كليله ودمنه اللي ماقراته يفوتها نص عمرها

زهرة الربيع3 08-02-2007 81 رد 8,837 مشاهدة
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]يا نفس لا تغتري بصحبة أحبائك وأخلائك ولا تحرصي على ذلك كل الحرص فإن صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة الأذى والأحزان، ثم يختم ذلك بعاقبة الراق. ومثله مثل المغرفة التي لا تستعمل في سخونة المرق في جدتها. فإذا انكسرت صارت عاقبة أمرها إلى أن تحرق بالنار. فأمرت نفسي وخيّرتها الأمور الأربعة التي إياها يطلب الناس وإليها يسعون فقلت: ينبغي لمثلي في مثل العلم أن يطلب أيها أفضل: المال أم اللذات أم الصّون أم أجر الآخرة.

فاستدللت على الخيار من ذلك أني وجدت الطب محموداً عند العقلاء، ولم أجده مذموماً عند أحد من أهل الأديان والملل. ووجدت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب على طبه لا يبتغي بذلك إلا أجر الآخرة. فرأيت أن أواظب على الطب ابتغاء أجر الآخرة ولا أبتغي بذلك ثمناً وأكون كالتاجر الخاسر الذي باع ياقوتة كان مصيبا بثمنها غنى الدهر بخرزة لا تساوي شيئا. مع أني قد وجدت في كتب الأولين أن الطبيب الذي يبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك من حظه في الدنيا وأن مثله في ذلك مثل الزارع الذي إنما يحرث أرضه ويعمرها ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب، ثم هي لا محالة نابت فيها ألوان العشب.

فأقبلت على مداواة المرضى. فلم أدع مريضا أرجو له البرء ولا آخر لا آرجو له البرء إلا أني أطمع له في خفة الوجع والأذى إلا بلغت في مداواته جهدي. ومن قدرت على القيام قمت عليه ومن لم أقدر على القيام عليه وصفت له وأمرته وأعطيته ما يتعالج به من الدواء ولم أرد على ذلك أجرة ولا مكافأة. ولم أغبط من نظرائي ومن هو مثلي في العلم وفوقي من المال والجاه أحداً لغير ذلك ممن له صلاح وحسن سيرة.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]يا نفس لا يحملنك أهلك وأقاربك على جميع ما تهلكين في جمعه إرادة لصلتهم ورضاهم فإذا أنت كالدخنة الطيبة التي تحرق بالنار ويذهب بعرفها آخرون.

يا نفس لا تغتري بالغنى والمنزلة التي ينظر إليها أهلها، فإن صاحب ذلك لا يبصر صغير ما يستعظم حتى يفارقه فيكون كشعر الرأس الذي يخدمه صاحبه ما دام على الرأس فإذا فارق رأسه استقذره ونفر منه.

يا نفس داومي على مداواة المرضى ولا تقلعي عن ذلك أن تقولي للطب مؤونة شديدة والناس لها ولمنافع الطب جهال. ولكن اعتبري برجل يفرج عن رجل كربه ويستنقذه منه حتى يعود بعده إلى ما كان فيه من الروح والسعة ما أخلقه لعظم الأجر وحسن الثواب. فإن كان الذي يفعل هذا برجل واحد يرجو ذلك كله فكيف الطبيب الذي يداوي العدة التي لا يعلمها إلا الله ابتغاء الأجر، فيصيرون بعد الأوجاع والأسقام الحائة بينهم وبين الدنيا ولذتها ونعيمها وطعامها وشرابها وأزواجها وأولادها إلى أحسن ما كانوا يكونون عليه من حال دنياهم. إن هذا لخليق أن يعظم رجاؤه ويثق بحسن الثواب على عمله.

يا نفس لا يبعدن عليك أمر الأخرة فتميلي إلى العاجلة فتكوني في استعمال القليل وبيع الكثير باليسير كالتاجر الذي زعموا أنه كان له ملء بيت من الصندل فقال: إن بعته موزونا طال علي، فباعه جزافاً بأخس الأثمان.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]فلما خاصمت نفسي بهذا وآخذتها به وبصّرتها إياه لم تجد عنه مذهباً فاعترفت وأقرّت ولهت عما كانت تنزع إليه، وقامت على مداواة المرضى ابتغاء أجر الآخرة. فلم يمنعني ذلك أن أصبت حظا عظيما من الملوك قبل أن آتي الهند، وبعد رجوعي إلى ما نلت من الأكفاء والإخوان فوق الذي كان طمعي فيه وتجمح إليه نفسي وفوق ما كنت له آهلا.

ثم نظرت في الطب فوجدت الطبيب لا يستطيع أن يداوي المريض من مرضه بدواء يزيل عنه داءه فلا يعود إليه أبداً وغيره من الأدواء. والداء لا يؤمن عوده أو أشد منه. ووجدت عمل الآخرة هو الذي يسلم من الأدواء كلها سلامة فلا تعود إليه بعد ذلك فاستخففت في الطب ورغبت في الدين.

فلما وقع ذلك في نفسي اشتبه علي أمر الدين ولم أجد في الطب ذكراً لشيء من الأديان ولم يدلّني على أهداها وأصوبها. ووجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم وآخرين خائفين مكرهين عليها وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها ومعيشتها، وكلهم يزعم أنه على صواب وهدى فاستبان لي أنهم بالهوى يحتجون وبه يتكلمون لا بالعدل. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة وكلاً على كل راد وله عدو ومغتاب ولقوله مخالف.

فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلاً وعلمت أني إن صدّقت منهم أحدا بما لا علم لي به أكن مثل المصدق المخدوع.

** [/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]كليله ودمنه
باب الفحص عن أمر دمنة

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت حديثك في محال العدو المحتال كيف أفسد اليقين بالشبهة حتى أزال المودة وأدخل العداوة، فحدثني إن رأيت كيف اطلع الأسد على ذنب دمنة حتى قتله وكيف كانت معاذيره ومدفعه عن نفسه.

قال بيدبا الفيلسوف: إنا وجدنا في كتب خبر دمنة أن الأسد لما قتل شتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمر كان من أكرم أصحابه عليه، وأخصّم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسد بعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبة والحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأةٌ من الليل. ثم خرج من عنده منصرفا إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد فدنا النمر من منزلهما ليصيب قبساً يستضيء به وكانا مترافقين.

فسمع النمر محاورتهما ونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّح له رأيه وفعله ويعظّم له جرمه ويوبّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هيجت بين الأسد والثور من العداوة بعد المودة والفرقة بعد الألفة والشحناء بعد السلامة بسخافة عقلك وقلة وفائك لمظهر أمرك ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستوبل عاقبته وتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجلُه واستحليت فروعه مرّ العاقبة بعيد المهواة وخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسي من معرّتك وشرهك وغدرك. وقد قالت العلماء: اجتنب أهل الريبة لئلا تكون مريباً. فإني تارك مقارنتك ومتباعد منك ومغترب عنك لسوء أخلاقك التي بها أنشبت العداوة بين الملك ووزيره الناصح المأمون، فلم تزل بتشبيهك وتمويهك بالباطل حتى حملته على القسوة وأورطته الورطة فقتله مظلوماً بريئاً.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال دمنة: قد وقع من الأمر ما لا مردّ له فدع تضييق الأمور عليّ وعلى نفسك فإني سأعمل في التغييب عن موقع الأمر في نفس الأسد. فقد كرهت ما مضى مني. والحسد والحرص حملاني على ما صنعت.

فلما سمع النمر ذلك من كلامهما انصرف خفيّاً مسرعاً حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليها عهداّ ألا تفشي سرّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة على وجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.

فلما أصبحت أم الأسد أقبلت حتى دخلت على الأسد فوجدته مكتئباً حزيناً لقتله شتربة فقالت: إن حزنك غير رادّ عليك مدبراً ولا سائق إليك نفعاً، وأنت غنيّ عن أن تجعله للبلاء عوناً عليك فتضعف به فؤادك وتنهك به جسمك وتحمل به المضرة على نفسك، وأنت بحمد الله بتحصيل الأمور رفيق بصير بصادرها وواردها. فإن علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنك لا تُرجع به مدبراً ولا تسوق به إليك نفعاً فارغب عنه وانظر فيما يعود عليك نفعه. وإن اعتبار ما بلغك عن شتربة حتى يصحّ لك حقيق ذلك من باطله ليسير.
فقال الأسد: فكيف لي بذلك؟

قال أم الأسد: إن العلماء قد قالوا من أراد أن يعرف محبه من مبغضه وعدوه من صديقه فليعتبر ذلك من نفسه. فإن الناس على مثل ذلك له كما هو عليه لهم وإن أقنع ما شهد على امرئ نفسه. فلنا من قولك دليل على أن قلبك يشهد عليك بأنك عملت ما عملت بغير علم ولا يقين. وذلك فاعلم أنه رأس الخطأ. ولو كنت حين بلغك عن الثور ما بلغك كففت نفسك وملكت غيظك ثم عرضت ما بلغك عنه على قلبك بحسن النظر لاكتفيت بقلبك دليلاً على تكذيب ما أتاك عنه، لأن القلوب تتكافأ فيما يتلاقى بعضها من بعض في سرّها وعلانيتها. فقس أمرك وأمر الثور بموقع أمر كان في نفسك جنايته وموقعه اليوم بعد موته.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]فقال الأسد: لقد أكثرت الفكر وحرصت على التجني على الثور بعد قتلي إياه لعلي آخذه في ذنب واحد كان فيما بيني وبينه أقوّي به تهمتي فما يزداد ظني به إلا حسناً وله وداً. ولست أتذكّر منه شرارة خلق أقول هي حملته على أن ابتدأني بالحسد ولا نقص رأي أتهمه به على طلب مغالبتي، ولا أتذكر مني إليه أمراً سيئاً أرى أنه دعاه إلى عداوتي. فإني أحب أن أفحص عن أمره وأبالغ في البحث عنه وإن كنت أعرف أن ذلك غير مصلح ما فرط مني. ولكني أحب أن أعرف موقعي الذي أنا عليه فيما صنعت من الخطأ أو الصواب. فأخبريني هل سمعت من أمره شيئاً تذكرينه لي.

قالت أم الأسد: نع قد بلغني أمر استكتمنيه بعض أهلك. ولولا ما قالت العلماء في إذاعة السر والتضييع للأمانات وأنت تترك ما لا نفع فيه وما منجى لأخبرتك بما علمت.

قال الأسد: إن العلماء لأقاويلهم وجوه كثيرة ومعان مختلفة وأحوال متصرفة، وليس في كل الوجوه أمر بالكتمان ولكل أمر موضع وخبر. فإذا كان في موضعه صلح العمل به ونفع، وإن كان في غير موضعه ضر وأفسد. فمما تعظم مضرّته ولا يرضى استقالته كتمان ما ينبغي له أن يعلن عذراً في إسراره ولا سعة في السكوت عنه. فإني أرى أن مطلعك عليه قد ألقى على نفسك وزره وحمّلك خيره وشرّه وأنت حقيقة بإظهاره، وحمله الوجل على نفسه من كتمانه، فألقي ما استودعت منه عنك بإفشائه إليّ وإظهاره.

قالت أم الأسد: قد عرفت الذي قلت وإنه كما قلت وإن كان في ما ذكرت ما يحملن يعلى كثير من الكلام لعلمي بموقع هذا الأمر في نفسك. فلا أراك إن كنت على ما أرى من الرأي أن يمنعك من العزم والمبالغة في نكال أهل الجريمة والغدر في اعتقاد الألفة والثقة والتصديق. فحدثني إن كان في نفسك مني حرج.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال الأسد: ما في نفسي حرج ولا أنتِ عندي نمّامة ولا أنا في نصحك مرتاب ولا أرى عليك في ذلك من ضرر في إفشاء ذلك الأمر إليّ.

قالت أم الأسد: بل ضرر منه عليّ في خلال ثلاث: أما واحدة فانقطاع ما بين وبين صاحب هذا السر من المودة لإباحتي بسره، وأما الأخرى فخيانتي لما استُحفظت من الأمانة، وأما الثالثة فوجل من كانوا يسترسلون إلي قبل اليوم مني وقطعهم أسرارهم عني.
قال الأسد: الأمر على ما قلت وما أنا عمّا كرهت بالمفتش، وما يختلج في صدري الارتياب بنصحك، فأخبرني بجملة الأمر إن كرهت أن تخبريني باسم صاحب السر ما أسرّ إليك منه.

فأخبرته بجملة ذلك الحديث ولم تسمّ من ذكره لها. وكان فيما قالت أن قالت: إنه لا ينبغي للولاة والرؤساء استبقاء الخونة الفجرة أهل الغدر والنميمة والمحال والإفساد بين الناس بفساد صلاحهم. وأول من نفى عن الناس من يفسدهم وساق إليهم من يصلحهم القادة المتولّون لأمورهم. وأنت بقتل دمنة حقيق، فإنه قد كان يقال: إن إفساد أجلّ الأشياء من قبل خصلتين: إذاعة السر وائتمان أهل الغدر. وإن الذي أنشب العداوة بينك وبين شتربة أنصح الوزراء وخير الإخوان حتى قتلته غدر دمنة وجهالته ومكره وخيانته. وقد اطلعت على مكنونه وبدا لي ما كان يُخفي عليك وعلمته نحو ما كان يذكر من حديثه إياك قبل اليوم. فالراحة لك ولجندك وإن ظهر منه ما كان يكتم وعلن منه ما كان يبطن بقتله، فاقتله عقوبة لجريمته وإبقاءً على جندك فيما يُستقبل من شرّه. فإنه ليس على مثلها إن انتعش بمأمون. ولعلك أيها الملك أن ترْكن إلى ما أُمر به الملوك من العفو عن أهل الجريمة. فإن رأيت ذلك فاعلم أنه ليس في من بلغ جرمه جرم دمنة لأنه لا ذنب له أكثر مما جنى دمنة علانية وسراً بخلابته ومكره وتحميل الملك على البريء من وزرائه السليم صدره الناصح جيبه، حتى انطوى منه على حسده وقتله على شبهة.[/grade]
ز
[grade="0000FF FF6347 008000 4B0082"]ثم قالت: إني لست أجهل قول العلماء لتعظيم الفضل في العفو عن أهل الجرائم. ولكن الفضل في ذلك إنما هو دون النفوس أو جناية العامة التي يقع فيها الشين وتحتج بها السفهاء عندما يكون من أعمالهم السيئة واستعد بها الملك بالأمر الذي يضل خطره فيه إن كان إلى العامة.

فأمر الأسد أمه بالانصراف عنه وبعث حين أصبح إلى جنوده فأُدخل عليه وجوههم. فأرسل إلى أمه فحضرت المجلس ثم دعا بدمنة فأُتي به. فلما أقام بين يديه قلب الأسد يده بالتميثل به. فلما رأى دمنة ذلك أيقن بالهلكة فالتفت إلى بعض من يليه فقال له بصوت خفيّ: هل حدث من حديث أحزن الملك أو هل كان شيء جمعكم له كما أرى؟

قال دمنة: ما أرى الأول ترك للأخير مقالاً في شيء من معاريض الأمور. وقد جرى في بعض ما يقال أنّ أشدّ الناس اجتهاداً في توقي الشر أكثرهم فيه وقوعاً، ولا يكون للملك وجنوده المثل السوء. وقد علمت أن ذلك إنما قيل في صحبة الأشرار. إنه من صحبهم وهو يعلم عملهم لم ينجّه من شرورهم توقيه إياها. ولذلك انقطعت النساك بأنفسها واختارت الوحدة في الجبال على مخالطة الناس وآثرت العمل لله على العمل لخلقه لأنه ليس أحد يجزي بالخير خيراً إلى الله. فأما من دونه فقد تجري أمورهم على فنون شتى يكون مع ذلك في أكثرها الخطأ. وما أحد بأحق بإصابة الصواب من الملك الموفّق الذيا لا يصانع أحداً لحاجة به إليه ولا لعاقبة يتخوّفها منه. وإن كان أحق من ذلك من عظمت فيه رغبة الملوك من محاسن الصواب فمكافأة أهل البلاء الحسن عندهم. وما بلاء أبين حسناً من نصيحة. ولقد علم وعلمت وعلم جميع من حضر أنه لم يكن بيني وبين الثور أمر أضطغين عليه فيه حقداً ولا أبغي له غائلة، وما كان بذلك من ضرّ ولا نفع. ولكني نصحت الملك فيه وأعلمته ما اطلعت عليه من أمره حتى أبصر مصداق ما ذكرت له وكان فيه أفضل رأياً وأشد حزماً وعزماً. ولقد أعرف أنه قد تخوّف مثلها مني غير واحد من أهل الغش والعداوة فنصبوا نصبي وأجمعوا على طلب هلاكي. وما كنت أتخوّف أن يكون جزائي على النصيحة وحسن البلاء أن يحزن الملك على تركه إياي حيّاً.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]فلما سمع الأسد قول دمنة قال: أخرجوه عني وادفعوه إلى القضاء، فليفتشوا عن أمره، فإني لست أحبّ أن أحكم على محسن ولا مسيء إلا بظهور وجه الحق والعدل.

فسجد دمنة للأسد ثم قال: أيها الملك إنه ليس أكشف للعمى ولا أوضح للشبهة ولا أشد استخراجاً لغامضات الأشياء من الاجتهاد والمبادرة فيما يصاب به ذلك. وقد علمت أيها الملك أن النار تكون مستكنّة في الشجر والحجارة فلا تخرج ولا تصاب منفعتها إلا بالعمل والطلب. ولو كنت مجرماً لتخوّفت التكشّف عن جرمي كما قد أصبحت لعلمي ببراءتي، أرجو أن يخرج الفحص والتكشف صحة أمري. وكذلك كل شيء طابت رائحته أو نتنت فاليوم يزيده فووحاً وظهوراً. ولو كنت أعرف مع ذلك لنفسي ذنباً أو جرماً لوجدت في الأرض مذهباً ولما لزمت باب الملك أنتظر ثواب عملي. ولكني أحب أن يأمر الملك من يلي الفحص عن أمري أن يرفع إليه في كل يوم ما يكشف من عذري وبراءتي ليرى فيّ رأيه ويعارض بعض أمري ببعض ولا يعمل في أمري بشبهات أهل البغي والعداوة، فإن الذي رأى الملك من تشبيههم عليه ما قد استبان من عداوة الثور لجدير أن يمنعه من الإقدام على قتلي بعد الذي علم من نصيحتي وحوطتي عليه ومن رأيه الذي قد علمه الملك من منزلتي في نفسي من خساسة الحال وصغر الخطر. وإني لست أستطيع أن أدفع نفسي عن نسبة العبودية ولا أطمع فيما يطمع فيه من فوقي. فإني وإن كنت عبد الملك فإن لي من عدله نصيباً أعرف أن الملك معطينيه من نفسي في حياتي وبعد موتي. فإن كان الملك أجمع على دفعي إلى من يبحث عن أمري وينظر في براءتي فإني أرغب إلى عدله ولا يغفل أمري وأن يأمر برفع معاذيري إليه يوماً بيوم. فإن كان الملك للبلاء المقدور عليّ وقلة استطاعتي لامتناع من القدر غير متروّ في أمري ولا متبحّث عن شأني ولا صارف العقوبة عني لقول أهل الشرارة والمحال على غير ذنب سلف مني، فلم يبق لي ناصرٌ ألجأ إليه إلا الله فإنه كاشف الكرب. وقد قالت العلماء: إنه من صدّق فيما يشبّه عليه بما ينبغي الشك فيه وكذّب بما ينبغي أن يصدّق فيه أصابه ما أصاب المرأة التي بذلت بمالها لعبدها بتشبيهه عليها.

قال الأسد: وكيف كان ذلك؟[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]باب البوم والغربان

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف. قد ضربت لي مثل إخوان الصفا المتعاونين المتحابين، فاضرب لي، إن رأيت، مثل العدو الذي ينبغي أن لا يغترّ به وإن أظهر حسن الصفح تضرّعاً وملقاً في العلانية.

قال الفيلسوف: من اغترّ بالعدو الأريب المعروف بالعداوة أصابه من ذلك ما أصاب الغربان.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: إنه كان بأرض في جبل من الجبال شجرة عظيمة كأعظم ما تكون من الدوح، ذات أغصان ملتفّة. وكان فيها وكرٌ لألف غراب عليهم ملك منهم. وكان في ذلك الجبل أيضاً مكان فيه ألف بومة عليهن أيضاً ملك منهن. فخرج الملك البوم ليلة لبعض أموره وفي نفسه عداوة لم تزل بين البوم والغربان. فأغار على الغربان بمن معه من البوم فقتل منهم كثيراً وجرح منهم كثيراً. فلما أصبح ملك الغربان جمع ذويه فقال لهم: قد رأيتم ما لقينا من البوم وكم أصبح فيكم من قتيل وجريح ومنتوف الرأس والجناح والذنب. وأشد من ذلك كله في نفس ضراوتهن ثم علمهن بمكانكم وجرأتهن عليكم مثل الذي ذقتم وهنّ غير غافلات عنكم فانظروا في أمركم في مهل[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]وكان فيهم خمسة غربان معترف لهم بفضيلة الرأي، كان الغربان يسندون إليهم أمورهم ويفزعون إليهم فيما نزل بهم، وكان الملك يشاورهم في أموره ويأخذ برأيهم. فقال الملك لأحدهم: ما رأيك في هذا الأمر؟

قال الغراب: هذا رأي سبقتنا إليه العلماء فقالوا: ليس لعدوّ الحنق الذي لا يطاق له حيلة إلا الهرب منه.

قال الملك للثاني: ما رأيك أنت في هذا الأمر؟ قال: أما ما أشار به هذا من الفرار فلا أراه م الصواب. فكيف نجلو عن بلادنا وعن أوطاننا ونذلّ لعدوّنا عند أول نكبة أصابتنا، ولكنا نجمع أمرنا ونستعدّ لمجاهدة عدونا ونذكي العيون فيما بيننا وبينه ونحترس من العودة والغرّة، فإن أقبل إلينا عدونا لقيناهم مستعدين لقتالهم فقاتلناهم مزاحفة حتى تلقى أطرافنا أطرافهم، ونتحرز منهم تحرّزاً حصيناً وندافع عدونا بالأناة مرة وبالجهاد أخرى حتى نصيب فرصتنا أو يعيينا ذلك فنهرب وقد مهّدنا لنا عذراً.

قال الملك للثالث: وأنت ما رأيك؟ قال: ما أرى ما قال، ولكني أريد أن تذكى العيون والطرائع بيننا وبين عدونا فنتجسس ونعلم هل يريد عدونا صلحاً أو يقبل منا ديةً. فإن رأينا من ذلك أمراً موافقاً لم أكره أن نصالحهم على خراج نؤديه إليهم، فندع عن أنفسنا بأسهم ونطمئن في وطننا. فإنّ من الرأي للمولك إذا اشتدت شوكة عدوهم وخافوا على أنفسهم الهلكة والفساد على بلادهم والدمار على رعيتهم أن يجعلوا الأموال جنةً للملوك والبلاد والرعية.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال الملك للرابع: فما رأيك في هذا الصلح؟ قال: لا أراه رأياً بل ترك أوطاننا والاصطبار على الغربة وشدة المعيشة خير من وضع أحسابنا والخضوع للعدو الذي نحن أشرف منه وأكرم. مع أني قد عرفت أن لو قد عرضنا ذلك عليهم لم يرضوا فيه إلا بالشطط. وقد كان يقال: قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك، ولا تقارب كل المقاربة فيجترئ عليك عدوّك ويضعف جندك ويذلّ نفسك. ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس إذا أملتها قليلاً زاد ظلها وإن جاوزت الحد في إمالتها نقص الظل. وليس عدونا براض منا بالدون من المقاربة. فالرأي لنا المحاربة والصبر.

قال للخامس: ما ترى، ألقتال أو الصلح أو الجلاء؟ فقال: أما القتال فلا سبيل إلا قتال من ليس المرء بقرن له لأن من يعرف نفسه وعدوّه فقاتل من ليس هو قرناً له فنفسه أجهد مع أن العاقل لا يستضعف عدواً. ومن فعل ذلك اغتر، ومن اغتر لم يسلم وإنا للبو شديدو الهيبة، ولو أضربت عن قتالنا وكنت أهابها قبل إيقاعها بنا. فإن الحازم لا يأمن عدوه على كل حال. فإن كان بعيداً لم يأمن معاودته، وإن كان قريباً لم يأمن مواثبته، وإن كان كثيفاً لم يأمن استطراده وكربه، وإن كان وحيداً لم يأمن مكره. وأكيس الأقوام من لم يلتمس الأمر بالقتال إذا وجد غير القتال سبيلاً. فإن النفقة في القتال إنما هي من الأنفس. وسائر الأشياء إنما النفقة فيها من المال. فلا يكونن قتال البوم من رأيك. فإن من يرى القتل لا يرى كل الخير.

قال الملك: إذا كرهت القتال ماذا ترى؟ قال: تؤامر وتشاور. فإن الملك المؤامر المشاور يصيب في مؤامرته نصحاً من ذوي العقول فيظفر بما لا يصيبه بالجنود والزحف وكثرة العدد. والملك الحازم يزداد في المؤامرة والتشاور ورأي الوزراء والحزمة، كما يزداد البحر بالسواعد من الأنهار. ولا يخفى على الحازم قدر أمره وأمر عدوّه وفرصة قتاله ومواضع رأيه ومكايدته، ولا ينفك يعرض الأمور على نفسه أمراً أمراً يتروّى في التقدم على ما يريد منه الأعوان الذين يستعين بهم عليها والعدة التي يعدها لهم. فمنلم يكن له رأي كذلك ولا نصيحة من الوزراء العقلاء الذي يقبل منهم، لا يلبث، وإن ساقت إليه الأحوال حظاً، أن يضيع أمره. فإن الفضل المقسوم لم يقيّض للجهّال ولا للحسب، ولكنه وكّل بالعاقل المستمع من ذوي العقلاء.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]وأنت أيها الملك كذلك وقد استشرتني في أمور أريد أن أجيبك في بعضها سراً وفي بعضها علانية. فأما ما لا أكره أن أعلنه فكما أني لا أرى القتال كذلك لا أرى الخضوع بالخراج والرضا بدل القهر. فإن العاقل الكريم يختار الموت صابراً محافظاً على الحياة عرياناً ذليلاً. وأرى ألا يؤخر النظر في أمرنا ولا يكونن من شأنك التثبط والتهاون، فإن التثبط والتهاون رأس المعجزة. فأما ما أريد إسراره فليكن سراً. فإنه قد كان يقال "إنما يصيب الملوك الظفر بالحزم، والحزم بأصالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار أو الرسل المستمعين للكلام أو من قبل الناظرين في أثر الرأي أو مواقع العمل أو من التشبيه والتطنّز. ومن حصّن سره فله من تحصينه إياه أمران: إما ظفر بما يريد وإما أن يسلم من ضره وعيبه إن أخطأ".

ولا بد لصاحب السر من مستشار مأمون يفضي إليه بسره ويعاونه على الرأي. فإن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأياً فإنه يزداد برأيه رأياً كما تزداد النار بالودك ضوءاً. وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى والرفق في تبصيره خطأ إن أتى به وتقليب الرأي فيما يشكل حتى يتفق شأنهما. فإذا لم يكن المستشار كذلك فهو على المستشير مع عدوه، كالرجل الذي يرقي الشيطان ليرسله على الإنسان، فإذا لم يحكم الرقية أضحى هو أسيراً للشيطان. وإذا كان الملك محصّناً للأسرار متحيّزاً للوزراء مهيباً في أنفس العامة بعيداً من أن يعلم ما في نفسه لا يضيع عنده حسن بلا مثلى. وإن كان ذا حزم مقتدراً لم يقتّر فيما ينفق ولم يسرف، كان خليقاً أن لا يسلب صالح ما أوتي. وللأشرار منازل. فمن الشر ما يدخل في الرهط، ومنه ما يدخل فيه الرجلان، ومنه ما يستعان فيه بالقوم. ولا أرى لهذا السرّ في قدر منزلته ألا يشترك فيه أربع آذان ولسانان.

فنهض الملك وخلا به واستشاره فكان فيما سأل عنه أن قال: هل تعلم ما كان بدء عداوة ما بيننا وبين البوم، قال: نعم، كلمة تكلّم بها غراب.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]أصل العداوة بين الغراب والبوم

قال الغراب: زعموا أن جماعة من الطير لم يكن لها ملك وأنها اجتمعت على بوميّ لتملّكه. فبينما في مجمعها إذ رفع لها غراب فقال بعضهن: انتظرن هذا الغراب فنستشيره في أمرنا. فأتاهن الغراب فاستشرنه، فقال الغراب: لو أن الطير بادت وفقد الطاووس والكركيّ والبط والحمام لما اضطررتن إلى تمليك البوم، أقبح الطير منظراً، وأسوئها مخبراً، وأقلها عقولاً، وأشدها غضباً، وأبعدها رحمة، مع ما بها من الزمانة والعشاء بالنهار. ومن شر أمورها سفهها وسوء خلقها إلا أن تملكنها وأنتن المدبرات للأمور دونها برأيكن وعقولكن. فإذا كان الملك جاهلا صار ووزراؤه صالحين نفذ أمره وتم رأيه واستقام علمه ودامت مملكته كما فعلت الأرنب التي زعمت أن القمر ملكها وعملت برأيه كأنها مرسلة منه.

قالت الطير: وكيف كان ذلك؟

مثل ملك الفيلة ورسول الأرانب

قال الغراب: زعموا أن أرضاً من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون فأجدبت وقلّ ماؤها وغارت عيونها فأصابت الفيلة عطش شديد فشكوا ذلك إلى ملكهم. فأرسل ملك الفيلة رسله وروّاده في التماس الماء في كل ناحية. فرجع إليه بعض رسله فأخبروه أنهم وجدوا بمكان كذا وكذا عيناً تدعى القمرية كثيرة الماء. فتوجّه ملك الفيلة بفيلته إلى تلك العين ليشربوا منها وكانت الأرض أرض أرانب، فوطئت الفيلة الأرانب في أجحارها ومجاثمها، فاجتمعت الأرانب إلى ملكهن فقلن: قد علمت ما أصابنا من الفيلة فاحتل لنا قبل رجوعهم، فإنهم إذا رجعوا لوردهم أهلكونا.

قال الملك: ليحضرنّ كل ذي رأي منكن رأيه. فتقدم خزرٌ منها يدعى فيروز كان الملك قد عرفه بالأدب والرأي، فقال: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويبعث معي أميناً يرى ويسمع ما أقول وأصنع ليخبر به الملك فليفعل.

قال ملك الأرانب: أنت أميني ونحن نرضى بك وبرأيك ونصدّق قولك فانطلق إلى الفيلة وبلّغ عني ما أحببت واعمل برأيك، واعلم أن الرسول به وبرأيه يعتبر عقل المرسل وكثير من شأنه. وعليك باللين والمؤاتاة فإن الرسول هو الذي يلين القلب إذا رفق ويخشّن الصدر إذا خرق.

فانطلق الخرز في ليلة فيها القمر طالع حتى انتهى إلى الفيلة، وكره أن يدنو منهن فيطأنه وإن هنّ لم يردن ذلك. فأشرف على تلّ فنادى: يا ملك الفيلة إنه أرسلني إليك القمر والرسول مبلّغ غير ملوم وإن أغلظ.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال ملك الفيلة: وما الرسالة؟

قال فيروز: يقول القمر إنه من عرف فضل قوته على الضعفاء فاغترّ لذلك بالأقوياء كانت قوته خبالاً له. وقد عرفت فضل قوتك على الدواب فغرّك ذلك مني فعمدت إلى عيني التي تسمى باسمي فشربت ماءها وقذّرتها وكدّرتها بفيلتك. وإني أتقدم إليك وأنذرك أن تعود فأغشي بصرك واتلف نفسك. وإن كنت في شك من رسالتي فهلمّ إلى العين من ساعتك فإني موافيك فيها.

فعجب ملك الفيلة في قول فيروز، فانطلق إلى العين معه فنظر إليها فرأى ضوء القمر فقال له فيروز: هذ بخرطومك من الماء فاغسل وجهك واسجد للقمر. فأدخل الفيل خرطومه في الماء فتحرّك، فخيّل إليه أن القمر ارتعد فقال: ما شأن القمر ارتعد؟ أتراه غضب عليّ لإدخالي خرطومي في الماء؟ فقال فيروز: نعم فاسجد له ثانية. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى وتاب إليه مما صنع به، وشرط له ألا يعود إلى تلك العين هو ولا شيء من فيلته.

قال الغراب: ومع ما ذكرت من أمر البوم أن من شأنها الخبّ والمكر والخديعة. وشرّ الملوك المخادع ومن ابتلي بسلطان المخادعين وحكّمهم أصابه ما أصاب الصفرد والأرنب اللذين حكّما السنور الصوام؟

مثل الصّفرد والأرنب والسّنّور الصّوّام

قال الغراب: كان لي جار من الصفارد في سفح جبل، وجحره قريب من الشجرة التي فيها وكري، فكان يكثر التقاؤنا ومواصلتنا على جوارنا. ثم فقدته فلم أدر أين غاب، وطالت غيبته حتى ظننت أنه قد هلك. فجاءت أرنب إلى مكان الصفرد ولبثت في ذلك المكان زماناً. ثم إن الصفرد رجع إلى مكانه، فلما وجد الأرنب فيه قال: هذا مكاني فانطلق عنه.

قالت الأرنب: المسكن في يدي، وأنت المدّعي، فإن كان لك حق فاستعد عليّ.

قال الصفرد: المكان مكاني، ولي على ذلك البيّنة.

قالت الأرنب: نحتج إلى القاضي.

قال الصفرد: إن قريباً منا على شاطئ البحر سنّوراً متعبداً يصلي النهار كله لا يؤذي دابة ولا يريق دماً، ويصوم الدهر لا يفطر، عيشه من العشب وورق الأشجار، فاذهبي الليلة إليه أحاكمك.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قالت الأرنب: نعم. فانطلقا جميعاً وتبعتهما لأنظر إلى الصوام العابد الزاهد وإلى قضائه بينهما، فلما صارا إلى السنورا قصّا عليه قصتهما.

فقال السنور: أدركني الكبر وضعف البصر، وثقلت أذناي فما أكاد أن أسمع فادنوا مني فأسمعاني قريباً. فأعادا القصة فقال: "قد فهمت ما قصصتما وأنا بادئكما بالنصيحة قبل القضية، فآمركما ألاّ تطلبا إلا الحق. فإن طالب الحق هو الذي يفلح وإن قضي عليه، وطالب الباطل مخصوم. وليس لصاحب الدنيا من دنياه شيء من مال ولا صديق إلا عمل صالح قدّمه. فذو العقل حقيق ويمقت ما سوى ذلك. ومنزلة المال عند العاقل منزلة المدر. ومنزلة الناس عنده فيما يحب لهم من الخير ويكره لهم من الشر منزلة نفسه". فلم يزل يقص عليهما ويستأنسان فيدنوان منه حتى وثب عليهما فضمّهما إليه فقتلهما جميعاً.

قال الغراب: فالبوم يجمعن مع سائر ما وصفت لكم المكر والخديعة فلا يكوننّ تمليك البوم من رأيكن. فلما سمع الطير خطبة الغراب أضربن عن رأيهن ولم يملّكن البوم.

وكان هناك بومة حاضرة سمعت كلام الغراب فقالت له: لقد وترتني أعظم التّرة، فما أدري هل كان سلف مني إليك سوءٌ استحققت به هذا منك؟ وإلاّ فاعلم أن الفؤوس يقطع بها الشجر فتنبت وتعود، والسيف يقطع به اللحم والعظم فيندمل ويلتئم، واللسان لا يندمل جرحه، والنصل من النشابة يغيب في الجوف ثم ينزع، وأشباه الأنصال من القول إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج. ولك حريق مطفئ، فللنر الماء، وللسم الدواء، وللعشق القرب، وللحزن الصبر، ونار الحق لا تخبو. وإنكم معاشر الغربان قد غرستم بيننا أبداً شجرة الحقد والبغضاء.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]فقضت البوم مقالتها هذه وولت مغضبة وانصرفت موتورة، وندم الغراب على ما فرط منه، وقال في نفسه: "لقد خرقت فيما كان من قولي الذي جلبت به العداوة على نفسي وعلى قومي، ولم أكن أحقّ الطير بهذه المقالة ولا أعبأها بأمر ملكها. ولعلّ كثيراً قد رأوى الذي قد رأيت وعلموا الذي قد علمت فمنعهم من الكلام فيه اتقاء ما لم أتق والنظر فيما لم أنظر فيه من العاقبة. ثم لا سيما إذا كان الكلام مواجهة، فإن الكلام الذي يستقبل فيها قائله السامع بما يكره مما يورث الحقد والضغينة ولا ينبغي له أن يسمى كلاماً ولكن يسمّى سمّاً. فإن العاقل وإن كان واثقاً بقوله وفضله لا يحمله ذلك على أن يجني على نفسه عداوة وبغضاً اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة. كما أن العاقل لا يشرب السم اتكالاً على ما عنده من الترياق، وصاحب حسن العمل وإن قصّر به القول في بديهته تبين فضله عند الخبرة وعاقبة الأمر. وصاحب القول وإن هو أعجب ببديهته وحسن صفته فلا يحمد مغبّة أمره. وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة. أوليس من سفهي اجترائي على التكلم في الأمر الجسيم لا أستشيره فيه أحداً ولا أتروّى فيه مراراً، وأنا أعلم أن من لم يستشر الفصحاء الألبّاء بتكرار النظر والروية لم يسرّ بمواضع رأيه. فما كان أغناني عما كسبت في يومي هذا وما وقعت فيه".

فعاتب الغراب نفسه بهذا ثم انطلق.

فهذا ما سألتني عنه من العلة التي بدأت بها العداوة بين البوم والغربان.

قال الملك: قد فهمت هذا، فحدّثنا بما نحن أحوج إليه وأشر علينا برأيك والذي ترى أن نعمل به فيما بيننا وبين البوم.

قال: أما القتال فقد فرغت من رأيي فيه وأعلمتك كراهتي له. ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال، وأنا أرجو أن أقدر من الحيل على بعض ما في فرج. فإنه رُبّ قوم قد احتالوا بآرائهم للأمر الجسيم حتى ظفروا منه بحاجتهم التي لم يكونوا يقدرون عليها بالمكثرة، كالنفر الذين مكروا بالنساك حتى ذهبوا بعريضه.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]باب الأسد والشعهر الصوّام

قال الملك للفيلسوف: قد فهم مثل أهل الترات وحذر بعضهم بعضاً فاضرب لي إن رأيت مثل الملوك فيما بينهم وبين قرائبهم، وفي مراجعة من تراجع منهم بعد عقوبة أو جفوة تكون عن ذنب يذنبه أو ظلم يظلمه.

قال الفيلسوف: إن الملك إذا لم يراجع من أصابته جفوة أو عقوبة عن جرم اجترمه أو ظلم ظلمه أضرّ ذلك بالأمور والأعمال. وكان الملك حقيقاً بالنظر في حال من ابتلي بشيء من ذلك ويبلو ما عنده من العناء والذي يرجو منه النفع. فإن كان ممن يستعان به ويوثق برأيه وأمانته كان الملك حقيقاً بالحرص على مراجعته. فإن الملك لا يستطاع إلا بالوزراء والأعوان. ولا ينتفع بالوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة. ولا تصلح النصيحة والمودة إلا مع إصابة الرأي والعفاف الكثير. ومن يحتاج إليهم من العمال والأعمال كثير. ومن يجمع منهم الذي ذكرت من النصيحة وإصابة الرأي قليل. وإنما التمسك بالوجه الذي به يستقيم العمل أن يكون الملك عالماً من يريد الاستعانة به وما عند كل رجل منهم من الغناء والرأي، وما فيه من العيوب. فإذا استقر ذلك عنده من علمه أو علم من يؤتمن به وعمل ما يستقيم به وجّه لكل عمل من قد عرف أنّ عنده من الأمانة والنجدة والرأي ما يستقل بذلك، وإن الذي فيه من العيب لا يضرّ بذلك العمل. ويتحفّظ من أن يوجه عيوبه وعاقبة ما يكره منه. ثم على الملك بعد ذلك ألا يترك تعاهد عمّاله والتفقد لهم ولأمورهم حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك ألا يتركوا محسناً بغير جزاء ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على العجز والإساءة، فإنهم إن صنعوا ذلك تهاون المحسن وجترأ المسيء ففسد الأمر وضاع العمل. ومثل ذلك مثل الأسد والشعهر وهو ابن آوى.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض كذا وكذا ابن آوى وكان متألّهاً متعففاً في بنات آوى وثعالب وذئاب. ولم يكن يصنع ما يصنعن ولا يغير كما يغرن ولا يريق دماً ولا يأكل لحماً. فخاصمته تلك السباع وقلن: لا نرضى بسيرتك ولا رأيك الذي أنت عليه من تألهك مع أن تألهك لا يغني شيئاً. وأنت لا تستطيع أن تكون أحدنا فتسعى معنا وتفعل فعلنا. فما الذي يمسك كفك عن الدماء واللحم؟

قال ابن آوى: إن صحبتي إياكم لا تؤثمني إذا لم أؤثم نفسي لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب، ولكنها من قبل القلوب والأعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحاً وصاحب المكان السوء يكون عمله فيه سيئاً، إذاً كان من قتل الناسك في محرابه لم يأثم ومن استحياه في معركة القتال أثم. أترونني إن صحبتكم بنفسي لم يصحبكم مني قلب ولا عمل لأني أعرف ثمرة الأعمال.

فما عاش ابن آوى على حالته تلك وشهر النسك والنبالة في الرأي حتى بلغ ذلك الأسد، وكان ملك السباع بتلك الناحية. فرغب فيه للذي بلغه عنه من العفاف والصدق والأمانة. فأرسل إليه فكلّمه وفحصه ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته، وقال: إن ملكي عظيم وأعمالي كثيرة وأنا إلى الأعوان محتاج، وقد بلغني عنك عقل وعفاف. ثم قدمت عليّ فازددت فيك رغبة، وأنا موليك من عملي جسيماً ورافع منزلتك إلى منزلة الأشراف وجاعل لك مني خاصة.

قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيار الاعوان لما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم من غير أن يكرهوا على ذلك أحدا، لأن المكره لا يستطيع المبالغة في العمل. وأنا لعمل السلطان كاره وليست لي به تجربة ولا بالسلطان رفق. وأنت ملك السباع عندك من أجناس السباع عدد كثير، وفيهم أهل نبل وقوة وبهم على العمل حرص ولهم به رفق، فإن استعملتهم أغنوا عنك واغتبطوا لأنفسهم بما أصابوا من ذلك.

قال الأسد: دع عنك هذه المقالة، فإني غير معفيك من العمل.[/grade]
ز
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قال ابن آوى: إنما يستطيع صحبة السلطان رجلان: أحدهما فاجر مصانع ينال حاجته ويسلم بمصانعته، والآخر رجل مهين مغفل لا يحسده أحد. فأما من أراد صحبة السلطان بالصحة والنصيحة والعفاف، ثم لا يخلط ذلك بمصانعة، فقلّ ما يسلم بصحته لأنه يجمع له عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. فأما الصديق فينافسه في منزلته ويبغي عليه فيها ويعاديه لها. وأما عدوّ السلطان فيضطغن عليه بنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه. فإذا اجتمع عليه هذا الصفان تعرّض للهلاك.

قال الملك: لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك وعداوة أعدائي لك مما يعرض في قلبك، فإني كافيك وبالغ بك في الكرامة والإحسان بهمتك.

قال ابن آوى: إن كان الملك يريد بي الإحسان والكرامة فليتركني أعيش في هذه البرية آمناً راضياً بعيشتي من الماء والحشيش. وقد علمت أن صاحب السلطان يصل إليه في ساعة واحدة من الأذى والخوف ما لا يصل إلى غيره طول عمره. وإن قليل العيش في أمر وطمأنينة خير من كثيره في خوف ونصب.

قال الأسد: قد سمعت مقالتك فلا تخافنّ شيئا مما أراك تتخوفه. فلا بد من الاستعانة بك.[/grade]
X