلم بتلك التلال البيروتية البحرية
واقحوانها الربيعي الأصفر (الذي تغطيه أكياس القمامة الزرق
وتلالها منذ عشرة أعوام أو أكثر)... وسأظل أحنّ إلى تلك
الشواطئ المزروعة بطيران النوارس (والتي نمت عليها الجثث
والمقتول..)...
لستُ ماسوكية تتسوّل ضربة من سوط من جلادها للتتعذب
وتسعد...
أريد أن أظل أحلم... كي أظل أحيا...
محاضرة قصيرة: الحلم بمعنى ما هو إرادة التبديل... إنه
الخطوة الأولى نحو الترميم.. إلى آخره (ثمة امرأة ساخرة
تقطنني تقرأ ما كتبت للتو، وتمد لسانها لي هازئة ويدها تحمل
الممحاة... وها هي تمحو بقية المقطع)!...
***
لا أريد أن أعلّق حبك على المشجب
مع معاطف الشتاء الغابر،
واذهب إلى الصيف
بعدما غسلتك من رحم حروفي...
لقد حبلت ذات يوم بأطفالك الذين لم يولدوا بعد،
ولن أذهب إلى مواسم النجوم واخلّف زمانك ورائي كيساً من
العظام في ملاجئ العجزة قرب موائد الشفقة المؤذية...
أيها الوطن المستحيل، أعرف أن الانحياز إلى الحياد هو
عدوانية اللامبالاة... وأنا منحازة إلى موتي بك وحياتي
بك...
يسرقني الحنين إليك من كل مكان... أظل أسمع وقع
خطواتي بين الموجة والدمعة على أرصفة بيروت... هناك ذقت
للمرة الأولى طعم الحرية والمسؤولية المطلقة في آن...
ولفظت من حنجرتي رمال صحارى وُئِدتُ تحتها وتراكمات في
حجرات روحي طوال عصور...
تحت عينيك تابعت مسح العنكبوت التاريخي عن أهدابي،
واكتشفت متعة البصيرة قبل البصر...
في بيروت نشرت أجنحة الدهشة، وطرت وحيدة في دروب
الفضول حتى قاع البراكين...
في بيروت ذقت طعم السقوط إلى القمة والإقامة وحيدة
داخل عملي وتعلّمت كيف تترمم الأجنحة المتكسرة ويخرج
الفينيق من رماده...
***
أيها الشقي... لا تقلْ لي مات أهلي... وأهلك. جئتهم
ذات يوم في بيروت محروقة الأهداب مكسورة النوافذ
والخاطر...
فأخذوني إلى حنانهم الأخضر، وغمروا جلدي المحروق
بماء الورد والياسمين وصلوات البسطاء والطيبين، قاسموني
حبهم المنشور في الطرقات كخبز الفقراء... وضمّدوا قلمي
ومنحوني البحر والحب محبرة...
شربت من بئر لبنان كرماً علمتني أمي دمشق ألا أرده بغير
الكرم... وها أنا أرمي في بئره بحصى الأبجدية وأصلّي كي
تتحول إلى ماسات في قعره...
لأنني شربت من بئر لبنان مياه الصحو الموجع،
لأنني أنصت إلى حكايا القاع والأسرار، اخترقتني صرخة
الماء، ولم يعد ثمة ما ينسيني نشيد الخصب الذي تعلّمته هناك.



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



معي دائماً
_______



يا قارئي الذي يكتب لي مكسور الخاطر بلا مبالاتي،
لا تصدّق ورقتي البيضاء إلا من الرصانة.
فوق أوراقي غابات حزن وغموض ودوامات ألم وجنون
ومدن مسافرة داخل ذاكرة ترقص في شوارعها مهرجانات
الحرية.
فوق أوراقي وجوه لا تغادر دورتي الدموية لأمواتٍ ما زالوا
أحياءً عندي، وأمطار وقطارات ومطارات وانتحاب سري في
غرف فنادق أجهل أسماءها.
وكلما رميت بورقتي في سلة المهملات دُهشت، كيف يتسع
قشها لذلك الكون من الأحزان كله؟
أمدُّ أصابعي الضبابية عبر القارات لأشعل شمعة في ليل
غربتك...
فهل تراها؟




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



المطالعة بطريقة برايل
________________


أطالع عينيك في ذاكرتي.
أطالع دفتر وجهك.
أطالع الحركة العصبية لأصابعك.
أطالع دخان لفافتك وخطوط كفك.
أطالع صمتك صفحة صحفة،
وأقلِّب دفتر هواجسك.
لقد رحلتُ بأكثر من حصتي من الدروب...
وأحببت بأكثر من حصتي من المشاكسة...
ولكنني ما زلت أطالع في كتاب تواضعك،
لأتعلّم أبجدية الحب.
ومع بدوي جميل مثلك،
كلام الليل لا يمحوه النهار!




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة الموت
________



أنا مدينة للموت بحياتي،
فبالموت وحده تزدهر أيامي،
لو لم أعرف أنني سأموت لما تأججتُ ناراً في غابة
ولتثاءبت زمناً من الأبدية،
دون أن أميّز بين خنوع الرماد المتثائب وطيران الحرية.
فذاكرة الموت اسمها الحياة...
وحياتي تقول لموتي: أحبكَ.. فلولاك لعشتُ دون أن
أحيا...




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة ثملة
________


لماذا،
حين أكون ثملة في الطائرة
تتخذ السحب كلها شكل خارطة سورية،
سحابة إثر أخرى؟
***
في احتفالات الغربة الباريسية، أقص الشريط التذكاري للمطر
في مطعم "ماكسيم" بمنجل حقلنا العتيق في قرية "الشامية".
لو كنت امرأة من الشوكولاته،
لأذابتني شموس سنغافورة ومانيلا.
ولو كنت امرأة من الملح،
لالتهمتني مياه البحار واستعادتني بين لشبونة وبرشلونة.
لكنني سندبادة، دارت الدنيا وهي تفتش عن حبيبها،
وكان دوماً في قاعها، واسمه وطنها!
***
كان متوحشاً وقاسياً.
أحسست كفه كلوح من الجليد حين أخذ يدي.
لكنني أحببته وتبعته حتى آخر العالم
والثلج يهطل من عينيه فوقي...
وشفاهه تنفخ رياح جبال الألب حين يهمس باسمي،
وكان اسمه: الغربة.
لست بنادمة على ذلك الحب الشقي.
فقد علمني المدعو "الغربة" أكثر من أي أستاذ آخر كيف
أكتب اسم الوطن بالنجوم على سبورة الليل.




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة المستقبل
___________


يوم مُتُّ،
حملوني إلى حيث لا أدري.
وحين صحوت كان التراب نذياً بالمطر، وضوء القمر
موسيقى أثيرية صار بوسعي أن أسمعها...
شعرتُ أنني أحيا حقاً للمرة الأولى.
مددت يدي بهدوء، ومحوت الهراء الذي خطّوه على شاهدة
قبري، وصرت أكتب اسمي الحقيقي، وسجّلت أن تاريخ ولادتي
هو ما يتوهمونهُ يومَ موتي...
آمل أن لا يفكّروا في تشريح جثتي، لأنهم إذا فتحوا قبري
فلن يجدوا شيئاً؛ ولن أترك لهم حتى عنواني لتحويل رسائلي
إليّ...
ولكنهم سيجدونني سطرتُ على شاهدة قبري: "لقد قضت
عمرها وهي تتعلّم الطيران، وها هي أخيراً تتقنه وتطير..."




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



الأبدية لحظة ذكرى
_____________


في مثل هذا اليوم الخريفي الجميل منذ سنوات طويلة،
غادرتكِ يا دمشق وأنا أقسم كاذبة على فراق أبدي كما يحدث في
شجار العشاق جميعاً.
ما زلت أذكر كيف قدتُ سيارتي وحيدة صوب بيروت وأنا
أغيظك بشهوتي للرحيل إلى تلك الأماكن السحرية كلها التي
طالما قرأت أسماءها على الخرائط وحلمت بالذهاب إليها.
في لبنان استقبلتني الألعاب النارية في مهرجان، واشتعلت
الذرى بالنيران الاحتفالية. سألت صبياً في "الكحّالة": هل
تحتفلون بوصولي الليلة إلى بلدكم؟ ضحك وقال: اليوم "عيد
الصليب". فرحت بالزينات والمشاعل ولم أكن أدري أن احتفالاً
طويلاً بصلبي على أشجار الغربة بين القارات بدأ تلك الليلة...
قبل أن أنام، راودتني الورقة عن نفسي لأخطّ لك رسالة ما،
فنحن لم نفترق قبلها ليلة واحدة، ولم يكن بوسعي أن أنام دون
أن أذكرك وأتشاجر معك. وما كدت أخط اسمك على الورقة
البيضاء حتى تحولت إلى حقل شاسع من الياسمين!
وعرفت كيف يغطي الحنين مساحات العتاب: إنه قدر
العشّاق.
***
أرحل أرحل. أبحث عنكِ طويلاً ولا أجدكِ ، ويهبط الثلج
بهدوء عارياً وعلى رؤوس أصابعه في القارة الأخرى.
ومثله، أهبط بهدوء حتى قاع ذاكرتي.
وهناك، أجدكِ بانتظاري كالمعجزة...
وتهب رائحة الياسمين حتى حافة البكاء...
***
يوم غادرتُكِ ، عبأت عمري في عدة حقائب، وها أنا أتشرد
بها من بلد إلى آخر، مثل راع يقود قطيعاً ضالاً من الخرفان في
الصباحات الوعرة، بين مراعي الغيم، تطارده بروق الذاكرة
وتحرقه صواعقها...
حبكِ طائر تسلل إلى مركبي مزقزقاً بأصوات صديقات
الطفولة، وبنى عشه ولكن داخل شراعي، فغطاه الياسمين الذي
كان يتسلق شرفتي الدمشقية العتيقة وكانت جدتي قد زرعته بيدين
تفوح منهما رائحة ماء الزهر والحّناء وتضمران الوشم البدوي
الجميل...
***
سيدة الرحيل
تزوجَت من المجازفة
وأنجبا الدهشة.
سيدة الرحيل، دموع من حبر، وشفتان من ورق،
ورئتان تتنهدان عطر الياسمين...
***
في السهرة الباريسية، يتنزه حزني بين المدعوين وهو ينثر
النكات والضحكات، وفي عنقه عقد من الياسمين عمره ربع قرن
وما زال نضراً كأنه قُطف للتو...
في السهرة العامرة يلتقي حزني بالحنين، فيمشيان معاً يداً
بيد، ويرقصان في الحلبة خداً على خد.
حبكِ يا دمشق بجعة بيضاء تسبح فوق مياه الذاكرة المعتمة
الغامضة بكل صمت الياسمين وسرّيته.



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



نزيف في ذاكرة
___________


- من هو الذي يقتله أن يأكل أو يشرب أو ينام أو
يسترخي؟
- إنه الحب... وحده يقتات بالحرمان...
- لماذا افترقنا أيها الغريب؟ ذاكرتي تعاقب ذاكرتي!
- لأن الحب
هو المخلوق الذي يقتله أن يأكل أو يشرب أو ينام!
كي يحيا عليه أن يظل أرقاً وجائعاً وعطشاً ومحروماً،
وصعلوكاً حافياً على بوابات الحنين.
تلك الطرق كلها كانت تقود إلى النوم والتجشؤ العاطفي،
فحاولت أن أحفر مجرى يقود إلى الزلزال،
أُعبِّد درباً فوق الشلال!
مع الرتابة، تفقد الذاكرة ذاكرتها،
فلا تعاتبي ذاكرتك لأنك مضيت، فقد أهديتك بطاقة السفر
بنفسي...
وتوجتكِ بالفراق.
- يعود الضوء الحار ليشع من حضورَ في قلبي،
يفجر مناجم الأبجدية ذلك الضوء الدافئ على حافة الأبيض
والأسود.
كأيامي كلها معك، بين الغبار والأثير،
والتنهد التائه بين التنفس والبكاء... والقهقهة!
ذات ليلة
سأموت بنزيف داخلي... في الذاكرة!




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة المتناقضات
____________



أبوح باسمك لليل الطائرة، والليل يمعن ليلاً
في فضاء اللانهايات،
فيمتلئ فمي بطعم الملح والرماد، والزجاج المسحوق،
والعسل واللوز والسكر وعذوبة الضحك البريء حتى
الطفولة.
هكذا كانت أيامي معك،
مزيجاً من المتناقضات كما في قِدْرِ الساحرات.
من جديد تولد في دمي تلك الرعشات التي لا اسم لها.
من جديد أعود حمقاء وسعيدة،
نزقة ومتأججة أدور حول كوكبك في مدارات الجنون،
يركع عقلي في محراب الهذيان المجيد والاشتعال المبارك.
أبرِّرُ جموحي بكلمة مضحكة: ما زلت عاشقة!
ها قد عدتُ ذاكرةً لا تشتهي غير أن تفقد ذاكرتها...
وأحبك!



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة الأسماء المشعة
______________



ما زلت حين أكتب اسمك على الورقة،
تعود شجرة ، ويصير دفتري غابة.
ما زلت حين أكتب اسمك على الورقة،
يتحول بياضها إلى قوس قزح مشعّ حيّ الألوان.
وحين يهبط الليل، لا أضيء نور مكتبتي
كي أظل أرى النجوم التي تومض من نقاط اسمك!





[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة الصداقات الغابرة
________________



أحدّق في الفؤوس
وهي تمشي في نومها إلى الأعناق.
ومن قاع غربتي،
أنادي أحباء الأمس ، وأتحسّس عنقي بخوف.
ففي الكابوس، أيديهم هي التي تحمل الفؤوس!




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة بصّارة في أمستردام
___________________


أشرب قهوتي، ثم أقرأ في الفنجان الملطخ بالبقايا
حكايتي مع رجل أحبه ولا أعرفه!
وكل مساء، أحمل ذاكرتي إلى فراشي،
أمدّدها تحت الأغطية الدافئة
وأجلس إلى جانبها لأقرأ كفّها حتى تنام.
وحين يقرع الليل طبول "التام تام" في امستردام،
ويشتعل الحبر في الشرايين، ويستيقظ المستحيل،
أركض في قاع زجاجة الحزن،
فتتحول بي إلى مركب يعلو ويهبط بدواري،
والبحر مظلم.
وحين أهتف بإسمك
تتناثر من مجذافي النجوم...
أفتقدك؟
ولكنني أراك كل ليلة بوضوح في كرتي الزجاجية الشفافة!




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة معطف
________


طردتك ، ورميت بحقائبك على الرصيف،
لكن معطفك المنسي في غرفتي
صار يهذي ويحرّك كمَّيْهِ محتجاً ومتأهباً لعناقي.
وحين رميت به من النافذة،
ارتفعت ذراعه الخاوية في الريح وهو يسقط
كمن يلوّح بيده وداعاً...
أو يصرخ: النجدة!




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ذاكرة وطن
_______



وحيدة آخر الليل مع فان غوخ والعازف العجوز.
ها هو شوبان ينتحب على كتفي،
وعلى أصابع البيانو،
بدموع من طيب وطنه بولونيا.
وفان غوخ ينتحب هولندا بدموع من إصباغ اللوحات...
وها أنا أنتحب على ركبة السطر
بدموع من طين عدة أوطان مرة واحدة...
فلسطين ولبنان ... و... و...
( أضف الأسماء التي تجدها مناسبة ووقّع هذا النص
باسمك!)




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



صفير ذاكرة في محطة الشوق
_____________________



سافرتُ طويلاً
حتى صارت القطارات تسافر داخل دمي،
وصغيرها يهدر في أنفاق شراييني.
وها هي محطات الضياع الهولندية
تجدل الشعر الطويل لأحزاني وتزيّنه بزهرة "المجنونة"
الليلكية،
المقطوفة عن سياج الشواطئ المالحة كالدمع في بيروت...
باقات توليب الليل ذوت صباحاً في غرفتي بالفندق،
فكيف تظل تلك الزهرة الليلكية البيروتية الغابرة
جديدة ونضرة في قطارات الذاكرة؟!




[/BACKGROUND]
A


[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



وبيننا خبز وحبر... وذاكرة
_________________


منذ أحببتك قبل مئات الأعوام داخل محبرة ،
وأنا أحاول أن أخترع حباً جديداً معك
لا يعرف حبّ التملك وذل شهوة الجسد ومباهج الشجار.
فبيني وبينك خبز وحبر، على مدى عمر.
وحينما تمطر عندك في القارة الأخرى،
يبتلّ شعري!




[/BACKGROUND]
X