[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال ابن آوى: أما إذا أبى الملك أن يعفيني فليجعل لي عهداً إن بغى علي أحد من أصحابه ممن هو فوقي خوفاً على منزلته، أو ممن هو دوني فنازعني منزلتي وذاكر الملك بلسانه أو لسان غيره مما يريد به تحميل الملك عليّ ألاّ يعجّل عليّ ويتثبّت فيما يرفع إليه من ذلك، ويفحص عنه ثم يقضي الملك فيما بدا له. فإني إذا وثقت بذلك من الملك أعنته بنفسي وعملت له فيما ولأني بنصيحة واجتهاد وحرصت على أن لا أجعل على نفسي سبيلاً.
قال الأسد: إن ذلك لك علي. فولاّه خزائنه واختصّه دون أصحابه في المشاوة والرأي في المنزلة وازداد به على الأيام عجباً وزاده كرامة وعملاً. فثقل ذلك على من يطيف بالأسد من قرائبه وأصحابه وعمّاله وعادوه وحسدوه وائتمروا به ليهلكوه. فلما أجمعوا على ذلك لكيدهم دسّوا ذات يوم للحم كان الأسد استطرفه واستطابه فأمر برفعه في موضع طعامه ليعاد عليه فسرقوه ثم أرسلوا به إلى بيت ابن آوى فخبأوه مخبّأ لا يطّلع عليه أحد. فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه التمس ذلك اللحم فلم يجده وابن آوى غائب والقوم الذي أرادوا المكر به والمكيدة حضور. فألحّ الأسد في طلب اللحم حتى غضب. فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بعلمنا فيما يضره وينفعه وإن شقّ ذلك عليه. إنه بلغني أن ابن آوى كان ذهب بذلك اللحم إلى منزله.[/grade]
كليله ودمنه اللي ماقراته يفوتها نص عمرها
ز
09-02-2007 | 07:47 AM
ز
09-02-2007 | 07:48 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال آخر: أراه شبيهاً أن يكون فعل هذا، ولكن انظروا وافحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة.
قال آخر: لعمري ما تكاد السرائر يطّلع عليها أحد ولعلكم إن فحصتم وجدتم ذلك وثبت عندنا كل شيء كان يذكر لنا من عيوبه وخيانته، ونحن أحقاء أن نخذله ونقضي بكل ما كان يقال عنه.
قال آخر: ما ينبغي لأحد أن يغترّ بما يعلم في نفسه من المختالة. فإن المختالة لا يسلم صاحبها ولا تخفى له.
قال آخر: وكيف يسلم من خاتل السلطان أو كيف يخفي ذلك، ومخاتلة الأصحاب لا تكاد تخفى؟
قال آخر: لقد أخبرني مخبرٌ عن ابن آوى بأمر عظيم مما وقع في نفسي حتى سمعت كلامكم.
قال آخر: لكني لم يخف عليّ أمره وخبّه أول ما رأيته وقد قلت مراراً واستشهدت فلاناً أن هذا المخادع المتخشّع لا يسلم من الحيلة والخيانة.
قال آخر: لئن وجد هذا حقاً ما هي الخيانة فقط بل مع الخيانة كفر النعمة والجرأة على الذنوب.
قال آخر: أنت أهل العدل والفضل ولا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيتبين صدق هذا وكذبه لو أرسل الملك إلى بيت ابن آوى ففتشه.
قال آخر: إن وجب تفتيش منزله فالعجل العجل. فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان.
قال آخر: إني قد علمت بأن ابن آوى لو فتش منزله واطلع على خيانته سيحتال بحيلته ومكره حتى يشبه على الملك فيعذره ويكفّ عنه.
فلم يزالوا بهذا الكلام وأشباهه حتى أوقعوا ذلك في نفس الأسد بالأتهام لابن آوى فدعاه فقال له: ما صنعت باللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به؟
فقال: دفعته إلى صاحب الطعام فلان ليقرّبه إلى الملك.
فدعا الملك صاحب الطعام وكان ممن شايع القوم، فسأله الملك عن اللحم فقال: ما دفع إليّ شيئاً.
فأرسل الملك أمناءه ليفتشوا منزل ابن آوى فوجدوا فيه اللحم فأتوه به. فدنا من الأسد ذئب لم يتكلم في شيء من تلك الأمور، وكان يظهر أنه من أهل العد ل والذين لم يتكلموا إلا فيما استبان لهم أنه حق فقال للأسد: إذا اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفونّ عنه، فإنه إن عفا عنه لم يعد أحد يطلع الملك على خيانة خائن أو ذنب مذنب.
فأمر الأسد بابن آوى أن يخرج من عنده ويحتفظ به حتى يرى رأيه فيه.
قال عند ذلك بعض جلساء الأسد: إني لأعجب من رأي الأسد ومعرفته بالأمور وكيف خفي عليه أمر هذا فلم يعرف خبثه ومخادعته.
قال آخر: بل أعجب من هذا أني لا أراه إلا بتنصّل عنه بعد الذي ظهر عليه منه.
ثم إن الأسد أرسل بعضهم إلى ابن آوى يسأله عن عذره فرجع إليه من ابن آوى برسالة كاذبة غضب منها الأسد فأمر بابن آوى أن يقتل.
فبلغ ذلك أم الأسد فعرفت أن الأسد قد عجّل في أمره فأرسلت إلى الذين أمروا بقتله أن يؤخروه ودخلت على ابنها فقالت: لأي ذنب أمرت بابن آوى أن يقتل؟
فأخبرها الأسد بالأمر.[/grade]
قال آخر: لعمري ما تكاد السرائر يطّلع عليها أحد ولعلكم إن فحصتم وجدتم ذلك وثبت عندنا كل شيء كان يذكر لنا من عيوبه وخيانته، ونحن أحقاء أن نخذله ونقضي بكل ما كان يقال عنه.
قال آخر: ما ينبغي لأحد أن يغترّ بما يعلم في نفسه من المختالة. فإن المختالة لا يسلم صاحبها ولا تخفى له.
قال آخر: وكيف يسلم من خاتل السلطان أو كيف يخفي ذلك، ومخاتلة الأصحاب لا تكاد تخفى؟
قال آخر: لقد أخبرني مخبرٌ عن ابن آوى بأمر عظيم مما وقع في نفسي حتى سمعت كلامكم.
قال آخر: لكني لم يخف عليّ أمره وخبّه أول ما رأيته وقد قلت مراراً واستشهدت فلاناً أن هذا المخادع المتخشّع لا يسلم من الحيلة والخيانة.
قال آخر: لئن وجد هذا حقاً ما هي الخيانة فقط بل مع الخيانة كفر النعمة والجرأة على الذنوب.
قال آخر: أنت أهل العدل والفضل ولا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيتبين صدق هذا وكذبه لو أرسل الملك إلى بيت ابن آوى ففتشه.
قال آخر: إن وجب تفتيش منزله فالعجل العجل. فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان.
قال آخر: إني قد علمت بأن ابن آوى لو فتش منزله واطلع على خيانته سيحتال بحيلته ومكره حتى يشبه على الملك فيعذره ويكفّ عنه.
فلم يزالوا بهذا الكلام وأشباهه حتى أوقعوا ذلك في نفس الأسد بالأتهام لابن آوى فدعاه فقال له: ما صنعت باللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به؟
فقال: دفعته إلى صاحب الطعام فلان ليقرّبه إلى الملك.
فدعا الملك صاحب الطعام وكان ممن شايع القوم، فسأله الملك عن اللحم فقال: ما دفع إليّ شيئاً.
فأرسل الملك أمناءه ليفتشوا منزل ابن آوى فوجدوا فيه اللحم فأتوه به. فدنا من الأسد ذئب لم يتكلم في شيء من تلك الأمور، وكان يظهر أنه من أهل العد ل والذين لم يتكلموا إلا فيما استبان لهم أنه حق فقال للأسد: إذا اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفونّ عنه، فإنه إن عفا عنه لم يعد أحد يطلع الملك على خيانة خائن أو ذنب مذنب.
فأمر الأسد بابن آوى أن يخرج من عنده ويحتفظ به حتى يرى رأيه فيه.
قال عند ذلك بعض جلساء الأسد: إني لأعجب من رأي الأسد ومعرفته بالأمور وكيف خفي عليه أمر هذا فلم يعرف خبثه ومخادعته.
قال آخر: بل أعجب من هذا أني لا أراه إلا بتنصّل عنه بعد الذي ظهر عليه منه.
ثم إن الأسد أرسل بعضهم إلى ابن آوى يسأله عن عذره فرجع إليه من ابن آوى برسالة كاذبة غضب منها الأسد فأمر بابن آوى أن يقتل.
فبلغ ذلك أم الأسد فعرفت أن الأسد قد عجّل في أمره فأرسلت إلى الذين أمروا بقتله أن يؤخروه ودخلت على ابنها فقالت: لأي ذنب أمرت بابن آوى أن يقتل؟
فأخبرها الأسد بالأمر.[/grade]
ز
09-02-2007 | 07:54 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قالت: "عجّلت يا بني وإنما يسلم العاقل من الندامة بترك العجلة وبالأخذ بالأناة. وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبيت من الملوك. فإن المرأة بزوجها والولد بالوالدين والمتعلم بالمعلم والجند بالقائد والناسك بالدين والعامة بالملوك والملوك بالتقوى والتقوى بالعقل والعقل بالتثبيت. ورأس الحزم للملك معرف أصحابه وإنزاله إياهم منزلتهم واتهام ببعضهم ببعض. فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك صاحبه سبيلاً وإلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين لم يدعوا ذلك ويؤثر ذلك سريعاً في ضياع الأمر وانتشاره وجلب عظيم الضرر والعيب.
"وقد كنت بلوت ابن آوى واختبرت أدبه ومروءته قبل استعانتك به وتفويضك إليه، فلم تزل عنه راضياً ولا تزداد على مر الأيام إلا استصلاحاً وإليه استرسالاً وفيه رغبة. فأمرت بقتله في طابق من لحم فقدته. عسى أصحابه أن يكونوا قد ألزموه عندك ذنباً باطلاً لحسدهم وتعاونهم عليه.
"فاعلم أن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي مباشرته من أمورهم والزموا أنفسهم مباشرة ما ينبغي لهم تفويضه إلى الكفاة ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم. إن الملوك يحتاجون إلى النظر في وجوه شتى من الأمور، فإذا آثروا بعض تلك الوجوه على بعض لم يأمنوا خطأ البصر وزلل الرأي، كصاحب الخمر الذي إذا أراد أن يشتريها احتاج إلى اختيار لونها وريحها. فإن هو أهمل الاختيار أو بعض ذلك لم يأمن الغبن والخسران. وكاليراعة يراها الجاهل في ظلمة فيقضي عليها بالمعاينة قبل أن يلمسها أنها نار، فإذا لمسها تبين له خطأ قضائه. وكنت حقيقاً أن تنظر في أمر ابن آوى نظر تثبيت فتعلم أنه لم يكن يأكل اللحم الذي كنت ربما أمرت له بالكثير منه بل يجلعه في طعامك وطعام جندك، وأنه ليس خليقاً لسرقة قليل من اللحم أمرته بالاحتفاظ به. فافحص عن أمره فإنه لم تزل عادة الأرذال والأنذال حسد أهل المودة والفضل والأذى لهم والاشتغال بهم. ولابن آوى مروءة وفضل فعسى أعداؤه من أصحابك أن يكونوا ائتمروا لوضع ذلك اللحم إذا أصابت البضعة من اللحم نافسها كثير من الطير. والكلب إذا أصاب العظم وأخذه في فيه اجتمعت عليه عدة من الكلاب. فإذا لم تنظر إلى أعداء ابن آوى من أصحابك فانظر لنفسك ولا تنقادنّ لهم فيما تدعو به الضرر إلى نفسك. فإن أعظم الأشياء على الناس عامة والولاة خاصة أمران: أن يحرموا صالح الأعوان والوزراء والأخوان، وأن يكون وزراؤهم وأخوانهم غير ذوي مروءة ولا غناء. ولم يزل غناء ابن آوى عنك عظيما يؤثر منفعتك على هواه ويشتري راحتك بمصلحته ورضاك بسخط الأصحاب ولا يكتمك سراً ولا يطوي عنك أمراً ولا يرى شيئاً إلا احتمله منك أو بذله وإن عظم عظماً كبيراً. فمن كان من الأصحاب هذه صفته فإنما منزلته منزلة الآباء والأبناء والإخوان".[/grade]
"وقد كنت بلوت ابن آوى واختبرت أدبه ومروءته قبل استعانتك به وتفويضك إليه، فلم تزل عنه راضياً ولا تزداد على مر الأيام إلا استصلاحاً وإليه استرسالاً وفيه رغبة. فأمرت بقتله في طابق من لحم فقدته. عسى أصحابه أن يكونوا قد ألزموه عندك ذنباً باطلاً لحسدهم وتعاونهم عليه.
"فاعلم أن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي مباشرته من أمورهم والزموا أنفسهم مباشرة ما ينبغي لهم تفويضه إلى الكفاة ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم. إن الملوك يحتاجون إلى النظر في وجوه شتى من الأمور، فإذا آثروا بعض تلك الوجوه على بعض لم يأمنوا خطأ البصر وزلل الرأي، كصاحب الخمر الذي إذا أراد أن يشتريها احتاج إلى اختيار لونها وريحها. فإن هو أهمل الاختيار أو بعض ذلك لم يأمن الغبن والخسران. وكاليراعة يراها الجاهل في ظلمة فيقضي عليها بالمعاينة قبل أن يلمسها أنها نار، فإذا لمسها تبين له خطأ قضائه. وكنت حقيقاً أن تنظر في أمر ابن آوى نظر تثبيت فتعلم أنه لم يكن يأكل اللحم الذي كنت ربما أمرت له بالكثير منه بل يجلعه في طعامك وطعام جندك، وأنه ليس خليقاً لسرقة قليل من اللحم أمرته بالاحتفاظ به. فافحص عن أمره فإنه لم تزل عادة الأرذال والأنذال حسد أهل المودة والفضل والأذى لهم والاشتغال بهم. ولابن آوى مروءة وفضل فعسى أعداؤه من أصحابك أن يكونوا ائتمروا لوضع ذلك اللحم إذا أصابت البضعة من اللحم نافسها كثير من الطير. والكلب إذا أصاب العظم وأخذه في فيه اجتمعت عليه عدة من الكلاب. فإذا لم تنظر إلى أعداء ابن آوى من أصحابك فانظر لنفسك ولا تنقادنّ لهم فيما تدعو به الضرر إلى نفسك. فإن أعظم الأشياء على الناس عامة والولاة خاصة أمران: أن يحرموا صالح الأعوان والوزراء والأخوان، وأن يكون وزراؤهم وأخوانهم غير ذوي مروءة ولا غناء. ولم يزل غناء ابن آوى عنك عظيما يؤثر منفعتك على هواه ويشتري راحتك بمصلحته ورضاك بسخط الأصحاب ولا يكتمك سراً ولا يطوي عنك أمراً ولا يرى شيئاً إلا احتمله منك أو بذله وإن عظم عظماً كبيراً. فمن كان من الأصحاب هذه صفته فإنما منزلته منزلة الآباء والأبناء والإخوان".[/grade]
ز
09-02-2007 | 08:01 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]فبينما أم الأسد في كلامها إذ دخل على الملك بعض ثقاته فأطلع الأسد على براءة ابن آوى. فلما علمت أم الأسد أن الأسد قد وقف على براءة ابن آوى قالت: "أما وقد اطلعت على جرأة أصحابك وتعاونهم عليه فلا ترضينّ بذلك منهم ولا تدعنّ تشتيت ذات بينهم حتى تقطع منك الشفة عليهم. فلا يتخذوك مركباً فتعوّدهم الاحتمال على ضرك بوشهيم. ولا تغترّنّ بسلطانك فيدعوك ذلك إلى استصغارهم والتهاون بأمرهم. فإن الحشيش الضعيف إذا جمع فقتل صار منه الحبل القوي الذي يوثق به الفيل الشديد.
"وأعد لابن آوى منزلته وخاصته ولا يؤيسنّك من مناصته ما فرط إليه منك من الإساءة. فإنه ليس كل من أساء ينبغي له أن يتخوف غشّ من أسيء إليه وعداوته وييأس من نصيحته ومودته. ولكن ينبغي أن ينزل الناس في ذلك منازلهم على اختلاف ما بينهم. فإن منهم من إذا ظفر بقطيعته كان الرأي أن تقطع صلته ويمتنع عن معاودته، ومنه من لا ينبغي تركه وقطيعته على حال من الأحوال. ومن عرف بالشرارة ولؤم العهد وقلة الوفاء والشكر والبعد من الورع وقلة الاحتمال للأصحاب والإخوان وإن لم يكن عليه منهم مؤونة، فهذا حقيق أن تغتنم قطيعته ويمنع من وصله. ومن لم يكن فيه شيء من هذه الخلال وبذل الإخوانم معروفة واحتمل مكروهاً إن كان منهم ومؤونتهم وإن ثقلت، وعرف فضله على غيره في الورع والمساعدة على الدهر في جميع الأمور والحالات، فهذا حقيق أن يغتنم وصله ويمتنع من قطيعته".
فدعا الأسد بابن آوى واعتذر إليه مما كان منه وأخبره أنه معيده إلى منزلته وولايته. فقال ابن آوى: "إن شرّ الأخلاء من التمس منفعة نفسه بضر أخيه ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق واتباع هواه. وكثيراً ما يقع ذلك بين الأخلاء وقد كان من الملك إليّ ما علم فلا يغلظنّ على نفسه ما أخبره به أني به غير واثق. فإن من كان قد أصيب بعظيم من البلاء غير مستوجب له أو كان قد أزيل عن مرتبته وولايته أو كان قد سلب ماله ظلماً أو كان مقرّباً فأقصي من غير علة أو كان قد استحق من نظرائه ثواباً فأثيبوا دونه وفضّلوا عليه، أو كان معروفاً بإفراط الحرص والشره أو كان يرى في منفعة السلطان ضراً أو في ضره له نفعا، كل هؤلاء يحق على السلطان ألا يسترسل إليه ويثق بهم، لأن كل هؤلاء حقيق أن يكونوا عليه مع عدوه. وقد صرت اليوم في بادئ الرأي عرضاً لأعداء الملك وليس ما أنا عليه للملك من المودة والنصيحة بمناع الملك اتهامي وسوء الظن بي. وليس ما ظهر له من مودتي ونصيحتي يؤمّنني من عودة أعدائي بحمل الملك عليّ بالباطل والكذب إشفاقاً من مكافأتي لهم وحرصاً عليّ ألا يتقرر عند الملك كذبهم فيما حملوا به علي. فإن فعلوا ذلك لم يحتاجوا في قبول الملك ذلك منهم إلى عون أقوى من هذه التهمة التي قد وقعت في نفس الملك من تخوّفه لصحبتي وسوء ظنه بي وسرعته إلى تصديق أعدائي فيما نسبوه إلي. فإذا كان حال الملك بالثقة بي وحالي في الثقة به على ما وصف فلينظر أي وجه يريدني عليه من صحبته. فإن الملوك لا ينبغي لهم أن يصحبوا من عاقبوه أشدّ العقاب".[/grade]
"وأعد لابن آوى منزلته وخاصته ولا يؤيسنّك من مناصته ما فرط إليه منك من الإساءة. فإنه ليس كل من أساء ينبغي له أن يتخوف غشّ من أسيء إليه وعداوته وييأس من نصيحته ومودته. ولكن ينبغي أن ينزل الناس في ذلك منازلهم على اختلاف ما بينهم. فإن منهم من إذا ظفر بقطيعته كان الرأي أن تقطع صلته ويمتنع عن معاودته، ومنه من لا ينبغي تركه وقطيعته على حال من الأحوال. ومن عرف بالشرارة ولؤم العهد وقلة الوفاء والشكر والبعد من الورع وقلة الاحتمال للأصحاب والإخوان وإن لم يكن عليه منهم مؤونة، فهذا حقيق أن تغتنم قطيعته ويمنع من وصله. ومن لم يكن فيه شيء من هذه الخلال وبذل الإخوانم معروفة واحتمل مكروهاً إن كان منهم ومؤونتهم وإن ثقلت، وعرف فضله على غيره في الورع والمساعدة على الدهر في جميع الأمور والحالات، فهذا حقيق أن يغتنم وصله ويمتنع من قطيعته".
فدعا الأسد بابن آوى واعتذر إليه مما كان منه وأخبره أنه معيده إلى منزلته وولايته. فقال ابن آوى: "إن شرّ الأخلاء من التمس منفعة نفسه بضر أخيه ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق واتباع هواه. وكثيراً ما يقع ذلك بين الأخلاء وقد كان من الملك إليّ ما علم فلا يغلظنّ على نفسه ما أخبره به أني به غير واثق. فإن من كان قد أصيب بعظيم من البلاء غير مستوجب له أو كان قد أزيل عن مرتبته وولايته أو كان قد سلب ماله ظلماً أو كان مقرّباً فأقصي من غير علة أو كان قد استحق من نظرائه ثواباً فأثيبوا دونه وفضّلوا عليه، أو كان معروفاً بإفراط الحرص والشره أو كان يرى في منفعة السلطان ضراً أو في ضره له نفعا، كل هؤلاء يحق على السلطان ألا يسترسل إليه ويثق بهم، لأن كل هؤلاء حقيق أن يكونوا عليه مع عدوه. وقد صرت اليوم في بادئ الرأي عرضاً لأعداء الملك وليس ما أنا عليه للملك من المودة والنصيحة بمناع الملك اتهامي وسوء الظن بي. وليس ما ظهر له من مودتي ونصيحتي يؤمّنني من عودة أعدائي بحمل الملك عليّ بالباطل والكذب إشفاقاً من مكافأتي لهم وحرصاً عليّ ألا يتقرر عند الملك كذبهم فيما حملوا به علي. فإن فعلوا ذلك لم يحتاجوا في قبول الملك ذلك منهم إلى عون أقوى من هذه التهمة التي قد وقعت في نفس الملك من تخوّفه لصحبتي وسوء ظنه بي وسرعته إلى تصديق أعدائي فيما نسبوه إلي. فإذا كان حال الملك بالثقة بي وحالي في الثقة به على ما وصف فلينظر أي وجه يريدني عليه من صحبته. فإن الملوك لا ينبغي لهم أن يصحبوا من عاقبوه أشدّ العقاب".[/grade]
ز
09-02-2007 | 08:03 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال الأسد: إني قد بلوت طبائعك وأخلاقك، فمنزلتك في نفسي منزلة الكرماء الأخيار. والكريم تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان ألف خلّة من الإساءة، واللئيم تنسيه خلة واحدة من الإساءة ألف خلة من الإحسان. فأنا واثق بك أنه سينسيك ما سلف من إحساننا إليك الذي فرط منا في أمرك وقد عدنا إلى الثقة بك فعد إلى الثقة بنا وبما قبلنا فإنه لك في ذل غبطة وسرور.
فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يليه من أمر الأسد فلم تزل الأيام تزيده ارتفاعاً واغتباطاً حتى هلك.
فهذا باب وزراء السلطان وأعوانه وقرائبه.[/grade]
فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يليه من أمر الأسد فلم تزل الأيام تزيده ارتفاعاً واغتباطاً حتى هلك.
فهذا باب وزراء السلطان وأعوانه وقرائبه.[/grade]
ز
09-02-2007 | 07:14 PM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]باب السائح والصائغ والقرد والببر والحية
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت من أمر الملوك فيما بينهم وبين قرابتهم وفي مراجعتهم من تراجع منهم فأخبرني عن الملك إلى من ينبغي له أن يصنع المعروف ومن يحق له أن يثق به ويرجو عونه.
قال الفيلسوف: إن الملك وغيره جدر أن يؤدوا الخير إلى أهله وأن يؤمّلوا من كان عنده شكر وحمد ولا ينظروا إلى قرابتهم وأهل خاصتهم ولا إلى أشراف الناس وأغنيائهم وذوي القوة منهم، ولا يمتنعوا أن يصطنعوا إلى أهل الضعف والجهد والضعة. وإن الرأي في ذلك أن يجربوا ويختبروا أصاغر الناس وعظماءهم في شكرهم أو قلة شكرهم وفي حفظهم الود أو غدرهم. ثم يكون عملهم في ذلك على قدر الذي يرون أو يبدو لهم. فإن الطبيب الرفيق لا يداوي المرضى بالمعاينة لهم فقط ولكنه ينظر إلى فضول البدن ويجسّ العرق ثم يكون العلاج على نحو المعرفة وقدرها. ويحق على المرء اللبيت إن وجد قوماً ذوي مهابة لهم وفاء وشكر من البهائم ما كان مألوفاً أنيساً أن يحسن فيما بينه وبينهم، ولعله يحتاج إليهم يوماً من الدهر فيكافئوه. فإن العاقل ربما حذر الناس ولم يأمن على نفسه أحدا منهم، وربما أخذ ابن عرس فأدخله كنّه والطير فوضعه على يده. وقد قيل: لا ينبغي لذي العقل أن يحتقر كبيراً ولا صغيرا من الناس ولا من البهائم، ولكنه جدير بأن يتولاهم ويكون ما يصنع إليهم على قدر الذي يرى منهم. وقد مضى في ذلك مثل ضربه بعض الحكماء.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: ذكروا أن ناساً انطلقوا إلى مغارة فحفروا فيها ركيّة للسباع فوقع فيها رجل صائغ وببر وحي وقرد، فلم تتعرض البهائم لذلك الرجل بشيء. فمر رجل سائح بالبئر فاطلع فيها فلما رآهم فكّر في نفسه وقال: ما أراني مقدماً عملاً لآخرتي أفضل من أن أخلص الإنسان من بين هؤلاء الأعداء. فأخذ رسناً فأدلاه إليه فتعلق به القرد لخفته فأصعده. ثم أعاده الثانية فتشبث به الببر فأخرجه. ثم كرّه الثالثة فالتوت به الحية فاستنقذها. فشكرن له صنيعه وقلن: لا تخرج هذا الرجل فتخلصه من الركية فإنه ليس حيّ أقل شكراً من الإنسان. ثم قال له القرد: إن وطني بجانب مدينة يقال لها برجوان. وقال الببر أيضا: أنا في أجمة إلى جانبها. وقالت الحية: وأنا أيضاً في سورها فإن أتيتها يوماً من الدهر أو ممرت بنا فاحتجت إلينا فنوّه بنا حتى نأتيك ونجازيك بما أوليتنا وأحسنت إلينا.[/grade]
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت من أمر الملوك فيما بينهم وبين قرابتهم وفي مراجعتهم من تراجع منهم فأخبرني عن الملك إلى من ينبغي له أن يصنع المعروف ومن يحق له أن يثق به ويرجو عونه.
قال الفيلسوف: إن الملك وغيره جدر أن يؤدوا الخير إلى أهله وأن يؤمّلوا من كان عنده شكر وحمد ولا ينظروا إلى قرابتهم وأهل خاصتهم ولا إلى أشراف الناس وأغنيائهم وذوي القوة منهم، ولا يمتنعوا أن يصطنعوا إلى أهل الضعف والجهد والضعة. وإن الرأي في ذلك أن يجربوا ويختبروا أصاغر الناس وعظماءهم في شكرهم أو قلة شكرهم وفي حفظهم الود أو غدرهم. ثم يكون عملهم في ذلك على قدر الذي يرون أو يبدو لهم. فإن الطبيب الرفيق لا يداوي المرضى بالمعاينة لهم فقط ولكنه ينظر إلى فضول البدن ويجسّ العرق ثم يكون العلاج على نحو المعرفة وقدرها. ويحق على المرء اللبيت إن وجد قوماً ذوي مهابة لهم وفاء وشكر من البهائم ما كان مألوفاً أنيساً أن يحسن فيما بينه وبينهم، ولعله يحتاج إليهم يوماً من الدهر فيكافئوه. فإن العاقل ربما حذر الناس ولم يأمن على نفسه أحدا منهم، وربما أخذ ابن عرس فأدخله كنّه والطير فوضعه على يده. وقد قيل: لا ينبغي لذي العقل أن يحتقر كبيراً ولا صغيرا من الناس ولا من البهائم، ولكنه جدير بأن يتولاهم ويكون ما يصنع إليهم على قدر الذي يرى منهم. وقد مضى في ذلك مثل ضربه بعض الحكماء.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: ذكروا أن ناساً انطلقوا إلى مغارة فحفروا فيها ركيّة للسباع فوقع فيها رجل صائغ وببر وحي وقرد، فلم تتعرض البهائم لذلك الرجل بشيء. فمر رجل سائح بالبئر فاطلع فيها فلما رآهم فكّر في نفسه وقال: ما أراني مقدماً عملاً لآخرتي أفضل من أن أخلص الإنسان من بين هؤلاء الأعداء. فأخذ رسناً فأدلاه إليه فتعلق به القرد لخفته فأصعده. ثم أعاده الثانية فتشبث به الببر فأخرجه. ثم كرّه الثالثة فالتوت به الحية فاستنقذها. فشكرن له صنيعه وقلن: لا تخرج هذا الرجل فتخلصه من الركية فإنه ليس حيّ أقل شكراً من الإنسان. ثم قال له القرد: إن وطني بجانب مدينة يقال لها برجوان. وقال الببر أيضا: أنا في أجمة إلى جانبها. وقالت الحية: وأنا أيضاً في سورها فإن أتيتها يوماً من الدهر أو ممرت بنا فاحتجت إلينا فنوّه بنا حتى نأتيك ونجازيك بما أوليتنا وأحسنت إلينا.[/grade]
ز
09-02-2007 | 07:21 PM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]ثم إن السائح أدلى الحبل إلى الرجل الصوّاغ ولم يلتفت إلى ما ذكر له القرد والببر والحية من قلة شكره، فاستخرجه فأثنى عليه وسجد له وقال: إنك أوليتني معروفاً جسيماً أنا حقيق بفعله، فإن قضي لك أن تأتي مدينة برجوان فسل عني بها لعلي أجازيك ببعض ما كان من الجميل علي.
ومضى كل واحد منهم لوجهه. فمكث السائح حينا، ثم عرضت له حاجة نحو المدينة فسار إليها فلقيه القرد فسجد له ثم قبّل يده ورجله واعتذر إليه وقال: إني لا أملك شيئاً ولكن اطمئن ساعة حتى آتيك ببعض ما نصيب منه. ثم انطلق فلم يلبث أن جاء بفاكهة طيبة فوضعها قدامه وحياه.
ثم توجه السائح نحو المدينة فلقي الببر فسجد له وحياه وقال: لقد أوليتني معروفاً جسيماً كبيراً فلا تبرح حتى أرجع. فلم يستبطئه حتى ذهب إلى ابنة الملك فقتلها وأخذ حليها ثم أتاه فدفعه له من غير أن يعلمه من أين هو.
فقال السائح في نفسه: هذه البهائم قد أولتني هذا وصنعته بي فكيف لو انتهيت إلى الصواغ فإنه إن كان معسراً لا شيء عند سيبيع لي هذا الحلي بثمنه فيعطيني بعضه ويأخذ بعضه.
ثم إن السائح دخل المدينة فأتى منزل الصائغ فرحّب به وأدخله بيته، فلما أبصر بالحلي معه عرفه فقال: اطمئن حتى آتيك بطعام تأكله فإني لست أرضى لك بما في البيت.[/grade]
ومضى كل واحد منهم لوجهه. فمكث السائح حينا، ثم عرضت له حاجة نحو المدينة فسار إليها فلقيه القرد فسجد له ثم قبّل يده ورجله واعتذر إليه وقال: إني لا أملك شيئاً ولكن اطمئن ساعة حتى آتيك ببعض ما نصيب منه. ثم انطلق فلم يلبث أن جاء بفاكهة طيبة فوضعها قدامه وحياه.
ثم توجه السائح نحو المدينة فلقي الببر فسجد له وحياه وقال: لقد أوليتني معروفاً جسيماً كبيراً فلا تبرح حتى أرجع. فلم يستبطئه حتى ذهب إلى ابنة الملك فقتلها وأخذ حليها ثم أتاه فدفعه له من غير أن يعلمه من أين هو.
فقال السائح في نفسه: هذه البهائم قد أولتني هذا وصنعته بي فكيف لو انتهيت إلى الصواغ فإنه إن كان معسراً لا شيء عند سيبيع لي هذا الحلي بثمنه فيعطيني بعضه ويأخذ بعضه.
ثم إن السائح دخل المدينة فأتى منزل الصائغ فرحّب به وأدخله بيته، فلما أبصر بالحلي معه عرفه فقال: اطمئن حتى آتيك بطعام تأكله فإني لست أرضى لك بما في البيت.[/grade]
ز
09-02-2007 | 07:24 PM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]فانطلق الصواغ حتى أتى باب الملك فأرسل إلى الملك برسالة "أن الرجل الذي قتل ابنتك وأخذ حليها قد أخذته وهو عندي محبوس".
فأرسل الملك إلى السائح فأخذه. فلما رأى الحلي معه أمر به أن يعذّب ويطاف به في المدينة ثم يصلب. فلما وقع ذلك به وطيف بالمدينة جعل يبكي ويقول بأعلى صوته: لو أني أطلعت القرد والحية والببر فيما أمروني به لم يصيبني هذا البلاء.
فسمعت الحية هذه المقالة وخرجت للحال من جحرها. فلما أبصرته اشتد عليها أمره وفكرت في الاحتيال لخلاصه فانطلقت إلى ابن الملك فلدغته في رجله. فبلغ ذلك الملك فدعا أهل العلم ليرقوه فرقوه فم يغنوا عنه شيئاً. ثم إنهم نظروا في النجوم واحتالوا له حتى تكلم الغلام فقال: لا أبرأ حتى يأتيني هذا السائح فيرقيني ويمسحين بيده. وقد أمر الملك بقتله ظلماً وعدواناً.
وقد كانت الحية ذهبت إلى أخت لها من الجن فأخبرتها بحالها وبما صنع إليها ذلك السائح من المعروف. فرقّت له الجنة وانطلقت إلى ابن الملك فتحيّلت حتى وصلت إليه فقالت له: إعلم أنك لا تبرأ حتى يرقيك هذا السائح المظلوم.
وانطلقت الحية إلى السائح فأخبرته بذلك وقالت: ألم أنهك عن الإنسان فلم تطعني. وأعطته شجرة تنفع من سمها وقالت له: إذا صرت إلى الملك فارق الغلام واسقه من ماء هذه الشجرة فإنه يبرأ، ثم أصدق الملك الحديث فإنك تنجو إن شاء الله.
وإن الملك لما دعا الرقاة ولم ينتفع بشيء قال له ابنه: "إن شفائي عند هذا الناسك الذي قد أخذته وأمرت بعذابه". فأمر الملك أن يكف عن عقوبته وأن يؤتى به. فلما أوتي به أمره أن يرقي ابنه فقال: لست أحسن الرقيّ ولكني أدعو له بدعوة أرجو أن يكون فيها شفاؤه. فقال: إنما دعوتك لتخبرني بحاجتك. فقصّ السائح على الملك أمره والذي كان من صنيعه إلى الصواغ والببر والحية والقرد والذي قلن له في أمره، والذي حمله على أن يأتي مينته ثم قال: "اللهم إن كنت تعلم أني صادق فيما ذكرت فعجل لابن الملك الخلاص مما هو فيه والشفاء والعافية". ثم سقاه من ماء الشجرة فبرئ الغلام مما كان به وكشف الله عنه. فأكرم الملك السائح ووصله وأحسن إليه وأمر بالصائغ أن يصلب فصلب.
ثم قال الفيلسوف للملك: ففي صنيع الصواغ بالسائح وكفره له بعد استنقاذه إياه وشكر البهائم له وتخليص بعضها إياه عبرة للمعتبرين وفكرة لمن فكروا في وضع المعروف والإحسان عند أهل الوفاء والكرم، قربوا أو بعدوا، لما في ذلك صواب الرأي وجلب الخير وصرف المكروه. فهذه عاقبة المعروف.[/grade]
فأرسل الملك إلى السائح فأخذه. فلما رأى الحلي معه أمر به أن يعذّب ويطاف به في المدينة ثم يصلب. فلما وقع ذلك به وطيف بالمدينة جعل يبكي ويقول بأعلى صوته: لو أني أطلعت القرد والحية والببر فيما أمروني به لم يصيبني هذا البلاء.
فسمعت الحية هذه المقالة وخرجت للحال من جحرها. فلما أبصرته اشتد عليها أمره وفكرت في الاحتيال لخلاصه فانطلقت إلى ابن الملك فلدغته في رجله. فبلغ ذلك الملك فدعا أهل العلم ليرقوه فرقوه فم يغنوا عنه شيئاً. ثم إنهم نظروا في النجوم واحتالوا له حتى تكلم الغلام فقال: لا أبرأ حتى يأتيني هذا السائح فيرقيني ويمسحين بيده. وقد أمر الملك بقتله ظلماً وعدواناً.
وقد كانت الحية ذهبت إلى أخت لها من الجن فأخبرتها بحالها وبما صنع إليها ذلك السائح من المعروف. فرقّت له الجنة وانطلقت إلى ابن الملك فتحيّلت حتى وصلت إليه فقالت له: إعلم أنك لا تبرأ حتى يرقيك هذا السائح المظلوم.
وانطلقت الحية إلى السائح فأخبرته بذلك وقالت: ألم أنهك عن الإنسان فلم تطعني. وأعطته شجرة تنفع من سمها وقالت له: إذا صرت إلى الملك فارق الغلام واسقه من ماء هذه الشجرة فإنه يبرأ، ثم أصدق الملك الحديث فإنك تنجو إن شاء الله.
وإن الملك لما دعا الرقاة ولم ينتفع بشيء قال له ابنه: "إن شفائي عند هذا الناسك الذي قد أخذته وأمرت بعذابه". فأمر الملك أن يكف عن عقوبته وأن يؤتى به. فلما أوتي به أمره أن يرقي ابنه فقال: لست أحسن الرقيّ ولكني أدعو له بدعوة أرجو أن يكون فيها شفاؤه. فقال: إنما دعوتك لتخبرني بحاجتك. فقصّ السائح على الملك أمره والذي كان من صنيعه إلى الصواغ والببر والحية والقرد والذي قلن له في أمره، والذي حمله على أن يأتي مينته ثم قال: "اللهم إن كنت تعلم أني صادق فيما ذكرت فعجل لابن الملك الخلاص مما هو فيه والشفاء والعافية". ثم سقاه من ماء الشجرة فبرئ الغلام مما كان به وكشف الله عنه. فأكرم الملك السائح ووصله وأحسن إليه وأمر بالصائغ أن يصلب فصلب.
ثم قال الفيلسوف للملك: ففي صنيع الصواغ بالسائح وكفره له بعد استنقاذه إياه وشكر البهائم له وتخليص بعضها إياه عبرة للمعتبرين وفكرة لمن فكروا في وضع المعروف والإحسان عند أهل الوفاء والكرم، قربوا أو بعدوا، لما في ذلك صواب الرأي وجلب الخير وصرف المكروه. فهذه عاقبة المعروف.[/grade]
ز
09-02-2007 | 07:29 PM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]باب الناسك والضيف
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت من امرئ كف عن ضر غيره لضر يصيبه أو بلية تدخل عليه، فأخبرني إن رأيت عن من يدع عمله الذي يليق به ويشاكله ويطلب سواه فلا يدركه فراجع الذي كان في يده فلا يقدر عليه فيبقى حيران متردداً.
قال الفيلسوف: زعموا أنه كان في أرض الكرخ ناسك مجتهد فنزل به ضيف ذات يوم فدعا بتمر ليطرفه به فأكلا منه جميعاً. ثم إن الضيف قال: ما أحلى هذا الثمر وأطيبه وليس في بلادي التي أسكنها نخل وبودي أن آخذ منه فأغرسه في أرضنا. قال الناسك: ليس لك في ذلك كبير منفعة، ولعل النخل لا يوافق أرضكم. وبلادكم كثيرة الأثمار مع وخامة التمر وقلة موافقته للجسد. ثم قال له الناسك: إنه لا يعد سعيداً من احتاج إلى ما لا يجد وليس بمعذور عليه فتشره لذلك نفسه ويقل عنه صبره ويصل إليه من ثقل ذلك واغتنامه ما يضرّه ويدله على المشقة عليه. وإنك أنت لعظيم الجد وجزيل الحظ لو قنعت بما رزقت وزهدت فيما لا تظفر به ولا تدرك طلبتك منه. فقال الضيف: وفقت ورشدت وقد سمعت منك كلاماً غريباً أعجبني واستحسنته. فلو علمتنيه فإن لي فيه رغبة وفي علمه حرصاً. فقال الناسك: ما أخلقك أن تقع بما تركت من كلامك وتكلفت من كلام العربانية في مثل ما أصاب الغراب.
قال الضيف: وكيف كان ذلك؟
قال الناسك: زعموا أن غراباً رأى مرة حجلة تمشي فأعجبته مشيتها وطمع في تعلّمها وراض نفسه عليها فلم يقدر على إحكامها. فانصرف إلى مشيته التي كان عليها فإذا هو قد نسيها فصار حيران مترددا لم يردك ما طلب ولم يحسن لما كان في يديه فصار أقبح الطير مشياً.
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك خليق إذ تركت لسانك الذي طبعت عليه وتكلفت عليه وتكلفت علم ما لا يشاكلك من كلام العبرانية ألا تدركه وتنسى الذي كان في يديك من غيره. فإنه قد قيل: "يعد جاهلاً من حاول من الأمور ما لا يشبهه وليس من أهله ولم يدركه آباؤه ولا أجداده من قبله ولم يعرفوا به قبلاً".[/grade]
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت من امرئ كف عن ضر غيره لضر يصيبه أو بلية تدخل عليه، فأخبرني إن رأيت عن من يدع عمله الذي يليق به ويشاكله ويطلب سواه فلا يدركه فراجع الذي كان في يده فلا يقدر عليه فيبقى حيران متردداً.
قال الفيلسوف: زعموا أنه كان في أرض الكرخ ناسك مجتهد فنزل به ضيف ذات يوم فدعا بتمر ليطرفه به فأكلا منه جميعاً. ثم إن الضيف قال: ما أحلى هذا الثمر وأطيبه وليس في بلادي التي أسكنها نخل وبودي أن آخذ منه فأغرسه في أرضنا. قال الناسك: ليس لك في ذلك كبير منفعة، ولعل النخل لا يوافق أرضكم. وبلادكم كثيرة الأثمار مع وخامة التمر وقلة موافقته للجسد. ثم قال له الناسك: إنه لا يعد سعيداً من احتاج إلى ما لا يجد وليس بمعذور عليه فتشره لذلك نفسه ويقل عنه صبره ويصل إليه من ثقل ذلك واغتنامه ما يضرّه ويدله على المشقة عليه. وإنك أنت لعظيم الجد وجزيل الحظ لو قنعت بما رزقت وزهدت فيما لا تظفر به ولا تدرك طلبتك منه. فقال الضيف: وفقت ورشدت وقد سمعت منك كلاماً غريباً أعجبني واستحسنته. فلو علمتنيه فإن لي فيه رغبة وفي علمه حرصاً. فقال الناسك: ما أخلقك أن تقع بما تركت من كلامك وتكلفت من كلام العربانية في مثل ما أصاب الغراب.
قال الضيف: وكيف كان ذلك؟
قال الناسك: زعموا أن غراباً رأى مرة حجلة تمشي فأعجبته مشيتها وطمع في تعلّمها وراض نفسه عليها فلم يقدر على إحكامها. فانصرف إلى مشيته التي كان عليها فإذا هو قد نسيها فصار حيران مترددا لم يردك ما طلب ولم يحسن لما كان في يديه فصار أقبح الطير مشياً.
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك خليق إذ تركت لسانك الذي طبعت عليه وتكلفت عليه وتكلفت علم ما لا يشاكلك من كلام العبرانية ألا تدركه وتنسى الذي كان في يديك من غيره. فإنه قد قيل: "يعد جاهلاً من حاول من الأمور ما لا يشبهه وليس من أهله ولم يدركه آباؤه ولا أجداده من قبله ولم يعرفوا به قبلاً".[/grade]
ز
09-02-2007 | 07:32 PM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال الفيلسوف للملك: إن الولاة في قلة تعاهدهم الرعية في هذا وأشباهه اليوم أسوأ تدبيراً لانتقال الناس من بعض المنازل إلى بعض وتركهم منها ما قد لزموه وجرت لهم المعايش فيه من قبل الملوك، والتماس أهل الطبقة السفلى مراتب الطبقة العليا وانتشار الأمور وفساد الأدب ومنازعة اللئيم للكريم. ثم الأشياء تجري على مثال ذلك حتى تنتهي إلى الخطر العظيم الجسيم من مزاحمة الملك في ملكه ومضادّته فيه.
باب الأسد والثور
قال دبشليم ملك الهند لبيدبا رأس الفلاسفة: اضرب لي مثل الرجلين المتحابين يقطع بينهما الكذوب الخائن ويحملهما على العداوة.
قال بيدبا: إذا ابتليَ الرجلان المتحابان بأن يدخل بينهما الكذوب الخائن تقاطعا وتدابرا.[/grade]
باب الأسد والثور
قال دبشليم ملك الهند لبيدبا رأس الفلاسفة: اضرب لي مثل الرجلين المتحابين يقطع بينهما الكذوب الخائن ويحملهما على العداوة.
قال بيدبا: إذا ابتليَ الرجلان المتحابان بأن يدخل بينهما الكذوب الخائن تقاطعا وتدابرا.[/grade]
ز
11-02-2007 | 09:25 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]باب الغراب والمطوقة والجرذ والسلحفاة والظبي
قال الملك لبيدبا: قد سمعت مثل المتحابين يقطع بينهما الخؤون المحتال. فاضرب لي مثل إخوان الصفا، وكيف يكون بدء تواصلهم واستماع بعضهم من بعض.
قال العالم العاقل: إنه لا يعدل بصالح الإخوان شيء من الأشياء لأن الإخوان هم الأعوان على الخير كله والمؤاسون عند الشدائد. ومن أمثال ذلك مثل الغراب والحمامة المطوقة والجرذ والسلحفاة والظبي.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض من الأرضين مكان كثير الصي يتصيد فيه الصيادون، وكان في ذلك المكان شجرة عظيمة كبيرة الغصون متلفة الورق، وكان فيها وكر غراب. فبينما الغراب ذات يوم على الشجرة إذ أبصر رجل من الصيادين قبيح المنظر، سيء الحال، على عاتقه شرك يحمله، وفي يده عصا، مقبلاً نحو الشجرة، فذُعر منه الغراب وقال: لقد ساق هذا الرجل إلى هذا المكان أمر فسأنظر ماذا يصنع. فأقبل الصياد فنصب شركه ونثر حبّه وكمن في مكان قريب، فلم يلبث إلا قليلاً حتى مرت به حمامة يقال لها المطوقة، وكانت سيدة حمام كثير وهنّ معها. فأبصرت المطوقة وسربها الحبّ ولم يبصرن الشرك فوقعن فيه جميعاً. ثم أقبل الصياد إليهن مسرعاً فرحاً بهن. وانفردت كل حمامة منهن عن ناحيتها تعالج نفسها لتفرّ. فقالت لهن المطوقة: لا تتخاذلن في المعالجة، ولا تكونن نفس واحدة منكن أهم إليها من نفس صاحبتها، ولكن لنتعاون جميعاً لعلنا نقتلع الشرك فينجي بعضنا بعضاَ. ففعلن ذلك واقتلعن الشرك، فطرن به في السماء وتبعهن الصياد، وظن أنهن لن يتجاوزن قريباً حتى يثقلهن الشرك فيقعن.
فقال الغراب: لأتبعهن حتى أنظر إلى ما يصير أمرهن وأمر الصياد. والتفتت المطوقة فرأت الصياد يتبعهن، لم ينقطع رجاؤه منهن، فقالت لصواحبها، إني أرى الصياد جاداّ في طلبكن، فإن استقمتنّ في الفضاء لن تخفين عليه. ولكن توجّهن إلى الخير والعمران، فإنه لن يلبث أن يخفى عنه منتهاكن فينصرف آئساً منكن. وأنا أعرف فيما بلينا به مكاناً قريباً من العمران والريف فيه جحر جرذ، وهو صديق لي، فلو انتهينا إليه قطع عنا هذا الشرك وما عنّفنا منه.[/grade]
قال الملك لبيدبا: قد سمعت مثل المتحابين يقطع بينهما الخؤون المحتال. فاضرب لي مثل إخوان الصفا، وكيف يكون بدء تواصلهم واستماع بعضهم من بعض.
قال العالم العاقل: إنه لا يعدل بصالح الإخوان شيء من الأشياء لأن الإخوان هم الأعوان على الخير كله والمؤاسون عند الشدائد. ومن أمثال ذلك مثل الغراب والحمامة المطوقة والجرذ والسلحفاة والظبي.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض من الأرضين مكان كثير الصي يتصيد فيه الصيادون، وكان في ذلك المكان شجرة عظيمة كبيرة الغصون متلفة الورق، وكان فيها وكر غراب. فبينما الغراب ذات يوم على الشجرة إذ أبصر رجل من الصيادين قبيح المنظر، سيء الحال، على عاتقه شرك يحمله، وفي يده عصا، مقبلاً نحو الشجرة، فذُعر منه الغراب وقال: لقد ساق هذا الرجل إلى هذا المكان أمر فسأنظر ماذا يصنع. فأقبل الصياد فنصب شركه ونثر حبّه وكمن في مكان قريب، فلم يلبث إلا قليلاً حتى مرت به حمامة يقال لها المطوقة، وكانت سيدة حمام كثير وهنّ معها. فأبصرت المطوقة وسربها الحبّ ولم يبصرن الشرك فوقعن فيه جميعاً. ثم أقبل الصياد إليهن مسرعاً فرحاً بهن. وانفردت كل حمامة منهن عن ناحيتها تعالج نفسها لتفرّ. فقالت لهن المطوقة: لا تتخاذلن في المعالجة، ولا تكونن نفس واحدة منكن أهم إليها من نفس صاحبتها، ولكن لنتعاون جميعاً لعلنا نقتلع الشرك فينجي بعضنا بعضاَ. ففعلن ذلك واقتلعن الشرك، فطرن به في السماء وتبعهن الصياد، وظن أنهن لن يتجاوزن قريباً حتى يثقلهن الشرك فيقعن.
فقال الغراب: لأتبعهن حتى أنظر إلى ما يصير أمرهن وأمر الصياد. والتفتت المطوقة فرأت الصياد يتبعهن، لم ينقطع رجاؤه منهن، فقالت لصواحبها، إني أرى الصياد جاداّ في طلبكن، فإن استقمتنّ في الفضاء لن تخفين عليه. ولكن توجّهن إلى الخير والعمران، فإنه لن يلبث أن يخفى عنه منتهاكن فينصرف آئساً منكن. وأنا أعرف فيما بلينا به مكاناً قريباً من العمران والريف فيه جحر جرذ، وهو صديق لي، فلو انتهينا إليه قطع عنا هذا الشرك وما عنّفنا منه.[/grade]
ز
11-02-2007 | 09:28 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]فتوجهن حيث قالت المطوقة، فخفين من الصياد، وانصرف آئساً منهن. ولم ينصرف الغراب بل أراد أن ينظر هل لهن حيلة يحتلنها للخروج من الشرك فيتعلمها، وتكون له عدة لأمر إن كان.
فلما انتهت المطوقة بهن إلى الجرذ أمرت الحمام بالوقوع فوقعن، ووجدن حول جحر الجرذ منئة ثقب أعدها للمخاوف، وكان مجرباً للأمور داهية. فنادته المطوقة باسمه، وكان اسمه أيزك، فأجابها الجرذ من جحره قائلا: من أنت؟ قالت أنا خليلتك المطوقة. فأقبل إليها مسرعاً. فلما رآه في الشرك قال لها: ما أوقعك في هذه الورطة وأنت من الأكياس؟
قالت المطوقة: ألم تعلم ما يفعل الجهل في عقل المرء؟ فإن الغباوة أوقعتني في هذه الورطة، وهي التي رغّبتني في الحب وأعمت بصري عن الشرك حتى لججت في أنا وأصحابي. وليس أمري وقلة امتناعي من مصائب الدهر بعجيب، فقد لا ينجو منها من هو أقوى مني وأعظم شأناً. قد تًكسف الشمس والقمر إذا قضي عليهما ذلك، وقد تصاد الحيتان في الغمر ويستنزل الطير الذي يحول دون الحازم وطلبته.
ثم إن الجرذ أخذ بقرض العقد التي كانت فيها المطوقة. فقالت له المطوقة: ابدأ بعقد صواحبي ثم أقبل على عقدي. فأعادت عليه القول مرارا، كل ذلك والجرذ لا يلتفت إلى قولها، ثم قال لها: قد كررت علي هذه المقالة كأنك ليست لك بنفسك رحمة ولا ترين لها حقا.
فقالت المطوقة: لا تلمني على ما أمرتك به، فإنه لم يحملني على ذلك إلا أني تلكفت الرئاسة على جماعة هؤلاء الحمام، فلذلك لهن علي حق، وقد أدّين إليّ حقي في الطاعة والنصيحة، وبطاعتهن ومعونتهن نجّانا الله من صاحب الشرك. وتخوّفت، إن أنت بدأت بقطع عقدي، أن تملّ وتكسل عند فراغك من ذلك عن بعض ما بقي من عقدهن. وعرفت أنك، إن بدأت بهن وكنت أنا الآخرة، أنك لا ترضى، وإن أدركك الفتور والملل أن تدع معالجة قطع وثاقي عني.
قال الجرذ: وهذا مما يزيد أهل المودة لك والرغبة فيك رغبة ووداً.
ثم أخذ الجرذ في قرض الشبكة حتى فرغ منها، وانطلقت المطوقة وحمامها إلى مكانهن راجعات آمنات.[/grade]
فلما انتهت المطوقة بهن إلى الجرذ أمرت الحمام بالوقوع فوقعن، ووجدن حول جحر الجرذ منئة ثقب أعدها للمخاوف، وكان مجرباً للأمور داهية. فنادته المطوقة باسمه، وكان اسمه أيزك، فأجابها الجرذ من جحره قائلا: من أنت؟ قالت أنا خليلتك المطوقة. فأقبل إليها مسرعاً. فلما رآه في الشرك قال لها: ما أوقعك في هذه الورطة وأنت من الأكياس؟
قالت المطوقة: ألم تعلم ما يفعل الجهل في عقل المرء؟ فإن الغباوة أوقعتني في هذه الورطة، وهي التي رغّبتني في الحب وأعمت بصري عن الشرك حتى لججت في أنا وأصحابي. وليس أمري وقلة امتناعي من مصائب الدهر بعجيب، فقد لا ينجو منها من هو أقوى مني وأعظم شأناً. قد تًكسف الشمس والقمر إذا قضي عليهما ذلك، وقد تصاد الحيتان في الغمر ويستنزل الطير الذي يحول دون الحازم وطلبته.
ثم إن الجرذ أخذ بقرض العقد التي كانت فيها المطوقة. فقالت له المطوقة: ابدأ بعقد صواحبي ثم أقبل على عقدي. فأعادت عليه القول مرارا، كل ذلك والجرذ لا يلتفت إلى قولها، ثم قال لها: قد كررت علي هذه المقالة كأنك ليست لك بنفسك رحمة ولا ترين لها حقا.
فقالت المطوقة: لا تلمني على ما أمرتك به، فإنه لم يحملني على ذلك إلا أني تلكفت الرئاسة على جماعة هؤلاء الحمام، فلذلك لهن علي حق، وقد أدّين إليّ حقي في الطاعة والنصيحة، وبطاعتهن ومعونتهن نجّانا الله من صاحب الشرك. وتخوّفت، إن أنت بدأت بقطع عقدي، أن تملّ وتكسل عند فراغك من ذلك عن بعض ما بقي من عقدهن. وعرفت أنك، إن بدأت بهن وكنت أنا الآخرة، أنك لا ترضى، وإن أدركك الفتور والملل أن تدع معالجة قطع وثاقي عني.
قال الجرذ: وهذا مما يزيد أهل المودة لك والرغبة فيك رغبة ووداً.
ثم أخذ الجرذ في قرض الشبكة حتى فرغ منها، وانطلقت المطوقة وحمامها إلى مكانهن راجعات آمنات.[/grade]
ز
11-02-2007 | 09:32 AM
[grade="FFA500 FF6347 008000 4B0082"]فلما رآى الغراب صنيع الجرذ وتخليصه الحمام، رغب في مصادقة الجرذ وقال: ما أنا من مثل ما أصاب الحمام بآمن، ولا أنا عن الجرذ ومودته بغنىً.
فدنا من جحر الجرذ، ثم ناداه باسمه فأجابه الجرذ: من أنت؟
قال: أنا غراب كان من أمري كيت وكيت، وإني رأيت من أمرك ووفائك لأخلائك الحمام ما رأيت، فتبين لي صفاء ودّك وحسن صداقتك فرغبت في إخائك، وجئتك لذلك.
قال الجرذ: ليس بيني وبينك سبب تواصل، وإنما ينبغي للعاقل أن يطلب ما يجد إليه سبيلاً ويترك ما طلب ما لا يكون، لئلاً يعد جاهلاً فيشيه رجلاً أراد أن يجري السفن في البرّ والعجل على الماء. وكيف يكون بيني وبينك تواصل وإنما أنا طعام لك؟
قال الغراب: اعتبر بعقلك أن أكلي إياك، وإن كنت لي طعاماً، لا يغني عني شيئا، وأن بقاءك ومودتك أيسر لي وآمن ما بقيت. ولست حقيقاّ إذ جئت أطلب مودتك أن ترجعني خائباً، فإنه قد زهر لي حسن خلقك، وإن كنت لا تلتمس ظهوراً. فإن ذا العقل لا يخفى فضله وإن هو أخفى ذلك جهده، كالمسك الذي يكتم وختتم ثم لا يمنع ذلك ريحه من الفيوح، وعبيره من الانتشار. فلا تغلّبنّ عليك خلقك، ولا تمنعني ودّك وملاطفتك.
قال الجرذ: إن أشد العداوة عداوة الجوهر، وهما عداوتان: منها عداوة متحاذية متكافئة كعداوة الفيل والأسد، فإنه ربما قتل الأسد الفيل، وربما قتل الفيل الأسد. ومنها عداوة الجوهر يحصل ضرّها من أحد الجانبين على الآخر كعداوة ما بيني وبين السنّور وكعداوة ما بيني وبينك، فإن العداوة مني ليس بضر مني عليكما، ولكنها للضر عليّ منكما. وليس لعداوة الجوهر من صلح، فإن الماء، وإن أسخن وأطيل إسخانه، فليس يمنعه ذلك من إطفاء النار إذا صبّ عليها. وإنما صاحب المصالح كصاحب الحية يحملها في كمّه. وليس يستأنس العاقل إلى العدو، ولا يسترسل إليه، وإن كان عاقلاً آربيا.[/grade]
فدنا من جحر الجرذ، ثم ناداه باسمه فأجابه الجرذ: من أنت؟
قال: أنا غراب كان من أمري كيت وكيت، وإني رأيت من أمرك ووفائك لأخلائك الحمام ما رأيت، فتبين لي صفاء ودّك وحسن صداقتك فرغبت في إخائك، وجئتك لذلك.
قال الجرذ: ليس بيني وبينك سبب تواصل، وإنما ينبغي للعاقل أن يطلب ما يجد إليه سبيلاً ويترك ما طلب ما لا يكون، لئلاً يعد جاهلاً فيشيه رجلاً أراد أن يجري السفن في البرّ والعجل على الماء. وكيف يكون بيني وبينك تواصل وإنما أنا طعام لك؟
قال الغراب: اعتبر بعقلك أن أكلي إياك، وإن كنت لي طعاماً، لا يغني عني شيئا، وأن بقاءك ومودتك أيسر لي وآمن ما بقيت. ولست حقيقاّ إذ جئت أطلب مودتك أن ترجعني خائباً، فإنه قد زهر لي حسن خلقك، وإن كنت لا تلتمس ظهوراً. فإن ذا العقل لا يخفى فضله وإن هو أخفى ذلك جهده، كالمسك الذي يكتم وختتم ثم لا يمنع ذلك ريحه من الفيوح، وعبيره من الانتشار. فلا تغلّبنّ عليك خلقك، ولا تمنعني ودّك وملاطفتك.
قال الجرذ: إن أشد العداوة عداوة الجوهر، وهما عداوتان: منها عداوة متحاذية متكافئة كعداوة الفيل والأسد، فإنه ربما قتل الأسد الفيل، وربما قتل الفيل الأسد. ومنها عداوة الجوهر يحصل ضرّها من أحد الجانبين على الآخر كعداوة ما بيني وبين السنّور وكعداوة ما بيني وبينك، فإن العداوة مني ليس بضر مني عليكما، ولكنها للضر عليّ منكما. وليس لعداوة الجوهر من صلح، فإن الماء، وإن أسخن وأطيل إسخانه، فليس يمنعه ذلك من إطفاء النار إذا صبّ عليها. وإنما صاحب المصالح كصاحب الحية يحملها في كمّه. وليس يستأنس العاقل إلى العدو، ولا يسترسل إليه، وإن كان عاقلاً آربيا.[/grade]
ز
11-02-2007 | 09:37 AM
[grade="FFA500 FF6347 008000 4B0082"]قال الغراب: قد فهمت ما تقول، وأن حقيق أن تأخذ بفضل خليقتك وتعرف صدق مقالتي ولا تصعّب الأمر فيما بني وبينك بقولك: "ليس لنا إلى التواصل سبيل". فإن العقلاء الكرماء يبتغون إلى كل معروف وصلة وسبيلاً. والمودة بين الصالحين بطيء انقطاعها، سريع اتصالها. ومثل ذلك مثل الكوز من الذهب الذي هو بطيء الانكسار، هيّن الإعادة والإصلاح إن أصابه كسر. والمودة بين الأشرار سريع انقطاعهما، بطيء اتصالها، كالكوز من الفخار يكسره أدنى عيب، ثم لا وصل له أبدا. والكريم يود الكريم على لقاء واحد أو معرف يوم، واللئيم لا يصل أحداً إلا عن رهبة أو رغبة. وأنت كريم وأنا إلى ودك محتاج، وأنا لازم بابك وغير ذائق طعاما حتى تؤاخيني وتواصلني.
قال الجرذ: قد قبلت إخاءك. فإني لم أردد ذا حاجة قط عن حاجته، وإنما ابتدأتك بما ابتدأتك به للاعتذار عن نفسي. فإن أنت غدرت بي لا تقل: وجدت الجرذ ضعيف الرأي، سريع الانخداع.
ثم خرج من جحره، فقام عند الباب، فقال له الغراب: ما يحبسك عند باب الجحر؟ وما يمنعك من الخروج إلي والاستئناس بي؟ أفي نفسك ريبة بعد؟
قال الجرذ: إن أهل الدنيا يتعاطون بينهم أمرين، يتواصلون عليهما، وهما ذات النفس وذات اليد. فأما المتبادلون ذات النفس فهم الأصفياء المتخالصون. وأما المتبادلون ذات اليد فهم المتعاونون والمستمتعون الذين يستمع بعضهم بالانتفاع من بعض. ومن كان يصنع المعروف التماس الجزاء أو اكتساباً لبعض منافع الدنيا، فإنما مثله فيما يعطي ويمنع مثل الصياد وإلقائه الحب للطير لا يريد به نفعها، ولكن يريد نفع نفسه. فتعاطي ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد. فإني قد وثقت بذات النفس ومنحتك مثل ذلك من نفسي. وليس يمنعني من الخروج إليك سوء ظن، ولكني قد عرفت أن لك أصحاباً جوهرهم كجوهرك، وإنما رأيهم فيّ ليس كرأيك، فأنا أخاف أن يراني بعضهم معك فيهلكني.
قال الغراب: إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً، ولعدو صديقه عدوا، وإنه ليس لي بصاحب ولا صديق من لم يكن له محبا. وإنما تهون عليّ قطيعة من كان كذلك، لأن زارع الريحان إذا نبت في ريحانه شيء من النبات الذي يضرّ به ويفسده اقتلعه واقتلع من ريحانه معه.
ثم إن الجرذ خرج إلى الغراب، فتصافحا وتعانقا وتصافيا، واستأنس كل واحد منهما بصاحبه، فأقاما على ذلك أياما إلى ما شاء الله.
ومضت بينهما على ذلك مدة من الدهر، حتى قال الغراب يوماً للجرذ: إن جحرك قريب من طريق الناس، وأنا أخشى على نفسي من ذلك، وقد عرفت مكاناً ذات عزلة وخير وبركة، ولي فيه صديق من السلاحف، وهناك عين كثيرة السمك، وأنا واجد عندها ما آكل، وأريد أن أنطلق إليها فأعيش معها آمنا.[/grade]
قال الجرذ: قد قبلت إخاءك. فإني لم أردد ذا حاجة قط عن حاجته، وإنما ابتدأتك بما ابتدأتك به للاعتذار عن نفسي. فإن أنت غدرت بي لا تقل: وجدت الجرذ ضعيف الرأي، سريع الانخداع.
ثم خرج من جحره، فقام عند الباب، فقال له الغراب: ما يحبسك عند باب الجحر؟ وما يمنعك من الخروج إلي والاستئناس بي؟ أفي نفسك ريبة بعد؟
قال الجرذ: إن أهل الدنيا يتعاطون بينهم أمرين، يتواصلون عليهما، وهما ذات النفس وذات اليد. فأما المتبادلون ذات النفس فهم الأصفياء المتخالصون. وأما المتبادلون ذات اليد فهم المتعاونون والمستمتعون الذين يستمع بعضهم بالانتفاع من بعض. ومن كان يصنع المعروف التماس الجزاء أو اكتساباً لبعض منافع الدنيا، فإنما مثله فيما يعطي ويمنع مثل الصياد وإلقائه الحب للطير لا يريد به نفعها، ولكن يريد نفع نفسه. فتعاطي ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد. فإني قد وثقت بذات النفس ومنحتك مثل ذلك من نفسي. وليس يمنعني من الخروج إليك سوء ظن، ولكني قد عرفت أن لك أصحاباً جوهرهم كجوهرك، وإنما رأيهم فيّ ليس كرأيك، فأنا أخاف أن يراني بعضهم معك فيهلكني.
قال الغراب: إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً، ولعدو صديقه عدوا، وإنه ليس لي بصاحب ولا صديق من لم يكن له محبا. وإنما تهون عليّ قطيعة من كان كذلك، لأن زارع الريحان إذا نبت في ريحانه شيء من النبات الذي يضرّ به ويفسده اقتلعه واقتلع من ريحانه معه.
ثم إن الجرذ خرج إلى الغراب، فتصافحا وتعانقا وتصافيا، واستأنس كل واحد منهما بصاحبه، فأقاما على ذلك أياما إلى ما شاء الله.
ومضت بينهما على ذلك مدة من الدهر، حتى قال الغراب يوماً للجرذ: إن جحرك قريب من طريق الناس، وأنا أخشى على نفسي من ذلك، وقد عرفت مكاناً ذات عزلة وخير وبركة، ولي فيه صديق من السلاحف، وهناك عين كثيرة السمك، وأنا واجد عندها ما آكل، وأريد أن أنطلق إليها فأعيش معها آمنا.[/grade]
ز
11-02-2007 | 09:39 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال الجرذ: وأنا أحب أن أنطلق معك فإني لمكاني هذا كاره.
قال الغراب: وما تكره من مكانك؟
قال الجرذ: إن لي أخباراً وقصصاً سأقصها عليك لو انتهينا إلى المكان الذي تريد.
فأخذ الغراب بذنب الجرذ، فطار به حتى بلغ حيث أراد. فلما دنا من المكان الذي فيه السلحفاة، ورأت السلحفاة غراباً ومعه جرذ ذعرت منه، ولم تعلم أنه صاحبها، فغاصت في الماء، فوضع الغراب الجرذ، وقعد على شجرة فنادى السلحفاة باسمها، فعرفت صوته وخرجت إليه، ورحّبت به وسألته من أين أقبل. فأخبرها الغراب بقصته وقصة الصياد حين تبع الحمام، وخلاص المطوقة بواسطة الجرذ، وما كان من أمره بعد ذلك وأمر الجرذ حتى انتهينا إليها.
فلما سمعت السلحفاة شأن الجرذ تعجبت من عقله ووفائه، ورحبت به وقالت: ما ساقك إلى هذه الأرض؟
فقال الغراب للجرذ: ارو لنا الأخبار والقصص التي زعمت أنك تحدثني بها فاقصصها الآن إذ سألتك السلحفاة عنها، فإن السلحفاة منك بمثل منزلتي.[/grade]
قال الغراب: وما تكره من مكانك؟
قال الجرذ: إن لي أخباراً وقصصاً سأقصها عليك لو انتهينا إلى المكان الذي تريد.
فأخذ الغراب بذنب الجرذ، فطار به حتى بلغ حيث أراد. فلما دنا من المكان الذي فيه السلحفاة، ورأت السلحفاة غراباً ومعه جرذ ذعرت منه، ولم تعلم أنه صاحبها، فغاصت في الماء، فوضع الغراب الجرذ، وقعد على شجرة فنادى السلحفاة باسمها، فعرفت صوته وخرجت إليه، ورحّبت به وسألته من أين أقبل. فأخبرها الغراب بقصته وقصة الصياد حين تبع الحمام، وخلاص المطوقة بواسطة الجرذ، وما كان من أمره بعد ذلك وأمر الجرذ حتى انتهينا إليها.
فلما سمعت السلحفاة شأن الجرذ تعجبت من عقله ووفائه، ورحبت به وقالت: ما ساقك إلى هذه الأرض؟
فقال الغراب للجرذ: ارو لنا الأخبار والقصص التي زعمت أنك تحدثني بها فاقصصها الآن إذ سألتك السلحفاة عنها، فإن السلحفاة منك بمثل منزلتي.[/grade]
ز
11-02-2007 | 09:43 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قصة الجرذ والناسك
بدأ الجرذ في قصصه وقال: كان أول منزل نزلته في مدينة من المدائن في بيت رجل من النساك. ولم يكن للناسك عيال. وكان يُؤتى كل يوم بسلة من الطعام، فيأكل منها حاجته ثم يضع بقية الطعام فيها ويعلقها في البيت. فكنت أرصد الناسك حتى يخرج، فإذا خرج وثبت إلى السلة فلم أدع فيها طعاماً إلا أكلته، ورميت به غلى الجرذان. وجهد الناسك مراراً ليعلق تلك السلة معلّقاً لا أناله فلم يقدر على ذلك. ثم إن ضيفاً نزل بالناسك ذات ليلة فتعشيا جميعاً، حتى إذا كان عهد الحديث قال الناسك للضيف: من أي أرض أنت وأين توجهك الآن؟ وكان الضيف رجلاً قد طاف الأرض، ورأى العجائب فأخذ يحدث الناسك بما وطئ من البلدان ورأى من الأمور. وجعل الناسك من خلال ذلك يصفق بيديه أحياناً لينفّرني عن السلة. فغضب الضيف وقال: أحدثك وتصفّق كأنك تهزأ بحديثي، فما حملك على أن تسألني؟ فاعتذر الناسك للضيف وقال: إني قد أنصت لحديثك، ولكني قد صفّقت لأنفّر الجرذان عن سلة طعامي، ولقد تحيّرت في أمرها. لست أضع في البيت طعاماً إلا أكلته.
قال الضيف: أجرذ واحد هو أم أكثر؟
قال الناسك: بل جرذان كثيرة، وفيها جرذ واحد هو الذي غلبني فلا أستطيع له حيلة.
قال الضيف: ما هذا الأمر؟ إنه ليذكرني قول الرجل الذي قال لامرأته: لأمر ما باعت هذه المرأة السمسم مقشوراً بغير مقشور.
قال الناسك: وكيف كان ذلك؟[/grade]
بدأ الجرذ في قصصه وقال: كان أول منزل نزلته في مدينة من المدائن في بيت رجل من النساك. ولم يكن للناسك عيال. وكان يُؤتى كل يوم بسلة من الطعام، فيأكل منها حاجته ثم يضع بقية الطعام فيها ويعلقها في البيت. فكنت أرصد الناسك حتى يخرج، فإذا خرج وثبت إلى السلة فلم أدع فيها طعاماً إلا أكلته، ورميت به غلى الجرذان. وجهد الناسك مراراً ليعلق تلك السلة معلّقاً لا أناله فلم يقدر على ذلك. ثم إن ضيفاً نزل بالناسك ذات ليلة فتعشيا جميعاً، حتى إذا كان عهد الحديث قال الناسك للضيف: من أي أرض أنت وأين توجهك الآن؟ وكان الضيف رجلاً قد طاف الأرض، ورأى العجائب فأخذ يحدث الناسك بما وطئ من البلدان ورأى من الأمور. وجعل الناسك من خلال ذلك يصفق بيديه أحياناً لينفّرني عن السلة. فغضب الضيف وقال: أحدثك وتصفّق كأنك تهزأ بحديثي، فما حملك على أن تسألني؟ فاعتذر الناسك للضيف وقال: إني قد أنصت لحديثك، ولكني قد صفّقت لأنفّر الجرذان عن سلة طعامي، ولقد تحيّرت في أمرها. لست أضع في البيت طعاماً إلا أكلته.
قال الضيف: أجرذ واحد هو أم أكثر؟
قال الناسك: بل جرذان كثيرة، وفيها جرذ واحد هو الذي غلبني فلا أستطيع له حيلة.
قال الضيف: ما هذا الأمر؟ إنه ليذكرني قول الرجل الذي قال لامرأته: لأمر ما باعت هذه المرأة السمسم مقشوراً بغير مقشور.
قال الناسك: وكيف كان ذلك؟[/grade]
ز
11-02-2007 | 09:47 AM
مثل البائعة السمسم المقشور بغير المقشور
قال الضيف: نزلت مرة على رجل بمدينة كذا وكذا، فتعشّيا ثم فرش لي وانقلب الرجل وزوجته إلى فراشهما، وبيني وبينهما خُصّ من قصب. فسمعت الرجل وامرأته في بعض الليل يتكلمان، فإذا الرجل يقول لامرأته: أريد أن أدعو غداً رهطاً ليأكلوا عندنا. فقالت امرأته: كيف تدعو الناس إلى طعامك وليس في يديك فضل عن عيالك، وأنت رجل لا تستبقي شيئاً ولا تذّخره. قال الرجل: لا تندمي على شيء أنفقناه وأطعمناه، فإن الجمع والإذّخار ربما كانت عاقبة صاحبه كعاقبة الذئب.
قالت المرأة: وكيف كان شأن الذئب؟
قال الضيف: نزلت مرة على رجل بمدينة كذا وكذا، فتعشّيا ثم فرش لي وانقلب الرجل وزوجته إلى فراشهما، وبيني وبينهما خُصّ من قصب. فسمعت الرجل وامرأته في بعض الليل يتكلمان، فإذا الرجل يقول لامرأته: أريد أن أدعو غداً رهطاً ليأكلوا عندنا. فقالت امرأته: كيف تدعو الناس إلى طعامك وليس في يديك فضل عن عيالك، وأنت رجل لا تستبقي شيئاً ولا تذّخره. قال الرجل: لا تندمي على شيء أنفقناه وأطعمناه، فإن الجمع والإذّخار ربما كانت عاقبة صاحبه كعاقبة الذئب.
قالت المرأة: وكيف كان شأن الذئب؟
ز
11-02-2007 | 09:52 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]باب القرد والغيلم
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت مثل الرجل المغترّ بالعدوّ والأريب المبدي التضرع والملق يريد بهما المكر والخديعة وما أصابه، فاضرب لي إن رأيت مثل الرجل الذي يطلب الحاجة حتى إذا ظفر بها أضاعها.
قال الفيلسوف: إن إصابة الحاجة أهون من الاحتفاظ بها. ومن ظفر بأمر لم يحسن الاحتفاظ به أضاع ما أصاب، كالغيلم الذي طلب قلب القرد فلما استمكن منه أضاعه.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أن جماعة من القرود كان لها ملك يقال له قاردين، فطال عمره حتى أنحله الهرم. فوثب عليه قرد شاب من شبان رهطه فقال: قد هرم هذا وليس يقوى على الملك ولا يصلح له. ووافقه على ذلك جنده فنفوا الهرم عن ملكهم وملّكوا الشاب. فانطلق الهرم حتى لحق بالساحل فانتهى إلى شجرة من تين نابتة على حافة البحر، فجعل يأكل من تينها، فسقطت من يده تينة في الماء وفي الماء غيلم، وهو السلحفاة الذكر، عند مسقط التينة فأخذها وأكلها. ولما سمع القرد للتين وقعاً في الماء أعجبه ذلك فأولع بإلقاء التين في الماء. وجعل الغيلم يأخذه فيأكله ولا يشك أن القرد إنما يطرح ذلك التين من أجله. فخرج الغيلم إلى القرد فتصافحا وتصافيا وتصادقا وألف كلّ واحد منهما صاحبه. فلبثا زماناً لا ينصرف الغيلم إلى أهله فحزنت زوجته لغيبته، وشكت ذلك إلى جارة لها، قالت: قد خفت أن يكون عرض له عارض شرّ.
قالت لها صديقتها: لا تحزني فإنه قد بلغني أن زوجك بالساحل مع قرد أليفة. فهما يأكلان ويشربان جميعاً، قد ألهاهما الأمر، فلذلك طالت غيبته عنك فانسَيه ولا يهن عليك إذ هنت عليه، وإن استطعت أن تحتالي للقرد فتهلكيه فافعلي، فإن القرد إذ هلك أقام عندك زوجك.
فأسحتَت زوجة الغيلم لونها وضعّفت نفسها حتى أصابتها نهكة شديدة وهزال. ثم إن الغيلم اشتاق إلى أهله فقال بعد حين: لألمّنّ بأهلي فقد طالت غيبتي. فأتى منزله فوجد زوجته سيئة الحال. فقال: يا حبّ كيف أنت ومال أراك منهوكة؟ فلم تجبه. فأعاد عليها المسألة فأجابت عنها جارتها فقالت: ما أشد حال زوجتك! أمّا مرضها فشديد، وأما دواؤها فعزيز الوجود. فهل لشدة الداء وعدم الدواء إلا الموت. فقال الغيلم: أخبريني بالدواء لعلي ألتمسه حيث كان. قالت الجارة: هذا المرض نحن معشر الغيلم أعلم به وليس له دواء إلا أن يؤخذ له قلب قرد فيُداوا به.
قال الغيلم في نفسه: هذا امر عسير، من أين أقدر على قلب قرد إلا قلب صديقي. أفأغدر به وإثم الغدر شديد. ولكن أليس هلاك الزوجة أشد من ذلك؟ فكيف أهلك زوجتي وهذا أمر لا عذر لي فيه. ثم قال: إذا لم يستطع الرجل عظيماً إلا باحتمال صغير كان حقيقاً أن لا يلتفت إلى الصغير، وحق الزوجة عظيم لأنها عون على أمور الدنيا والآخرة، وأنا حقيق أن أوثرها ولا أضيع حقها.[/grade]
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت مثل الرجل المغترّ بالعدوّ والأريب المبدي التضرع والملق يريد بهما المكر والخديعة وما أصابه، فاضرب لي إن رأيت مثل الرجل الذي يطلب الحاجة حتى إذا ظفر بها أضاعها.
قال الفيلسوف: إن إصابة الحاجة أهون من الاحتفاظ بها. ومن ظفر بأمر لم يحسن الاحتفاظ به أضاع ما أصاب، كالغيلم الذي طلب قلب القرد فلما استمكن منه أضاعه.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أن جماعة من القرود كان لها ملك يقال له قاردين، فطال عمره حتى أنحله الهرم. فوثب عليه قرد شاب من شبان رهطه فقال: قد هرم هذا وليس يقوى على الملك ولا يصلح له. ووافقه على ذلك جنده فنفوا الهرم عن ملكهم وملّكوا الشاب. فانطلق الهرم حتى لحق بالساحل فانتهى إلى شجرة من تين نابتة على حافة البحر، فجعل يأكل من تينها، فسقطت من يده تينة في الماء وفي الماء غيلم، وهو السلحفاة الذكر، عند مسقط التينة فأخذها وأكلها. ولما سمع القرد للتين وقعاً في الماء أعجبه ذلك فأولع بإلقاء التين في الماء. وجعل الغيلم يأخذه فيأكله ولا يشك أن القرد إنما يطرح ذلك التين من أجله. فخرج الغيلم إلى القرد فتصافحا وتصافيا وتصادقا وألف كلّ واحد منهما صاحبه. فلبثا زماناً لا ينصرف الغيلم إلى أهله فحزنت زوجته لغيبته، وشكت ذلك إلى جارة لها، قالت: قد خفت أن يكون عرض له عارض شرّ.
قالت لها صديقتها: لا تحزني فإنه قد بلغني أن زوجك بالساحل مع قرد أليفة. فهما يأكلان ويشربان جميعاً، قد ألهاهما الأمر، فلذلك طالت غيبته عنك فانسَيه ولا يهن عليك إذ هنت عليه، وإن استطعت أن تحتالي للقرد فتهلكيه فافعلي، فإن القرد إذ هلك أقام عندك زوجك.
فأسحتَت زوجة الغيلم لونها وضعّفت نفسها حتى أصابتها نهكة شديدة وهزال. ثم إن الغيلم اشتاق إلى أهله فقال بعد حين: لألمّنّ بأهلي فقد طالت غيبتي. فأتى منزله فوجد زوجته سيئة الحال. فقال: يا حبّ كيف أنت ومال أراك منهوكة؟ فلم تجبه. فأعاد عليها المسألة فأجابت عنها جارتها فقالت: ما أشد حال زوجتك! أمّا مرضها فشديد، وأما دواؤها فعزيز الوجود. فهل لشدة الداء وعدم الدواء إلا الموت. فقال الغيلم: أخبريني بالدواء لعلي ألتمسه حيث كان. قالت الجارة: هذا المرض نحن معشر الغيلم أعلم به وليس له دواء إلا أن يؤخذ له قلب قرد فيُداوا به.
قال الغيلم في نفسه: هذا امر عسير، من أين أقدر على قلب قرد إلا قلب صديقي. أفأغدر به وإثم الغدر شديد. ولكن أليس هلاك الزوجة أشد من ذلك؟ فكيف أهلك زوجتي وهذا أمر لا عذر لي فيه. ثم قال: إذا لم يستطع الرجل عظيماً إلا باحتمال صغير كان حقيقاً أن لا يلتفت إلى الصغير، وحق الزوجة عظيم لأنها عون على أمور الدنيا والآخرة، وأنا حقيق أن أوثرها ولا أضيع حقها.[/grade]
ز
11-02-2007 | 09:59 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]ثم غدا نحو القرد في نفسه ما يريد به وهو هاجس يقول: إن إهلاكي أخاً وفياً وصولاً بلا سبب لمن الأمور التي يُخاف عواقبها. ولما عاد إلى الساحل ورآه القرد حيّاه وقال له: ما حبسك يا أخي عني هذه المدة؟
قال الغيلم: إن مما بطّأني عنك مع شوقي إليك الحياء منك والاحتشام لقلة مكافأتي إياك لحسن بلائك عندي ومعروفك إليّ. فإني وإن كنت قد عرفت أنك لا تلتمس مني جزاء لمعروفك فإني مع ذلك قد أرى حقا عليّ التماس مكافأتك. فأما أنت فإن خلقك خلق الكرام الذين ينيلون الخير من لم ينلهم إياه فيما مضى ولا يرجونه فيما بقي، الذين لا يمنّون بمعروف أدوه ولا يستكثرون جزاءً جزوا به، الذين يسرعون إلى معونة المحتاج.
فقال القرد: لا تقولن لي هذا ولا تحتشمنّ مني. فإنت أنت الذي جمعت فيما بيني وبينك الأمرين جميعاً وابتدأت بما يجب لك به المكافأة. ألم أسقط إليك من قومي طريداً شريداً وحيداً فكنت لي سكناً وإلفاً أذهب الله بك عني الهمّ والحزن؟
قال الغيلم: إن أموراً ثلاثة يزداد بها لطف ما بين الإخوان واسترسال بعضهم إلى بعض، وهي أفضل ما يلتمسه المرء من أخلائه، وهي أن يغشوا منزله وينالوا من طعامه وشرابه ويعرفوا أهله وولده وجيرانه. ولم يجر بيني وبينك من ذلك شيء، وقد أحببت أن تتمّ بها إحسانك إليّ وتشرّف منزلي.
قال القرد: إنما ينبغي للصديق أن يلتمس من صديقه ذات نفسه ومودته. فأما الزيارة والنظر إلى الأهل والحشم والمؤاكلة فليس تحتها كبير أمر.[/grade]
قال الغيلم: إن مما بطّأني عنك مع شوقي إليك الحياء منك والاحتشام لقلة مكافأتي إياك لحسن بلائك عندي ومعروفك إليّ. فإني وإن كنت قد عرفت أنك لا تلتمس مني جزاء لمعروفك فإني مع ذلك قد أرى حقا عليّ التماس مكافأتك. فأما أنت فإن خلقك خلق الكرام الذين ينيلون الخير من لم ينلهم إياه فيما مضى ولا يرجونه فيما بقي، الذين لا يمنّون بمعروف أدوه ولا يستكثرون جزاءً جزوا به، الذين يسرعون إلى معونة المحتاج.
فقال القرد: لا تقولن لي هذا ولا تحتشمنّ مني. فإنت أنت الذي جمعت فيما بيني وبينك الأمرين جميعاً وابتدأت بما يجب لك به المكافأة. ألم أسقط إليك من قومي طريداً شريداً وحيداً فكنت لي سكناً وإلفاً أذهب الله بك عني الهمّ والحزن؟
قال الغيلم: إن أموراً ثلاثة يزداد بها لطف ما بين الإخوان واسترسال بعضهم إلى بعض، وهي أفضل ما يلتمسه المرء من أخلائه، وهي أن يغشوا منزله وينالوا من طعامه وشرابه ويعرفوا أهله وولده وجيرانه. ولم يجر بيني وبينك من ذلك شيء، وقد أحببت أن تتمّ بها إحسانك إليّ وتشرّف منزلي.
قال القرد: إنما ينبغي للصديق أن يلتمس من صديقه ذات نفسه ومودته. فأما الزيارة والنظر إلى الأهل والحشم والمؤاكلة فليس تحتها كبير أمر.[/grade]
ز
11-02-2007 | 10:04 AM
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال الغيلم: قد صدقت. لعمري ما يلتمس الصديق من صديقه إلا المودة. فأما من كان يلتمس منافع الدنيا فهو حقيق أن ينقطع ما بينه وبين إخوانه. وقد كان يقال: لا تكثّرنّ الرجل على إخوانه حمل المؤونات حتى يؤذيهم ويبرمهم. فإنّ عجل البقرة إذا كثر مصه ضرعها وإفراطه أوشكت أن تصرفه وتنفيه. ولم أذكر ما ذكرت إلا لكوني أعرف منك الكرم والسعة في الخلق. وبهذا قد أحببت أن تزورني في منزلي. فإني في جزيرة كثيرة الشجر طيبة الفواكه، فأسعفني بطلبتي واركب ظهري لتنطلق إلى منزلي.
فرغت القرد الذهاب معه لما ذكره من الفواكه، وتابع الغيلم على ما سأل وركب ظهره وسبح به الغيلم، حتى إذا لجّ به عرض في نفسه قبح ما يريد به وفجوره وغدره، ووقف مفكّراً يقول في نفسه: إن الأمر الذي هممت به كفر وغدر، وما الإناث أهل أن يرتكب لهن الغدر واللؤم، فإنهن لا يوثق بهن ولا يسترسل إليهن.
وقد قيل: إن الذهب يعرف بالنار، وأمانة الرجل تعرف بالأخذ والإعطاء، وقوة الدواب الحمل، والنساء يعرفن بكيدهن وكثرة حيلهن.
قال القرد: ما لك لا تسير؟
قال الغيلم: أفكّر في زوجتي وقد بلغني أنها مريضة. وذلك يمنعني من كثير مما أريد أن أبلغه من كرامتك وملاطفتك.
قال القرد: إن الذي أعرف من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف.
قال الغيلم: أجل، ومضى بالقرد ساعة، ثم توقف به ثانية.[/grade]
فرغت القرد الذهاب معه لما ذكره من الفواكه، وتابع الغيلم على ما سأل وركب ظهره وسبح به الغيلم، حتى إذا لجّ به عرض في نفسه قبح ما يريد به وفجوره وغدره، ووقف مفكّراً يقول في نفسه: إن الأمر الذي هممت به كفر وغدر، وما الإناث أهل أن يرتكب لهن الغدر واللؤم، فإنهن لا يوثق بهن ولا يسترسل إليهن.
وقد قيل: إن الذهب يعرف بالنار، وأمانة الرجل تعرف بالأخذ والإعطاء، وقوة الدواب الحمل، والنساء يعرفن بكيدهن وكثرة حيلهن.
قال القرد: ما لك لا تسير؟
قال الغيلم: أفكّر في زوجتي وقد بلغني أنها مريضة. وذلك يمنعني من كثير مما أريد أن أبلغه من كرامتك وملاطفتك.
قال القرد: إن الذي أعرف من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف.
قال الغيلم: أجل، ومضى بالقرد ساعة، ثم توقف به ثانية.[/grade]