|^!^| على مائدة القرءان الكريم |^!^|

ابو داحم 04-10-2005 58 رد 871 مشاهدة
س
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل أبوداحم
بارك الله فيك وجزاك الله خير الجزاء على طرح مثل هذا الموضوع
كتب الله تعالى لكم الأجر والمثوبة
ومعذرة على تأخرى في المرور بالموضوع

أسعدني جدا هذا التواصل بينكم والتسابق لفهم كتاب الله عزوجل
وخصوصا جزء عم الذي يردده أكثرنا في الصلاة
ولكن في نفس الوقت يجهلون تفسيره ومعاني بعض الكلمات الواردة فيه
وهاهي الفرصة سانحة الآن للحفظ والفهم

ولكني أتمنى كما تفضل أخونا أبوداحم أن نختصر في التفسير
كما اود أن يشار إلى التفسير الذي تم الإعتماد عليه
واقترح أن يطرح الأخ أبوداحم تفسيرا يرجع إليه الجميع

وفقكم الله وبارك فيكم
وجمعكم على الخير دائما
ش
تفسير سورة التكاثر

وهي مكية
‏[‏1 ـ 8‏]‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ‏}‏

يقول تعالى موبخًا عباده عن اشتغالهم عما خلقوا له من عبادته وحده لا شريك له، ومعرفته، والإنابة إليه، وتقديم محبته على كل شيء‏:‏ ‏{‏أَلْهَاكُمُ‏}‏ عن ذلك المذكور ‏{‏التَّكَاثُرُ‏}‏ ولم يذكر المتكاثر به، ليشمل ذلك كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون، من التكاثر في الأموال، والأولاد، والأنصار، والجنود، والخدم، والجاه، وغير ذلك مما يقصد منه مكاثرة كل واحد للآخر، وليس المقصود به الإخلاص لله تعالى‏.‏

فاستمرت غفلتكم ولهوتكم ‏[‏وتشاغلكم‏]‏ ‏{‏حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ‏}‏ فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه‏.‏

ودل قوله‏:‏ ‏{‏حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ‏}‏ أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية ، أن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين‏.‏

فدل ذلك على البعث والجزاء بالأعمال في دار باقية غير فانية، ولهذا توعدهم بقوله‏:‏ ‏{‏كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ‏}‏ أي‏:‏ لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة‏.‏

ولكن عدم العلم الحقيقي، صيركم إلى ما ترون، ‏{‏لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ‏}‏ أي‏:‏ لتردن القيامة، فلترون الجحيم التي أعدها الله للكافرين‏.‏

‏{‏ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ‏}‏ أي‏:‏ رؤية بصرية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ‏}‏ الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره، وأديتم حق الله فيه، ولم تستعينوا به، على معاصيه، فينعمكم نعيمًا أعلى منه وأفضل‏.‏

أم اغتررتم به، ولم تقوموا بشكره‏؟‏ بل ربما استعنتم به على معاصي الله فيعاقبكم على ذلك، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ‏}‏ الآية‏.‏
ا

مملكة القلوب

شرفني حضورك وأسعدتني مشاركتك
أسأل الله أن يفعنا جميعاً بما نكتب ونقرأ
ولا تحرمينا من تواصلك






" لقاء مع صائم "
" على مائدة القرءان الكريم "
" أنت تسأل والشيخ يجيب "
ا

مشاعر قلب

أسعدني تواجدك معنا
ولا تحرمينا من تواصلك





" على مائدة القرآن الكريم "

" يوميات صائم "
س
تفسير سورة القارعة
سورة الْقَارِعَةُ مكية
وهي تتحدث عن القيامة وأهوالها، والآخرة وشدائدها، وما يكون فيها من أحداث وأهوال عظام، كخروج الناس من القبور، وانتشارهم في ذلك اليوم الرهيب كالفراش المتطاير، المنتشر هنا وهناك، يجيئون ويذهبون على غير نظام من شدة حيرتهم وفزعهم.

* كما تحدثت عن نسف الجبال وتطايرها حتى تصبح كالصوف المنبث المتطاير في الهواء، بعد أن كانت صلبةً راسخة فوق الأرض، وقد قرنت بين الناس والجبال تنبيهاً على تأثير تلك القارعة في الجبال حتى صارت كالصوف المندوف، فكيف يكون حال البشر في ذلك اليوم العصيب ؟

* وختمت السورة الكريمة بذكر الموازين التي توزن بها أعمال الناس، وانقسام الخلق إِلى سعداء وأشقياء حسب ثقل الموازين وخفتها، وسميت السورة الكريمة بالقارعة لأنها تقرع القلوب والأسماء بهولها.

معاني المفردات :
{كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} كالصوف المنتثر المتطاير.
{فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} أي فمسكنه ومصيره جهنم يهوي في قعرها، سَّماها أُماً لأن الأم مأوى الولد ومفزعه.

للاستماع إلى السورة
بصوت الشيخ / سعود الشريم
س

تفسير سورة العاديات
* سورة الْعَادِيَات مكية
وهي تتحدث عن خيل المجاهدين في سبيل الله، حين تغير على الأعداء، فيسمع لها عند عَدوها بسرعة صوتٌ شديد، وتقدح بحوافرها الحجارة فيتطاير منها النار، وتثير التراب والغبار، وقد بدأت السورة بالقسم بخيل الغُزاة - إِظهاراً لشرفها وفضلها عند الله - على أن الإِنسان كفور لنعمة الله تعالى عليه، جحودٌ لآلائه وفيوض نعمائه، وهو معلن لهذا الكفران والجحود بلسان حاله ومقاله، كما تحدثت عن طبيعة الإِنسان وحبه الشديد للمال، وختمت السورة الكريمة ببيان أن مرجع الخلائق إِلى الله للحساب والجزاء، ولا ينفع في الآخرة مال ولا جاه، وإِنما ينفع العمل الصالح.

معاني المفردات:
{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} أي أُقسمُ بخيل المجاهدين المسرعات في الكرّ على العدو، يُسمع لأنفاسها صوتٌ جهير هو الضبحُ
{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} أي فالخيل تقدح شرر النار من الأرض بوقع حوافرها على الحجارة من شدة الجري
{ لَكَنُودٌ} أي لجاحد لنعم ربه، شديد الكفران

للاستماع للسورة
صوت الشيخ / سعود الشريم
ن
تفسير سورة الزلزلة
سورة الزلزلة مدنية

وهي في أسلوبها تشبه السور المكية، لما فيها من أهوال وشدائد يوم القيامة، وهي هنا تتحدث عن الزلزال العنيف الذي يكون بين يدي الساعة، حيث يندك كل صرحٍ شامخ، وينهار كل جبل راسخ، ويحصل من الأمور العجيبة الغريبة ما يندهش له الإِنسان، كإِخراج الأرض ما فيها من موتى، وإِلقائها ما في بطنها من كنوز ثمينة من ذهبٍ وفضة، وشهادتها على كل إِنسان بما عمل على ظهرها تقول: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وكل هذا من عجائب ذلك اليوم الرهيب، كما تتحدث عن انصراف الخلائق من أرض المحشر إِلى الجنة أو النار، وانقسامهم إِلى أصناف ما بين شقي وسعيد

المفردات
{إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} أي إِذا حركت الأرض تحريكاً عنيفاً، واضطربت اضطراباً شديداً، واهتزت بمن عليها اهتزازاً يقطع القلوب ويُفزع الألباب
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} ينصرفون متفرقين فرقاً فرقاً، فآخذٌ ذات اليمين إِلى الجنة، وآخذٌ ذات الشمال إِلى النار

صوت الشيخ علي الحذيفي
ن
سورة البينة
سورة الْبَيِّنَة وتسمى {سورة لَمْ يَكُنِ } مدنية

ابتدأت السورة الكريمة بالحديث عن "اليهود والنصارى" وموقفهم من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن بان لهم الحقُّ وسطعت أنواره، وبعد أن عرفوا أوصاف النبي المبعوث آخر الزمان، وكانوا ينتظرون بعثته ومجيئه، فلما بعث خاتم الرسل كذبوا برسالته، وكفروا وعاندوا.

ثم تحدثت السورة عن عنصر هام من عناصر الإِيمان، وهو "إِخلاص العبادة" لله العلي الكبير، الذي أمر به جميع أهل الأديان، وإِفراده جلَّ وعلا بالذكر، والقصد، والتوجه في جميع الأقوال والأفعال والأعمال، خالصة لوجهه الكريم.

كما تحدثت عن مصير أهل الإِجرام - شرِّ البرية - من كفرة أهل الكتاب والمشركين، وخلودهم في نار الجحيم، وعن مصير المؤمنين، أصحاب المنازل العالية - خير البرية - وخلودهم في جنات النعيم، مع النبيّين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، جزاء طاعتهم وإِخلاصهم لرب العالمين.

المفردات
حُنَفَاءَ} أي مائلين عن الأديان كلها إِلى دين الإِسلام، مستقيمين على دين إِبراهيم، دين الحنيفية السمحة، الذي جاء به خاتم المرسلين
{وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} هو دين الملة المستقيمة - دين الإِسلام

صوت الشيخ علي الحذيفي
ش
تفسير سورة القدر
[وهي] مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) .

يقول تعالى مبينًا لفضل القرآن وعلو قدره: ( إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ وذلك أن الله [تعالى] ، ابتدأ بإنزاله في رمضان [في] ليلة القدر، ورحم الله بها العباد رحمة عامة، لا يقدر العباد لها شكرًا.

وسميت ليلة القدر، لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل والأرزاق والمقادير القدرية.

ثم فخم شأنها، وعظم مقدارها فقال: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) أي: فإن شأنها جليل، وخطرها عظيم.

( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) أي: تعادل من فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر [خالية منها]، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث من تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى، بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمرًا طويلا نيفًا وثمانين سنة.

( تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) أي: يكثر نزولهم فيها ( مِنْ كُلِّ أَمْر * سَلامٌ هِيَ ) أي: سالمة من كل آفة وشر، وذلك لكثرة خيرها، ( حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) أي: مبتداها من غروب الشمس ومنتهاها طلوع الفجر .

وقد تواترت الأحاديث في فضلها، وأنها في رمضان، وفي العشر الأواخر منه، خصوصًا في أوتاره، وهي باقية في كل سنة إلى قيام الساعة.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، يعتكف، ويكثر من التعبد في العشر الأواخر من رمضان، رجاء ليلة القدر [والله أعلم].
ا
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة العلق

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى 6 أَنْ رَّءآهُ اسْتَغْنَى(7)إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى 8 }.


سبب النزول:

نزول 6

{كَلا إِنَّ الإِنسَانَ.. }أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن المنذر وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجْهَه بين أظهركم ؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل لأطأنّ على رقبته، ولأعفرنّ وجهه في التراب، فأنزل الله: {كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى} الآيات.

ثم إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فنكص على عقبيه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم ؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار، وهولاً شديداً.



{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} هذا خطاب إِلهي وجه إِلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دعوةٌ إِلى القراءة والكتابة والعلم، لأنه شعار دين الإِسلام أي إِقرأ يا محمد القرآن مبتدئاً ومستعيناً باسم ربك الجليل، الذي خلق جميع المخلوقات، وأوجد جميع العوالم، ثم فسَّر الخلق تفخيماً لشأن الإِنسان
فقال {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} أي خلق هذا الإِنسان البديع الشكل، الذي هو أشرف المخلوقات من العلقة - وهي الدودة الصغيرة - وقد أثبت الطبُّ الحديث أن المنيّ الذي خلق منه الإِنسان محتوٍ على حيواناتٍ وديدان صغيرة لا تُرى بالعين، وإِنما ترى بالمجهر الدقيق - الميكروسكوب - وأن لها رأساً وذنباً، فتبارك الله أحسن الخالقين قال القرطبي: خصَّ الإِنسان بالذكر تشريفاً له، والعلقةُ قطعة من دمٍ رطب، سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمرُّ عليه
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} أي اقرأ يا محمد وربك العظيم الكريم، الذي لا يساويه ولا يدانيه كريم، وقد دلَّ على كمال كرمه أنه علَّم العباد ما لم يعلموا
{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} أي الذي علَّم الخطَّ والكتابة بالقلم، وعلَّم البشر ما لم يكونوا يعرفونه من العلوم والمعارف، فنقلهم من ظلمة الجهل إِلى نور العلم، فكما علَّم سبحانه بواسطة الكتابة بالقلم، فإِنه يعلمك بلا واسطة وإِن كنت أمياً لا تقرأ ولا تكتب قال القرطبي: نبَّه تعالى على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إِنسان، وما دُونت العلوم ولا قُيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتبُ الله المنزَّلة إِلا بالكتابة، ولولاها ما استقامت أمور الدنيا والدين .. وهذه الآيات الخمس هي أول ما تنزَّل من القرآن، كما ثبت في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه الملك وهو يتعبَّد بغار حراء، فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ .. إلخ قال ابن كثير: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات المباركات، وهنَّ أوّل رحمةٍ رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإِنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علَّم الإِنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرَّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به "آدم" على الملائكة ..
ثم أخبر تعالى عن سبب بطر الإِنسان وطغيانه فقال {كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى} أي حقاً إِن الإِنسان ليتجاوز الحد في الطغيان، واتباع هوى النفس، ويستكبر على ربه عز وجل
{أَنْ رَّءآهُ اسْتَغْنَى} أي من أجل أن رأى نفسه غنياً، وأصبح ذا ثروة ومال أشر وبطر، ثم توعَّده وتهدده بقوله
{إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} أي إِنَّ إِلى ربك - أيها الإِنسانُ - المرجعُ والمصير فيجازيك على أعمالك، وفي الآية تهديدٌ وتحذير لهذا الإِنسان من عاقبة الطغيان، ثم هو عام لكل طاغٍ متكبر قال المفسرون: نزلت هذه الآيات إِلى آخر السورة في "أبي جهل" بعد نزول صدر السورة بمدة طويلة، وذلك أن أبا جهل كان يطغى بكثرة ماله، ويبالغ في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.


{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى(11)أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى(12)أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى(14)كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ(15)نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ(16)فَلْيَدْعُ نَادِيَه(17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ(18)كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وِاقْتَرِب}:



سبب النزول:

نزول الآية (9):

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى}: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاءه أبو جهل، فنهاه، فأنزل الله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْدًا إِذَا صَلَّى} إلى قوله: {كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}.



سبب نزول الآية: (17):

{فَلْيَدْعُ نَادِيَه}: أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاءه أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا ؟ فزجره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني، فأنزل الله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه* سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} وهو حسن صحيح كما قال الترمذي.



{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى*عَبْدًا إِذَا صَلَّى} تعجيبٌ من حال ذلك الشقي الفاجر أي أخبرني يا محمد عن حال ذلك المجرم الأثيم، الذي ينهى عبداً من عباد الله عن الصلاة، ما أسخف عقله، وما أشنع فعله !! قال أبو السعود: هذه الآية تقبيحٌ وتشنيعٌ لحال الطاغي وتعجيب منها، وإِيذان بأنها من الشناعة والغرابة بحيث يقضى منها العجب، وقد أجمع المفسرون على أن العبد المصلي هو محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الذي نهاه هو اللعين "أبو جهل" حيث قال: لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأن على عنقه
{أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى} أي أخبرني إِن كان هذا العبد المصلي - وهو النبي صلى الله عليه وسلم - الذي تنهاه عن الصلاة صالحاً مهتدياً، على الطريقة المستقيمة في قوله وفعله!!
{أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى} أي أو كان آمراً بالإِخلاص والتوحيد، داعياً إِلى الهدى والرشاد، كيف تزجره وتنهاه !! فما أبلهك أيها الغبي الذي تنهي من هذه أوصافه: عبدٌ لله مطيعٌ مهتدٍ منيب، داع إِلى الهدى والرشاد ؟! وما أعجب هذا ؟ !
ثم عاد لخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} أي أخبرني يا محمد إِن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإِيمان
{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} أي ألم يعلم ذلك الشقي أن الله مطَّلع على أحواله، مراقب لأفعاله، وسيجازيه عليها !! ويله ما أجهله وأغباه ؟!
ثم ردعه وزجره فقال {كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ} أي ليرتدع هذا الفاجر "أبو جهل" عن غيه وضلاله، فوالله لئن لم ينته عن أذى الرسول، ويكف عمَّا هو عليه من الكفر والضلال
{لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ} أي لنأخذنه بناصيته - مقدم شعر الرأس - فلنجرنه إِلى النار بعنفٍ وشدة ونقذفه فيها
{نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} أي صاحب هذه الناصية كاذبٌ فاجرٌ، كثير الذنوب والإِجرام قال ابن جزي: ووصفها بالكذب والخطيئة مجازٌ، والكاذب الخاطئ في الحقيقة صاحبها، والخاطئ الذي يفعل الذنب معتمداً، والمخطئ الذي يفعله بدون قصد
{فَلْيَدْعُ نَادِيَه} أي فليدع أهل ناديه وليستنصر بهم
{سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} أي سندعوا خزنة جهنم، الملائكة الغلاظ الشداد، روي أن أبا جهل مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند المقام فقال: ألم أنهك عن هذا يا محمد ! فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم القول، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد ! والله إِني لأكثر أهل الوادي هذا نادياً فأنزل الله {فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} قال ابن عباس : لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته
{كَلا لا تُطِعْهُ} أي ليرتدع هذا الفاجر، ولا تطعه يا محمد فيما دعاك إِليه من ترك الصلاة
{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} أي وواظب على سجودك وصلاتك، وتقرَّب بذلك إِلى ربك وفي الحديث "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".

سورة العلق بصوت الشيخ محمد اللحيدان

أختكم
المرتحله
م
سورة التين



{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1)وَطُورِ سِينِينَ(2)وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ(3)لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ( 6)فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ(7)أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ( 8) }


سورة التِّين مكية، وهي تعالج موضوعين بارزين هما:

الأول: تكريم الله جل وعلا للنوع البشري.

الثاني: موضوع الإِيمان بالحساب والجزاء.



-اختلف المفسرون ههنا على أقوال كثيرة فقيل المراد بالتين مسجد دمشق وقيل هي نفسها وقيل الجبل الذي عندها وقال القرطبي « 20/111 » هو مسجد أصحاب الكهف وروى العوفي عن ابن عباس أنه مسجد نوح الذي على الجودي وقال مجاهد هو تينكم هذا.

« والزيتون » قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وغيرهم هو مسجد بيت المقدس وقال مجاهد وعكرمة هو هذا الزيتون الذي تعصرون

« وطور سينين » قال كعب الأحبار وغير واحد هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى

« وهذا البلد الأمين » يعني مكة قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وإبراهيم النخعي وابن زيد وكعب الأحبار ولا خلاف في ذلك وقال بعض الأئمة هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحدة منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار « فالأول » محلة التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم عليه السلام « والثاني » طور سينين وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران « والثالث » مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا وهو الذي أرسل فيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قالوا في آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة جاء الله من طور سيناء يعني الذي كلم الله عليه موسى بن عمران وأشرق من ساعير يعني جبلبيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى واستعلن من جبال فاران يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا صلى الله عليه وسلم فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهما وقوله تعالى

« لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم » هذا هو المقسم عليه وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها

« ثم رددناه أسفل سافلين » أي إلى النار قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيرهم إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل ولهذا قال

« إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات » وقال بعضهم « ثم رددناه أسفل سافلين » أي إلى أرذل العمر روي هذا عن ابن عباس وعكرمة حتى قال عكرمة من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر واختار ذلك ابن جرير ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك لأن الهرم قد يصيب بعضهم وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى « والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات »

وقوله« فلهم أجر غير ممنون » أي غير مقطوع كما تقدم ثم قال

« فما يكذبك » أي يابن آدم « بعد بالدين » أي بالجزاء والمعاد ولقد علمت البداءة وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور قال قلت لمجاهد

« فما يكذبك بعد بالدين » عنى به النبي صلى الله عليه وسلم قال معاذ الله عنى به الإنسان وهكذا قال عكرمة وغيره وقوله تعالى

« أليس الله بأحكم الحاكمين » أي أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولايظلم أحدا ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا فإذا قرأ أحدكم والتين والزيتون فأتى آخرها

« أليس الله بأحكم الحاكمين » فليقل وأنا على ذلك من الشاهدين

للاستماع

سورة التين...بصوت أحمد العجمي


تفسير ابن كثير_أبو الفداء إسماعيل بن كثير
a
..$.. تفسير سورة الشرح ..$..
سبب النزول:

نزول الآية (6 ):
{إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}: نزلت لما عيَّر المشركون المسلمين بالفقر. وأخرج ابن جرير عن الحسن البصري قال: لما نزلت هذه الآية: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين".



{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} استفهامٌ بمعنى التقرير أي قد شرحنا لك صدرك يا محمد بالهدى والإِيمان، ونور القرآن كقوله تعالى {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} قال ابن كثير: أي نَوَّرناه وجعلناه فسيحاً، رحيباً، واسعاً، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً، سمحاً، سهلاً، لا حرج فيه ولا إصرْ ولا ضيق وقال أبو حيان: شرحُ الصدر تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إِليه وهو قول الجمهور، وقيل: هو شق جبريل لصدره في صغره وهو مرويٌ عن ابن عباس {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} أي حططنا عنك حملك الثقيل {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أي الذي أثقل وأوهن ظهرك قال المفسرون: المراد بالوزر الأمور التي فعلها صلى الله عليه وسلم، وَوَضْعُها عنه هو غفرانها له كقوله تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وليس المراد بالذنوب المعاصي والآثام، فإِن الرسل معصومون من مفارقة الجرائم، ولكن ما فعله عليه السلام عن اجتهاد وعوقب عليه، كإِذنه صلى الله عليه وسل للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وعبسه في وجه الأعمى ونحو ذلك، قال ابن جزي: وإِنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهم، لهمِّهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله وهذا كما ورد في الأثر (إِنَّ المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه) والنقيضُ هو الصوتُ الذي يسمع من المحمل فوق ظهر البعير من شدة الحمل {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أي رفعنا شأنك، وأعلينا مقامك في الدنيا والآخرة، وجعلنا اسمك مقروناً باسمي قال مجاهد: لا أُذكر إِلا ذكرت معي وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إِلا ينادي: أشهد أن لا إِله إِلا الله وأن محمداً رسول الله، وفي الحديث (أتاني جبريل فقال لي يا محمد: إِن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك ؟ قلت: الله تعالى أعلم، قال: إِذا ذكرتُ ذكرتَ معي) قال أبو حيّان: قرن الله ذكر الرسول بذكره جل وعلا في كلمة الشهادة، والأذان والإِقامة، والتشهد، والخطب، وفي غير موضع من القرآن، وأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به كما قال حسان بن ثابت:

وضمَّ الإِله اسم النبي إِلى اسمه إِذا قـال في الخمس المؤذن أشهد

وشـقَّ له مـن اسمه ليُجلـه فـذو العـرش محمودٌ وهذا محمد

{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} أي بعد الضيق يأتي الفرج، وبعد الشدة يكون المخرج قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في ضيق وشدة هو وأصحابه، بسبب أذى المشركين للرسول والمؤمنين، فوعده الله باليسر، كما عدَّد عليه النعم في أول السورة تسلية وتأنيساً له، لتطيب نفسه ويقوى رجاؤه، وكأن الله تعالى يقول: إِنَّ الذي أنعم عليك بهذه النعم الجليلة، سينصرك عليهم، ويظهر أمرك، ويبدل لك هذا العسر بيسرٍ قريب، ولذلك كرره مبالغة فقال: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} أي سيأتي الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر فلا تحزن ولا تضجر وفي الحديث "لن يغلب عسرٌ يسرين" {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} أي فإِذا فرغت يا محمد من دعوة الخلق، فاجتهد في عبادة الخالق، وإِذا انتهيت من أمور الدنيا، فأتعب نفسك في طلب الآخرة {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} أي اجعل همَّك ورغبتك فيما عند الله، لا في هذه الدنيا الفانية قال ابن كثير: المعنى إِذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب إِلى العبادة، وقم إِليها نشيطاً فارغ البال،
0*0*0*0*0*0

..$.. تلاوة سوره الشرح 000 لاحمد العجمي00..$..
م
سورة الشرح



{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6 )فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7)وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ( 8) }.




* سورة الشرح مكية، وهي تتحدث عن مكانة الرسول الجليلة، ومقامه الرفيع عند الله تعالى، وقد تناولت الحديث عن نعم الله العديدة على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بشرح صدره بالإِيمان، وتنوير قلبه بالحكمة والعرفان، وتطهيره من الذنوب والأوزار، وكل ذلك بقصد التسلية لرسول الله عليه السلام عما يلقاه من أذى الفجار، وتطييب خاطره الشريف بما منحه الله من الأنوار {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}.


* ثم تحدثت عن إِعلاء منزلة الرسول، ورفع مقامه في الدنيا والآخرة، وقرن اسمه صلى الله عليه وسلم باسم الله تعالى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.



* وتناولت السورة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يقاسي مع المؤمنين الشدائد والأهوال من الكفرة المكذبين، فآنسه بقرب الفرج وقرب النصر على الأعداء {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.



* وختمت بالتذكير للمصطفى صلى الله عليه وسلم بواجب التفرغ لعبادة الله، بعد انتهائه من تبليغ الرسالة، شكراً لله على ما أولاه من النعم الجليلة {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ *وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}.* * *



تفصيل أكثر للسورة:

{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} استفهامٌ بمعنى التقرير أي قد شرحنا لك صدرك يا محمد بالهدى والإِيمان، ونور القرآن كقوله تعالى {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} قال ابن كثير: أي نَوَّرناه وجعلناه فسيحاً، رحيباً، واسعاً، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً، سمحاً، سهلاً، لا حرج فيه ولا إصرْ ولا ضيق وقال أبو حيان: شرحُ الصدر تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إِليه وهو قول الجمهور، وقيل: هو شق جبريل لصدره في صغره وهو مرويٌ عن ابن عباس {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} أي حططنا عنك حملك الثقيل {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أي الذي أثقل وأوهن ظهرك قال المفسرون: المراد بالوزر الأمور التي فعلها صلى الله عليه وسلم، وَوَضْعُها عنه هو غفرانها له كقوله تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وليس المراد بالذنوب المعاصي والآثام، فإِن الرسل معصومون من مفارقة الجرائم، ولكن ما فعله عليه السلام عن اجتهاد وعوقب عليه، كإِذنه صلى الله عليه وسل للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وعبسه في وجه الأعمى ونحو ذلك، قال ابن جزي: وإِنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهم، لهمِّهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله وهذا كما ورد في الأثر (إِنَّ المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه) والنقيضُ هو الصوتُ الذي يسمع من المحمل فوق ظهر البعير من شدة الحمل {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أي رفعنا شأنك، وأعلينا مقامك في الدنيا والآخرة، وجعلنا اسمك مقروناً باسمي قال مجاهد: لا أُذكر إِلا ذكرت معي وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إِلا ينادي: أشهد أن لا إِله إِلا الله وأن محمداً رسول الله، وفي الحديث (أتاني جبريل فقال لي يا محمد: إِن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك ؟ قلت: الله تعالى أعلم، قال: إِذا ذكرتُ ذكرتَ معي) قال أبو حيّان: قرن الله ذكر الرسول بذكره جل وعلا في كلمة الشهادة، والأذان والإِقامة، والتشهد، والخطب، وفي غير موضع من القرآن، وأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به كما قال حسان بن ثابت:

وضمَّ الإِله اسم النبي إِلى اسمه إِذا قـال في الخمس المؤذن أشهد

وشـقَّ له مـن اسمه ليُجلـه فـذو العـرش محمودٌ وهذا محمد

{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} أي بعد الضيق يأتي الفرج، وبعد الشدة يكون المخرج قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في ضيق وشدة هو وأصحابه، بسبب أذى المشركين للرسول والمؤمنين، فوعده الله باليسر، كما عدَّد عليه النعم في أول السورة تسلية وتأنيساً له، لتطيب نفسه ويقوى رجاؤه، وكأن الله تعالى يقول: إِنَّ الذي أنعم عليك بهذه النعم الجليلة، سينصرك عليهم، ويظهر أمرك، ويبدل لك هذا العسر بيسرٍ قريب، ولذلك كرره مبالغة فقال: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} أي سيأتي الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر فلا تحزن ولا تضجر وفي الحديث "لن يغلب عسرٌ يسرين" {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} أي فإِذا فرغت يا محمد من دعوة الخلق، فاجتهد في عبادة الخالق، وإِذا انتهيت من أمور الدنيا، فأتعب نفسك في طلب الآخرة {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} أي اجعل همَّك ورغبتك فيما عند الله، لا في هذه الدنيا الفانية قال ابن كثير: المعنى إِذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب إِلى العبادة، وقم إِليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة.

س

تفسير سورة الضحى
* سورة الضُّحَى مكية
وهي تتناول شخصية النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما حباه الله به من الفضل والإِنعام في الدنيا والآخرة، ليشكر الله على تلك النعم الجليلة.

* ابتدأت السورة الكريمة بالقسم على جلالة قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وأن ربه لم يهجره ولم يبغضه كما زعم المشركون، بل هو عند الله رفيع القدر، عظيم الشأن والمكانة .

* ثم بشرته بالعطاء الجزيل في الآخرة، وما أعدَّه الله تعالى لرسوله من أنواع الكرامات، ومنها الشفاعة العظمى
* ثم ذكَّرته بما كان عليه في الصغر، من اليتم، والفقر، والفاقة، والضياع، فآواه ربه وأغناه، وأحاطه بكلأه وعنايته.

* وختمت السورة بتوصيته صلى الله عليه وسلم بوصايا ثلاث، مقابل تلك النعم الثلاث، ليعطف على اليتيم، ويرحم المحتاج، ويمسح دمعة البائس المسكين ،وهو ختمٌ يتناسق فيه جمال اللفظ مع روعة البيان

سبب النزول:
نزول الآية (1) : وما بعدها:
أخرج الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله: {وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى*}.

معاني المفردات:
{سَجَى} أقبل بظلامه
{وَمَا قَلَى} ولا أبغضك منذ أحبك
{وَوَجَدَكَ عَائِلاً } أي ووجدك فقيراً محتاجاً

للاستماع إلى السورة
صوت الشيخ / سعود الشريم
س

تفسير سورة الليل
* السورة مكية
وهي تتحدث عن سعي الإِنسان وعمله، وعن كفاحه ونضاله في هذه الحياة، ثم نهايته إلى النعيم أو إِلى الجحيم.

* ابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالليل إِذا غشي الخليقة بظلامه، وبالنهار إِذا أنار الوجود بإِشراقه وضيائه، وبالخالق العظيم الذي أوجد النوعين الذكر والأنثى، أقسم على أن عمل الخلائق مختلف، وطريقهم متباين

* ثم وضحت سبيل السعادة، وسبيل الشقاء، ورسمت الخطَّ البياني لطالب النجاة، وبينت أوصاف الأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار

* ثم نبهت إِلى اغترار بعض الناس بأموالهم التي جمعوها، وثرواتهم التي كدسوها، وهي لا تنفعهم في القيامة شيئاً، وذكَّرتهم بحكمة الله في توضيحه لعباده طريق الهداية وطريق الضلالة

* ثم حذَّرت أهل مكة من عذاب الله وانتقامه، ممن كذَّب بآياته ورسوله، وأنذرهم من نار حامية تتوهج من شدة حرها، لا يدخلها ولا يذوق سعيرها إِلا الكافر الشقي، المعرض عن هداية الله

* وختمت السورة بذكر نموذج للمؤمن الصالح، الذي ينفق ماله في وجوه الخير، ليزكي نفسه ويصونها من عذاب الله، وضربت المثل بأبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالاً وأعتقه في سبيل الله

معاني المفردات:
{فَأَنْذَرْتُكُمْ} فحذرتكم يا أهل مكة
{تَلَظَّى} تتوقَّد وتتوهج من شدة حرارتها
{إِذَا تَرَدَّى } إِذا هلك وهوى في نار جهنم

للاستماع إلى السورة
صوت الشيخ / سعود الشريم
ا
بالصراحه تسلم على الموضوع الرائع

طالما تميزت بكتابة المواضيع الشيقه والمميزه

الى الامام انشالله
م
سورة الشَّمْس


{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا(2)وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا(3)وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا(4)وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا(5)وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا( 6)وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا( 8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا(11)إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا(12)فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا(13)فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا(14)وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا(15) }.



المعنــــــــى العــــــــــام:


* سورة الشَّمْس مكية، وقد تناولت موضوعين اثنين وهما:

1- موضوع النفس الإِنسانية، وما جبَلها الله عليه من الخير والشر، والهدى والضلال.

2- وموضوع الطغيان ممثلاً في {ثَمُودُ} الذين عقروا الناقة فأهلكهم الله ودمرهم.


* ابتدأت السورة الكريمة بالقسم بسبعة أشياء من مخلوقات الله جل وعلا، فأقسم تعالى بالشمس وضوئها الساطع، وبالقمر إِذا أعقبها وهو طالع، ثم بالنهار إِذا جلا ظلمة الليل بضيائه، وبالليل إِذا غطَّى الكائنات بظلامه، ثم بالقادر الذي أحكم بناء السماء بلا عمد، وبالأرض الذي بسطها على ما جمد، وبالنفس البشرية التي كملها الله وزينها بالفضائل والكمالات، أقسم بهذه الأمور على فلاح الإِنسان ونجاحه إِذا اتقى الله، وعلى شقاوته وخسرانه إِذا طغى وتمرد.


* ثم ذكر تعالى قصة {ثَمُودُ} قوم صالح حين كذبوا رسولهم، وطغوا وبغوا في الأرض، وعقروا الناقة التي خلقها الله تعالى من صخر أصم معجزةً لرسوله صالح عليه السلام، وما كان من أمر هلاكهم الفظيع الذي بقي عبرةً لمن يعتبر، وهو نموذج لكل كافرٍ فاجرٍ مكذب لرسل الله.


* وقد ختمت السورة الكريمة بأنه تعالى لا يخاف عاقبة إِهلاكهم وتدميرهم، لأنه {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}.





في تفصيـــــــــل الســــــــــــورة:


{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} أي أُقسم بالشمس وضوئها الساطع إِذا أنار الكون وبدَّد الظلام {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا} أي وأُقسم بالقمر إِذا سطع مضيئاً، وتبع الشمس طالعاً بعد غروبها قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إِذا غربت الشمس تلاها القمر في الإِضاءة وخلقها في النور، وحكمةُ القسم بالشمس أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإِذا ظهر الصبح وبزغت الشمس دبت فيهم الحياة، وصار الأموات أحياء فانتشروا لأعمالهم وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقتُ الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها، والشمسُ والقمر مخلوقان لمصالح البشر، والقسم بهما للتنبيه على ما فيهما من المنافع العظيمة {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا} أي وأقسم بالنهار إِذا جلا ظلمة الله بضيائه، وكشفها بنوره وقال ابن كثير: إِذا جلا البسيطة وأضاء الكون بنوره {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} أي وأقسمُ بالليل إِذا غطَّى الكون بظلامه، ولفَّه بشبحه، فالنهار يجلي المعمورة ويظهرها، والليل يغطيها ويسترها، قال الصاوي: وأتى بالفعل مضارعاً { يَغْشَاهَا} ولم يقل {غشيها} مراعاةً للفواصل {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} أي وأقسم بالقادر العظيم الذي بنى السماء، وأحكم بناءها بلا عمد قال المفسرون: {وَمَا} اسم موصول بمعنى "منْ" أي والسماء ومن بناها والمراد به الله رب العالمين، بدليل قوله بعده {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} كأنه قال: والقادر العظيم الشأن الذي بناها، فدلَّ بناؤها وإِحكامها على وجوده، وكمال قدرته {وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} أي وأقسمُ بالأرض ومن بسطها من كل جانب، وجعلها ممتدة ممهَّدة، صالحة لسكنى الإِنسان والحيوان، وهذا لا ينافي كرويتها كما قال المفسرون، لأن الغرض من الآية الامتنان بجعل الأرض ممتدة واسعة، ميسّرة للزراعة والفلاحة وسكنى الإِنسان {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} أي وأقسمُ بالنفس البشرية وبالذي أنشأها وأبدعها، وجعلها مستعدة لكمالها، وذلك بتعديل أعضائها، وقواها الظاهرة والباطنة، ومن تمام تسويتها أن وهبها العقل الذي تميز به بين الخير والشر، والتقوى والفجور، ولهذا قال {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي وعرَّفها الفجور والتقوى، وما تميز به بين رشدها وضلالها قال ابن عباس: بيَّن لها الخير والشر، والطاعة والمعصية، وعرَّفها ما تأتي وما تتقي قال المفسرون: أقسم سبحانه بسبعة أشياء "الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية" إِظهاراً لعظمة قدرته، وانفراده بالألوهية، واشارةً إِلى كثرة مصالح تلك الأشياء وعظم نفعها وأنها لا بد لها من صانع ومدبر لحركاتها وسكناتها وقال الإِمام الفخر الرازي: لما كانت الشمس أعظم المحسوسات، ذكرها تعالى مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمها، ثم ذكر سبحانه ذاته المقدسة، ووصفها - جلَّ وعلا - بصفاتٍ ثلاث ليحظى العقل بإِدراك جلال الله تعالى وعظمته، كما يليق به جلَّ جلاله، فكان ذلك طريقاً إِلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات، إِلى بيداء أوج كبريائه جلَّ شأنه {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} هذا هو جواب القسم أي لقد فاز وأفلح من زكَّى نفسه بطاعة الله، وطهَّرها من دنس المعاصي والآثام {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} أي وقد خسر وخاب من حقَّر نفسه بالكفر والمعاصي، وأوردها موارد الهلكة، فإِنَّ من طاوع هواه، وعصى أمر مولاه، فقد نقص من عداد العقلاء، والتحق بالجهلة الأغبياء.


العبرة بقصة ثمود، وحال من طغى

ثم ضرب تعالى مثلاً لمن طغى وبغى، ولم يطهر نفسه من دنس الكفر والعصيان، فذكر {ثَمُودَ} قوم صالح عليه السلام فقال {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} أي كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها {إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} أي حين انطلق أشقى القوم بسرعةٍ ونشاط يعقر الناقة قال ابن كثير: وهو "قدار بن سالف" الذي قال الله فيه {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} وكان عزيزاً شريفاً في قومه، ورئيساً مطاعاً فيهم، وهو أشقى القبيلة {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ} أي فقال لهم صالح عليه السلام {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} أي احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء، واحذروا أيضاً أن تمنعوها من سُقياها أي شربها ونصيبها من الماء كما قال تعالى {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} أي فكذبوا نبيهم صالحاً وقتلوا الناقة، ولم يلتفتوا إلى تحذيره {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} أي فأهلكهم اللهُ ودمَّرهم عن آخرهم بسبب إِجرامهم وطغيانهم قال الخازن: والدمدمة: هلاكٌ باستئصال والمعنى أطبق عليهم العذاب طبقاً فلم ينفلت منهم أحد {فَسَوَّاهَا} أي فسوَّى بين القبيلة في العقوبة فلم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا غنيٌ ولا فقير {وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا} أي ولا يخاف تعالى عاقبة إِهلاكهم وتدميرهم، كما يخاف الرؤساء والملوك عاقبة ما يفعلون، لأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل.


للاستماع

سورة الشمس...بصوت العفاسي

دعواتكم أرجو

مشاعر قلب
ش
تفسير سورة البلد

مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ( 6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8)
وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)
ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) .

يقسم تعالى ( بِهَذَا الْبَلَدِ ) الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق،
خصوصًا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) أي: آدم وذريته.

والمقسم عليه قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه
من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه
من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم.

وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد.

ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة،
ومع ذلك، [فإنه] لم يشكر الله على هذه النعمة [العظيمة]، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله
وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى: ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ )
ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه. فـ ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ) أي: كثيًرا، بعضه فوق بعض.

وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكًا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق،
ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير،
فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق.

قال الله متوعدًا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) أي: أيحسب في فعله هذا،
أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟

بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر.

ثم قرره بنعمه، فقال: ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ) للجمال والبصر والنطق،
وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن )
أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي.

فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه،
وأن لا يستعين بها على معاصيه ، ولكن هذا الإنسان لم يفعل ذلك.

( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) أي: لم يقتحمها ويعبر عليها، لأنه متبع لشهواته .

وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] العقبة بقوله: ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) أي: فكها من الرق،
بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار.

( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) أي: مجاعة شديدة، بأن يطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجة.

( يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ) أي: جامعًا بين كونه يتيمًا، فقيرًا ذا قرابة.

( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) أي: قد لزق بالتراب من الحاجة والضرورة.

( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به،
وعملوا الصالحات بجوارحهم. من كل قول وفعل واجب أو مستحب.
( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) على طاعة الله وعن معصيته، وعلى أقدار الله المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضًا
على الانقياد لذلك، والإتيان به كاملا منشرحًا به الصدر، مطمئنة به النفس.

( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) للخلق، من إعطاء محتاجهم، وتعليم جاهلهم، والقيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه،
ومساعدتهم على المصالح الدينية والدنيوية، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه،
أولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف، الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة
( أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) لأنهم أدوا ما أمر الله به من حقوقه وحقوق عباده،
وتركوا ما نهوا عنه، وهذا عنوان السعادة وعلامتها.

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا ) بأن نبذوا هذه الأمور وراء ظهورهم، فلم يصدقوا بالله، [ولا آمنوا به]،
ولا عملوا صالحًا، ولا رحموا عباد الله، ( والذين كفروا بآياتنا همْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَة * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ )
أي: مغلقة، في عمد ممددة، قد مدت من ورائها، لئلا تنفتح أبوابها،
حتى يكونوا في ضيق وهم وشدة .
ا

بعمق كلمات الوفاء
وجسد الشكر

أتوجه لكل من اقترح أوشارك في هذا الموضوع
بخالص الدعاء وجزيل الشكر وعظيم الامتنان

داعياً المولى عز وجل في هذه الليالي المباركة
أن يتقبل منا ومنهم وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم




@ تعلم الفوتوشوب مع ابو داحم @
X