سعود الشريم

.. طيف الأمل .. 14-09-2012 46 رد 19,364 مشاهدة
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]



قد حان يومك أيها القذافي ***** لا قول رمّال ولا عرّافِ

بل إنه قول اللبيب إذا رأى *****ظُلماً يفوق الحدّ في الأوصافِ

قد حان يومك يا عصيّاً باغياً *****والشعب يشدوا بالقصاص الوافي

أبشر بخسرانٍ أتاك ونكسة ***** فالخزي للفُجّار ليس بخافِ

أَوَلم يكن في اثنين قبلك عبرة ***** حتى تكون مثلثاً لأثافي

اين الضمير الحيّ أين بصيرة ***** أين الذي يسعى إلى الإنصاف

آذيتَ شعباً مسلماً وقهرته ***** وذبحته عمداً كذبح خرافِ

روّعت شعباً عزّلاً وسقيتهم ***** كأس الردى والذُّل والإجحافِ

جوّعتهم وحصرتهم وأهنتهم ***** ومنعت عنهم نخوة الإسعافِ

وأذقتهم مُرّ الأذى وحبستهم ***** مسترسلاً في القهر والإسفافِ

يتململون وليس ثمّة حيلة ***** فكأنهم كانوا على ضفضافِ

تالله جاوزت الطغاة حساسةً ***** أسرفت في الجبروت والإرجافِ

من يزرع الظلم العظيم لأمة ***** فغداً يذوق الويل عند قطاف

هذا مصيرك فالكتاب شواهدٌ ***** إن شئت فاقرأ سورة الأعرافِ

إن شئت فهرب يمنةً أو يسرةً ***** أو جوف كهفٍ والتحف بلحافِ

أو لُــذ بحصنٍ أو ببرجٍ شامخٍ ***** فالذُّلّ للطاغوتِ ختم مطافِ

يا أيها الشعب الأبيّ تحيةً ***** ها قد قصمتم عصبة الخطّافِ

ولقد دفنتم في الثرى ذلّاً مضى ***** حتى خلصتم من سنين عجافِ

فليبشر الليبي إذ يحيا غداً ***** في موطن يخلوا من القذافي











[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]


بئسَ القريبُ إذا أهـَـانَ قريْبـــــَـــا ***** وأذاقـــــهُ الَّتنـكيــلَ والتَّعذيْبــــــَــا



بئـسَ النِّـظـــامُ إذا تجبَّرَ حُكْـمـُـــهُ ***** فغـَــَـدا على أهلِ البِّـلادِ كئــيْــبــَـــا



ياشَـامَـنـا يا أرضَ أسلافٍ مَضَـواْ ***** مــنْ مُـسْمِعٌ فـي العالمـين لَبـيْـبـَــا



مـَـــنْ مُبْصرٌ قـَهْرَ الطًّغـاةِ ومُبْلِـغٌ ***** عــــنَّا شُـجـاعاً للـنـِّــداءِ مُجيْبــَـــا



يامـَـــنْ قـتـلتُـمْ دونَ قـلـبٍ أمَّـــــةً ***** وذبحتـموا صِبـيـانـَـهمْ وشَبــيْــبــَـا




أرْهَـبْتـُمُـوْا أمَّ الْيَـتِـيْـمِ وزوْجـَـــــةً ***** وأهَـنْـتُمـوْا شـيْخـــاً يدبُّ دبـِيْـبَـــــا



يامَــنْ أدرْتـُمْ لِلْـيهُـودِ ظُـهـورَكُـــمْ ***** ورَمَـْيتُـمُـوْا بالقـاتـِـلاتِ حَبـِيـْبــــَــا





قدْ كُـنْـتمٌـوْا صَوبَ العـدوِّ نَعـامــَـةً ***** وَعَوَيْـتـُمُـوْا نحوَالأقـَاربِ ذِيْـبــــَـا




يامَــنْ قـتـلْـتـمْ بالْخِيـانـةِ حـــمْــزةً ***** نَـجْـلَ الْخطِـيـبِ مُـعَـذَّباً ومَعِـيْـبـَـــا



[COLOR=#000000]إنا نُـبشِّــــرُكمْ بِـشَــرِّ عـقــوبـــــةٍ ***** ولـسَــوفَ تـلْـقَونَ الْـغـداةَ نَـصِـْيبَا




[COLOR=#000000]قُـلْـنا لَـكُـمْ لِـيْـنُـوْا علـى إخْوانِكـُــمْ ***** ولْـتـتَّـقُوْا التَّضْيِيـــقَ والتـأْلـيْـبـــَــا




[COLOR=#000000]ولْـتذكروا الَأيـْـامَ فـهْـيَ تـــَــدَاُولٌ ***** ولْـتسْـمعُـوْا الـَّتوبـِيْـخَ والتَّأنـِيْـبــَــا




[COLOR=#000000]كُـفُّوْاعنِ التَّـقْـتِـيلِ يا ويْـلَ الــَّــذ ***** لَـمْ يَخـْشَ ربَّاً للْـعـِبادِ رَقِـيْـبــــــَـــا




[COLOR=#000000]بـشَّارُ أبْـشِـرْ بالـبَـوارِ أقولـُــــــهَا ***** قـَـدْ كـانَ ربُّك شـَاهِداً وحسِـيْـبـــَــا




[COLOR=#000000]بـشَّـاْر إنَّ الـذُّلَ يـأْتـي بـغْـتــــَــــةً ***** لِـيـَصِيـرَ عِـزُّ الظالِمـيـنَ نحِـيْبــَــــا




[COLOR=#000000]هلْ كـنتَ يـوماً في البلادِ حمـامَــةً ***** أوْ كـنـتَ يوماً في الزَّمانِ طبِـيْـبــَـا




[COLOR=#000000]باللهِ قُـلْ لـِـيْ كـيـفَ تـرْقـُـدُ آمِـنـــاً ***** ويـَـدَاكَ تـَهــوَى الْقـَتْلَ والتَّخْرِيْبــَـا




[COLOR=#000000]باللهِ قـُـلْ لِـيْ كيــفَ تـهْـنـأُ لحْـظـةً ***** والأمْـرُ باتَ علـى الْعـِبَادِ عَصِيْـبـَـا




[COLOR=#000000]هَـلَّا تـذكـرْتَ الْحِسـَـابَ وسـَــاعَـةً ***** قـَـدْ تجْــعـَـلُ الوِلْدانَ فـِيْـهِ مَشِيْبَـــا




[COLOR=#000000]فاللهُ يُـمْـلِـــيْ لِلـظَّلـُــوْمِ زيــــَـــادةً ***** فـي الإثمِ كَيْ يصْلَى بذاكَ لَهِـيْبــَـــا




[COLOR=#000000]لكِنَّها الأيـــْـامُ خـَـيـْـرً شـــَـوَاهـِـــدٍ ***** مَنْ كانَ رَمْزَ الْقتلِ مَاتَ صَلِـيْـبـَـــا




[COLOR=#000000]فانْظُرْ إلى الْعِنبِ الَّلطِيفِ نَظَــــارَةً ***** لابُـدَّ يَوْمـَــاً أنْ يَحـُــوْلَ زَبِيـْـبـــَـــا



[COLOR=#000000]إنَّـا لَـنَرْجُــوْ ذُ لَّ كـُــــلِّ مُخــَـــرِّبٍ ***** قـُـلْنَا عَسَـاهُ أنْ يكـُـــوْنَ قريْـبــَــا




[COLOR=#000000]إنَّ احْـتِرَاقَ الـنَّارِ فــِيْ أعْـَوادِنـَـــا ***** قَدْ يُوْرِثً الْعـُـوْدَ الْمُحَرَّقَ طِيـْبـــَــا




مَنْ ذاقَ طَعْـمَ اْلمُرِّ وسْطَ مَظاْلــِــمٍ ***** لابُدَّ يوْمــَــــاً أنْ يَـذوْقَ جَنِيْبـــــَـــا






[/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR][/COLOR]

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]


الله أكبـر غــافـــرُ الـــزلاتِ ***** داعي الحجيج إلى ثرى عــــرفاتِ

اللهُ أكبر ملءَ مابين السمـا ***** والأرضِ عدّ الــرمــلِ والـــذراتِ

والحمدُ للهِ الـــعلي فــنـورهُ ***** في الذكرِ كالمصباحِ في المشكاةِ

اللهُ أكبــر بكــرةً وعشـيــةً ***** اللهُ أكبـر ســامـــعُ الأصــواتِ

اللهُ أكبر عــالـمـاً ومُـهيمناً *****مُحصي الحجيجِ وجامع الأشتاتِ

ماكان يخفاهُ الضمير وهمسةٌ ***** مهما تكُـــن عند إختلافِ لُغاتِ

اللهُ أكبر مُـبصرُ الـنملِ الذي ***** في ليلةٍ ســـوداء فــوقَ صـفاةِ

قد أبصرَ الـجمع الغفير وإنهُ *****ليرى نياط القلبِ والنــبضــاتِ

اللهُ أكبــر لن تُــواري دمــعةٌ ***** عنهُ الدُموع وخافـيَ العبـــراتِ

علمَ الغيوب وكلَ حـبةِ خرد***** ما قد مضى منها ومــا هــوَ آتِ

اللهُ أكبر فــاستــجب ياربنا ***** ولتمحُ عنا سالف الــعــثـــراتِ

وإغفر لحجاج أتــوا شــعــثاً فقد***** ناجوك يارحمنُ بالـزفـــراتِ

اللهُ أكبر أنت أرحـــمُ راحـــمٍ *****فاإقبل كريماً صالحَ الـدعـــواتِ

وإجعلهُ حجاً صالحاً مُــتقـبلاً ***** وإلطف بنا في الحشرِ والعرصاتِ



[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]


ياكشغريُّ لقدْ كشفتَ خفاكا ***** وكفرتَ بالرِّبِ الذي سوَّاكا


وخرجْتَ مِن ْدينِ الإلهِ مُذمَّماً ***** بمقالةٍ فيها الرَّجيمُ رقاكا

وقَدَحْتَ في شَخْصِ النّبيِّ محمدٍ ***** فحفَرْتَ يا صِنْوَ الرَّجيمِ ثراكا

ياكشغريَ اللؤمِ ياحِلْسَ الرَّدى ***** ويْحَ الذي بسفالةٍ دســَّـاكا


أنت السَّفيهُ فقدْ شتمتَ محمداً ***** يا ويلَ من يحميك أو يرعاكا


ياكشغريَ الفسقِ إنك مارقٌ ***** فلقدْ جعلتَ حِمَى النّبيِّ قفاكا

ياكشغريَ الشؤم ِياعلْجاً طغى ***** فَضَّ الإلهُ على المقالةِ فاكا

أتظنُ أنّك في الجموع مثقفٌ ***** فنثَرْتَ بالفكرِ اللعينِ هواكا


ما أنت إلا أخرقٌ ذو عاهةِ ***** في الفكرِ يالله ِ مـا أشقاكا

لسنا نراكَ اليومَ إلا فاجراً ***** متمرِّداً متحـــدياً أفــــّـاكا

آذيتنا وهتكْتَ حُرمةَ أحمدٍ ***** أوّاهُ لو جــــــــاءَ الذي ينعاكا

إني لأمقتُهُ وأمْقتُ إفكَهُ ***** ولسوفُ أمقتُ كُلَّ مَنْ آواكا

هذا الذي نجنيهِ مِنْ حرّيةٍ ***** قالتْ لكلِّ مُعــــــاندٍ حيـــَّـاكا

قالوا لمنْ سبَّ الزعيمَ منافقٌ ***** ولمِنْ رمى المختارَ أنتَ وذاكا


لا خيرَ فينا إنْ سُلِبنا غيرةً *****وقضى علينا ماكرٌ قـــــدْ حاكا


يا أمتي قومي لنصرةِ سيّدٍ ***** هيَّا أزيلي السُّمَّ والأشـــْـوَاكا

هذا أوانٌ لامتحانٍ قَدْ نَرىْ ***** مَنْ قَدْ بكا فِيهِ ومـــَـنْ يتبــَاكا

إنْ لَمْ يقم فينا حُمَاةُ محمَّدٍ *****فلسَوْفَ نلقى في الغداةِ هلاكا

ياربُ أكرمنا بنصرةِ أحمَدٍ ***** وادْحَرْ دعِيَّا قــــَـدْ أرادَ حِمـــَـاكا







[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]



حينمآ يصعد الى [COLOR=darkred]المنبر ترآ في ملامح وجه الصدق
والقوة..ترآه يمشى وقلوب الناس ترتقب ما سيقوله اليوم في
خطبته..أعتادوا على طرح المواضيع الجذابة وقوة في الالقاء وجزالة في الكلمة ..

وحينمآ يتكلم عن النعيم والعذاب ترآ عيناه تغلبه بالبكاء..!
وحينمآ يتكلم عن قضايا أمته فأنه لا تأخذه في الله لاومة لائم..!

جراءة في الطرح ، ووضوح المقصود ، وتجديد للالفاظ..
شمولية خطبه على الاثارة ..والرقائق..وقوة العاطفة..
كثرة الشواهد القرانيه والنبويه والشعريه..![/COLOR] ( مقدمة مُقتبسة )

فيما يلي اخترتُ لكم بعض الخطب النصية للشيخ في أعوام مختلفة

أسال الله أن ينفع بها






[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]


الحمد لله الذي لا يزول ولا يتغير .
سبحانه جعل في تعاقب الليل والنهار عبرة لمن يتذكر .
أحمده سبحانه وأشكره وأستغفره وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه المبين " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ "

وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله دعى إلى المداومة على الطاعة بفعله وقوله :" أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل " صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وكل من تمسك بهديه حتى يلقى الله وسلم تسليما كثيرا . أما بعد :-

فيا عباد الله اتقوا الله وأكثروا من اتباع الحسنة بالحسنة فو الله ما أجمل من الطاعة تعقبها الطاعات وما أجمل من الحسنة تجمع إليها الحسنات وأكرم بأعمال البر في ترادف الحلقات إنها الباقيات الصالحات التي ندب الله إليها ورغب فيها في محكم الآيات فقال تعالى :
" وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا " .

عباد الله إذا كان فعل السيئة قبيح في نظر الإسلام فما أشنعه وأقبحه بعد فعل الحسنة فلئن كانت الحسنات يذهبن السيئات فإن السيئات قد يقضمن الأعمال الصالحة عباد الله إن في استدامت أمل الطاعة وفي امتداد زمانها نعيم الصالحين وأمل المحسنين وليس للطاعة زمن محدود تنتهي بانتهائه ولا للعبادة أجل معين بل هي حق لله على العباد يعمرون به الزمان ويشغلون به فرص الحياة وسويعات العمر فالعبد المطيع لله الذي يقطع مرحلة الحياة في عبادة الله هو من أولياء الله المتقين الذين وعدهم الله بعظيم الأجر وسابغ الفضل حيث يقول وهو أصدق القائلين :
" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴿٤١﴾وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٤٢﴾كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ " .

ولقد كان شهر رمضان المبارك ميدانا لتنافس الصالحين بأعمالهم ومجال لتسابق المحسنين بإحسانهم وعاملا لتهذيب النفوس المؤمنة روضها على الفضيلة وارتفع بها عن الرذيلة وأخذت فيه دروس للسمو الروحي والتكامل النفسي فجانبت فيه كل قبيح وأكتسبت فيه كل هدى ورشاد فيجب أن تستمر النفوس على نهج الهدى والرشاد كما كانت عليه في رمضان فنهج الهدى لا يتحدد بزمان وعبادة الرب وطاعته يجب ألا تكون قاصرة على رمضان قال الحسن البصري رحمه الله :
" إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجل دون الموت ثم قرأ
" واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " " .



عباد الله كنتم في شهر الخير والبركة تصومون نهاره وتقومون من ليله وتتقربون إلى ربكم بأنواع القربات طمعا في ثوابه وخوفا من عقابه ثم انتهت تلكم الأيام وكأنها طيف خيال قد قطعتم بها مرحلة من حياتكم لن تعود إليكم
.
وإنما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خير أو شر وهكذا كل أيام العمر مراحل تقطعونها يوما بعد يوم في طريقكم إلى الدار الآخرة فهي تنقص من أعماركم وتقربكم من أجالكم .

تمر بنا الأيــــــام تــــتــــرى وإنــــما ××××× نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى ××××× ولا زائل هذا المشيب المكـــدر

عباد الله إن انقضى موسم رمضان فبين أيدكم موسم يتكرر في اليوم والليلة خمس صلوات فرضها الله على عباده تدعون إلى حضورها في المساجد لتقفوا بين يدي مولاكم وتستغفروه وتسألوه من فضله وبين أيديكم موسم يتكرر كل اسبوع وهو صلاة الجمعة ويوم الجمعة الذي اختص به الله هذه الأمة وفيه ساعة الإجابة التي لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وبين أيديكم مواسم في جوف الليل وفي وقت الأسحار .

فما بال الكثيرين أخذوا ينصرفون عن صالح الأعمال فبالأمس المساجد مكتضة بالمصلين والأصوات مدوية بتلاوة الكتاب المبين بالأمس انفقت الاف المئين على ذوي القربى والمساكين بالأمس وقد كنا مرغمين الشيطان بكثرة النوافل أخذ يهتز طربا من تركنا لها ويتصارع مع النفوس بترك الواجبات " إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير " وإن تلكم لمأسات كبرى وخسارة عظمى أن يبني الإنسان ثم يهدم وأن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .

فأين تلكم القلوب الخاشعة في رمضان والأهين الدامعة والألسن التالية والأيدي المنفقة أين تلكم الأرواح المقبلة على الله أين ذلكم الشعور الفياض في رمضان أفلم تكونوا تعلمون أن رب رمضان هو رب شعبان وشوال الم تعلموا أنه أخبر عن نفسه سبحانه بأنه مع المحسنين في كل زمان الم تعلموا أنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا نزول يليق بجلاله حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه سئله فما هذا الإنصراف يا عباد الله ما هذه الرغبة عن الله الذي يحب من عباده المداومة على تقواه .

فحذاري يا من سمت وجوههم في رمضان إلى درجات الصالحين وتنعمت بلذة المناجة وانخرطة في سلك الطائعين أن تهدموا ما بنيتم وتبددوا ما جمعتم .
حذاري يا من كان في رمضان تقيا نقيا رحيما أن تحول نفسك شيطانا رجيما .
حذاري من النكوص على الأعقاب واللإتفات عن الله بعد أن أقبلت عليه تائبا من ذلك راغبا في رحمته خائفا من نقمته .
حذاري بعد أن كنت في عداد الطائعين وحزب الرحمن واسبل عليك لباس العفو والغفران أن تخلعه بالمعصية فتكون من حزب الشيطان .
حذاري أن توقع نفسك في المعاصي فإنها شهوة قصيرة عاجلة تعقبها حسرة دائمة ونار حامية .

عباد الله إن للقبول والربح في هذا الشهر علامات وللخسارة والرد علامات واضحة يعرفها كل إنسان من نفسه ففكروا في أنفسكم من كان حاله في الخير والاستقامة بعد رمضان أحسن من حاله قبله من حسن سلوك وابتعاده عن المعاصي فهذا دليل على قبول أعماله الصالحة في رمضان ودليل على ربح تجارته في رمضان .

ومن كان بعد رمضان كحاله في رمضان أو أسواء مقيم على المعاصي بعيد عن الطاعة يرتكب ما حرم الله ويترك ما أوجب الله يسمع النداء للصلاة فلا يحيب ويعصي فلا يتوب لا يدخل مع المسلمين إلى بيوت الله ولا يتلوا كتاب الله لا يتأثر بالوعد والوعيد ولا يخاف من التهديد سماعه للأغاني والمزامير ونطقه قول الزور وشرابه الدخان والمخدرات والخمور وماله من الرشوة والربا وبيع السلع المحرمة والكذب في المعاملة والغش والفجور ماذا استفاد هذا من رمضان ومن مواسم المغفرة في رمضان إنه لم يستفد سواء الآثام والخسران والعقاب والنيران فيا عظمى الخسارة ويا فداحة المصيبة ويا هو العقوبة نعوذ بالله من العمى بعد البصيرة ومن الظلالة بعد الهدى .

فاتقوا الله عباد الله وواصلوا السير إلى الله فمن زرع وتعاهد زرعه بالسقي حصد ومن زرع الحبوب وما سقاها تأوه نادما نادما يوم الحصاد .
اللهم ارزقنا الاستقامة على دينك في رمضان وفي غير رمضان .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم .
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .


الخطبة الثانية


الحمد لله الرافع الخافض يرفع المتقين بطاعته ويخفض العصاه بخذلانه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله وأعلموا أن مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعد خروجه من تبديل نعمة الله كفرا فمن عزم على معاودة المعاصي بعد رمضان فصيامه عليه مردود وباب الرحمة في وجه مسدود
.
إن هذه الشهور والأعوام والأيام كلها مقادير الآجال ومواقيت الأعمال ثم تنقضي سريعا وتمضي جميعا والذي أوجدها وابتدعها باق لا يزول وباقي لا يحول هو في جميع الأوقات إله واحد ولأعمال عباده رقيب ومشاهد قيل لبشر الحافي إن قوم يتعبدون الله في رمضان فإذا انسلخ تركوا قال : " بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان .

فاتقوا الله أيها المسلمون وألزموا أنفسكم المسلك القويم الذي سلكتموه في رمضان من اجتناب المعاصي والإكثار من أعمال البر ومتابعة الإحسان بالإحسان .
وإن من متابعة الإحسان صيام ستة أيام من شوال ندبكم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " من صام رمضان وأتبعه ست من شوال كان كصيام الدهر كله " ووجه كون صيام السته بعد رمضان كصيام الدهر هو أن الله يجزي عن الحسنة بعشرة أمثالها كما في قوله تعالى : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " فصيام رمضان مضاعف بعشرة شهور وصيام الست بستين يوما فحصل من ذلكم أجر صيام سنة كم .
عباد الله إن فضل الله عليكم متواصل ومواسم المغفرة لا تزال متتالية لمن وفقه الله لإغتنامها فإنه لما انقضى شهر رمضان دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام فكأنما من صام رمضان وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه فكذلك من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها له عليه وظيفة من وظائف الطاعات فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه فشكر الله على هذه النعم واغتنموها بطاعته ولا تضيعونها بالغفلة والاعراض عنه .
هذا وصلوا رحمكم الله على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال أعز من قائل حكيم :

" إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "

الله صلى وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وأرضى اللهم على صحابته الطيبن الطاهرين وعن التابعين ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر اعداء الدين واجعل هذا البلد آمنا مطمئن وسائر بلاد المسلمين .
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين .
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى اللهم أصلح له بطانته يا ذى الجلال والإكرام .
اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريق وسلما .
ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
عباد الله إن الله يامر بالعدل والإحسان وايتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا .
إن الله يعلم ما تفعلون






[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
الخطبة الأولى



أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، اصدقوا مع الله، واصدقوا مع عباد الله، فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا.

صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وعفة النفس، والقناعة بالمقسوم من صفات المؤمنين. والكذب والخيانة، والطمع الخبيث والخداع، من علامات المنافقين
{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ [البقرة:204].
قد اشترى الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة والعاجل بالآجل، فهو من المارقين، وبظلمه واقترافه الكذب، قد خرج من المخاطبين بقوله:

يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ [التوبة:119].

أيها المسلمون، إن كثرة الكذب وقلة الصدق، آفة إذا استشرت في مجتمع ما، قوضت أركان سلامته، وهدمت أساس استقراره، وبدلت اطمئنان أفراده قلقا، وسعادتهم شقاء، لأن حياة المجتمع في الثقة بين أفراده، ولنا أن نتصور إنسانا يعيش في مجتمع مليء بالكذبة، فكيف تكون حاله؟

كل خبر يسمعه لا يطمئن إلى صدق مخبره فيه، حتى يتأكد بنفسه، وكل سؤال يسأله لا يرتاح إلى صدق مجيبه حتى يبلوه، لا يطمئن في التعامل مع أهله وجيرانه، ولا في بيعه وشرائه، ولا في مكتبه وعمله، لأنه لا يثق بصدق الناس في إخبارهم وتعاملهم، فهل يمكن للمسلم في مثل هذا الجو القاتم أن يحيا حياة مثمرة، فضلا عن أن تكون حياة سعيدة هانئة؟

إن تقدم المجتمع المسلم ورفاهيته وسلامته واطمئنان أفراده، كل ذلك مرهون بشيوع الصدق بين أفراده، وانتشار الثقة بينهم، واضمحلال الكذب إلى أقصى حد ممكن، في تعاملاتهم وعباداتهم وإعلانهم ومدارسهم، وفي شؤون حياتهم كلها.

أيها المسلمون، لقد حث النبي على الصدق، لأنه مقدمة الأخلاق، والداعي إليها وهو علامة على رفعة المتصف به، فبالصدق يصل العبد إلى منازل الأبرار، وبه تحصل النجاة من جميع الشرور، كما أن البركة مقرونة بالصدق، قال : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)) [رواه البخاري ومسلم][1].

ولذا، فإنك لا تجد صادقا في معاملته، إلا وجدت رزقه رغدا، وقد حاز في ذلك الشرف والسمعة الحسنة، ويتسابق الناس إلى معاملته، فالصادق يطمئن إلى قوله العدو والصديق، الصادق الأمين مؤتمن على الأموال والحقوق والأسرار، ومتى حصل منه كبوة أو عثرة، فصدقه شفيع مقبول، والكاذب لا يؤمن على مثقال ذرة، ولو قدر صدقه أحيانا، لم يكن لذلك موقع، ولا حصل به ثقة ولا طمأنينة، ألا ترى قول الله ـ عز وجل ـ في إخوة يوسف عندما قالوا لأبيهم:

يأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ % وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ % قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا [يوسف:81-83].

فصدقهم هذا أبطله كذبهم الأول حينما قالوا عن يوسف: أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ [يوسف:14].

ناهيك ـ أيها المسلم ـ عمن اعتاد على الكذب وصار عادة له هل تخاله يصدق ولو مرة؟

قال الأصمعي: قلت لكذاب أصدقت قط؟ قال: لولا أني أخاف أن أصدق في هذا لقلت لا. فتعجب.

فالصدق ـ أيها الأخوة ـ تبرم به العهود الوثيقة، وتطمئن له القلوب على الحقيقة، فمن صدق في حديثه كان عند الله وعند الناس صادقا محبوبا، مقربا موثوقا، شهادته بر، وحكمه عدل، ومعاملته نفع، ومن صدق في عمله، بَعُد من الرياء والسمعة، صلاته وزكاته، وصومه وحجه، وعلمه ودعوته، لله وحده لا شريك له، لا يريد بإحسانه غشا ولا خديعة، ولا يطلب به من أحد من الناس جزاء ولا شكورا، يقول الحق ولو كان مُرًّا، لا تأخذه في الصدق مع الله لومة لائم، فصدقه في أقواله وأفعاله، هو مطابقة مظهره لمخبره، وتصديق فعله لقوله.

فالعلماء الذين ورثوا الأنبياء في رسالتهم، وفي تبليغ الدين الذي جعله الله أمانة في أعناقهم، يجب أن يكونوا القدوة الصالحة في تحريهم للصدق، في أقوالهم وأفعالهم، وأن يعملوا بما يحملونه من العلم وينقلونه من الدين، كما قال ـ تعالى ـ :

وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79]. وتلك ـ أيها الإخوة ـ من أبزر مظاهر الصدق في العالم.

والتاجر الذي يعرض السلعة، يؤمل فيها الربح المبارك، يجب عليه أن يتحرى الصدق في قوله وعمله، فلا يروج سلعته بالكذب، والأيمان الفاجرة، فإن ذلك يمحق به الكسب، ويذهب به بركة الربح.

والمحترف بأية حرفة، والصانع في أي مجال للصناعة، يجب أن يتحرى الصدق في قوله وعمله، فلا يزعم زعما لا يصدقه الواقع، وتكذبه الحقيقة.

والموظف المؤتمن على مصالح الأمة، مهما ارتفعت وظيفته، واتسع نفوذه وتشعبت مسؤولياته يجب عليه أن يتحرى الصدق، فيما يرفعه إلى ولاة الأمر عن الرعية من تقارير وأحكام، فلا يقرر غير الواقع، ولا يلبس أو يحابي أو يجامل أناسا على حساب الآخرين، وإلا كان غاشا للناس، مدلسا فيما يرفعه لولاة الأمر من مصالح العباد وشؤونهم، تعظم مسؤوليته أمام الله، ويؤاخذ على ظلمه للعباد وتقريره خلاف الواقع ((ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) [رواه البخاري ومسلم][2].

وكذلك من يحترف الصحافة، أو يتصدى لإشاعة الأخبار بأي وسيلة من الوسائل، يجب عليه أن يتحرى الصدق فيما ينقله ويرويه، فلا ينقل كذبا، ولا ينشر باطلا، فإن الكذب حين يذاع، والباطل حين ينشر، يعظم بين الناس خطره، ويتفاقم ضرره، لذلك كله يضاعف الله عقابه، قال رسول الله في حديث طويل مفاده ((رأيت الليلة رجلين أتياني، وقالا: إن الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة)) [رواه البخاري ومسلم][3].

فالصدق ـ يا عباد الله ـ، بالإضافة إلى أنه أثر للصلاح، وعامل للفلاح، هو ضياء للساري في خضم هذه الحياة الصاخبة، يهديه للتي هي أقوم، حتى يكتب من الصديقين، ومن زمرة البررة الصالحين.

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر، فقد أخبر ـ سبحانه ـ أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه، قال ـ تعالى ـ: هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119].

أيها المسلمون، لقد أمر الله رسوله ، أن يسأله بأن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق؛ حيث قال:
وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا [الإسراء:80]. وأخبر عن خليله إبراهيم بقوله:

وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلاْخِرِينََ [الشعراء:84].

وبشر عباده بقوله:

وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ [يونس:2]. وقال ـ تعالى ـ:
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ [القمر:54، 55].

فهذه خمسة أشياء، مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق، وحقيقة هذه كلها هو الحق الثابت المتصل بالله، الموصل إلى الله، وهو ما كان بالله ولله من الأقوال والأفعال.

وعلى هذا الطريق وهذا النهج القويم، سار سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ، فضربوا لنا أروع الأمثلة، وبلغوا قمم البطولات، وأناروا بصدقهم دياجير الظلمات، ورسموا لنا معالم الصدق على صحائف من نور.

فهذا أنس بن النضر حين قال: أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله ، ليرين ما أصنع، فشهد أحدا، فاستقبله سعد بن معاذ فقال إلى أين؟ فقال: واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد. فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون، ما بين رمية وضربة وطعنة، فنزل قوله ـ عز وجل ـ:

مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً [الأحزاب:23].

وهذا كعب بن مالك عندما صدق في تخلفه عن غزوة تبوك وكان من الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، قال له رسول الله : ((أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)). قلت أمن عندك، أم من عند الله؟ قال: ((من عند الله)) قلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما تعمدت كذبه منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا، وإني لأرجو الله أن يحفظني فيما بقي [4].

قال عمر بن الخطاب ، عليك بالصدق وإن قتلك. وقال محمود الوراق: الصدق منجاة لأربابه وقربه تدني من الرب، والصادق في عمله يدور مع الشرع حيث دار.

أيها المسلمون، إنكم ترون بأعينكم، كيف تأخر بنا الشوط، وسلب منا المجد، مع كثرتنا العددية على سطح الكرة الأرضية، وما ذاك إلا من تهورنا، وقلة صدقنا، وفشوا جهلنا.

فما أجدرنا أن يكون الصدق رائدا لنا في جميع أعمالنا وأقوالنا! وليس ذلك على همة المسلم المخلص ببعيد.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ [محمد:21].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





--------------------------------------------------------------------------------

[1] صحيح البخاري ح (2110)، صحيح مسلم ح (1532).

[2] صحيح البخاري ح (893)، صحيح مسلم ح (1829).

[3] صحيح البخاري ح (7047)، ولم أجده في مسلم.

[4] أخرجه مسلم ح (2768).




الخطبة الثانية



الحمد لله، وعد الصادقين بالمغفرة والأجر الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ عنهم شذ في النار.

عباد الله، إلى جانب الفضائل والمحامد التي يغرسها الإسلام في النفوس، كوسيلة للصلاح والإصلاح، إلى جانبها نقائص ورذائل حاربها الإسلام، لأنها مزلة للأقدام وعوامل لهبوط النفس الخلقي، وفي طليعتها الكذب، فهو من أقبح النقائص، وأردى الرذائل، قال ـ تعالى ـ منفرا منه:

إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ [النحل: 105].

وقرن الله ـ تعالى ـ الكذب بعبادة الأوثان، فقال ـ تعالى ـ:

فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلاْوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ [الحج:30].

فهل بعد ذلك سبيل، إلى أن يتخذ المؤمن الكذب مطية لسلوكه، أو منهجا لحياته ورغباته، أو حبلا يتسلق به إلى مآربه؟ لذلك نرى الإسلام قد حارب الكذب بكل صنوفه وأشكاله، حربا شعواء لا هوادة فيها. قيل للنبي : أيكون المؤمن جبانا قال: ((نعم))، قيل له: أيكون بخيلا؟ قال: ((نعم))، قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: ((لا)) [رواه مالك في الموطأ][1].

فما أجدر من اعتاد الكذب، بأن ينبذ من المجتمع ويهجر، ويقاطع فلا يعامل، ولا يصاحب ولا يجاور! لقد كذب الشيطان حين قال:

قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف:12].
فقال له ربه: قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ [الحجر:34، 35].

وكذب اليهود والنصارى في قولهم: نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، فأخزاهم الله ورد عليهم : بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة: 18].

وتتفاوت درجات الكذب في دنيا الناس بقدر ما يحدثه من خطر وضرر، فأعظم الكذب إثما القول على الله بغير علم، والجرأة على التحريم والتحليل دون نص واضح

وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل: 116].

يلي ذلك الكذب السافر، الذي يتردد صداه، والذي يقرره أربابه، وكأنه حقيقة لا تقبل الشك، فيبلغ الدنيا، وتبلبل به أفكار المجموع، وقد يكون سببا في إثارة فتن عمياء، أو تأريث[2] نار العداء، لذا جاء النهي الصارخ :

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ [الحجرات:6]، وإن لنا ـ يا عباد الله ـ في أعقاب الزمن، من أمثال ذلك أشكالا وألوانا، تمثلها نفوس ضعيفة، وأرواح شريرة وأقلام مأجورة، حين يقلب أهلها الحق باطلا، والحسنات إلى سيئات، وحين يختلقون الأكاذيب المضللة التي تسير تبعا للأهواء والأغراض، ولا يعنيها تقرير الواقع، عاريا من الزيف، والإدلاء بشهادة الحق، إقرارا للعدل، واستجابة لأمر الله، حيث يقول:

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ [المائدة:8].

يلي الكذب السافر، كذب مشاع بين المجموع، فمن مقل منه ومن مكثر، يشمل جميع الطبقات في مختلف مجالاتهم، لا يتورع عنه إلا من عصمه الله وهداه.

فاتقوا الله عباد الله، وصلوا على نبيكم محمد ، فقد قال: ((من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا))[3]، اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

----------------------------------------------

[1] موطأ مالك (2/990) لكنه مرسل.

[2] التأريث : إيقاد النار . والقاموس المحيط للفيروز آبادي ، مادة أرث.

[3] أخرجه مسلم ح (408).

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
[COLOR=magenta]الخطبة الأولى : [/COLOR]
[COLOR=magenta] إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا . من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . [/COLOR]
[COLOR=blue]( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) . " سورة آل عمران ، الآية : 102 " [/COLOR]
[COLOR=blue]( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) " سورة النساء ، الآية : 1 " [/COLOR]
[COLOR=blue]( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً (71) ) " سورة الأحزاب ، الآيتان : 70،71 " [/COLOR]
أما بعد :
فإن الناس مازالوا منذ أذن فيهم إبراهيم عليه السلام بالحج ، يفدون إلى بيت الله الحرام في كل عام ، من أصقاع الأرض كلها ، وأرجاء المعمورة جميعها ، مختلفة ألسنتهم ، متباينة بلدانهم ، متمايزة ألوانهم ، يفدون إليه وأفئدتهم ترف إلى رؤيته والطواف به ، الغني القادر والفقير المعدم ، ومئات الألوف من هؤلاء ، يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة ، تلبيةً لدعوة الله ، التي أذن بها إبراهيم عليه السلام ، منذ سنين عديدة .
أيها المسلمون : إنه ليس من المستغرب أن يذكر المسلم شيئاً من قصة إبراهيم خليل الرحمن وشيخ الأنبياء ، مع قومه المجرمين الظالمين ، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [COLOR=green]( اقتلوا الوزغ ، فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم ) وفي رواية لأحمد : ( إن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ ، فإنه جعل ينفخها عليه ) . [/COLOR]
سبحانك يارب ، أي دين هذا الذي هديتنا إليه ، ورزقتنا اتباعه أية مشاركة تلك المشاركة ، التي أوجدها الإسلام بين أفراده ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!
منذ مئات السنين ، وكلما رأى المسلمون وزغاً سارعوا إلى قتله . لماذا ؟ أمن أجل أنه دويبة صغيرة فإن الدواب الصغار كثير ، ولم نؤمر بقتلها جميعاً ، أم من أجل أنه يلحق بالحشرات الضارة ، فإن الحشرات الضارة لا تحصى ، إذا‌‌‌ً من أجل ماذا ؟ من أجل أنه كان ينفخ النار على أبينا إبراهيم عليه السلام ، ولأجل أن عدو إبراهيم إنما هو عدو لكل مسلم ، وسيبقى المسلمون على ذلك حتى يبعث الله الأرض ومن عليها ، فلا ود ولا محبة لأعداء الدين ، ولو كانوا حشرات صغيرةً كالأوزاغ .
إذا‍ً ، فالمسلمون كالجسد الواحد ؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ، وبذلك يصير الدين الخالص أساس أخوة وثيقة العرى ، تؤلف بين أتباعه ، في مشارق الأرض ومغاربها ، وتجعل منهم على اختلاف الأمكنة والأزمنة ، وحدة راسخة الدعامة ، شامخة البناء ، وهذه الوحدة هي روح الإيمان الحي ، ولباب المشاعر الرقيقة ، التي يكنها المسلم لإخوانه ، حتى إنه ليحيا بهم ويحيا معهم وكأنهم أغصان انبثقت من دوحة واحدة . إن الأثرة الغالبة آفة الإنسان ، وخدش فضائله ، إذا سيطرت نزعتها على امريء محقت خيره ، وأحيت شره ، وحصرته في نطاق ضيق خسيس ، لا يعرف إلا نفسه ، ولا يهتاج بالفرح أو الحزن إلا لما يمسه من خير أو شر ، أما الدنيا العريضة ، والألوف المؤلفة من البشر المسلمين ، فهو لا يعرفهم إلا في حدود ما يصل إليه عن طريقهم ، ليحقق آماله أو يثير مخاوفه .
وقد حارب الإسلام هذه الأثرة الظالمة بالأخوة العادلة ، فمن حق أخيك عليك أن تكره مضرته ، وأن تبادر إلى دفعها أما أن تكون ميت العاطفة ، قليل الاكتراث – لأن المصيبة وقعت بعيداً عنك ، فالأمر لا يعنيك – فهذا تصرف لئيم ، وهو مبتوت الصلة بمشاعر الأخوة العامرة ، التي تمزج بين نفوس المسلمين فتجعل الرجل يتأوه للألم ينزل بأخيه .
أيها المسلمون : إن الحجاج إذ يستبدلون بزيهم الوطني زي الحج الموحد ، ويصبحون جميعاً بمظهر واحد ، لا يتميز شرقيهم عن غربيهم ، ولا عربيهم عن عجميهم ، كلهم لبسوا لباساً واحداً وتوجهوا إلى رب واحد ، بذكر واحد : [COLOR=red]لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، وتراهم وقد نسو كل الهتافات الوطنية وخلفوا وراءهم كل الشعارات القومية ، ونكسوا كل الرايات العصبية ، ورفعوا راية واحدة هي راية لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، يطوفون حول بيت واحد ، مختلطةً أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ، يؤدون نسكاً واحداً إن الإسلام يوم شرع الحج للناس ، أراد فيما أراد من الحكم ، أن يكونوا أمةً واحدة ، متعاونةً متناصرة ، متآلفة متكاتفة ، كمثل الجسد الواحد . [/COLOR]
وبهذه الصفة وتلك الجموع يقرر الإسلام أنه ليست هناك دواع معقولة ، تحمل الناس على أن يعيشوا أشتاتاً متناحرين ، بل إن الدواعي القائمة على الطريق الحق ، تمهد للمسلمين مجتمعاً متكافلاً تسوده المحبة ، ويمتد به الأمان على ظهر الأرض ، والله عز وجل رد أنساب الناس وأجناسهم إلى أبوين اثنين ، ليجعل من هذه الرحم ، ملتقى تشابك عنده الصلات ، وتستوثق العرى . [COLOR=darkorchid]( يا أيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) " سورة الحجرات ، الآية : 13 " . إنه التعارف لا التفاخر ، والتعاون لا التخاذل ، فأما اختلاف الألسنة والألوان . واختلاف الطباع والبلدان ، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق ، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف ، والوفاء بجميع الحاجات . [/COLOR]
وليس للون والجنس واللغة والوطن ، وسائر المعاني من حساب في ميزان الله ، إنما هنالك ميزان واحد ، تتحدد به القيم ، ويعرف به فضل الناس [COLOR=darkorchid]( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) " سورة الحجرات ، الآية : 13 " والكريم حقاً هو الكريم عند الله ، فهو يزنكم عن علم وخبرة (إن الله عليم خبير ) " سورة الحجرات ، الآية : 13 " . [/COLOR]
وأخوة الدين تفرض التناصر بين المسلمين ، لا تناصر العصبيات العمياء ن بل تناصر المؤمنين المصلحين لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، وردع المعتدي وإجازة المهضوم ، فلا يجوز ترك مسلم يكافح وحده في معترك ، بل لا بد من الوقوف بجانبه على أي حال لإرشادة إن ضل وحجزة إن تطاول ، والدفاع عنه إن هوجم ، والقتال معه إذا استبيح ، وذلك ، معنى التناصر الذي قرره الإسلام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[COLOR=darkorchid] ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) " رواه البخاري وغيره " . [/COLOR]
ومما اتخذه الإسلام لصيانة الأخوة العامة ، ومحو الفروق المصطنعة ، توكيد التكافؤ في الدم والتساوي في الحق ، وإشعار العامة والخاصة بأن التفاخر بالأنساب والألوان والأجناس أمر باطل [COLOR=darkorchid]" لأن الكل من أدم وأدم من تراب " فما يفضل المسلم صنوه إلا بميزة يحرزها لنفسه بكده وجده ، ألا وهي التقوى ، فمن لا تقوى له ، لم ينفعه أسلافه ولو كانوا تقاة الدنيا . [/COLOR]
أيها المسلمون : لقد كان كل شيء يهون على كفار قريش ، إلا تحطيم الفخر بالأنساب ، والاغترار بالآباء والأجداد ، وما كان يخفى عليهم ما في عقائدهم من سخف ، ولم يخف عليهم أن ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم خير مما هم عليه من عقيدة ، ولكنهم كانوا يدفعونها بكل ما يملكون من قوة .. لماذا ؟ وما هو السبب ؟ لأن ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم فيه تحطيم لسيادتهم وفوارقهم واعتزازهم بأنسابهم . فقد كانت جمهرة الحجيج تقف بعرفات وتفيض منها ، أما قريش .. فكانت تقف بالمزدلفة ومنها تفيض ، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم وهو من أشراف قريش يقف بعرفات ، ويأمر الله قريشاً فيقول :[COLOR=green] ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) " سورة البقرة ، الآية : 199 " تحقيقاً للمساواة بين المسلمين . [/COLOR]
وكان الرجل من أشراف قريش يأنف أن يزوج ابنته أو أخته من الرجل العربي من عامة الناس ، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم – وهو من قريش – فزوج ابنة عمه زينب بنت جحش من مولاه زيد وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :[COLOR=green] ( يا بني بياضة ، أنكحوا أبا هند ، وأنكحوا إليه ) " رواه أبو داود والحاكم بسند جيد " وكان حجاماً رضي الله تعالى عنه . [/COLOR]
وبهذا كله .. يقف الإسلام فريداً بين جميع أنظمة الدنيا، التي عرفها البشر قديماً وحديثاً . ويقف الإسلام . فريداً في مداراته لجميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض ، وإرخاصه لجميع القيم التي يتكالب عليها الناس ، ليرفع لواء ضخماً واحداً ، يتسابق الجميع ليقفوا تحته ، ألا وهو لواء التقوى ؛ الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من أخطبوط العصبية للجنس ، والعصبية للأرض والعصبية القبلية ، بل والعصبية ضد الرق ليقول صلى الله عليه وسلم[COLOR=green] ( من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه ، ومن أخصى عبده أخصيناه ) " رواه أحمد والأربعة " وينقذ البشرية من عصبية الرجل ضد المرأة ، في الوقت الذي كانت الجاهلية تئد فيه البنات ، فيقول الله عز وجل : ( وإذا الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت )" سورة التكوير ، الآيتان : 8 ، 9 " ويقول ( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) " سورة النساء ، الآية : 32 " قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية . تحت قدمي موضوع ) " رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة وغيرهم . [/COLOR]
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

[COLOR=red]الخطبة الثانية : [/COLOR]
[COLOR=red] الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، الداعي إلى رضوانه ، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه . [/COLOR]
أما بعد :
فيا أيها المسلمون : إنه في الوقت الذي جاء الإسلام فيه محارباً للعصبية ، ومبطلاً لها ، لم يترك باباً من أبوابها إلا أغلقه ، ولا نافذةً من نوافذها إلا طمسها ، سوى عصبية واحدة ، ذات صفة محمودة ، وطبع مندوب ، ألا وهي العصبية للدين والعقيدة الصحيحة ، فلا توالي إلا في الدين ، ولا تعادي إلا فيه ، تحب من أحبه ولو كان أبعد بعيد ، وتبغض من أبغضه ولو كان أقرب قريب ، لا تغضب إلا لله ولا تنتصر إلا لله ، لله وحده ، واعلموا أيها المسلمون ، أن من لم يحمل شيئاً من ذلك ، فهو ممقوت عند الله ، منبوذ بين المسلمين تنفر منه الطباع السليمة ، والقلوب المؤمنة ، لا يحلو له طعام ، ولا يهنأ له شراب ، ولا يجد أثر السعادة ، ولا يذوق حلاوة الإيمان ، فهو نطيحة متردية . نعوذ بالله من ذلك .
ثم اعلموا أيها المسلمون أنكم وإن وفقتم لنزع العصبية الجاهلية من قلوبكم ، وطهرتم منها مجتمعكم فلن تسلموا من عصبية كبرى خارجة عن إرادتكم ، وهي ليس بأيديكم ، ولا يمكن لمسلم ولا مسلمة أن يعيش على هذه البسيطة ، إلا وينال من بلائها ويذوق من مرارتها ، إنها عصبية الكفار لكفرهم ، تلكم العصبية التي تغلي في نفوسهم ضد المسلمين ، والتي لم يسلم منها أحد حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذه العصبية باقية إلى قيام الساعة ، لا تنطفئ نارها ، ولا ينام أربابها ، وربما تقنعوا بأقنعة كثيرة لتغطيتها ، إلا أنها لا تخفى على ذي لب من المسلمين .
وهي وإن علت تارةً ، وانخفضت أخرى ، إلا أنها في هذا العصر ، قد كشرت عن أنيابها ، وشمرت عن سواعدها ، فلم تعد تلكم الأقنعة ، تجدي ، ولم يبق لذلك التلون من سبيل ، إذا لم يبق إلا أن أعلنوها صريحةً واضحة ، وهذا الإعلان ، وتلكم الصراحة لم تكن بخط اليد ، ولا بنطق اللسان فحسب ، بل بنطق الدماء ، وبكاء الثكالى ، وأنين الأيتام إنه الدم المسلم المراق .
فا تقوا الله أيها المسلمون ، وصلوا على من أمركم بالصلاة عليه فقال عز من قائل عليم[COLOR=magenta] ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) " سورة الأحزاب ، الآية : 56 " . [/COLOR]
[COLOR=blue]اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين . [/COLOR]
[COLOR=blue] اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ، ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين . برحمتك يا أرحم الراحمين . [/COLOR]
[COLOR=blue] ربنا آتتا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . [/COLOR]
[COLOR=blue] عباد الله اذكروا الله العظيم يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون . [/COLOR]

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
[COLOR=red]الخطبـــة الأولى : [/COLOR]
الحمد لله هادي العباد الرقيب على خلقه يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور ، أحمده سبحانه حمد عبد خافه ورجاه واشكره والشكر واجب على العبد لمولاه ،
واشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ولا ند له في جلاله وكماله وعلاه ،
واشهد أن محمدا عبده ورسوله صفوة الخلق وأفضل الهداة إلى صراط الله - صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وأتبع هداه ...
اما بعد :
فيا عباد الله قرة عين المؤمن وطمأنينة قلبه تبدو واضحة في تقواه لربه فإن تقوى الله هي أساس كل صلاح وسلوان كل كفاح ،
[COLOR=teal]أيها المسلمون : في يوم مليء بالحزن والأسى يعلوه الصمت الرهيب وتغمر الوجوه فيه دموع شفافة وتخترق جدران صمته همسة رقيقة أسيفة ، في يوم وقف المسلمون فيه بخشوع والدنيا من حولهم هاجعة صامته تواجه الأمة فيه خطبا جليلا [/COLOR]
زعزع المسلمين و أذهلهم أو كاد يطير بألبابهم وذلك الموقف المهيب لم يقطعه سوى صهيل فرس جاءت تركض بعد أن خلعت رثنها وقطعت شوارع المدينة وثبا وراء جثمان صاحبها يقودها عبيره وأريجه وكم كانت المواقف عظيمة والآثار المضمية جسيمة
كل ذلك كان حزنا وأسى على فراق خير البريه وأزكى البشرية جمعا إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوى في مرقده وفاضت روحه بأبي هو وأمي ومات فوق الأرض التى طهرها من وساوس الوثنية وأزاح من طريقها كل قوى الشرك لقد لحق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى ليحمل أصحابه من بعده مسؤلية الدعوة ولم يكن الأمر حينها جرعة ماء ولا إقتسام غنيمة لا وربي ومع ذلك لم تمضي إلا ليلة واحدة بل لم تمضي إلا ساعات قليلة والدموع في المآقي و غصة في الحلوق ولكن المهمة عظيمة والمسؤلية جسيمة وأمر المسلمين لا ينبغي أن يترك لهجمات الرياح ونزعات العواطف بل لم تمضي تلك الليلة إلا وقد بويع فيها لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - خليفة للمسلمين بعد ذلك عظم الخطب وأشتدت الحال ونجم النفاق في المدينة وأشرئبت اليهودية والنصرانية وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتيه وأرتد من أرتد من أحياء العرب حول المدينة
وأمتنع آخرون من دفع الزكاة ولم يبقى للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة
عند ذلك وقف المسلمون الصادقون وقفة إيمانية ظاهرة وصفو صف إسلامي متراصا فلم يخافوا تلك الجمع المرتده ولم ترهبهم تلك القوى المتألبة
لماذا ؟
لأنهم صدقوا الله البيعة وأحسنوا الإسلام ، لقد كانت الردة خطر عظيم هدد مكة والمدينة ومجتمع المسلمين كله .
بل قام المنافقون يودون أن تنقض عرى الإسلام من جديد عروة عروة عند ذلك أشار بعض المسلمين على الخليفة أن يتركهم وماهم عليه ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم ولكن الصديق - رضي الله عنه - صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد فهم الإسلام قولا وعملا وعلم أنه منهج رباني متكامل وأن الأمر لم يكن بهذه الصورة التي عرضها عليه أصحابه وأن القضية لم تكن بتلك الموازين بل إن الأمر أعظم من ذلك فلم يتمالك الصديق - رضي الله عنه - حينها إلا أن يرفع عقيرته قائلا : ( [COLOR=royalblue]لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ) [1][/COLOR]
[COLOR=teal]أيها المسلمون : إن أمر الصلاة والزكاة والحج والصيام والجهاد وغيرها من شعائر الإسلام وتشريعاته ليس في حقيقته إلا إنه إخلاص العبودية لله وحده أو أنه اتخاذ شركاء معه فالإنسان إما أن يكون مسلما أو لا يكون ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) [2] أما حينما يقبض الرجل من الإسلام مايستهويه ولا يتناقض مع مصالحه وشهواته ومطامعه ثم يأخذ من الجاهلية مايستهويه ايضا فذلك الظلال والشرك معا [/COLOR]
إن إنتقاص منهج الله - جل وعلا - في شعيرة أو أمر من الأمور التي شرعها الله يعني الإعتقاد بأنه منهج ناقص قاصر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
والدين الإسلامي منهج متكامل يقوم أساسا على قاعدة الإيمان بالله وحده وأن محمد رسولا من عنده إيمانا حقيقيا واضحا يكون من مقتضاه الإستسلام لله سبحانه ونفي كل عبودية لغير الله في كل شؤون الحياة العامة والخاصة لهذا كان موقف الصديق - رضي الله عنه - واضحا مما جعل المسلمين يطمئنون إلى هذا الموقف ويتنبهون إلى حقيقة غابة عنهم قليلا في غمرة الأحداث المفجعة ..
[COLOR=teal]أيها المسلمون : ماذا تعني الردة عن الإسلام في عرف أهل العلم إنها إبدال دين الإسلامية وعقيدته لإحلال غيرها مكانها [/COLOR]
أو هي إنكار شيء مما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثبت في الضرورة من دين الإسلام أو هي الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض وكان المرتد في الصدر الأول من الإسلام رجل منبوذ ممقوتا لا يخفى على الناس أمره ولا يكون إرتداده في غالب الأحوال سرا من الأسرار وقد ظن كثيرا من الناس أن ظاهرة الردة قد وؤدأت إلى غير رجعة بؤد أبي بكر لها ولكن الأمر على العكس من ذلك فإن الردة عن الإسلام قد تطفأ نارها تارة وتضرب تارة أخرى وقد تكون كالحرباب فتتلون وتتغير بألوان تواكب العصر والحضارة وقد برز في هذا العصر لون متميز من ألوان الردة ولباس جديد من ألبستها
فقد إكتسح جزء كبيرا من أجزاء العالم الإسلامي وغزت هذه الظاهرة عددا كبيرا من الأسر والبيوتات
إنها ردة ولكنها لم تلفت المسلمين ولم تشغل خاطرهم لأن صاحبها لا يدخل كنيسة ولا يتعبد في بيعة هذه الردة هي ما يسمى بالحرية الشخصية التي يدعي أرباب الفكر المادي الملحد أنهم ربحوها من وراء التحرر من الدين والتلبس بلباس العلمانية وهذه الحرية هي العبء من الشهوات بلا حساب والإنطلاق وراء الرغبات الحسية بلا حياء والتحلل من عرى الفضائل والأخلاق و القيم العليا بل والتحلل من الدين بالكلية وتمحية شرع الله عن واقع الحياة
وهذه الحرية المزعومه ليست كسب يسعى إليه ولا ظلم يحرص عليه إنما هي لا غير خسارة جسيمة على البشرية جمعا وهزيمة منكرة للمعاني الإ سلامية التي بها صار المسلم مسلما ( [COLOR=green]أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي [/COLOR]
[COLOR=green]السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) [3] إن القيود التي يفرضها الإسلام على المسلم لا يريد بها عذابه ولا حرمانه إنما يريد بها أن يرتفع به من الحيوانية الهابطة إلى الإنسانية الصاعدة وبذلك ينتصر الدعوى التحرريه ويتغلب الإيمان والتقوى على الشهوة البهيمية السبعية [/COLOR]
وكل مجتمع يخرج على هذه القيود أو يهون من شأنها فإنه يعرض نفسه للخطر ويقرب بها من حافة الهاويه ( [COLOR=green]تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا [/COLOR]
[COLOR=green]تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [4][/COLOR]
[COLOR=teal]أيها المسلمون : إن هذه الظاهرة تعد من أخبث وأخطر الظواهر التي تواجه المسلمين في عصرهم الحاضر حيث يراد إلى هذه الظاهرة أن تمحو شريعة الله من الأرض وتقصيها من واقع حياة المسلمين وتشتت ولاءهم الموحد إلى ولاءات جاهلية متعدده[/COLOR]
ودعاة هذه الظاهرة مازال مكرهم مشتهرا ودعوتهم تسري سريان النار في يابس الحطب والناس مشغولون بالجدل والنقاش حول مايثرونه ويتوهمون أنها مشكلات حقيقية لا بد لها من حلول وما علم أولئك الناس أن دعاة تلك الظاهرة قد رأو الناس يدخلون في دين الله أفواجا وخاضوا بذلك أن تفوتهم حضوضا من الدنيا فتقدموا حاقدين ضامرين الغدر ناسين أن الله سميع بصير وأنه سيحفظ لهذه الأمة دينها وسيهلك عدوها فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين
إن أهل الكفر الذين يغذون تلك الظاهرة قد يتسامحون بشيء من الإسلام ولكن بالإسلام الذي لايكافح الإستعمار وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان لأن الإسلام حين يحكم سينشئ الشعوب نشأة أخرى وسيعلم الشعوب أن اعداد القوة فريضة وأن الكفر والإستعمار وباء فكلاهما عدو وكلاهما اعتداء إنهم يجوزن أن يستفتى الإسلام في منع الحمل ويجوزون أن يستفتى في نواقض الوضوء ولكنهم لايجوزون أن يستفتى أبدا في أوضاع المسلمين دينية كانت أو إجتماعيه أو إقتصاديه ولايستفتى أبدا في قتل الأنفس البريئه وتشريد المجتمعات المسلمه في فلسطين وفي البوسنه والهرسك وفي كشميرا والصومال وغيرها من بلاج المسلمين سبحانك يارب رحماك يارب أيها المسلمون ماهذه المنية التي يريدون ماهذا الكبت الذي ينشدون إن هذه الدعوات المنطلقة،عبر الأثير والتي يتلاطم غبارها ذات اليمين وذات الشمال والتي تريد أن تسقط أجنة المسلمين أو أن تأدها في مهدها إنها تريد للإسلام والمسلمين أن يعيشوا في نطاق ضيق خسيس لايعرف المسلمون فيه من الإسلام غير إسمه إن هذه الدعوة الماكره تريد أن تصل الى قلوب المسلمين عبر طرق معقده ملتويه من أشهرها الهجوم الشرس على العقيدة الإسلاميه ورميها في أحد ماوضعوا من عبارات مسفه كقولهم إن الشريعة الإسلامية شريعة بربريه كشريعة الغاب تشوه يد السارق وترتكب جريمة فظيعه في رجم الزاني المحصن وقتل الكافر المرتد فللفرد أن يدين بماشاء وأن يتبادل الحب والغرام مع من شاء ومنها إطفاء صبغة البهرجهة الكاذبه والدعاية الرائجه لتلك العلمنة الهدامة ووصفها بأنها علامة التقدم ومسايرة روح العصر الذي سيطرة عليه المعارف وهي حركة لاتقيد الإنسان بدين بل يأخذ مايريد ويدع مالايريد وياللأسف الشديد فقد وقع كثير من المسلمين فريسة لهذا الغزو الماحق الماكر وتعلق كثيرمنهم بتلك البهرجه وذلك انخواء روحي وبعد هذا فلكل مسلم أن يتساءل لماذا انتشرت هذه الظاهرة بين المسلمين ولماذا استطاعت أن تغزوهم في عقل دارهم ؟ وكيف استطاعت أن تسيطر على العقول والنفوس وماهو الطريق المنجي من تلك ؟ فالجواب على ذلك كله هو أن العالم الإسلامي قد ضعف ضعفا شديدا في العقيدة والعلم والدعوة وبدأ عليهم الأعياء والشيخوخة والإسلام لايعرف الشيخوخة ولا الهرم إنه جديد كالشمس وقديم كالشمس وشاب كالشمس ولكن المسلمين هم الذين شاخوا وهم الذين هرموا فلا سعة في العلم ولا حماسة في الدعوة ولاعرضا جميلا مؤثرا للإسلام ورسالتة إلا النادر القليل ونظرا لما أصاب كثيرا من المسلمين من انحراف وغبش في أذهانهم فإن من الضروري أن يقوم المسلمين بتجلية تلك التصورات وكشف هذه الشبهات وفضح حقيقة اللادينية المزعومة ومن أنجح الأساليب في ذلك أن يدرس المسلمون خططهم وأساليبهم في الكيد والدس عند ذلك ينكشف الستر عن الذين يستمدون قوتهم من العمل في الظلام ويجدون أنفسهم وقد غمرتهم الأضواء وكشفتهم أفكارهم وسراديبهم وبذلك يكون فشلهم ساحقا ماحقا بعد افتضاح أمرهم لأنهم يسبحون ضد تيار قوي غلاب يرعاه الله بقدرته ويمده بمدده هو تيار الإسلام وإذا كان الإيمان بالله والكفر بالطاغوت هو معنى لا إله إلا الله والطاغوت هو كل ماتجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه من دون الله ورسوله أو يعبدون من دون الله أو يتبعون على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله وانطلاقا من هذا المفهوم نستطيع أن نرى حكم الإسلام في تلك الظاهرة التي تعني براهة الحكم بغير ما أنزل الله وتحكيم غيرشريعة الله فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين
ومن ثم فهو أمر جاهلي لا مكانة له في الإسلام ( [COLOR=green]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) [5][/COLOR]
[COLOR=teal]أيها المسلمون : أن الفتنة الكبرى التي ابتلي بها المسلمون في هذا العصر من محاولات الكفر في إبعاد شرع الله عن حكمه في الأرض لم تنجح ولن تنجح بإذن الله في القضاء على المسلمين ولكن احياء الأمة الإسلامية من سباتها العميق والرفع بها إلى مكانها الطبيعي في مقدمة الركب لتقود البشرية مرة أخرى بأمر من الله لن يتحقق من خلال أفراد قليلة أو تجمعات صغيرة إن الأمر أجل من هذا والخطر أشد وأدهى والإسلام يحتاج إلى أولياء وهم أولياؤه الذين يعملون له وحدة ويواجهون به الكفر والإلحاد أولياؤه الذين يعرفون أن الإسلام ويواجهون به الكفر والإلحاد ، أولياؤه الذين يعرفون أن الإسلام لابد أن يحكم كي يؤدي ثماره كاملة ، أولياؤه الذين لاتخدعهم دغدغة الصهيونية ولا تغريهم ابتسامة صليبية إن أهل الإسلام ينبغي أن لايطلبوا بإسمه صدقة ولانفقة ولكن يطلبون بإسمه عدلا وعدة وكرامة وبذلك كله يأخذ المد الإسلامي طريقه سريعا أسرع مما يظن الكثيرون إنهم يرونه بعيدا والله يراه قريبا( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [/COLOR]
[COLOR=green]وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [/COLOR]
[COLOR=green]وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [6] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ماتسمعون واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.[/COLOR]

[COLOR=red]الخطبـــة الثــانيــــة : [/COLOR]
الحمد لله رب الأرباب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ولاشبيه ولا أنداد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه الله رحمة للعباد اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان أما بعد
فيا عباد الله إن أحسن الحديت كتاب الله وخير الهدي هدي محمدا صلى الله عليه وسلم وشر الأمور ماأحدث على غير هدى من الله أو سنة سنها محمدا ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم([COLOR=green] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ) [7] وعليكم عباد الله بما كان عليه الصدر الأول ففي هديهم الرشاد وفي نهجهم الفلاح والسداد وليس في اتباع طريقهم تأخر ولا رجعية ومن حاد عن مسلكهم تقاذفته الشبه والأهواء وارتطم بالفتن وانزلق في المهاوي [/COLOR]
هذا وصلوا على النبي صاحب الحوض والشفاعة قال تعالى ( [COLOR=green]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا [/COLOR]
[COLOR=green]عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [8] اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمدا وعلى آله وصحبه وأرضى الله عن البررة الأتقياء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن جميع الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ومن تبعهم إلى يوم الدين اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين واحمي حوزة الدين واجعل هذا البلد ءامنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره ياسميع الدعاء[/COLOR]
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أءمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال ياحي ياقيوم اللهم أصلح له بطانته ياذا الجلال والإكرام اللهم أبلغ هذا الدين مابلغ الليل والنهار ولاتدع ببيت مدر و لاوبر إلا أدخلته هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا تعز به الإسلام وذلا تذل به الكفر وأهله ياسميع الدعاء
عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
[COLOR=plum][1] الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6924[/COLOR]
[COLOR=black]خلاصة حكم المحدث: (صحيح) [/COLOR]
[COLOR=plum][2] سورة آل عمــران آيــة (19)[/COLOR]
[COLOR=plum][3] سورة آل عمــران آيــة (83)[/COLOR]
[COLOR=plum][4] سورة البقــرة آيــة (229)[/COLOR]
[COLOR=plum][5] سورة المـائــدة آيــة (44)[/COLOR]
[COLOR=plum][6] سورة النــور آيــة (55)[/COLOR]
[COLOR=plum][7] سورة القصص آيــة (50)[/COLOR]
[COLOR=plum][8] سورة الأحــزاب آيــة (56)[/COLOR]

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
الخطبة الأولى


أما بعد:
فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى، وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيرَكم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حِذركم، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
أيها المسلمون، لقد اختلفت آراء الناس وتوجهاتهم، وكثر نقاشهم حول قيمة الحياة الدنيا، حتى اعتبرها كثير منهم غاية لهم، وحكم الإسلام هو فصل الخطاب، فالحياة في نظر الإسلام أهم من أن تنسى، ولكنها في الوقت نفسه أتفه من أن تكون غاية



وَٱبْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلاْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ



[القصص:77].
عباد الله، هنالكم خصلتان ذميمتان، خطيرتان على من لم يحذرهما، تلاحقان الإنسان ملاحقة شديدة، حتى في الأحوال التي تشيب فيها اللحية، وتضعف فيها الهمة، ويدنو فيها من انتهاء العمر، وزيارة القبر، خافهما رسول الله



على أمته، وحذرها منهما بأسلوب الإخبار المتضمن للإنذار، ألا وهما الحرص وطول الأمل؛ الحرص على المال، والحرص على العمر، والحرص على الشرف، والحرص المفقر لأهله، مهما ملكوا من أمر وجمعوا من حطام، والأمل المتعب لهم، والسارح بهم في خيالات، يكون الأجل إليهم فيها أقرب من تحقق الأمل، قال



: ((يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان، الحرص على المال، والحرص على العمر)) [رواه مسلم والترمذي][1]، وقال ((ماذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدنيه)) [رواه أحمد والترمذي][2].

ومدار هذه الإخبارات مخاطبة ذوي القلوب الواعية، والنفوس المتطلعة إلى ما عند الله، أن يبذلوا جهودهم في تحرير عقولهم، وسل نفوسهم من هذه الأدواء الفتاكة، داء الحرص على المال والشرف، الذي يطوق الرقاب ويسترق الألباب، وقديما قيل: [أذل الحرص أعناق الرجال] وداء طول الأمل؛ السراب المبلقع، الذي طالما قطع الطريق على أهله، وحال بينهم وبين ما يشتهون.
أيها المسلمون، ليلتان اثنتان يجعلهما كل مسلم في ذاكرته، ليلة في بيته، مع أهله وأطفاله، منعما سعيدا، في عيش رغيد، وفي صحة وعافية، ويضاحك أولاده ويضاحكونه، يلاعبهم ويلاعبونه والليلة التي تليها، وبينما الإنسان يجر ثياب صحته منتفعا بنعمة العافية، فرحا بقوته وشبابه، لا يخطر له الضعف على قلب، ولا الموت على بال، إذ هجم عليه المرض، وجاءه الضعف بعد القوة، وحل الهم من نفسه محل الفرح، والكدر مكان الصفاء، ولم يعد يؤنسه جليس، ولا يريحه حديث، وقد سئم ما كان يرغبه في أيام صحته، على بقاء في لبه، وصحة في عقله، يفكر في عمر أفناه، وشباب أضاعه، ويتذكر أموالا جمعها، ودورا بناها، وقصورا شيدها، وضياعا جدّ وكدّ في حيازتها، ويتألم لدنيا يفارقها، ويترك ذرية ضعافا يخشى عليهم الضياع من بعده، مع اشتغال نفسه بمرضه وآلامه، وتعلق قلبه بما يعجل شفاءه، ولكن ما الحيلة إذا استفحل الداء، ولم يجدي الدواء، وحار الطبيب، ويئس الحبيب.




وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ



[ق:19]. عند ذلك تغير لونه، وغارت عيناه ومال عنقه وأنفه، وذهب حسنه وجماله، وخرس لسانه، وصار بين أهله وأصدقائه ينظر ولا يفعل، ويسمع ولا ينطق، يقلب بصره فيمن حوله، من أهله وأولاده، وأحبابه وجيرانه، ينظرون ما يقاسيه من كرب وشده، ولكنهم عن إنقاذه عاجزون، وعلى منعه لا يقدرون،



فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ



وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ



وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ



[الواقعة:83-85]. ثم لا يزال يعالج سكرات الموت، ويشتد به النزع، وقد تتابع نفسه، واختل نبضه وتعطل سمعه وبصره، حتى إذا جاء الأجل، وفاضت روحه إلى السماء، صار جثة هامدة وجيفة بين أهله وعشيرته، قد استوحشوا من جانبه، وتباعدوا من قربه، ومات اسمه الذي كانوا يعرفون، كما مات شخصه الذي كانوا به يأنسون، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

أيها المسلمون، إن أكبر واعظ هو الموت، الذي قدره الله على من شاء من مخلوق – مهما امتد أجله وطال عمره، إلا وهو نازل به، وخاضع لسلطانه



كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ



[العنكبوت:57]. ولو جعل الله الخلود لأحد من خلقه لكان ذلك لأنبيائه المطهرين، ورسله المقربين، وكان أولاهم بذلك صفوة أصفيائه



كيف لا، وقد نعاه إلى نفسه بقوله:



إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ



[الزمر:30]. فالموت حتم لا محيص عنه، ولا مفر منه، يصل إلينا في بطون الأدوية، وعلى رؤوس الجبال، فوق الهواء، وتحت الماء، فلا ينجو منه ملائكة السماء، ولا ملوك الأرض، ولا أحد من أنس أو جن أو حيوان، ولو كانوا في بطون البروج، وغياهب الحصون



أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ



[النساء:78]. ولو نجا أحد من الموت لبسطة في جسمه، وقوة في بدنه، أو وفرة في ماله، وسعة في سلطانه وملكه، لنجا من الموت كثير من الناس، وإلا فأين عاد وثمود؟ وفرعون ذو الأوتاد؟ أين الأكاسرة؟ وأين القياصرة؟ أين الجبابرة والصناديد الأبطال؟ فالموت لا يخشى أحدا، ولا يبقي على أحد، ينتزع الطفل من حضن أمه، ويهجم على الشاب الفتي، والفارس القوي.

أيها الناس، الموت على وضوح شأنه، وظهور آثاره، سر من الأسرار، التي حيرت الألباب، وأذهلت العقول، وتركت الفلاسفة مبهوتين، والأطباء مدهوشين، الموت كلمة ترتج لها القلوب، وتقشعر منها الجلود، ما ذكر في قوم إلا ملكتهم الخشية، وأخذتهم العبرة، وأحسوا بالتفريط وشعروا بالتقصير، فندموا على ما مضى، وأنابوا إلى ربهم، فنسيان الموت ضلال مبين، وبلاء عظيم، ما نسيه أحد إلا طغى، وما غفل عنه امرؤٌ إلا غوى، ولا يمكن علاج ذلك ولا التخلص منه إلا أن يتذكر الإنسان قول الله



وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ



[لقمان:34]. وقوله



: ((أكثروا من ذكر هادم اللذات: الموت))
[3].
أيها المسلمون، قال رسول الله



: ((إن العبد المؤمن، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ويجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله ـ عز وجل ـ: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان ماهذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله



فيقولان: ما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته، فينادي مناد من السماء، أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الحسن يجيء بالخير، فيقول أنا عملك الصالح. فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج منها، كأنتن جيفة وجدت على الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون، فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله



:




لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ



[الأعراف:40]. فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم تطرح روحه طرحا، ثم قرأ:



وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ



[الحج :31]. فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه القبيح يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة)) [رواه الإمام أحمد][4].
أيها المسلمون، إن لنا في السلف الصالح أسوة حسنة، وقدوة طيبة، فقد كانوا يكثرون من ذكر الموت حتى في أوقات الصفاء، وأيام السرور، وكان ذلك يبعثهم إلى الجد في طاعة الله، والبعد عن مساخطه.
لما تولى عمر بن عبد العزيز، وخطب خطبة الخلافة، ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، من لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: ادن مني أي بني، فدنا منه فالتزمه، وقبل بين عينيه وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني. فخرج ولم يقِل، وأمر مناديا له أن ينادي، ألا من كانت له مظلمة فليرفعها.
وقال بعض الناس: دخلنا على عطاء السلمي، نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له: كيف حالك؟ فقال: الموت في عنقي، والقبر في يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي، ثم بكى بكاء شديدا، حتى أغشى عليه، فلما أفاق قال: اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين.
ودخل المزني عند الإمام الشافعي، في مرضه الذي مات فيه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت عن الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا وعلى ربي ـ سبحانه وتعالى ـ واردا، ولا أدري أروحي صائرة إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها.
قال بعض الحكماء: مازالت المنون ترمى عن أقواس، حتى طاحت الجسوم والأنفس، وتبدلت النعم بكثرة الأبؤس، واستوى في القبور الأذناب والأرؤس، وصار الرئيس كأنه قط لم يرؤس، فمن عامل الدنيا خسر، ومن حمل في صف طلبها كسر، وإن خلاص محبها منها عسر، وكل عاشقيها قد قيد وأسر



مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً



[الأحزاب:32].
فيا تائها بوادي الهوى، انزل ساعة بوادي الفكر، يخبرك بأن اللذة قصيرة، والعقاب طويل، واعجبا لمن يشتري شهوة ساعة، بالغم والنكد! كانت المعصية ساعة لا كانت، فكم ذلت بعدها النفس! وكم تصاعد لأجلها النفس! وكم جرى لتذكارها دمع! أعاذنا الله جميعا من الغفلة، ومن سواء المنقلب في المال والأهل والولد.
عباد الله، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


[1] صحيح مسلم ح (1047)، سنن الترمذي ح (2339) وقال: حديث حسن صحيح.

[2] صحيح، مسند أحمد (3/456)، سنن الترمذي ح (2376) وقال: حسن صحيح.

[3] صحيح، أخرجه أحمد (2/213)،والترمذي ح (2307) وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي ح (1824) وابن ماجه ح (4258).

[4] صحيح، أخرجه أحمد (4/287 ـ 288).



الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الدنيا، دار بلاء وابتلاء، وامتحان واختبار، لذلك قدر الله فيها الموت والحياة، وهي مشحونة بالمتاعب، مملوءة بالمصائب، طافحة بالأحزان والأكدار، يزول نعيمها، ويذل عزيزها، ويشقى سعيدها، ويموت حيها. مزجت أفراحها بأتراح، وحلاوتها بالمرارة، وراحتها بالتعب، فلا يدوم لها حال، ولا يطمئن لها بال.
فليت شعري ،أي امرئ سلم فيها من الشدة والنكبة، أي امرئ لم تمسسه المصيبة والحسرة، من عاش ولم يخل من المصيبة، وقلما ينفك عن عجيبة.
فكم من ملوك وجبابرة فتحوا البلاد، وسادوا العباد، وأظهروا السطوة والنفوذ، حتى ذعرت منهم النفوس، ووجلت منهم القلوب، ثم طوتهم الأرض بعد حين، فافترشوا التراب، والتحفوا الثرى، فأصبحوا خبرا بعد عين، وأثرا بعد ذات.
وكل إنسان، سيسلك الطريق الذي سلكوه، وسيدرك الحال الذي أدركوه، ولكنه مأخوذ بغمرة من الدنيا عابرة، ستليها ويلات. مستغرق في سبات عميق، ستكشفه سكرات



أَلْهَـٰكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ



حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ



كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ



ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ



[التكاثر:1-4].
هذا وصلوا ـ رحمكم الله ـ، على خير البرية، وأفضل البشرية، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
الخطبة الأولى :


إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن ي

ضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله .

( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) . " سورة آل عمران ، الآية : 102 "

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) " سورة النساء ، الآية : 1 "

( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً (71) ) " سورة الأحزاب ، الآيتان : 70،71 "

أما بعد :

فاتقوا الله أيها الناس ، وراقبوه في سركم وعلنكم ، واعلموا أن تقوى الله عز وجل سبب الأمن في الدنيا ، والنجاة في الآخرة ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين أمنوا وكانوا يتقون ( 63) ) " سورة يونس ، الآية : 62 ، 63 " .

عباد الله :

إن من حكمة الله تعالى وعلمه ، أن خلق هذا الكون ، علوية وسفليه ، وخلق الإنس والجن ، فجعل منهم كافراً وجعل منهم مؤمناً ، وهو بصير بما يعملون . أنزل الأبوين آدم وحواء من الجنة ، وأنزل معها الشيطان ، الذي أغواهما ، فأزلهما عنها وأخرجهما مما كانا فيه من النعيم المقيم ، فأنزلهم الله جميعاً إلى عرصات هذه الأرض ، لتبدأ مرحلة المراغمة بين بني آدم ، وبين الشيطان عليه لعائن الله ، أنزلهم جميعاً إلى الأرض بعد أن بث العداوة والبغضاء بينهم أبداً ، فإبليس عدو لآدم ذريته ، حيث أخرجهم من الجنة ، وآدم وذريته أعداء لإبليس ، لأنهم جنس مفضل على جنس الجن ، حيث أمر الله بالسجود لآدم ، وآدم خلق من طين ، والطين طبيعته الثبات والدعه ، تودعه النواة فتخرج نخله ، وتودعه الحبة فتخرج سنبلة ، وبذلك علا جنس الطين على جنس النار ، التي طبيعتها الطيش والخفة والإفساد ، ويبطل بذلك زعم إبليس في قوله ( قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) " سورة ص ، الآية : 76 " وكتبت عليه اللعنة إلى يوم الدين .

أيها المسلمون : لقد قال الله عز وجل : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) " سورة فاطر ، الآية : 6 " . بذلك ، يبين الله جانبين هامين في هذه الآية ، الجانب الأول : عداوة الشيطان ، وأنها عداوة حقيقية لا يخالجها شك أو ريبة . كتب الله لها الدوام إلى قيام الساعة ، لكنها لا تعدو كونها حقيقةً نظريةً مجردة ، إن لم نحن نلتفت إلى الجانب الآخر المهم ، وهو الجانب العملي التطبيقي ، ألا وهو قول الله ( فاتخذوه عدواً ) إننا أيها المسلمون لا نخشى على النفوس الكافرة من الشيطان فتلكم نفوس مظلمة ، قد ضرب الشيطان أطنابه فيها ورتع ، فزين لها سوء أعمالها ، حتى تولته وألفته ، ولكن الخوف كل الخوف ، والخشية كل الخشية ، على أنفس مسلمة ، لم تحسب للشيطان حساباً في واقعها ، وباتت غافلةً عنه ، غير آبهة بمكره وألاعيبه ، وإن كانت معترفةً بقابليتها لألاعيبه وإغوائه لكونها غير معصومة ، إلا أنها نفوس اعتقد أهلها أنهم معقمون ضد الشيطان وخداعه ، محميون من آثاره وإفساده ، بعد أن كونوا حولهم هالةً مزيفةً ، من الاطمئنان لأحوالهم وأوضاعهم ، فلم يعرفوا بذلك معروفاً ، ولم ينكروا منكراً .

قال بعض الناس : إن من أمكر حيل الشيطان أن يقنعنا بعدم وجوده ، ليس عدم وجوده في علم الواقع ، بل عدم وجوده داخل أنفسنا ، وهذا هو الشلل الأخلاقي بعينه ، المصادم لنصوص الكتاب والسنة ، في مثل قول الله عن إبليس ( ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) " سورة الأعراف ، الآية : 17 " . وفي مثل قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) " رواه البخاري ومسلم " .

أيها الناس : لما علم عدو الله إبليس ، أن المدار على القلب ، والاعتماد عليه ، أجلب عليه بالوساوس ، وأقبل بوجوه الشهوات إليه ، وأمده من أسباب الغي ، بما يقطعه عن أسباب التوفيق ، ونصب له من المصائد والحبائل ، ما لو سلم من الوقوع فيها ، لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق . فمنذ يبدأ العبد المسلم مرحلة التكليف الشرعي تبدأ معه مسيرة الصراع المتواصل مع الشيطان ؛ معاندةً له ، وعصياناً لتزيينه ، وإزاحةً لتسلطه وجبروته ، حتى يجليه عن تسعة مواضع يحاول الشيطان احتلالها ، وتسمى هذه المعركة معركة المراغمة ، قد كشف أهل العلم طبيعتها ، وبينوا المدارج التي يسلكها المسلم ، لنيل النصر فيها على هذا العدو اللدود ، الذي يجري منه مجرى الدم ، وفي أول مصادمة في هذه المعركة الطويلة الأمد ، يحاول الشيطان أن يستغل حداثة الحرب ، فيوقع في القلب الشبهات الكفرية ، فيصرع بذلك من ابن آدم برد أنينه ، واستراح من تعبه معه ، ثم بعد ذلك يصيره من جنده وعسكره ، ويستنيبه على أمثاله وأشكاله ، فيكون من دعاة إبليس ونوابه ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) " سورة الأنعام ، الآية : 121 " .

فإن لم يظفر الشيطان بالمسلم هنالك ، دعاه إلى شبهات من الابتداع ، التي هي أحب إليه من الفسوق ، بل هي رقية الكفر والشرك ، حيث إن ضررها متعد ، ينخر في جسد الأمة ، والمتورطون في ذلك من الأمة كثير .

فإذا أعجز الشيطان من ذلك ، وكان العبد ممن وهبه الله حب السنة ، ومعاداة أهل البدع والضلال ، نقله إلى مرحلة طول النفس ، ليهجم على المسلم مزيناً له الكبائر من الشهوات ، وله في ذلك انتصارات ونشوات ، إلا أن هناك سياجاً منيعاً ، لم يغفل عنه البعض من أمة محمد صلى الله عليه وسلم جعلهم في معزل عن كيده وألاعيبه ، فلم يطرقوا للكبائر باباً ، ولم يقشعوا عنها حجاباً .

ولكن قد تعتريهم صغائر الشهوات ، التي إذا اجتمعت لربما أهلكت صاحبها . كيف لا ؟ وهي ساحة الشيطان الرحبة ، التي تتسع صولاته وجولاته فيها ، ولا ينجو مسلم منها ولا يكاد ، إلا بعون من الله ، ومدد متواصل يمنعه من الهجوم الغاشم ، فأما الغافل ، فيخرج طريحاً ، مثخناً بالجراح ، مضرجاً بلوثة الذنوب ، والآثام ، وأما المؤمن الموفق ، فهو قائم منافح ، غير أنها الخدوش والوكزات ، التي لا يسلم منها مصارع ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنما مثل محقرات الذنوب ، كمثل قوم نزلوا ببطن واد ، فجاء ذا بعود ، وذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم ، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ) " رواه أحمد " .

فإذا خسر الشيطان هذه الجولة ، علم أن عليه ألا يصادم المؤمن مجابهةً ، بل لابد من تجديد أسلوب المواجهة ، إذ يأخذ الشيطان طريقاً قلما ينتبه له كثير من الناس ، ألا وهو طريق التسويف والتأجيل ، الذي يكون نتيجةً للغفلة وطول الأمل ، فيا لمكر الشيطان ، إذ يبدي للإنسان عوائق وموانع ، تمنعه من فعل طاعة من الطاعات ، ويتمثل ذلك في صور عديدة من العوائق حسب عمل الإنسان ، ويبقى جوهرها واحداً ، فهو يمثل للتاجر أن استقامته وتوبته ستبرز جليةً في واقع حياته فور ما ينتهي من هذه الصفقة أو تلك ، وأما الأب فيظنها تتحقق بزواج ولده وإطاحة همه ، وأما الإبن فهو يعتقدها باجتيازه لدراسته وفراغه منها .

وهكذا تشترك هذه الأمثلة في اتحاد جوهر الحيلة ، مع اختلاف مظاهرها وأشكالها ، إذ يدل واقع الناس على معتقدهم ، بأن إنهاء أمر هام من أمور الحياة سيمكنهم من التوجه إلى الإسلام ، أو العودة إلى ميدانه والدعوة إليه ، والأغرب من ذلك ، أنه بعد أن يزول هذا المانع أو ذاك ، فإننا لا نرى صاحبه قد وصل إلى ما كان يمني به نفسه من وضع جيد ، وإنما قد أوهمه الشيطان ، وخدره بالأماني المعسولة ، ولا أبعد النجعة ، إ‘ن قلت إن المسلمين اليوم ، لم يسلموا من هذه الأحبولة الشيطانية ، وصدق المسلمين اليوم ، لم يسلموا من هذه الأحبولة الشيطانية ، وصدق الله ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ) " سورة النساء ، الآية : 120 " فكم من رجل ، انتهت حياته وهو لم يبدأ حياته بعد ، وانقضى عمره ، وهو لم ينب إلى الله ولم يتب .

فإذا نجا العبد المسلم من هذه المرحلة ، فسيعلم الشيطان ، أن هذا العبد ، فيه من صفات الإيمان والفطنة ما يتاح له بها التخلص من مكره ، إن لم يتقن الشيطان الطعان فيها فيندس له بأسلوب الناصح ؛ يحثه على أن يستكثر من عمل المباحات التي لم يختلف أهل العلم في حلها ، لينغمس فيها فيثقل ، ويركن إليها فيبرد ، ولذلك كان أسلوب العلماء رحمهم الله في القديم والحديث واضحاً ، في التقليل من المباحات الملهية ، التي يأنس لها القلب فتقعده عن قربة مستحبة ، أو فرصة سانحة ، ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : إني ادع ما لا بأس فيه خشية الوقوع فيما فيه بأس . وقال القاضي الجرجاني رحمه الله مخاطباً نفسه ، أنهنهها عن بعض ما يشينها مخافة أقوال العدا : فيم أولم ؟

فإن أعجزه العبد من هذه المرحلة ، وكان حافظاً لوقته ، شحيحاً به ، مدركاً لقيمة أنفاسه وزفراته ، نقله إلى مرحلة الإشتغال بالعمل المفضول عن العمل الفاضل ، فيبعثر عليه ترتيب قائمة الأولويات ، ويعكس له القواعد الشرعية ، في تفاضل الأعمال الإيمانية . فيأمره الشيطان بفعل الخير المفضول ، ويحضه عليه ، ويحسنه له إذا تضمن ترك ماهو أفضل وأعلى منه ، وقل من الناس من ينتبه لهذا ، لأنه لم يصل إلى علمهم أن الشيطان قد يأمر بمائة باب من أبواب الخير ؛ إما ليتوصل بها إلى باب أو أبواب من الشر ، وإما ليفوت بها خيراً هو أعظم من تلك المائة وأفضل ، فيقصي من له علم نافع وفهم ثاقب عن جمهور المنتفعين به من المسلمين ، ويشغله بزيادة ركوع وسجود هما جليلان عظيمان ، لكن التعليم والدعوة أوجب عليه – بعد أداء الفرض – من زيادة ركوع أو سجود نفلاً ، لكنه متى استمسك بالفاضل الراجح ، وأبى تلبية نداء الشيطان فقد راغم الشيطان أبلغ المراغمة .

إلا أن ذلك ، لم يك كافياً لحصار الشيطان في زاوية اليأس والقنوط ، بل للشيطان محاولات ومناورات ، واقتحامات من ثغرات أخرى ، إذ يبدي للعبد طيف خيال ، يملي عليه شعوراً وهمياً بكمال زائف ، يحس الفرد والمجتمع من خلاله أنه ليس هناك دواع معقولة تقتضي التصحيح ، أو تستوجب التحسين . فإذا ما أدى المسلم الفرائض ، واكتفى المجتمع بظواهر طفيفة من الإسلام ، اطمأن واكتفى ، ووصل إلى درجة الشعور بالكمال ، ولو لم يقر بذلك صراحة إنه الكمال ، ولكنه الكمال العقيم ، الذي لا نتيجة إيجابية بعده ، والذي يبقى في حالة من الركون والأمن المفرط والغرور بالوضع والحال ليصبح بذلك ، ممن يأمن مكر الله ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) " سورة الأعراف ، الآية : 99 " .

إن هذه الألعوبة الشيطانية كفيلة بأن تحجر الفرد والمجتمع ، وتجمدهم حول قناعات خاصة كونوها لأنفسهم ، وأمسوا وكأن ما يحملونه فقط هو الصواب ، مما بحرمهم من إصلاح أخطائهم من جهة ، ومن الاستفادة من الصواب الذي يأتي به الغير من جهة أخرى . إن الشعور الدائم بالتقصير هو الشعور الإيجابي المثمر ، الذي يدفع للعمل الآني واليومي ، ويمنح القدرة على العمل والاجتهاد والإنتاج ، وإن تغير ما بالنفس من تلك المفاهيم الزائفة من شأنه أن يغير ما بالناس من واقع ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) " سورة الرعد ، الآية : 11 " .

كما أن الشعور بالكمال العقيم شعور عاطفي لن ينفي عن كل مسلم مسئوليته عن أي سوء في حاله وسلوكه وحياته ؛ دينية كانت أو دنيوية ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ) " سورة النساء ، الآية : 123 " فالأمر إذاً ليس بالأماني ولا بالعواطف ، إنما هو خاضع لسنة العمل والاجتهاد المنتج .

فإن سلم العبد في هذه المرحلة من مراغمة الشيطان ، فقد تحقق نصره على الشيطان أو أوشك ، وأسره للشيطان قاب قوسين أو أدنى ، لولا تلكم الكرة الأخيرة ، التي لا يمكن للمسلم أن ينفك منها إلا برحمة من الله ورضوان ، حيث يسلط عليه الشيطان حزبه من الجن والإنس ، فيرمونه بألوان مقذعة من الأذى ، ويصفونه بأحد ما وضع من ألفاظ مسفه ، يقصد الشيطان من ورائها إخماد العبد المسلم وإطفاءه ليشوش عليه قلبه ، ويمنع الناس من الانتفاع به ، ولكن مما يسلي النفس ، ويبعث الهمة ، أن هذه المرحلة لا يمكن أن يسلم منها بشر حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكم رمي وشتم ، وكم قوتل وحورب بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ، ولذا فإن من نجا من الشيطان فيما مضى من المراحل والمزالق ، فهو في هذه أحرى وأولى بإذن من الله ، أعاذنا الله وإياكم من نزغات الشيطان ومكره ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) ) " سورة المؤمنون ، الآيتان : 97، 98 " .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .



الخطبة الثانية :

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، كما يحب ربنا ويرضاه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان .

أما بعد :

فيا أيها الناس : لما أطمأن الشيطان لبقائه إلى يوم البعث ، أخذ يسرد خطته ويفصح عن أهدافه ، ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) ) " سورة الحجر ، الآيتان : 39 ،40 " .. فعدته هي تزيين القبيح وتجميله ، ومن ثم الإغراء على ارتكابه ، ومن هنا .. يقوم بالهجمه الأولى على بني آدم ، لحظة ولادتهم لينذرهم بالحرب ، فلا صلح ولا هواده ، إنما هي حرب ضروس .

ولذا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان ، فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان ، إلا ابن مريم وأمه . ثم قال الراوي اقرأوا إن شئتم ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) " سورة آل عمران ، الآية : 36 " ) " متفق عليه " .

أيها المسلمون إن الشيطان الذي يضل كثيراً من الناس ، إنه هو يبرئ نفسه ممن أضلهم ، حينما ينتهي الأمر بيوم الحساب ( وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) " سورة إبراهيم ، الآية : 22 " .

إن البقاء المستمر في طاعة الله وذكره الدائم على كل حال ، كفيل بالتخفيف من آثار الشيطان أو القضاء عليها وإن شئتم فاسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب ( والذي نفسي بيده ، ما لقيك الشيطان سلكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك ) " متفق عليه " .

فانظروا أيها المسلمون إلى قوة الإيمان ؛ كيف تؤثر في الشيطان حتى تصل إلى درجة الخوف والهروب .

سئل أحد الحكماء عن قول الله عن إبليس ( ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) " سورة الأعراف ، الآية : 17 " فقيل له : ما الحكمة في أن لم يعط إبليس اثنان من ابن آدم وأعطي أربعة ؟ أعطي من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله من الجهات الأربع ، ولم يعط إبليس ، أن يأتيه من فوق ولا من تحت ؟ فقال : لأن الأربع جهات تدخلها المشاركة في الأعمال ، وفوق هو موضع نظر الرب جل جلاله إلى قلوب عباده المؤمنين ، وتحت هو موضع سجود الساجدين بين يدي رب العالمين .

فاتقوا الله أيها المسلمون ، واخلصوا العبادة لربكم ، والزموا الجماعة ، والتزموا بالكتاب والسنة ، واستعينوا بالله على الشيطان ، وأكثروا من الطاعات ، ومن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، في مواضعها ، التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم تفلحوا ، ويتحقق لكم ما ذكره الله في قوله ( إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ) " سورة النساء ، الآية : 76 " .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، اللهم تب على التائبين ، واغفر ذنوب المذنبين ، اللهم إننا نعوذ بك من همزات الشياطين ومكرهم ، اللهم إن إبليس عبد من عبيدك ناصيته بيدك يرانا من حيث لا نراه ، وأنت تراه من حيث لا يراك اللهم إن أرادنا بكيد فاردده ، وإن أرادنا بسوء فاصرفه ، ندرأ بك اللهم في نحره ، ونعوذ بك من شره ، اللم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان ، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين ، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه ؛ من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم ، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

عباد الله : اذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .




[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]

الخطبة الأولى :
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
( يأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) " سورة آل عمران ، الآية : 102 " .
( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) " سورة النساء ، الآية : 1 " .
( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ) " سورة الأحزاب ، الآية : 70,71 " .
أما بعد :
فاتقوا الله أيها المسلمون ، اتقوه في السر والعلن ، فإن تقوى الله عز وجل سبب الأمن في الدنيا والهداية في الآخرة ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) " سورة الأنعام ، الآية : 82 " .
عباد الله :
لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح ، وقلبه مفعم بشكر الله على نصره لنبيه ، وإنجاز وعده له ، كان ممتطياً ناقته القصوى ، وسار بها حتى بلغ الكعبة ، فطاف بالبيت سبعاً ، ثم صلى خلف المقام ، وجلس في المسجد والناس من حوله ، والعيون شاخصة إليه ، ينتظرون ما هو فاعل بأهل مكة ، الذين آذوه وقاتلوه ، وأخرجوه من بلده التي هي أحب أرض الله إلى الله .
في تلك اللحظات الحرجة تطلع القوم واشرأبوا إلى معرفة صنيعه بأعدائه ، وقد تكاثر الناس حوله في المسجد فخطبهم وتلا عليهم قول الله عز وجل : ( يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) " سورة الحجرات ، الآية : 13 " ثم سألهم : يا معشر قريش ، ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : فإني أقول لكم ما قال يوسف لأخوته ( لا تثريب عليكم اليوم ) " سورة يوسف ، الآية : 92 " اذهبوا فأنتم الطلقاء .
فاسترد أهل مكة أنفاسهم ، وبدأت البيوت تفتح على مصاريعها لتبايع رسول الله ، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ، الله أكبر ، ما أجمل العفو عند المقدرة ، ومن أحق بذلك ، إن لم يكن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، وصدق الله إذ يقول : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) " سورة القلم ، الآية : 4 " .
عباد الله :
لقد برز حلم النبي صلى الله عليه وسلم جلياً في هذا الموقف ، والذي سار عليه الأنبياء من قبله ، فهذا هود عليه السلام ، يستمع إلى إجابة قومه بعد ما دعاهم إلى توحيد الله عز وجل ( قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإننا لنظنك من الكاذبين (66) قال يقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ) " سورة الأعراف ، الآيات : 66-68 " .
إن شتائم أولئك الجهال لم يطش " لها حلم " هود عليه السلام ، لأن الشقة بعيدة ن بين رجل اصطفاه الله رسولاً ، وبين قوم سفهوا أنفسهم ، وتهاووا على عبادة الأصنام .
أيها المسلمون : بهذا الموقف ، وبغيره من المواقف العظيمة ، عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم محو الجاهلية التي كانت تقوم على نوعين من الجهالة : جهالة مضادة للدين والعلم ، وأخرى مضادة للحلم . فأما الأولى ، فقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم ظلامها بأنواع المعرفة والإرشاد ، وأما الأخرى فقد كبح الهوى ، ومنع الفساد فيها بحلمه وعفوه ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفظوا من حولك ) " سورة آل عمران ، الآية : 159 " لقد كانت مواقفه صلى الله عليه وسلم ، ناسخةً للجاهلية الجهلاء ، التي كان يعيشها العرب ، والتي بلغت من الغلظة والشدة ما صدها عن مكارم الأخلاق ، كما صور ذلك بعضهم في قوله :
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ولم يكن للجاهلية كأمثال ، الآن شعر الحماسة والجهل ، والفخر والحمية ، والهجاء .
فجاء الإسلام ، ليكفكف من هذه النزوات ، ويقيم أركان المجتمع على الفضل وحسن التخلق ، ولم تتحقق هذه الغاية بعد بفضل الله إلا عندما هيمن العلم النافع ، والعقل الراشد ، على غريزة الجهل والغضب ، وكثير من النصائح التي أسداها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كافة ، كانت تتجه إلى هذا الهدف ، مما جعل المسلمين يعدون مظاهر الطيش والتصدي ، والعنف والأذى ، شروداً من القيود ، التي ربط بها الإسلام الجماعة المسلمة ، لئلا تميد ولا تضطرب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) " رواه البخاري ومسلم " .
إن من الناس من لا يسكت عن الغضب ، فهو في ثورة دائمة ، وتغيظ يطبع على وجهه العبوس ، إذا مسه أحد بأذى ارتعش كالمحموم ، وأنشأ يرغى ويزبد ، ويلعن ويطعن ، والإسلام بريء من هذه الخلال الكدرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء ) " رواه الترمذي وقال حديث حسن فقد حرم الإسلام المهاترات السفيهة ، وتبادل السباب بين المتخاصمين ، وكم من معارك ضارية تبتذل فيها الأعراض ، وتنتهك فيها الحرمات ، وما لهذه الآثام الغليظة من علة ، إلا تسلط الغضب ، وضياع الأدب ، وأوزار هذه المعارك العنيفة الوضيعة تعود على الموقد الأول لجمرتها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ، حتى يعتدي المظلوم ) " رواه مسلم " .
والمسلك الأمثل في ذلك كله والدال على العظمة والمروءة ، هو أن يبتلع المرء غضبه فلا ينفجر ، وأن يقبض يده فلا يقتص ، وأن يجعل عفوه عن المسيء نوعاً من شكر الله ، الذي أقدره على أن يأخذ حقه إذا شاء . قال الأحنف بن قيس : احذروا رأي الأوغاد ، قالوا وما هم ، قال الذين يرون الصفح والعفو عاراً .
أيها الناس : إن كمال العلم في الحلم ، ولين الكلام مفتاح القلوب ، يستطيع المسلم من خلاله ، أن يعالج أمراض النفوس ، وهو هادئ النفس ، مطمئن القلب ن لا يستنفره الغضب ، ولا يستثيره الحمق ، فلو كان الداعي سيء الخلق ، جافي النفس ، قاسي القلب ، لا نفض من حوله الناس ، وانصرفوا عنه ، فحرموا الهداية بأنوار دينهم ، فعاشوا وماتوا جهالاً ، وذلك هو الشقاء وهو سببه وعلته .
وتتفاوت درجات الناس في الثبات أمام المثيرات ، فمنهم من تستخفه التوافه ، فيستحمق على عجل ، ومنهم من تستفزه الشدائد ، فيبقى على وقعها الأليم ، محتفظاً برجاحة فكره ، وسجاحة خلقه ، والرجل الحليم حقاً ، هو من إذا حلق في آفاق دنيا الناس ، اتسع صدره وامتد حلمه ، وعذر الناس من أنفسهم ، والتمس المبررات لأغلاطهم ، فإذا ما عدا عليه غر يريد تجريحه ، نظر إليه من علو ، وفعل كما قال الأحنف بن قيس رحمه الله ، ما عرفت له فضله ، وإن كان مثلي تفضلت عليه ، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه . وكان مشهوراً بالحلم رحمه الله ، وبذلك ساد عشيرته ، وقد قيل له : ممن تعلمت الحلم فقال : من قيس بن عاصم ، كنا نختلف إليه في الحلم ، كما يختلف إلى الفقهاء في الفقه ، ولقد حضرت عنده يوماً ، وقد أتوه برجل قد قتل ابنه ، فجاؤا به مكتوفا ً فقال : ذعرتم أخي اطلقوه ، واحملوا إلى أم ولدي ديته ، فإنها ليست من قومنا .
عباد الله :
اعلموا أن الحليم ، إما أن يكون عاجزاً جباناً ، ليس له شيء ولا عليه شيء ، فهذا إن لم يغنم فإنه لا يأثم ، وإما أن يكون مخادعاً مكاراً ، ظاهره سمت المؤمنين وباطنه حقد المجرمين ، يتحلم ظاهراً ويعف علناً ، ولكنه يغضب باطناً ، وينتقم مسرفاً وهذا حقود لدود ، لا يلبث أن يفضحه الله على رؤوس الناس .
وإما أن يكون حليماً مفطوراً على الخير ، مجبولاً عليه ، وهذا كأشج عبد القيس الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله ، الحلم والأناة ، فقال : أشيء تخلقت به أم جبلت عليه يا رسول الله ؟ فقال : لا بل جبلت عليه ، فقال ، الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله ) " رواه مسلم وأحمد وغيره بألفاظ متعددة " .
وإما أن يكون ثائر النفس ، أزعجه من ظلمه ، فيصبر محتسباً ، ويصفح قادراً ويأمره إيمانه بالعرف ، والعفو عن الجاهلين ، وهذا هو المثاب في الدنيا والآخرة ، والمشكور عند الله وعند خلقه ، وهو الموصوف بالشدة والقوة ، كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) " رواه البخاري ومسلم " .
وهو المقصود أيضاً ، في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كتم غيضاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق ، حتى يخيره من الحور العين ، يزوجه منها ما شاء ) " رواه أحمد وغيره بسند صحيح " .
أيها الناس : قلة الحلم وكثرة الغضب آفتان اثنتان ، إذا انتشرتا في مجتمع ما قوضتا بنيانه ، وهدمتا أركانه ، وقادتا المجتمع إلى هوة سحيقة ، بعد أن كانتا كالسوس ينخر في جسد المجتمع المسلم حتى يؤدي به إلى الهلاك والعياذ بالله ، وإلا فما تفسير ضياع المجتمعات المسلمة ، واندثار آدابها وأخلاقها ، وانتشار الشتائم ، والفحش بين أفرادها على كافة الأصعدة ، مما ساعد على تقطيع الأواصر والروابط ، وإشاعة أجواء التباغض والتدابر والتحاسد وإظهار الشماتة على الأمة المسلمة من قبل أعدائها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على سواه ) " رواه مسلم " .
وهل الطلاق ، وما يكون بين الزوجين من الشقاق ، الذي أدى بالزوج إلى كسر ضلعها وضياع أمرها ، إلا نتيجة الغضب وقلة الحلم ؟! ثم بعد ذلك يندم ولا ساعة مندم ، ويتأسف على ما مضى ، ويرى أنه قد جنى على نفسه بالحرمان ، وعلى زوجته بالعقوبة ولا ذنب لها ويتم أولادها وهو لم يزل حياً .
ثم لا تسل بعد ذلك عن محاولات هذا الغر في الرجوع إلى زوجته ، واختلاق الكذب والمعاذير ، فيذهب من قاضي إلى قاضي ، ومن مفت لآخر ويستعين على حاجته بكل بر وفاجر ، كل ذلك لمحو غلطة ارتكبها دون تفكير أو روية ، أو تدرج في التأديب ، مما تسبب في هدم لبنة كان بإمكانه معالجتها لو ملك عقله ، وأشهر حلمه ، وكف غضبه ، وما ذنب الولد إذا خرج من بيته هلعاً مكفهراً وجهه ، ضائقاً صدره ، ينطلق يمنة ويسره ، يبحث عن سبب يزيل به همه ، ويجلو به غمه ، وسواء عنده تلك الأسباب ، كانت من الحلال أم من الحرام ، ولربما استبشر به وبأمثاله وحوش الظلام ، وذئاب المجتمع فيسير وراء تخبطهم ، ويضيع بضياعهم كل ذلك نتيجة غضبة من أبيه أو أمه ، أعقبها سب وشتم ولطم ، وربما طرد ولعن ، فيبدد بذلك شمل الأسرة ، ويجعل البيت ناراً أو بركاناً ثائراً ، وإن سمع من جاره شيئاً غضب ، ورد أكثر مما قيل له ، أو فعل به ، فيصبح الجيران أعداء له وخصوماً ، يكسب في كل يوم عدواً ويفقد صديقاً ، ويهدم بيتاً ، وربما خسر تجارته ، أو طرد من وظيفته ، أعاذنا الله وإياكم من الغضب ، ومن سوءه وآثاره ، ورزقنا وإياكم الحلم والتحلم إنه سميع قريب ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) ) " سورة آل عمران ، الآيتان : 133،134 " .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم .

الخطبة الثانية :
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى أتباعه وإخوانه .
أما بعد :
فيا أيها الناس : اتقوا الله ، واعلموا أنه يجب علينا جميعاً أن نعمل بتعاليم ديننا الحنيف ، وأن نأخذ بإرشادات نبينا صلوات الله وسلامه عليه ، كما يجب علينا أن نقصر أنفسنا عن الغضب ، ولا نتسرع فيما يعود علينا بالحسرة والندامة ، والمرء المسلم مطالب بكتمان غيظه وإطفاء غضبه بما استطاع من تحلم وتصبر ، واستعاذة بالله من النفس والهوى والشيطان ، وعليه أن يترفق أولاً في أهله ، وثانياً برعيته وجيرانه ، وعملائه ومواطنيه ، فلا يكون عوناً لزوجته على النشوز ، ولأبنائه على العقوق ، ولجيرانه على الإساءة ، ولرعيته على التمرد وللناس كافة ، على هجره ومجانبته .
ويختلف الغضب في دنيا الناس ، إذ يتراوح صعوداً وهبوطاً ، باختلاف الأحوال والظروف ، ولكنه من خلال الإطار الشرعي لا يخرج عن ثلاث مراتب :
المرتبة الأولى : مرتبة الاعتدال ، بأن يغضب ليدافع عن نفسه أو دينه أو عرضه ، أو ماله ، ولولا ذلك لفسدت الأرض بانتشار الفوضى ، وتقويض نظام الاجتماع ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون عرضه فهو شهيد ومن قتل دون نفسه فهو شهيد ) " رواه أحمد وابن حبان " .
المرتبة الثانية : أن ينحط الغضب عن الاعتدال ، بأن يضعف في الإنسان ، أو يفقد بالكلية ، وهذه الحال مذمومة شرعاً ، لاسيما إذا تعلقت بحرمات الله قالت عائشة رضي الله عنها : ( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط ، بيده ، ولا امراءةً ولاخادماً ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل منه قط ، فينتقم من صاحبه ، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى ، فينتقم لله تعالى ) " رواه مسلم " .
والمرتبة الثالثة : أن يطغى الغضب على العقل والدين ، وربما جر صاحبه إلى ارتكاب جرائم كبيرة ، وموبقات كثيرة ، ولا يمكن التخلص من هذه العقبة ، إلا بفعل ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ( إذا غضب أحدكم فليسكت ) " رواه احمد " .
واستب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فاحمر وجه أحدهما غضباً فقال صلى الله عليه وسلم ( إني لأعلم لو قال " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد " ) " رواه البخاري ومسلم " .
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية وأفضل البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة .





[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه، كما نحمده على بلائه، ونستعينه على نفوسنا البُطاء عمَّا أمِرت به، السِّراع إلى ما نهيت عنه، ونستغفره مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، علمٌ غير قاصر، وكتابٌ غير مغادر، خلق الإنسان وبصَّره بما في الحياة من خير أو شر: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:3].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كل شيء فقدَّره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها دار حصن عزيز، تمنع أهلها، وتحرز من لجأ إليها، وبها تُقطع حُمَة الخطايا، فهي النجاة غداً، والمنجاة أبداً بفضل الله.

أيها الناس! إن البشر بعامة محكومون بحدودٍ وأعلام، يتقاسمها في الأساس فطرة الله التي فطر الناس عليها، وشريعة من الأمر أُمِر الناس باتباعها على هدىً وبصيرة، وهم إبَّان ذلك قد يضعفُون أمام تلك الحدود والمعالم إلى درجة الخُذلان المنبثق من التهاون واللامبالاة، أو قد يشتدون مع منافع زهرة الحياة الدنيا إلى حد الطغيان:[COLOR=darkred] إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] والمؤمن الكيِّس مطلوب منه التماسك والرباطة على حالَيه كلتَيهما، إذ أن ترامي الغرائز يمنة ويسرة يتقاذفها ريح الهوى في كل اتجاه، دون أن تخضع مذعنة لحدود الفطرة والشرع، هي لا بد منتهية بأصحابها إلى بلاءٍ عريض، فإن الباري -جلَّ وعلا- لم يخلق الغرائز لبني آدم لتكون محلاً للسطو أو الختل أو التلفظ بأعراض الآخرِين، ولا خلقها ليتعبد بعضَ الناس بقتلها والعبث بها دونما سياج وحماية يحكمان محالَّها.

المرء الإنسي في هذه الحياة تتبدى له عورتان اثنتان، يتجاذب الاهتمام بسترهما والحرص على مواراتهما: فِطْرتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] والتي يتم تنشيطها والإحسان بتمامها نداءات حية من شريعتنا الغراء.

ومن هذا المنطلق حرص الإنسان السوي على أن يواري عورتَيه وسَوءتَيه أشد المواراة، عورته الجسدية وعورته النفسية أو المعنوية.

وأصل البشرية أبَوان كريـمان، ابتدأ الامتحان بالعورات بـهما، وأين هذا الامتحان؟ إنه في جنة الخلد: وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120]، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا [الأعراف:20].

لقد حرص الشيطان على أن يقضي ابتداءً على عنق الزجاجة ومكمن الحياء، وهو الستر: فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [طه:121] يخصفان عليهما خجلاً من تعريهما، إذ لا يتعرى ويتكشف إلا من فقد فطرته!

ويا لله.. لقد نسي آدمُ فنسِيَت ذريتُه.......






أيها المسلمون!

إن الستر فطرة تجعل المجبول عليها لا يأذن للعوادي أن تكشفه كائنة ما كانت، ولو اضطر يوماً ما على أن يُبدي سوأته الجسديةِ لِضُرٍ أَلَمَّ به، فسيكون ذلك على استحياءٍ وخجلٍ شديدَين أمام طبيبٍ أو نحوه، الضرورة كامنة وراء استسلامه بذلك، وقولوا مثل ذلك في العورة القلبية وما يكون من أحوال مشينة تصدر من نفس المرء ويخشى أن يطلع عليها غيره، على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم: { والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس }.

وجماع الأمر في العورَتين -عباد الله- هو قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف:26].

لقد امتن الله -جلَّ وعلا- على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش الذي يوارون به سوءاتهم.

فباللباس تستر العورات عن أعين بني آدم.

باللباس يُكْبَحُ جماح الشهوة الطاغي، ويُكَفْكَفُ اللحظ ومُماداة البصر عن أن ينطلق إلى ما لا يُرضي الله.

باللباس -أيها الناس- تستر المرأة أنوثتها، وتحفظ كيانها عن أن تكون عِلْكَاً ملتصقاًَ بأحذية لصوص المرأة وأيدي العابثين، حتى تصبح جوهرة في صدفة لا ينظر إليها إلا الخواص وهم الأزواج.

باللباس والستر يقدم المرء رِجْلاً أو يؤخرها إذا ما امتدت نفسه إلى خِطبة امرأة بحلال.

باللباس -أيها المسلمون- يُعرف الذكور والإناث عن مدى احتشامهم واستقامتهم وحبهم للستر مظهراً ومخبراً، وبه تُعرف الأسر المصونة من غيرها.

باللباس والستر قد يُحمى ركنٌ أساس مما أجمع عليه الأنبياء والرسل قاطبة، وهو حماية العرض والنسب من مواهبها.

ثم إنه بالريش والرياش يتجمل الإنسان ظاهراً، إذ لباسه من الضروريات الجسدية، والريش والرياش من التحسينيات والزيادات التي يتمتع بها المرء وفق ما شرعه الله له دونما إسراف على حد قوله صلى الله عليه وسلم: {كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مَخِيْلَةٍِ ولا سَرَفٍ، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده } رواه أحمد ، والنسائي ، وابن ماجة .

وذكر البخاري -رحمه الله- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [[ كلْ ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ ومَخِيْلَةٌ ]].

ولا غروَ -أيها المسلمون- في مقابل نعمة اللباس والامتنان بها أن يشرع الحمد مِن قِبَل المرء على ما يكسو به معيبه، ويواري به سوأته، فلقد صح عند أحمد وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكسوة: {الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي }.

والأمر -عباد الله- ليس حكراً على ستر العورة الحسية الجسدية فحسب، بل إنَّ لباس التقوى وستر التقوى خير ما يتجمل به المرء؛ إذ ما عسى ستر البدن أن ينفع إذا كان القلب عارياً؟!

{استقيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: الله أكبر! كم فُتح من الخزائن اليوم؟! أيقظوا صُوَيْحِبات الحُجَر، فرُبَّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة } رواه البخاري .







أيها المسلمون!


الفِطَر السليمة والأنفس السوية تجفل بطبعها من ظهور السوأتين، وتحرص أشد الحرص على مواراتهما، والذين يحاولون في تبعيتهم النكوص عن هذه الحقيقة على علم أو جهل بما يطلقون من دعوات هنا وهناك عبر ألسنتهم وأقلامهم ومقدراتهم لتأصيل هذه المعرَّة، هم الذين يريدون سلب خصائص فطرة الإنسان، وهم الذين ينفِّذون بالحرف الواحد المآرب الصهيونية الرهيبة عبر مقرراتهم المرقومة؛ لإشاعة الانحلال بين بني الإسلام.

وإن تعجبوا -عباد الله- فعجبٌ أن اليهود هم أول من شنَّ الحرب على نزع الستر وإظهار السوأة منذ أن تآمر رجلان منهم في سوق بني قينقاع على نزع حجاب امرأة وكشف سوأتها، حينما كانت جالسة في السوق، فربطوا خمارها بطرف ثوبها، فلما قامت واقفة بدت سوأتها للناس، فاستغاثت بمن حولها، ثم توالت بعد ذلك أحداث شبيهة..

كما ذكر ابن الأثير في كامله عن شابين من قريش رأوا امرأة جميلة من بني عامر في سوق عكاظ ، وسألوها أن تسفر عن وجهها فأبت، فامتهنها أحدُهم، فاستغاثت بقومها حتى كان ذلك سبباً في اليوم الثاني من أيام حروب الفجار المشهورة.

العري -أيها المسلمون- سِمة حيوانية بهيمية، ولا يميل إليه إلا من هو أدنى من الإنسان، ومتى رؤي العُري والتعرِّي جمالاً وذوقاً وتقدماً ومسايرةً لركب الغافلين فقولوا على الفطرة: السلام، ولتبدأ الآذان صاغية في سماع ما يُبكي ويُحزن من مآسي الفتن، والتنويع في الانسلاخ، والتجرد عن قيم الإسلام، ناهيكم عن سوء العواقب الموخزة، وحينئذٍ واقعون ولا محالة فيما حذرنا منه الباري بقوله: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءاتِهِمَا [الأعراف:27].......







عباد الله!


إنَّ لنا في كل يوم أجناساً من الذكور والإناث تنمو غضة رقيقة، لا يتعهدها أحدٌ بسقي ولا رعاية، حتى تصيبها الجائحة فتجف وتذبل، كما أن عواقب التغريب والاستسلاخ والاستنساخ وأرزائها تحطم أعراقاً متينة من الستر والحشمة طالما أظلت وسقت حتى اجتُثت، فلا بواكي لها.

وفي الوقت نفسه! تزهر أفئدة من بني الجنسَين، ثم تُؤتي أُكُلها ثمراً ناضجاً حلواً، فلا يُوجد في بعض الجمهور مستبشراً بها، غير سالم من وكزات دعاوى التخلف، ومعرَّة ما يُسمى: مشي الرجوع.. على حد زعمهم!

لقد صعدت أجيال تنكَّرت لماضيها وأعراقها التي أصلتها وحكَمَتها شريعة الإسلام.

أقحم أناس أنفسهم في الميدان، وجعلوا التحسين والتقبيح خاضعاً لممارسات الحضارة الغربية وطيشها، تبدل الوزَّان وبقي الميزان مختلاً وقطبه مائلاًَ، وصناجه ضائعة، حتى إن أحدنا ليجد بين الأم وبنتها، أو بين الأب وابنه في صورة اللباس وما يُشاكله من البَون الشاسع ما يُعادل قرناً كاملاً من الزمان.

ألا ما أكثر الأحياء فينا وهم قتلى؟! ذكور وإناث يلبسون لباساً لم يُفصَّل لهم، ولم يُقَس عليهم، وإنما خِيْطَ لغيرهم، فأخذوه بلا إصلاح، ومشوا به فرحين كما يمشي الطفل بحُلة أبيه، يتعثر بها، فيسقط سقطات يكون بها محلاً للضحك والتندُّر.

إن الخلل الذي تعيشه جملة من الشعوب الإسلامية في قضية اللباس والستر، إنما كان منشأه من ممارسات خاطئة في كيفية التعامل مع الحضارة المدنية في كافة شئونها الحياتية، وفي المفاهيم المغلوطة لمعاني التقدم الحية، مما علق مواهبهم وقدراتهم عن تسخيرها باقتدار، حتى التحقوا بالركب المتقدم عن طريق التشبه به، والاقتباس منه، وعذرهم في ذلك أنهم يريدون النهوض بأنفسهم وأمتهم من وهدة النمو إلى مصافي الأمم المتحضرة، ولم يعد للشرع ولا للفطرة في بعض الأفئدة إلا النسبة الأساس.

وإذا رأيت ثوب المفتون بهم يستر بعض العورة فاعلم أنه صورة لما عندهم من الأنموذج الجديد.

إن الإصابة بحمى اللباس ليست على درجة واحدة بين المسلمين، إذ منهم من شمل السفور والحسور والتشبه، نساءه ورجاله، أو الكثرة منهم، ومنهم من ظهر فيهم واستعلن، وإن لم يعم ويشمل، ومنهم من بدأ يقرع أبوابهم ويضع إحدى قدميه، إن لم تكن وُضِعَتا كلتاهما.








حدثوا -أيها المسلمون- ولا حرج

! عن انهماك (المجوع) بما يسمى على لغة العصر: الموضة؛ حيث يتلاعب مصممو اللباس بنفسيات الجنسَين في جذب أنظارهم تجاه كل لباس مستحدَث، مهما كان انسلاخه من معاني الرجولة، أو سمات الأنوثة العفيفة المصونة، استنزاف للأموال، واستخفاف بالرعاع، ونشر للفاحشة كيفما نشر، بعرض المفاتن، وسبل الإغراء، حتى أصبحت الموضة متِكْأةً للإثراء ووأد العفاف لدى كثير من الشعوب.

والزمن كفيل في أن يثير جمهور اللاهثين في قبول الإحداث المتجدد المتراوح بين انتشار ما يُلبس دون الركبة أو فوقها، أو ما يُفتح من الجانبَين ليبدو ما يتمنى المرء المسلم معه الموت ولا أن يرى يوماً ما شيئاً من ذلك في محارمه أو أقاربه، ولا أن يكون ضحية لمشاهدة ما يستفز العيون من محاجرها، مشرئبة لتتقد كوامن الشهوة كالنار المتأججة في الصدر، والتي يُتَرْجم عوارها عبر جوارح المغفلين.

إنه التفنن في إذابة الأعراف وإغراء الشعوب بما يُبعدهم عن ربهم وخالقهم، التفنن في تعويد المرأة على أن تبدو سافرة، وعلى أن تقنع نفسها بأن حياتها ومستقبلها مُرتهن بما تبديه من إغراء، وتفنن في عرض التقاسيم البدنية عبر مدارك الأزياء المتجددة، التي ربما كان المشي بها أصعب من مشي على حبل مما بها من ضيق، أو كمشي المجندل بالحديد، ولن تستطيع صعود درجة إلا بكشف ساقيها، والمتحجبة منهن ربما تفننت في تقشيب الحجاب وإحالته إلى وضع أشد فتنة من ثوبها وصورة وجهها، ولطالما فتنت بعض العباءات السود ألبابَ الرجال؛ فكم من عباءة هي في الحقيقة أشد ما تكون إلى عباءة أخرى تسترها؟!

وأما الشباب فحدثوا ولا حرج عن تململهم بلباسهم الرجولي، وغدَوا في إشفاق مشين بلباس أهل الفن والمجون، حتى لقد أصبح المرء الغيور يرى من أحوالهم ما يحترق به بصره مرة تلو الأخرى... أهكذا زي شباب المسلمين؟!

إن أحدنا ليضع كفه على ذقنه ويقرع سنه حيرةً، يُسائل نفسه: لِمَ، ومم، ولأي شيء يستنكف الناس لنداءات الفطرة، وحدود شرعة الله ومنهاجه؟!

إن مردَّ ذلك كله إلى إفساد البنت والشاب؛ إذ معظم ممتهني دور التصاميم والأزياء هم من اليهود في عواصم الغرب، فهم بيوت الألبسة ومصمموها، وهم أساتذة التجميل ودكاكينه.

بل لَمْ يكتفِ أولئك بعقلاء الجنسَين حتى امتدت مآربهم إلى مَن هُم قبل سن التكليف من صبيان وبنات، فأُشربوا من خلال ملابس الأطفال المنتشرة في المعمورة، والتي لا تمت للحشمة بصِلَة، أشكال وألوان.. من الضيق تارة، ومن العاري أخرى، ومن القصير الفاضح كرَّات وتارات! هي ملأى بالصور أو بالعبارات الرقيعة، قد لا يفهم جُلَّ اللابسين المراد منها، ولا تسألوا بعد ذلك عن حال الطفل أو الطفلة بعد الكبر، إنَّ كُلّاً منهما لَمْ يُعَوَّد يوماً ما على الستر الشرعي.

إن الأب والأم إن كُتِبَ لهما الوعي والحرص بعد ذلك على سترهما سيجدان المرارة والعي في الإقناع به، وللأبوَين نقول:

اليدان أوكتا والفم نفخ!

وعند سؤال المكابرين منهم يقولون: ماذا نفعل؟! هكذا يلبس الناس، وهكذا يريد الناس، ولَعَمْرُ الله -أيها المسلمون- كم يجلس الغيور الصادق يبحث جاهداً لأطفاله، متسوقاً في كل مجمع، يعز عليه أن يجد المكسي من الثياب، ويعيه طِلابه، فالله المستعان!






إن هذه المفاهيم والأخطار المدلهمة ينبغي ألا يُفهم إنكار المصلحين لها على أنهم يريدون بها التحجيم أو الإبقاء على القديم من كل وجه؛ بحيث يظن البعض أن المراد هو الإلزام بكل ما كانت تلبسه أمهاتنا ومَن وَلَدْنَهُم، أو آباؤنا ومَن وَلَدُوهم، كلا.

إن الشرع لم يلزم بذلك، وإنما منع من كشف العورات، ومن لبس ما يخدش الحياء أو يبرز المفاتن، وترك لنا في الجملة اختيار الزي الذي يلائمنا ويسترنا مهما تجددت صورتُه؛ ولكن علينا ألا نرى الستر عيباً والعفاف عاراً، وحسبنا تذكيراً برءوس غيرنا، ونظراً بعيون عدونا المترمدة.

وقد سأل رجل ابن عمر : [[ ماذا ألبس من الثياب؟ فقال: ما لا يزدريك فيه السفهاء، ولا يعيبك به الحكماء ]].

ثم اعلموا -أيها المسلمون- أننا لو جمعنا ألف شاب، وأجلبنا لهم عشرات الوعاظ ليلقنوهم الصيانة عاماً كاملاً، ثم يُجلب لهم كاسية عارية تترامى مفاتنها في كل اتجاه لَهَدَمَت في ثوانٍ معدودة ما بناه أولئك في عام.

فاتقوا الله معاشر المسلمين! والحذار.. الحذار من الوقوع في فتنة اللباس، والخروج به عن مقصوده ومبتغاه، ولا يغوينكم الشيطان بزخرف من القول والعمل: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:32].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة، أقول ما سمعتم، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان؛ وأستغفر الله.......






الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه.

أما بعد:

فاتقوا الله -أيها المسلمون- واعلموا أن للباس والزينة شأناً عظيماً في ملة الإسلام، وما جاء في ذلك من الكتاب والسنة ليحل محلاً كبيراً في الأسفار والتصاميم، فقد عقد أهل العلم في كتبهم أبواباً وفصولاً مستقلة تخص اللباس وحده، ومن خلال الاستقراء والتتبع وُجد أن الأسباب الداعية إلى تحريم بعض الألبسة لا تخرج عن واحد مما سيأتي:......






فمن ذلك: التحريم بسبب ما يُفضي إليه من فتنة:

كظهور عورة المرأة، أو تجسيد جسمها وتقسيمه، أو إخراج العينين، أو الوجه، أو الكفين... أو نحو ذلك مما هي مأمورة بستره، عملاً بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59]، قال ابن كثير رحمه الله: "الجلباب هو: الرداء فوق الخمار".

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [[أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن حاجة أن يغطين وجوههن فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة ]].

وبهذا يُعلم -أيها المسلمون- أن ما تقوم به جملة من النساء اليوم من تغطية الوجه مع إخراج العينين وما جاورهما من الحواجب وطرف الأنف وشيء من الخدين أن هذا كله خطأ واضح، ومسلك مشين.

فيا لَلَّه.. ماذا أبقت المرأة من جمالها حينئذٍ؟! إنها بمثل هذا ربما سترت القبيح، وأبرزت الحسن، والشارع الحكيم أذن لها بإبراز إحدى العينين لترى بها الطريق، لا أن يراها أهل الطريق.







وسبب آخر من أسباب التحريم، وهو: ما يكون لأجل الشهرة والتباهي والخيلاء:

لقوله صلى الله عليه وسلم: {من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة } رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي .

وكذا إسبال الثياب وجرها أسفل الكعبين سواءً أكان ذلك خيلاءً أو لم يكن، ولا ينبغي أن يُفَرَّق بين من يُسبل لأجل الخيلاء ومن يسبل بلا خيلاء، والجواب الصحيح في ذلك: هو أن ما أسفل الكعبين إذا لم يكن خيلاء فهو في النار، وأما إذا كان خيلاء فإن العذاب يكون أشد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {من جرَّ ثوبه خيلاءًَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة } رواه الشيخان، وفي رواية: {ما أسفل الكعبين ففي النار } هذا في حق الرجل، وأما في حق المرأة فإنها تسبل ثوبها حتى يغطي قدميها؛ لأن القدمين عورة بالنسبة لها.





وسبب ثالث من أسباب التحريم، وهو: التشبه:

كتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء في اللباس، أو التشبه بالأعاجم وأهل الكفر في زيهم، يقول عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: {رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين مُعطَّرين، فقال: إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها } رواه مسلم .

وفي الصحيحين : أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب لوُلاته: [[وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير ]].

ومما قاله الفقهاء: يحرم من اللباس ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعاداتهم.

وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مبيناً لهذه القاعدة العظيمة فيقول: إن المشاركة في الهدي الظاهر تُوْلِف تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهَين، يقود إلى موافقة في الأخلاق والأعمال، فلابس ثياب أهل العلم -مثلاً- يجد في نفسه نوع انضمامٍ إليهم... وهكذا بالنسبة لثياب الجند المقاتلة، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى ألا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط.

وقولوا مثل ذلك -عباد الله- في مشابهة الفسقة من مغنين وفنانين من أهل الكفر وغيرهم ممن ليسو على طريق الحق.

فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن الواجب والمسئولية على كل عاتقٍ نصيبه منها، من ولاة وعلماء ودعاة وأولياء أمور الأسر، كما أن على التجار مسئولية عُظمى تجاه ذلك؛ إذ عليهم أن يوجدوا البديل المباح، وأن يكفوا عن بيع ما يخدش الحياء، أو يكشف العورات، وليحذروا مغبة فعلهم، وليعلموا أن عليهم إثم ما يبيعونه، وإثم من يلبسه إلى قيام الساعة، من غير أن ينقص من أوزار من يلبسه شيء، وليحذروا الوقوع عن أن يكونوا بفعلهم هذا ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأنهم مسئولون عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيمَ أنفقوها؟

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد،وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.

اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم، ولا بلاء، ولا غرق.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
[/COLOR]

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]

[FONT=book antiqua][SIZE=4][COLOR=black]الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المستضعفين، ومجيب دعوة المضطرين، نحمده سبحانه ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفجره، إياه نعبد، وله نصلي ونسجد، وإليه نسعى ونحفد، نرجو رحمته، ونخشى عذابه، إنَّ عذابه، الجد بالكفار ملحق.

وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله رحمةً للعالمين بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فالذين آمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه؛ أولئك هم المفلحون، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، رضي الله عنهم ورضوا عنه إن الله لعليٌ حكيم.

أما بعــد:

فاتقوا الله معاشر المسلمين! اتقوا الله حقَّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ومن ثَمَّ فلتعلموا أن نِعَمَ الله علينا كثرا، يكذب مدعي حصرها، ويعجز مؤمل عدها.

نِعَم تترادف حلقاتها، تقول اللاحقة للسابقة: أختي أختي، نعمٌ في شئون العبادات والدين: [COLOR=darkred]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] ونعم أخرى في وسائل الفهم وحسن التعايش، ونعم في تسخير البشر بعضه لبعض ونعمٌ... ونعمٌ.... ونعمٌ يخص ربنا بها هذا ويمنح ذاك، ويقدر على هذا ويمنع ذاك أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] تسخير العباد بعضهم لبعض من أعظم منن الله على خلقه، وأكثرها ابتلاءً وامتحاناً في الوقت ذاته.......






ألا وإن ثَمَّ ظاهرة متفشية هي من نوع التفخير الذي منَّ الله به على عباده، ظاهرة استطالت جذورها، واتسع نطاقها حتى أصبحت من شرط اتخاذها عادة فحسب أن جعلت في منأى عن التأمل والتفكر، والنظر المنصف في حقيقتها وحسن الإفادة منها، بل التفكر فيما يجب لها وما فرض عليها، إنها ظاهرة ليست وليدة الحاضر ولكنها ليست قديمة الماضي، هي في مأزق من الأمر، تترقب الأطروحات الجادة، والبحوث المثمرة من على منابر التوجيه والإرشاد، أو في المنتديات العامة والتوجيه الإعلامي، أتدرون أي ظاهرة هذه؟

إنها ظاهرة الخدم! نعم. إنها ظاهرة الخدم! إنها بحق ظاهرة؛ ولكن ليس هذا هو العجب! وإنما أن تكون بهذا الحجم الكبير بين ظهرانينا دون أن تكون محلاً لحسن التكييف وصحة الأَسْلَمَةِ لها، يعبُّ الناس منها عبَّا، لا ينوي الكثير منهم على شيء سواء أنها عادة وطبع وتفاخر، وحب في الرفعة والشرف، وحب التسلط والتشبه ببلاط السلاطين ونحوهم.

إننا لو أمعنا النظر شيئاً يسيراً لوجدنا أن هذه الظاهرة مترامية الأطراف، وأن الحديث عنها يعوزه الوقت الطويل بعد سبرها وتشخيصها من خلال استقراء ميداني واسع النطاق؛ ولكن على حد قول القائل: ما لا يدرك كله لا يُترك جله، فلنكتفي إذاً بشذرات متفرقة التناثر حول ما يتعلق بهذه الظاهرة الجلية.......






فأقول أيها المسلمون! إن أول ما ينبغي أن يُذكر به هو أن الله سبحانه قد منَّ على أمة الإسلام فجعلها تابعة لا متبوعة، وأنه لم ولن يجعلها لقمةً سائغة لتسلط أهل الكفر عليها في الجملة، وذلك -عباد الله- يظهر بوضوح لما نرمي إليه من خلال سماع قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد في مسنده حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: { سيكون في آخر أمتي رجالٌ يركبون على سروجٍ كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاب، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساءكم نساءهن كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم }.

إذاً لقد رحم الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم إن لم يكن أمة أخرى وراءهم؛ يكن نساء المسلمين خدماً لهم كما صاروا خدماً لنا عبر التاريخ.









لقد كان الخدم فيما مضى هم المملوكين لمن يخدمونهم؛ وذلك بسبب الحروب الناشبة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، وبقاء راية الجهاد في سبيل الله تطاول الزمان شامخة، وفي عصرنا الحاضر قلَّ الرقيق، واضمحل أمره إلى درجة لا تكاد تذكرك في العيان، وصار الخدم كلهم من الأحرار، ولو فرزنا حقوق المملوكين التي أوجبها الإسلام على الأسياد، ورأينا ما لهم من حقوق وواجبات، وما عليهم من مثلها مما لم يحصل لكثير من الأحرار اليوم؛ لعلمنا صدق القوة وعمق الجرح الذي يعيشه كثير من المسلمين اليوم؛ ولحلت عبارة الرجل المسلم مع عمرو بن العاص -رضي الله تعالى- عنه حينما قال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟ ]].








إننا -أيها المسلمون- قبل أن نخوض في غمرات هذه المعرة، وقبل أن نُدلل عليها ونكشف عوارها؛ يجدر بنا أن نذكر على اقتضاب إلى أهمية استغناء الفرد بنفسه، وتوكله على الله، وعدم سؤال الآخرين من خدم وغيرهم، وتلك لعمر الله مزية قلَّ أن توجد في أوساطها، فإلى الله المشتكى!

يقول أحد الصحابة فيما رواه مسلم في صحيحه :[COLOR=sienna] [[بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: على ألا نسأل غير الله شيئاً حتى إن أحدنا ليسقط سوطه على الأرض لا يقل لأحد: ناولني ]].

ومنها فإن الاستغناء عن الخدم والإكثار منهم غنيمة بارزة، ولو لم يكن فيها إلا السلامة من عواقبهم والوقوع من سلبياتهم التي يقل الفتاق لكفى.

ورحم الله الإمام أحمد حين قال: ' السلامة لا يعدلها شيء '.

وعلى مثل قول الإمام أحمد نُرِشَد كل مسلم على ألا يلجأ إليهم إلا في حالات الحاجات الملحة مع عدم استغفال السلامة وأنها مطلب، ونقول -أيضاً- لكل مسلم شاخصة أحداقه، مشرئب إلى اتخاذ الخدم ولكن بينه وبين حصول ذلك مسكنةٌ وفقر تجعله أقرب في أن يَخدم مِنْ أن يُخدم، نقول له ولأمثاله: اسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد هُنيهة؛ لتكون رضي البال شاكراً ولي نعمته.

اشتكى علي وفاطمة -رضي الله عنهما- إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما تواجهه من الطحن والعمل المجهد فسألته خادماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين؛ فتلك مائة على اللسان وألف في الميزان } فقال علي رضي الله عنه: [[ما تركتها بعد ما سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل: ولا ليلة صفين ؟ قال: ولا ليلة صفين ]] رواه أحمد .

وليلة صفين هي ليلة حرب ضروس دارت بينه وبين خصومه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

هذه -يرعاكم الله- صورة حية من صور الاستغناء عن الغير.









بيد أن في الناس فئام لها ولعٌ بمشاكلة الآخرين، والسير في ركب الجمهور منهم، وُحبَّ التباهي مع قلة ذات اليد؛ فيطمعون في الإكثار من الخدم والتنويع فيهم، فلهؤلاء نقول: رويدكم مهلاً! فمتاع الدنيا قليل، ولتقنعوا بمثالين عظيمين يمكن من خلالهما حصل القناعة، والرضى بالمقسوم، والزهد في الدنيا، والاكتفاء من الخدم بما يسد الحاجة.

روى مسلم في صحيحه أن رجلاً قال لـعبد الله بن عمرو بن العاص : [[ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادماً، قال: فأنت إذاً من الملوك ]] فيا لله العجب! من قول ابن العاص رضي الله عنه.

إذاً ما أسهل ملك الدنيا وأحقره، فما بال أقوام لا يقنعون بمثل هذا؟

ألا تسمعون -حفظكم الله- المثل الثاني الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة } رواه الترمذي في جامعه .

إذا سمعتم ذلك فمنهم إذاً خدم الجنة؟

إنهم ولدان مُخلَّدون، وغلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون.

اللهم لا تحرم خير ما عندك بشر ما عندنا.








أيها المسلمون! من كان منكم متخذاً خادماً فليعلم أن عليه مراعاة أمور هامة:......





أولاها: اختيار الأمين الصادق كما قال تعالى عن ابنتي شعيب حينما قالت إحداهما لأبيهما: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] ولا يغيب عن بالنا أثر الأمانة والصدق في ذوات الخدم من خلال موقف يوسف عليه السلام من امرأة العزيز حينما قالت له: وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23] ، فكان الجواب: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف:23] كانوا يدعون السيد رباً؛ فهو يرى أن سيده أكرمه وأحسن مثواه، فلا يلوث ذلك بالتخون والفاحشة.

أين الكثيرين عن هذا الأمر الجلل؟

أين اختيار الخادم المسلم ذكراً كان أو أنثى؟

لله كم هم صرعى الخدم غير المسلمين؟ وماذا عسى أن يجنى منهم؟

دين غير ديننا، يحلون ما نحرم، ويحرمون ما نحل، فضلاً عما يقوم به جملة منهم إلى ما يسمى: التبشير والدعوة إلى مللهم إبَّان غفلة من الجمهور.

ألا وأن إحضار المحرم مع الخادم، الذي يكون سبباً -بإذن الله- في قلة الفواحش، والبعد عن الزلل، والأمن على النفس والعرض.

ألا إن الكثيرين منا لا يُبالون بالسائقين والخدم؛ امرأة مع سائق! ورجل مع امرأة الخادم! خادم تتكشف لمخدومها! وسائق تتكشف له مخدومته! وكأنه من أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء!! تساهل في الأمر واستخفاف به.








ثانياً: تكمن أهميته في عدم الركون إلى الخدم في تربية الأطفال، وكثرة محاكاتهم، ويزداد الأمر تأكيداً إن كانوا غير مسلمين؛ لأن من الأمور المسَّلمة أن كثرة المحاكاة تحدث مشاكلة في الطباع، ومن هنا يقع التأثر والتأثير في بني آدم؛ بل إن الآدمي إذا عاشر نوع من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه؛ فنجد الجمَّالين والبغَّالين فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال، ونجد الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق الناس بسبب المآلفة وقلة النفرة، وقديماً قيل: " الطيور على أشكالها تقع ".

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام ".

كل ذلك -أيها المسلمون- سببٌ في التأثير على الطفل؛ فضلاً عن كون صحة الطفل الدينية والنفسية والدينية ناتجة عن تفرغ الأم لطفلها وعدم إسلامه للأجنبي عنها.

ألا وإن تركها الساعات الطوال مع الخدم؛ لا يضمن تمتعه بالرعاية الدافئة التي يحتاجها كل حين، وثّمَّ دراسات نفسية كثيرة نشرت برامجها عبر جهات أكاديمية وأخرى تطبيقية كما يقال كلها تتفق على أن جُلَّ الأطفال والصغار من ذوي المشاكل النفسية هم الذين عانوا حرماناً عاطفياً كبيراً في طفولتهم المبكرة؛ بسبب غياب أمهاتهم عنهم وتسليمهم إلى الخدم.

ألا ترون -يا رعاكم الله- كيف يكون حال الطفل إذا غابت عنه أمه؟ ماذا يحدث عندما يشاهدها بعد فترة غيابها؟

إنه يشد إليها بقوة، وحين تدفع إليه لترضعه يلتقمها بلهفة ويحاول أخذ حاجته بلهفة، ولربما خانته حاسة البلع فشرغ وغص مع ما يصاحب ذلك من نظرات ازراء إلى أمه تدل على الشره واللوم دون استطاعته عن تعبير ذلك باللسان، فماذا عسى الخادمة أن تفعل؟

إن قلبها ليس كقلب الأم، وحنانها ليس كحنان الأم، ولا غرو -عباد الله- إذ ليس النائحة المستأجرة كالمرأة الثكلى.








أما ثالث الأمور أيها الناس! فهو أن يتقي المرء ربه، وأن يعلم أن أمر الخدم محسوم في شريعة الله، وأن هناك حدود ينبغي ألا يتجاوزها المرء المسلم، ومن ذلك: الحجاب الشرعي للخادمة، فلا يجوز أن تتكشف لدخول المنزل، ولا أن تختلط برجاله أو أن تخلو بأحدٍ منهم، وإن التباهي بالخادمات النساء، وكشفهن للعيان في الأسواق والأفراح والمستشفيات من باب التباهي، وحب الظهور؛ لهو أمر جد خطير وفيه من الإثم والوزر الشيء الكثير، فضلاً عن كون ذلك مدعاة لفتنة الناس وجذب أبصارهم، ومن ثَمَّ الولوغ في حمأة هذا الموقف العظيم، ووقوعهم في النظر إلى ما حرَّم الله.

وكذا الرجل الخادم: لا يجوز أن يخلو بالمرأة لا في منزلها، ولا في سيارتها، ولا أن تكشف وجهها له، أضيفوا إلى ذلك أمر الخدم بالتزام شرع الله إن كانوا مسلمين، أو دعوتهم إلى الإسلام إن كانوا غير ذلك، مع التأكيد بحزم على وجود الاستغناء عن الكفار لا سيما في جزيرة العرب ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهم منها، وكذا الظهور بمظهر القدوة الصالحة أمام الخدم، وذلك بالكرم والعطف والصدق والصفح.. إن الله يُحب المحسنين.

ثم الحذر الحذر! من التساهل مع من لا يخاف الله منهم أو التقليل من خطورة أمرهم، ويزيد الأمر تعقيداً حينما يكون بعضهم من مرضى الأفئدة، وممن يكون مضنة الانتقام، وحب الإفساد، من مثيري اللغط وهدم البيوت، واستخدام الشعوذة والسحر، وقلب ظهر المجن على البيت وأربابه، ونشر أسرار البيوت وأحوالها إلى خدم البيوت الأخرى، وكم هم صرعى هذا التقصير؟ وكم هم ضحايا هذا الإهمال؟ إذ بعض الخدم إذا شبع فسق، وإذا جاع سرق، ولا جرم! فقد قال مجاهد رحمه الله: [[ إذا كثرت الخدم كثرت الشياطين ]].

ووقائع المجتمعات وأحاديث المجالس تغص بها الحلوق، وتطفح بها الأذان، ألا وإن هذا ليُذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن كان الشأم في شيء ففي الفرس والمرأة والخادم والمبسم } قال الخطابي وجماعة من أهل العلم: هذا الحديث هو في معنى الاستثناء من الطيرة: أي أن الطيرة منهي عنها في قوله صلى الله عليه وسلم: {لا عدوى ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح } رواه مسلم ، إلا أن يكون للمرء دار يسكنها وهو كارهٌ لها، أو زوجة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم فليفارق الجميع ببيعٍ أو نحوه.

قال أهل العلم: وشؤم الخادم سوء خلقه، وقلة تعهده لما فُوِضَ إليه.

وأقول حفظكم الله: هذا الحديث وأقوال أهل العلم؛ إنما هو فيما مضى من زمن الصدق والدين، فما ظنك في هذا الزمن! سبحان الله.. ما أبعد الليلة عن البارحة، وما أشبه اليوم بما هو على العكس من الأمر.

بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكمة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله وأتوب إليه، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.







الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يُحمد، وأصلي وأسلم على أفضل المصطفين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تعَّبد.

أما بعـد:

فاتقوا الله -أمة الإسلام- واعلموا أن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

أيها المسلمون! العدل في القضايا من سمات المسلمين، وإعطاء كل ذي حق حقه هو مما أوجبه الله على عباده، وإن كان ثَمَّ مآخذ غير مرضية تصدر تارات كثيرة من الخدم؛ فإننا في المقام نفسه نشير إلى سماتٍ متعددة من الحقوق والواجبات التي يستحقونها، ومن ذلك: احترام قدرهم، وأنهم بشر مثلنا؛ فنتلطف معهم ونرحم غربتهم، وأنه لولا حاجتهم إلى المال واكتسابه؛ لما هان عليهم فراق العيال، والسفر آلاف الأميال، فلتطعموهم إذا طعمتم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا أتى أحدكم خادمه بطعام فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين أو لقمة أو لقمتين } رواه البخاري ، ولا تحجرن إطعام الخادم ولو لم يكن ذلك في صلب العقد بينكما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة } رواه أحمد .

وإياك إياك أيها المرء! أن تتوانى أو تتأخر في إعطائه أجرته في حينها، فلنفسه بالذات ولعٌ بها كما تفرح بمحصلتك، يقول صلى الله عليه وسلم: {أعطي الأجير أجره قبل أن يجف عرقه } رواه ابن ماجة .

فعليك -أيها المرء- أن تتنبه لذلك، وإلا فاعلم أنك خصيم للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: {ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة -وذكر منهم-: رجلاً استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره } رواه البخاري .

فاتقوا الله يا أهل البيوتات! واتقوا الله يا أصحاب الشركات والمؤسسات والتعهدات! وأعطوا العمال والخدم أجورهم في أوقاتها المحددة، وإلا فأعدوا لمخاصمة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- جواباً، وللجواب جلبابا حين ليس ثم جواب ولا جلباب.

وإياكم وضرب العمال والخدم، فقد ضرب أبو مسعود غلاماً له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منه، فقال أبو مسعود : يا رسول الله فهو حر لوجه الله، فقال صلى الله عليه وسلم: أما إن لو لم تفعل لمستك النار أو للفحتك النار } رواه مسلم والترمذي ، ولم يكن الأمر مقتصراً على مس اليد فحسب، بل وحتى اللفظ باللسان من شتم وسب، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: {لا تدعوا على خدمكم } رواه أبو داود .

وسمعتَ أم الدرداء عبد الملك بن مروان قد لعن خادمه، فقالت أم الدرداء : سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته، فقد سمعتُ أبا الدرداء يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة } رواه مسلم .

عباد الله! بما أن الشيء بالشيء يُذكر، وحيثُ إن الحديث عن الخدم والاستخدام؛ فاعلموا أن هناك ثلة من إخواننا المسلمين يعيشون حالاً لا يعرف من خلالها أيراد بهم أن يعيشوا خُدَّاماً أم يعيشوا بشراً؟ امتدت إليهم أيادي آثمة، أيادي أناملها صربية، ودماءها قد نزت من سلسلة حروب صليبية، ليس لهم هدف إلا قتل من يقول: ربي الله.

سر إخواننا المسلمين في كوسوفا المسلمة، شردوهم وأثخنوهم وشدوا الوثاق، مشردون.. هم أحياء في عِدَادَ الأموات، إذ ما الحياة بلا أمن ولا استقرار؟ ليس من مات منهم ذبيحاً؛ ولكن من يعيش منهم بالتشريد هو الذبيح!

ألا من محير جواباً! أو من محييٍ ألباباً! ألا من آمنٍ لمتألم ومن مستودع لمستصرخ! مسلمون مهجرون منبوذون في العراء وهم مذئومون سقوفهم واكفة، وجدرانهم نازة، وغرفهم متساقطة، جبالهم حممٌ من القنابل والشظايا، ووديانهم جثث وهال حتى غدت أباطح.

ألا تتقوا الله معاشر المسلمين! والبدار البدار بالجهاد في سبيل الله بأموالكم، بإيواء المضطهدين الذائدين عن حياض إسلامهم في أوطانهم، ألا وإن الإنفاق في سبيل الله والبذل فيه لإعلاء كلمة الله في طليعة أعمال البر التي وعد الله عليها الجزاء العظيم مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
[البقرة:261].

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر صحابة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعدائك أعداء الدين، اللهم دمر أعدائك أعداء الدين، اللهم أهلك الصرب الحاقدين، اللهم عليك بهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم أهلكم بالسنين، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم انصرنا على من عادانا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم
[/SIZE][/COLOR][/FONT]

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]الخطبة الأولى

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله سبحانه، واللجوء إليه في السرّاء والضراء والسَّعَة والضيق، فما خاب من اتقاه، ولا أيِس من رجاه، ولا ذلّ من اعتصم به، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3].
أيها المسلمون، يقول الله جل وعلا في محكم التنزيل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55].
لقد صدق الله وعدَه وهو أصدق القائلين، وأنجز لنبيّه ما وعده به. ومن هنا حمل هذا الدينَ رجالٌ وقادة علّمهم نبيُّهم أن لا يخافَ العبدُ إلاّ ربَّه، وأن لا يذلّ إلا لمن ذلّ له كلّ شيء وخلق كلَّ شيء ولمن بيده أسبابُ الخوف وأسبابُ الأمن وحدَه، إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].
ألا وإن العالمَ الإسلاميَّ اليوم ليمرّ بحالة عصيبةٍ وخطوب مستعصِية، والأمّة المسلمة برُمّتها شاخصة ببصرها ألمًا وحيرةً وذهولاً، بل يزداد ألمها وفاجعتُها حينما ترجع البصر كرّاتٍ ومرّات، ثم ينقلبُ إليها البصر خاسئًا وهو حسير، فإذا بالضّربات تتوالى عليها وتتقاذف كحُمَم بركانيّة لا تجد الأمّة أمامها ملجأً أو مغاراتٍ أو مدَّخلاً يحميها من الظلم الطاغي والإرهاب الدولي المقنَّن، بل إنها تتلقّى تلك الضربات تلو الضربات ثم هي تُصرَع أمامها، ذلك كلُّه كان سببًا ولا شكَّ في أن يغشى الأمّةَ وهمٌ يوقفها أمام مرآةِ المزعجات ومجنى المفزِعات، حتى لقد بلغ الوهمُ في صفوفها مبلغًا مثّل لها الضعيفَ قويًّا والقريبَ بعيدًا والمأمنَ مخافًا والموئل مهلكًا، فجعلت تتخبَّط إزاءَ هذا الوهم تخبُّطَ المصروع؛ لا يرى ماذا أدركه وماذا تركه.
أيّها المسلمون، إننا نعيش في زمن بُلِيت فيه أمّة الإسلام بتفريق الكلمةِ وتصارُع الأهواء، وحُجبت بالجهل والكبت عن معرفةِ أحوال عدوّهم وصنائِعهم وعوائدهم، ما جعلها تستسلِم للمحتلِّ الباطش ببعض غرائب سلاحِهم المدجَّج الذي أثار فيها خواطرَ الوهم بأنها أمام قوّةٍ لا يُمكن أن تُغلَب، بل هي حاكمة على أقطارٍ واسعة وأنحاء شاسعةٍ، وهي جميعُها في عين عديم الوهم ضعيفةٌ واهنة لا تستطيع ذودًا ولا دِفاعًا، وإن أخفَّ حركةٍ تنبثق هنا أو هناك توجب زعزعةً في تلك القوّةِ إن لم توجب هدمَها بالمرّة في حين رجفةٍ على أملاكها وخيفةٍ من غرقها وضياعها. إنّ تلك القوى لتتوجّس من كلّ حركةٍ في العالم، وكلُّ ملمّة تلمّ بالعالم الإسلامي والعربي توجب بحدوثها زلزلةً في قوى الظلم والجبروت المنتشرة في الأنحاء الضعيفة من أرجاء البلاد الإسلامية.
ومع هذا كلّه فإننا نرى الأمرَ لم يزل خفيًّا على جمهور أهلِ الإسلام، محجوبًا عنهم بحجاب الوهم. ولو دقّقنا النظرَ لوجَدنا أنّ قوى الشرِّ نفسَها تحسّ بضعفِها أكثرَ من إحساسِنا نحن بضعفِنا، لكنها في الوقت نفسه تبذل وُسعَها جاهدةً في سَتر ضعفها، ولا ستارَ أشدّ كثافةً من الوهم، ولذا نراهم في كلّ حادثة يجلبون ويصيحون ويزمجرون ليثيروا بالضوضاء هواجسَ الأوهام، فتحول دونَ استطلاعِ الحقيقة، وإلاّ فإنّ قليلاً من الالتفات الواعي كفيلٌ بأن يكشفَ ذلك ويميط اللثامَ عنه.
عبادَ الله، إنّ البشرَ جميعًا يشتركون في إمكانيّة حصول البلاء لهم، دون فرقٍ في الانتماء الدينيّ أو العرقيّ، بيد أنّ المسلمين إذا ابتُلوا فإنهم يتقلّبون في جناحَي خير وسكينةٍ إن هم استحضروا أمرَ الله وخلقَه، فيكون أمرهم كلُّه لهم خيرًا لهم، إن أصابتهم سرّاء شكروا فكان خيرًا لهم، وإن أصابتهم ضرّاء صبروا فكان خيرًا لهم، ولا يكون ذلك إلا لأمّة الإسلام، ولذلك قال الله تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35، 36]، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28].
إنّ الأوجاعَ التي تصيب المسلمين في مقتلهم في هذا العصر والأوخاز التي لم تسلم منها براجمهم لهم في أشدّ الحاجةِ إلى أن يقِفوا أمامها وقفةَ ناشدٍ للإصلاح، مستحضِرةً الأمّةُ أمامها عدّةَ أمور، يكمُن أهمّها في الآتي:
الأمر الأوّل: الرضا بالله وبقدر الله، وأنَ ما أصاب الأمةَ لم يكن ليخطئها، وأنّ ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأنّ الإقدام والشجاعةَ والنصر لا يكون إلا مع البلاء والضيق والكرب، وأنّ مع العُسر يسرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:6]، وأنه لن يغلبَ عُسرٌ يُسرين.
الأمر الثاني عباد الله: أن تعملَ هذه الأمةُ جاهدةً في وحدةِ صفِّها وجمع كلمتِها وتوحيد مصدر التلقي عندها إن هي أرادت النجاةَ، بحيث تكون المصدريّة متمثّلةً في كتاب الله وسنّة رسوله ، والعزم على إقصاء كلِّ الشعارات العصبيّة والأهواء العِبِّيّة. كما أنّ على الأمة الاعترافَ بأخطائها وما ارتكبته من تقصير في جنب الله وتهميشٍ لشريعته الخالدة عن واقع الحياة.
الأمر الثالث: أن الندبَ وحدَه لا يجدي شيئًا، فكيف بالشّجب والاستنكار إذًا؟! لأننا من خلال هذا الحديث لسنا ننقّب عن نائحةٍ مستأجرَة تُسمعنا نحِيبها أو تفجعنا بلطم خدَّيها، ولسنا نبحَث أيضًا عن ظئر عاريةٍ مؤدّاة تودع قضايانا سرائبها فلا ترى النور، أو هي تكتفي بالبكاء وحدَه؛ لأنّ البكاءَ لا يحيي الميّت، والأسف لا يردّ الغائب، ولكن العملَ مفتاح النجاح، والصدقَ والإخلاص مع متابعة الرسول ليُعَدّ سُلَّم الفلاح ودَرَجه، وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105].
ورابع الأمور عباد الله: أنّ الأمةَ المسلمة بحاجةٍ ماسّة إلى احتساب المصائب التي تطالها عند الله تعالى، وأن تعلمَ أنها على أجرٍ ومثوبة إن هي صبرت وجاهدت، فما يصيب المرءَ من نصَب ولا وَصَب حتى الشوكة يُشاكها إلا كتَب الله له بها أجرًا كما ذكر ذلك النبيّ . خرجه مسلم في صحيحه[1].
وبمثل هذا الاستحضارِ تبرز الشجاعةُ وينبثق الإقدام والتسليم بأقدار اليوم والغد وبأن العزةَ والقوة لله جميعا، الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173، 174].
إنه بمثل هذا تتعالى صيحاتُ الذادّين عن حياضهم والحامين لدينهم حين يلاقون قوى الشرّ والظلم قائلين لهم: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة:51]، وقائلين لهم أيضًا: قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:52]، يعنون بذلك كسبَ المعركة بالنصر على الأعداء، وقوى الظلم والجبروت أو الموت دون الظفَر بالنصر وهو حسَن كذلك؛ لأنّ ما عند الله خير وأبقى، بخلاف أعداءِ الدين وقوى الشرّ والظلم فهم إن انتصَروا أو انهزموا بين عذابين: آجلٍ أو عاجل، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [التوبة:52].
ألا فإنّ سنّةَ المداولة الربانية ماضيةٌ لا محالة، فالحرب سِجال، والله يقول: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:140، 141]، فاتخاذ الشهداءِ فضلٌ من الله ومِنّة، إذ الشهادةُ ليست رزيَّة ولا خسارة، وإنما هي اختيارٌ وانتقاء وتكريم واختصاص، ومن هنا برز قولُ الفاروق لأبي سفيان رضي الله عنهما في أُحُد حينما قال أبو سفيان رضي الله عنه قبل أن يسلِم: يومٌ بيوم بدر والحربُ سجال، فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار[2].
أما الأمر الخامس عباد الله: فعلى الأمّة أن تعيَ جيِّدًا أنّ منطقَ المجرمين واحد، وأنّ السياسة الفرعونية تُذكَى بين الحين والآخر، وأنّ أهلَ الكفر والظلم مهما زعَموا أنهم أهلُ إصلاح ودعاةُ حرية فهم في الحقيقة أهل دمارٍ وخراب، ودعاةٌ لمصالحهم الشخصيّة ولذائذهم الذاتية البشِعة، كيف لا وقد وصفهم الله بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، إلى أن قال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12].
والواقع ـ عباد الله ـ خيرُ شاهدٍ على هذا، ولنا أن نتساءل إذًا: أيّ حرية يُرادُ جلبُها للعراق الجريح وفلسطين المغتصَبَة؟! أيّ سعادةٍ ستطال أهلَها بفُوَّهاتِ المدافع وصريخ الرشّاشات؟! أيّ حياةٍ هانئةٍ جاؤوا يبشّرون بها لا تقوم إلا على الأشلاء والقتلِ والدمار وهدمٍ لبيوت العبادةِ والنسُك؟! والذي نستطيع أن نعلمه جيِّدًا أنّ الطباعَ العقليّة لم تنقلب معاييرها بحيث نظنّ بأنّ الدمارَ إصلاح والقتلَ حياةٌ والفوضى نظام والظلمَ عدل.
إن الألباب لتتّفِق جميعًا على أنّ هذا ما هو إلا منطقٌ فرعونيّ يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها منذ قرونٍ في قول الله تعالى: قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]. أفيُعقل إذًا أنّ قتلَ أربعةٍ جريمةٌ غير مغتفَرة وقتل شعبٍ كاملٍ مسألةٌ ليست إلاّ محتقرة؟! أفيُعقل إذًا أن تقابَل إرادات الشعوب والمجتمعات الدوليّة في إدانة قتل العُزّل والاحتلال والاغتصاب وقتل الأطفال والشيوخ والمجاهدين أيُعقَل أن تُقابل بحقّ النقض ضدَّ التصويتِ وما يسمّى بلغة العصر "الفيتو"، فترجع إرادةُ العالم القهقرى؟! أين حقوقُ الإنسان المزعومة؟! وأين الحريّة التي يدعو إليها أولئك؟! أفتكون دعاوى الحقوق والرحمة والعدل منصبَّةً على دعم وتحصين المنظَّمات العالمية لمحبِّي الكلاب والحيوانات الأليفة؟! أفتكون الكلاب المكلَّبة أهمَّ وأعظم من طفلٍ رضيع، بله قطر إسلاميّ برمّته؟! تالله وبالله، بمثل هذا تموت الحقوق وتبلغ القاع.
إنه بمثل هذا قُلبَت المعايير العقليّة حتى لقد صار الغبيّ حقًّا هو من يحاوِل أن ينالَ حقَّه باسم العدالة أو الرحمة الدولية، وصار المغبون حقًّا هو ذلك الضعيف المهزول الجاثي على ركبتَيه المهزولتين أمام تلك القوى الظالمة الغاشمة يستجديها حقّه ويسألها إنصافَه ويطلب إليها بالمدمَع لا بالمدفَع، فصار لا يوجد العدل الدوليّ إلا حيث يوجد الجور، ولا يوجد السِّلم إلا حيث توجد الحرب، وصارت القوى الظالمة لا تذكر العدالةَ ولا الحقوقَ الإنسانيّة إلا إذا تحدّثت إلى الأقوياء الباطشين أمثالها، وهم في ذلك كلِّه يجعلون المالك الطريد في أرضه إرهابيًّا لا حقَّ له، واللصَّ الغالب على الأرض والحقوقِ والمقدّسات ربَّ بيتٍ محترمًا، مالكًا للأرض لا بالإحياء الشرعي بل بالإماتة الجماعية والقهر النفسيّ، ولو بقي فيهم بصيصُ رحمة وإنصاف مزعوم فسيجعلون المنكوبَ المغتصَب يقول لهم بلسان حاله:
إذا مرِضنا أتيناكم نعودكمُ وتخطئون فنأتيكم ونعتذر
بمثلِ هذا ـ عبادَ الله ـ انفصَمت علائق الآمال لدى المشرئبّين لعَود حقوقهم السليبة بعد أن مسَّهم الضرّ من إفراطِ قوى الظلم والجبروت، حتى ردّوهم عن بلوغ الأرب وهمّوا بما لم ينالوا، ثم وقرت أسماعهم عن حسيسِ همسات الغيلة، فكانت الداهية ما منها بدّ، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196، 197].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطًا فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارًا.


--------------------------------------------------------------------------------
[1] صحيح مسلم: كتاب البر (2573) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما بمعناه، وأخرجه أيضا البخاري في المرضى (5642).
[2] رواه أحمد (1/287)، والطبراني في الكبير (10/301) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الحاكم (3163)، وقال الهيثمي في المجمع (6/111): "فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد وثق على ضعفه"، قال ابن كثير (1/413): "هذا حديث غريب وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أحدا ولا أبوه... ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها"، وقال أحمد شاكر: "سياق القصة في ذاتها صحيح، له شواهد كثيرة في الصحاح"، وصححه الألباني في تخريج أحاديث فقه السيرة (ص279).



الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده.
وبعد: فاتقوا الله معاشرَ المسلمين، واعلموا أنّ الله كتب العزّة والرفعة والعلوَّ لعباده المؤمنين، فالمسلمون هم الأعلَون بدينهم وعقيدتهم ومبادئهم وإن هُزمُوا عسكريًّا ووطئتهم قوّةُ الاحتلال، فالله جل وعلا يقول: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139]، ولما قال أبو سفيان رضي الله عنه يومَ أحد: اعلُ هُبل، قال رسول الله : ((ألا تجيبوه؟!)) قالوا: ما نقول؟ قال: ((قولوا: الله أعلى وأجلّ))، ثم قال أبو سفيان: لنا العُزّى ولا عُزّى لكم، قال رسول الله : ((ألا تجيبوه؟!)) قالوا: ما نقول؟ قال: ((قولوا: الله مولانا ولا مولَى لكم))[1].
فالنصر قادمٌ بإذن الله لأمّة الإسلام، وإن تباطأ مجيئُه لحكمةٍ يريدُها الباري جلّ شأنه؛ لأنّ وعدَ الله واقعٌ لا محالةَ وكلمتَه قائمة: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].
وما علينا نحن ـ معاشر المسلمين ـ إلاّ أن نستكمل الأسبابَ الجالبةَ لوعد الله؛ لأنّ شعوبًا لا تعرف إلا الله لن يغلبَها من لا يعرف الله، وإنّ شعوبًا لا تعرف إلاّ الحقّ لن يغلبَها من لا يعرف إلا الباطل.
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:20، 21].
هذا، وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبّحة بقدسه، وأيّه بكم أيها المؤمنون، فقال عزّ من قائل عليم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...

--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه البخاري في الجهاد (3039) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. [/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]الخطبة الأولى

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوَى الله سبحانه، ومن ثَمَّ فاعلموا أنه ليس أسعَدَ للمرء ولا أشرَح لصدره ولا أهنَأ لروحه من أن يحيَا في مجتمَعِه بين الناسِ صافيَ القلب صفيَّ الروح سليمَ الطباع مُنسلاًّ من وساوِس الضّغينة وسَورَة الحقد والحسد والبغضِ والتشفّي وحبِّ الانتصار للذّات والانتقام من النّدِّ، له سُمُوُّ قلبٍ يُعلي ذكرَه ويرفع قدره، ترونَ مثلَه مُهنِّئًا رضيًّا حينما يَرى النعمةَ تنساق إلى أحدٍ غيره، مدرِكًا فضلَ الله فيها على عبدِه، فتجِدون لسانَ حاله يلهَج بقول النبي فيما رواه أبو داودَ وغيره: ((اللّهمَّ ما أصبح بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد والشكر))[1].
ولا عجَبَ ـ عبادَ الله ـ في أنَّ طهارة مثلِ هذا القلب وزكاتَه لا تقف عند هذا الحدِّ فحسب، بل إنه متى رأى أذًى أو بَلاء يلحَق أحدًا من المسلمين أو يحُلّ قريبًا من دارِه رثى لحالِه، وتمنى له الفرجَ والغفرانَ من الله، ولم ينسَ حينَها أهمّيّةَ وأدِ الفرح بتَرَح الآخرين في مهدِه، فلا يلبَث أن تُسارِعه سلامةُ قلبه، ولِسانُ حالها يقول ما رواه الترمذيّ عن النبيِّ فيما يقولُه من رأَى مبتلى: ((الحمد لله الذي عافاني مما ابتَلاه به، وفضَّلني على كثير ممن خلَق تفضيلاً))[2].
إنَّ مثَلَ قلبٍ هذه حالُه كمثَل الإناء المصفَّح يستحيل تسرُّبُ السائل منه البتّة، وهذا هو القَلب التقيُّ النّقيّ المشرِق الذي يبارِك الله فيه، فتتسارَع إليه الخيراتُ حَثيثةً من حيث لا يحتسِب، وصاحبُ هذا القلبِ هو الذي ينجو مكرَّمًا يومَ لا ينفَع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم. قال سعيدُ بن المسيّب رحمه الله: "القلبُ السليم هو القلبُ الصحيح، وهو قلب المؤمن"[3]، وسئِل ابن سيرينَ رحمه الله: ما القلبُ السليم؟ قال: "الناصِح لله عزّ وجل في خلقه"[4]، أي: لا غشَّ فيه ولا حسَد ولا غلّ.
أيّها المسلمون، إنَّ ديننا الحنيفَ ليتحسَّس نفوسَ الناس بين الفينةِ والأخرى ليغسِلَها بالماء الزُّلال من أدرانِ الغَشَش ودخَنه، وليُذكِيَ فيها مشاعرَ الزّكاء والنقاءِ تجاهَ الناس والمجتمع، ومِن أعظمِ هذا التحسُّس المقرَّر هي تلكمُ المتابَعة المتكرِّرة في كلِّ أسبوعٍ مرَّتين، والتي تجعل من المرءِ حَكمًا على نفسِه؛ ليصحِّحَ ما به من خلَلٍ ويتداركَ ما بقِي أمامه من شعور، يتمثَّل ذلكم في قولِ النبي : ((تُعرَض الأعمال في كلّ اثنين وخميس، فيغفِر الله عز وجل في ذلك اليومِ لكلِّ امرئٍ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرَأً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذَين حتى يصطلِحا)) رواه مسلم[5].
إنَّ المجتمعَ المسلم الصّفيَّ هو ذلِكم المجتمعُ الذي يقوم على عواطِفِ الحبِّ والتآلُف والبُعد عن الأَثَرة المشاعَةِ بين أفراده، ولا مكانَ فيه للفرديّة المتسلِّطَة ولا الشحِّ الكنود، بل حالُ بنيه وأفرادِه يُحيي في نفسِ المؤمن استحضارَ قولِ الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [محمد: 29]، وقولِ الله تعالى مادِحًا صفةَ قوم: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: 54]، ويستحضِر قولَه تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10].
إنَّ شريعتَنا الغرّاء قد جاءت حاضَّةً على التّراحُم والتلاحم والعدلِ والإنصاف، ونبذِ التدابُر والتقاطُع والتباغُض والتحاسُد وبَذرِ الفِتَن وتأجيجِ الفرقة؛ لأنّ الإخلالَ بهذه المبادِئ ينمِّي جذورَ الخصومة ويضرِم أتّونَها ويفرِّع أشواكَها ويُذبِل زَهرَ المجتمَع الغضّ وينكأ جراحَه، فينشَأ الحِقدُ والطّيش بالألباب والتعبِئة النفسية الغوغائيّة التي تتدلَّى بمُواقِعِها إلى اقترافِِ ما ضرُّه أكبرُ من نَفعِه، حتى يكثرَ السّخَط فتعمَى العين عن النَظَر إلى مِن زاويةٍ داكِنة، بل يذهَب بها عضُّ الأنامِل من الغيظ إلى التخيِيل وقَبول الأكاذيب والاعتمادِ على خيوطٍ من حِبال أطيَاف التنازُع والصّراع والأمَل في الهيمَنَة المثاليّة والوعودِ الواهية، وذلك كلُّه مما ينهى عنه الإسلامُ ويذمُّ المجتمعاتِ طُرّا أن تقعَ في هُوَّتِه.
إنَّ الفظاظةَ التي كرِه الإسلامُ تغلغُلَها في جوفِ بني آدَم والانتقامَ الذي يجاذِب قلبَه بين حدَثٍ وآخر إنما هو فيما كانَ مُتولِّدًا بسبَبِ الدّنيا أهوائها والطّمَع وحظوظِ النفس ولذائِذ الرياسةِ والاستئثارِ بالعاجل على الآجل، أمّا إذا كان السّبَب غضبًا وبُغضًا لله وفي الله وإظهارًا للحق وغيرةً على محارِم الله وهَيعَةً للشّرَف والدِّين والعقلِ فهذا شأنٌ آخر له منَ النّدب والتحضِيضِ في الشريعةِ الإسلامية ما له، غيرَ مقطوعِ الصِّلة بالتذكير والتّأكيد على حُسنِ التفريق بين النصيحةِ والتّعيير وبين التصحِيحِ والتّشهير، والتحذير منَ الدَّعوةِ إلى الائتلاف بأبواقِ الفُرقة والتماسِ الأمنِ من خِلال تنفيرِ الصَّيدِ، والمسلمُ النّصوح ليس عليه جُناح إذا باشر قلبَه حبُّ النصحِ والتوجيه والإشفاق على أمّتِه ومجتَمَعه متجرِّدًا من أيِّ خطّ مشبوه أو لَوثة ممجوجَة، ولقد كان لنا في رسول الله أُسوَة حسنةٌ إذ تصِفه عائشة رضي الله عنها في مثلِ ذلك فتقول: ما انتقَمَ رسول الله لنفسِه إلا أن تُنتَهَك حُرمة الله، فينتَقِم لله بها. رواه البخاري ومسلم[6].
والحاصِل ـ عباد الله ـ أنَّ سلامةَ الصدر وسَعتَه في التعامُل مع الآخرين هو المِقبَض المفقود في أفئِدَة كثيرٍ من المجتمعات في هذا الزّمن إلا من رحِم الله وقليلٌ ما هم، فكم نحن بحاجةٍ إلى ذلكم في ردمِ هوّةِ التجافي والشّحناء، وكم نحنُ في حاجةٍ إليه في تعامُلنا مع نوايَا الآخرين وكوامِنِهم، وفي تعامُلنا مع اجتهاداتِنا المطعَّمَة بالإخلاصِ ومحاوَراتنا الناشِدةِ للحقّ، وكم تحتاجُ المجتمعاتُ المسلمة إلى ذلكم في تحديدِ معاييرِ التعامُل الآنيِّ واليوميّ، بين الفردِ والأسرة والأسرةِ والمجتمع والناصِحِ والمنصوح، وكم نحن بحاجةٍ ماسّة إلى سلامةِ الصّدر وسَعته في نظرةِ المرؤوس إلى رئيسِه والمحكوم إلى حاكِمِه والعكس بالعكس، مع مراعاةِ هيبةِ هذا الجانبِ وخطورتِه وعنايةِ الإسلام به؛ لِمَا في مراعاتِه من تحقيقٍ للمصالح ودرءٍ للمفاسد. ويدلُّ لذلكم ما رواه الشيخان في قصّةِ أسامة بن زيد رضي الله عنهما حينما طلَبوا منه أن يكلِّم عثمانَ بنَ عفّان رضي الله عنه علانيّةً فقال لهم: والله، لقد كلّمتُه فيما بيني وبينَه دونَ أن أفتحَ بابًا أكون أوّلَ من يفتحُه، ولا أقولُ لأميرٍ إن كان أميرًا عليَّ أو على غيرِي: إنّه خير الناس[7]. وقد بيَّن القاضي عِياض والحافظُ ابن حجر أنَّ قصدَ أسامة رضي الله تعالى عنه أنّه كلّمَه سِرًّا دون أن يفتحَ بابَ الإنكار على الأئمّة علانيةً خشيةَ أن تفترِقَ الكلمة، لأنّه قال له في الروايةِ الأخرى: إنكم لتَرونَ ـ أي: تظنون ـ أنّي لا أكلِّمُه إلاّ أسمعتُكم؟! ثمّ عرّفهم أنه لا يُداهِن أحدًا ولو كان أميرًا، بل ينصَح له في السّرِّ جهده، فذلك أجدرُ بالقبول. انتهى كلامهما رحمهما الله[8].
إنّه بمثل هذا التوازُن الذي يمليه على المرء سلامةُ صدره تجاهَ الآخرين ليبرِز الأفضليّةَ التي ذكرَها النبي بقوله حينما سئل: أيّ الناس أفضل؟ قال: ((كلُّ مخمومِ القلب صدوقِ اللسان))، قيل: صدوق اللسان نعرفه، فما مخمومُ القلب؟ قال: ((هو التقيّ النّقِيّ، لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسد)) رواه ابن ماجه[9].
كما لا ينبغي أن لا يغيبَ عنا أنّ هذا التوازنَ أيضًا كفيلٌ لبروز الخيريّة التي أشار إليها النبيّ بقوله: ((خِيارُ أئمّتِكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم، وتُصلّون عليهم ويصلون عليكم ـ أي: تدعون لهم ويدعون لكم ـ، وشِرار أئمّتكم الذين تبغِضونهم ويبغِضونكم، وتلعَنونهم ويلعنونكم)) رواه مسلم[10].
ألا فاتّقوا الله أيها المسلمون، وأنيبوا إلى ربكم، وأقيموا الصّلاةَ واتّقوه، وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: 31، 32].
بارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنّه كان غفّارًا.

--------------------------------------------------------------------------------
[1] سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح (5073) عن عبد الله بن غنام البياضي رضي الله عنه، وأخرجه أيضا ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2163)، والنسائي في الكبرى: كتاب عمل اليوم والليلة، باب: ثواب من قال حين يصبح وحين يمسي... (9835)، وابن قانع في معجم الصحابة (499)، والطبراني في الدعاء (307)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (41)، والبيهقي في الشعب (4/89)، وجاء عند بعضهم عن ابن عباس قال أبو نعيم في معرفة الصحابة: "هو تصحيف من بعض الرواة"، وصححه ابن حبان في كتاب الرقائق، باب: الأذكار (861)، وحسنه النووي في رياض الصالحين (110)، وابن القيم في الزاد (2/339)، وابن حجر في نتائج الأفكار (2/380)، وفي إسناده: عبد الله بن عنبسة لم يوثقه غير ابن حبان (الثقات 5/53)، وقال الذهبي في الميزان (2/469): "لا يكاد يُعرف"، ولذا أورده الألباني في ضعيف الترغيب (385).
[2] سنن الترمذي: كتاب الدعوات (3432) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا في الشكر، والطبراني في الدعاء (779، 780، 781)، وابن عدي في الكامل (4/143)، والبيهقي في الشعب (4/107، 5/507)، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه"، وحسنه المنذري في الترغيب (4/139)، وصححه ابن القيم في الزاد (2/418)، والألباني في السلسلة الصحيحة (602). وفي الباب عن عمر أو ابنه عبد الله رضي الله عنهما.
[3] انظر: تفسير القرطبي (13/114)، وتفسير ابن كثير (3/340).
[4] انظر: تفسير القرطبي (15/91).
[5] صحيح مسلم: كتاب البر (2565) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] صحيح البخاري: كتاب الحدود (6404، 6461)، صحيح مسلم: كتاب الفضائل (2327، 2328).
[7] صحيح البخاري: كتاب الفتن (6685)، صحيح مسلم: كتاب الزهد (2989).
[8] انظر: فتح الباري (13/51).
[9] سنن ابن ماجه: كتاب الزهد (4216) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وأخرجه أيضا الطبراني في مسند الشاميين (1218)، وأبو نعيم في الحلية (1/183)، قال أبو حاتم كما في العلل لابنه (2/127): "هذا حديث صحيح حسن"، وصحح سنده المنذري في الترغيب (3/349)، والبوصيري في مصباح الزجاجة، وهو في صحيح الترغيب (2889).
[10] صحيح مسلم: كتاب الإمارة (1855) عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه.


الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
وبعد: فيا أيّها الناس، إنّ من سلِم قلبُه واتَّسع صدرُه للنّاس ونصَح لهم وأشفقَ عليهم وكان مظهَره سببًا إلى مخبَره فإنّه سيُلقَى له القبولُ عند النّاس، عدوُّهم قبلَ صديقهم؛ لأنه لا يعرِف لحظّ النفس سبيلاً، ولا للانتِقام وحبِّ الانتصار دليلاً، ثم إنَّ للقلبِ السّليم مذاقًا وحلاوةً لا يعرِفها إلا من طعِمها، وشتّان ـ أيها المسلمون ـ بين قلبٍ سليم وبين قلب مليءٍ بالغلِّ والوساوِس وإعمالِ الفِكر في إدراك الانتصار للذّات.
ولقد ضَرَب لنا الرعيلُ الأوّل أروعَ الأمثِلة في ذلك، فهَذا الفاروقُ رضي الله عنه يتحدَّث بعباراتٍ أبدى من خِلالها الإنصافَ من نفسه، فقال: (اعلَموا أنَّ تلكَ القسوةَ قد أُضعِفت، ولكنها إنما تكونُ على أهلِ الظّلم والتعدّي على المسلمين، فأما أهلُ السلامة والدِّين والقصدِ فأنا أليَنُ لهم من بعضِهم البعض، ولستُ أدعُ أحدًا يظلِم أحدًا أو يعتدِي عليه حتى أضعَ خدَّه وأضَع قدَمي على الخدِّ الآخر حتى يذعِنَ للحقّ، وإني بعدَ قَسوتي تلك أضَع خدِّي على الأرض لأهلِ العَفافِ وأهل الكفاف)[1].
وقد جاء في مسند أحمد من حديث أنس في قصّةِ الرجل الذي قال عنه النبيّ في مجلِسه: ((يطلع عليكم رجلٌ من أهلِ الجنة))، فطلع هذا الرجلُ وهو من الأنصار، وتكرّر قولُ النبيّ عن هذا الرجل ثلاثَ مرات في ثلاثة أيّام، فبات عبد الله بن عمرو بن العاصِ عند ذلك الرجلِ ليرى ما يفعَل من الطاعة، فلم يَر كبيرَ عمَلٍ فسأله: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟ فقال الرجل: ما هو إلاّ ما رأيتَ، فقال عبد الله: فلمّا ولّيتُ دعاني فقال: ما هو إلاّ ما رأيتَ، غيرَ أني لا أجِد في نفسي لأحدٍ منَ المسلمين عِشًّا ولا أحسدُ أحدًا على خيرٍ أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلَغَت بك[2].
ويسطِّر لنا شيخُ الإسلام ابن تيميةَ رحمه الله كلماتٍ ينبغي أن تدوِّي في قلبِ كلِّ مؤمن ناصح، إذ يتحدَّث لأصحابهِ عن خصومه وقد لاقى منهم ما لاقاه من الأذى والحسَد والمنازعة، فيقول: "تعلَمون ـ رضيَ الله عنكم جميعًا ـ أني لا أحِبّ أن يؤذَى أحدٌ من عمومِ المسلمين، فضلاً عن أصحابِنَا بشيءٍ أصلاً، لا باطِنًا ولا ظاهرًا، ولا أحِبّ أن يُنتصَر من أحدٍ بسببِ كذبِه عليَّ أو ظلمِه وعدوانه، فإني قد أحلَلتُ كلَّ مسلم، وأنا أحبّ الخيرَ لكلِّ المسلمين، وأريد لكلِّ مؤمنٍ منَ الخير ما أحِبّه لنفسي، والذين كذَبوا وظلَموا منهم في حِلٍّ من جهتي" انتهى كلامه رحمه الله[3].
فالله أكبر ما أعظمَ تلكُم القلوبَ، واللهُ أكبر ما أعظمَ تلك الأجساد التي تحمِلها، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس: 62-64].
ألا فاتقوا الله معاشِر المسلمين، وصلّوا وسلِّموا على خير البرية وأزكى البشريّة محمّد بن عبد الله صاحبِ الحوضِ والشّفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكتِه المسبّحة بقدسه، وأيّه بكم أيها المؤمنون، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...

--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص360-361) من طريق سعيد بن المسيب عن عمر بنحوه.
[2] أخرجه أحمد (3/166)، والبيهقي في الشعب (6605)، وابن عبد البر في التمهيد (6/121-122) من طريق عبد الرزاق، وابن المبارك في الزهد (694)، ومن طريقه النسائي في اليوم والليلة (863) كلاهما عن معمر عن الزهري عن أنس رضي الله عنه، هكذا رواية ابن المبارك، ورواية عبد الرزاق: "أخبرني أنس"، وقد أُعل هذا الطريق، قال حمزة الكناني كما في النكت الظراف (1/394 تحفة الأشراف): "لم يسمعه الزهري عن أنس"، وقال البيهقي: "هكذا قال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهري قال: أخبرني أنس، ورواه ابن المبارك عن معمر فقال: عن الزهري عن أنس، ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال حدثني من لا أتهم عن أنس... وكذلك رواه عقيل بن خالد عن الزهري"، ومشى المنذري في الترغيب (3/348) على ظاهر الإسناد فصححه على شرط الشيخين، وقال ابن كثير في تفسيره (4/339) بعدما ساق طريق أحمد: "ورواه النسائي في اليوم والليلة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن معمر به، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين، لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن أنس، والله أعلم"، فأشار إلى العلة المذكورة، وأعله أيضا ابن حجر في النكت الظراف (1/394-395)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (1728، 1729).
[3] انظر: مجموع الفتاوى (28/55). [/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
الخطبة الأولى

الحمد لله الولي الحميد .. نزل الكتاب على عبده وهو يتولى الصالحين ، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله .. إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين ، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد : فاتقوا الله معاشر المسلمين ، واعلموا أن أحسن الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار .

أيها الناس .. لقد سما الإسلام بالإنسان روحًا وجسدًا عقلًا وقلبًا ، فلم يضع في عنقه غلًّا ولا في رجله قيدًا ، ولم يحرم عليه طيبًا ولم يبح له خبيثًا ، كما أنه لم يدعه كالكرة تتخطفها مضارب اللاعبين بها فتتهادى في كل اتجاه ، بل خاطبه ربه خطابًا صريحًا قائلًا : يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ(6- 8 سورة الانفطار) ، وقائلاً أيضاً : يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6سورة الإنشقاق ).

لقد اختص الله الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه وأنزل إليه وعليه كتبه وأرسله وأرسل إليه ، فلا يحسبن الإنسان أن يُترك سدى وأنه إلى الله لا يرجع ، ومن كان ظنه أنه إنما خلق عبثًا فإنه سيعيش لنفسه ومتاع الدنيا .. فإذا كان الأحمق من بني الإنسان يعيش ليأكل فإن العاقل من هذا الصنف يأكل ليعيش .. والمحصلة واحدة ، ومن كان اعتقاده أنه إنما خلق لله ولعبادته ودينه ونصرته والدعوة إليه فهذا هو المؤمن الموحد القائل بلسان حاله ومقاله : ... مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191 سورة آل عمران) .

هذا هو الفرقان بين المسلم والكافر والموحد والمشرك ، وامتاز المؤمنون الموحدون في هذا المضمار بوحدة المصدر ووحدة الهدف ووحدة المعهود قبل ذلك ...قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ... (154) سورة آل عمران .. قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) سورة الأنعام .

إن من يستشعر هذا فلن يكون له منطلقٌ إلا الإسلام ، ولا ريب أن أصحاب الإسلام أصحاب دين لا يموت ولا ينبغي له أن يموت مهما هبت الأعاصير وادلهمت الخطوب، ومهما بدا على أهله الإعياء والشيخوخة .. فإن الإسلام لا يعرف الشيخوخة ولا الهرم .. فهو كالشمس في قدمها وضوئها وجدتها ، وعندما يشرئب أعداؤه إلى أن تشيع جنازته فإنهم سيرجعون البصر لينقلب إليهم بصرهم خاسئًا وهو حسير فلما يرون من بزوغ شمس الإسلام من جديد ... كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64 سورة المائدة).

بيد أن المسلمين في هذه العصور المتأخرة هم أكثر الناس آلامًا وأوسعهم جراحا ، ولعل أرضهم وديارهم وأموالهم وصياصيهم قد استنر وسطها البغاث واستأسد بها الحمر .. يزج بهم في كل مضيق من أجل أن يتجرعوا الحقائق المقلوبة على مضضٍ وشظف ، ولا يكادون يصيبونها إلى أن يعترفوا كرهًا بأن حقهم باطلٌ وباطلُ غيرهم حق لينطق لسانهم بالرسم المغلوط والفهم المقلوب ولسان حالهم يقول لقاهرهم : إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتخطئون فنأتيكم ونعتذر .

إن المؤمن الصادق لا يمل كثرة الحديث عن مآسي المسلمين وانتهاك حقوقهم وحرماتهم وسلب أراضيهم لأن الكأس تفيض عند امتلائها ، ولتسمع نفثة المصدور لا بد للمصدور أن ينفث ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع لك .

لنسلِّ النفس عن الأحزان بالتأسي .. وإننا من خلال هذا الحديث لسنا ننقر عن نائحةٍ مستأجرة تسمعنا نحيبها ولا عن طيرٍ عاليةٍ تودع قضايانا قرائبها لأن البكاء لا يحي الميت كما أن الدموع لا تعار والأسف لا يرد الغائب .. ولكن العمل مفتاح النجاح ، وإن رأس العمل في ذلك هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم إلى وحدة وإخاء يخرجان من ضِئضيء أمتنا حب الإخوة الإسلامية والتناصح والتناصر من أجلها إحقاقًا للحق وإبطالًا للباطل وأن تلامس تلك النصرة أسماعهم كما لامست نخوة المعتصم قبل ذلك .

ثم إن المتأمل في هزائم المسلمين عباد الله وفي ضعفهم الحثيث واستكانتهم المستحوذة عليهم ليجد أنها لم تكن بدعا من الأمر ولا هي قطرة دون مقدمات .. وإنما هي ثمرة خلل وفتور وتقصير ملحوظ في قيام المسلمين بواجباتهم في ميدان التمسك بالدين والأخوة والتناصر حتى لاقت الأمة من أعدائها صور اللين في حال المكر وصور البطش في حال القسوة ، وهم في لينهم يدسون السم في العسل وفي بطشهم يأتلفون الهمجية والجبروت والتلويح بالقوة .

أيها الناس .. ما مضى ذكره إنما خلجات صدر فائضة تأخذ بتلابيب الغيور على أمته وبني ملته إلى الحديث عن ثالث المسجدين ومسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فلسطين الأبية وغزة البراءة والصمود والذكرى نعم فلسطين الشامخة التي تعد نقطة ارتكاز في ميدان الانتماء في القضايا الإسلامية، هي حديث كل تشاورٍ قيادي وافتتاح كل مجتمع مؤتمري ، وشجونها محطة امتحان وكشف لاهتمام المسلمين بقضاياهم ونصرة بعضهم لبعض .

إن هذه الأرض الطاهرة المباركة كانت ولا تزال محط للمقارنة بين السلوك الحربي لجيوش المسلمين وغزاتهم وبين سلوك غير المسلمين من النصارى والصهاينة .. ومنهم بعض جيوش الحضارة المعاصرة .

لقد دخل المسلمون تلك الأرض الطاهرة فاتحين فلم يسفكوا فيها دمًا ولم ينهبوا مالًا ولم يقتلوا شيخًا ولا طفلًا ولا امرأة، بل إن الوثيقة العمرية المشهورة آنذاك قد صدرت بحيث إن من يقرؤها ويرى ما فيها من الإنصاف والعدل والسماحة، فلا يظن أنها بين جيش منتصر وآخر مهزوم شر هزيمة .. ولما غزا الصليبيون أرض المقدس بعد ذلك بقرون وصف قائد تلك الحملة الصليبية بأن خيولهم كانت تخوض في دماء المسلمين .. وقد انحدر جنود في طرقات بيت المقدس ليحصدوا الرجال والنساء والأطفال حتى بلغوا بذلك عشرة آلاف شهيد .. وقبل تمام قرن من الزمن بعد ذلك ينتصر جيش صلاح الدين في موقعة (حطين) الحاسمة ، ويدخلها المسلمون منتصرين موقظين كافة ضروب العدل والسماحة الإسلامية ؛ ما أجبر مؤخري الغرب على الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية .

ولئن كان الناس يموتون فإن التاريخ ثابت لا يموت ، ثم تأتي الطامة الكبرى والوحشية العمياء في العقد الثاني من القرن الماضي ليوقع اليهود الصهاينة مجازر وحشية فيها من ألوان العدوان والهمجية بلا إلٍ ولا ذمة بالمذبحة المشهورة بـ (دير ياسين) .. لم يبق بسببها من الفلسطينيين على أرض فلسطين إلا مائة وستين ألفا بعد أن كانوا يزيدون على ثمانمائة ألف ، والعجب كل العجب أن ينال جزار تلك المذبحة أشهر جائزة عالمية للسلام ليدرك العقلاء معنى السلام لدى العدو الحاقد والغرب الغاشم .

هذه بعض مقارنة بين جيوش الإسلام وحروبهم وبين جيوش أعدائهم وحروبهم من الصليبين والصهاينة ، ونتيجة ذلك أن المسلمين هم الضحية ضد أي عدوان غاشم .. ويزيد أسفنا حينما تضعف ذاكرتنا التاريخية في استيعاب الأحداث الماضية والسجلات المشينة التي لم تجف أحداثها بعد ، لقد تحولت الحضارة المعاصرة إلى حضارة استكبارية بطشية تركت الجدال باللتي هي أحسن وجادلت بالتي هي أخشن من خلال المقاتلات ورؤوس المدرعات حتى جعلوا من ذواتهم أشباحا مرهوبة وحقوق من سواهم لبانات ممضوغة يلفظونها بعد العلب بين مخالب القوى الباطشة حتى نجحت ثورة البركان العسكري في الحضارة المعاصرة في أن تجعل معظم العالم الإسلامي اليوم يألف ألوانا من الاعتداءات السياسية والاقتصادية والعسكرية ليصبح الأمان لديهم شبه سراب بقيعة لا يبلغه أحد، وما الضمانات التي تمثلها مواثيق العدل العالمية المزعومة للمحافظة على أمن جميع الشعوب إلا فيما لم يكن المسلمون أو العرب فيه طرف في صراع ما أما إذا كان الحيف واقعا على شعب مسلم أو قطر عربي فقد أمسى للقضية لون آخر وأبرز حق النقض ضدها وما نقموا من مثل هذه القضية إلا أنها مسلمة فهي لا تستحق ملاطفة ولا النفس الهادئة كما هي الحال في قضايا غير المسلمين حتى صار غبيا عندهم من يحاول أن ينال حقا باسم العدالة أو الرحمة الدولية وصار المغبون حقا ذلك الضعيف المستجدي للقوى الظالمة بمدمعه لا بمدفعه بحيث لا يوجد عدل إلا حديث يوجد الجور ولا يوجد السلم إلا حيث توجد الحرب فهل يهزأ بالمنكوب حينئذ إذا أساء ظنه بالحضارة الغربية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118سورة آل عمران) قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان غفارا



الخطبة الثانية

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد .. فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أنه ينبغي علينا أن ندرك جميعًا بأن انتصار المسلمين أو انكسارهم لا يرجع بالضرورة إلى قوة أعدائهم أو ضعفهم بقدر ما يرجع في الحقيقة إلى الأمة الإسلامية نفسها ، فإذا ما وحدت ربها ثم وحدت كلمتها فإنها منصورة لا محالة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(7 سورة محمد) ، وأما القلة والكثرة فليستا هما معيارًا حقيقيًا .. حيث انتصر المسلمون في بدر وهم قلة أذلة ثم هزموا في حنين وهم كثرة كاثرة .

إن مثل هذا الإدراك ليعض على كل عاتق نصيبه من المسئولية أمام الله من قادةٍ وحكامٍ وشعوبٍ وأفرادٍ وعلماء ومصلحين ومفكرين ليقف المسلمون موقف العاقل الواعي أمام الطوفان العسكري الجارف للحضارة المعاصرة ، ولأجل أن يسعوا ما استطاعوا إلى نصرة إخوانهم في غزة بكافة ألوان النصرة ، وأن يؤكدوا على تطبيق قرار منع هذا العدوان الغاشم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، ولن يعذر كسلانٌ ولا متخاذل .

وإن علينا أن نعلم بأن الحق لا يزري به أن تمر عليه سنون عجاف ولا يضيع جوهره لأن عللا عارضة اجتاحت أهله ، وعلينا أن نوقن أيضا أن الباطل لا يسمى حقًّا لأن دورة من أدوار الزمن منحتهم القوة وأقامت له دولة في الأرض ؛ إذ لم تتحول جرائم فرعون إلى فضائل لأنه ملك سلطة الأمر والنهي واستطاع قتل الأبناء واستحياء النساء .. فيا ترى هل يضيع الحق في حومة هذه الدائرة العلياء ؟ كلا ؛ فلقد مر آباؤنا الأولون بمثل هذه المحن ثم خرجوا منها منصورين بعد أن أصلحوا أنفسهم وأصلحوا قبل ذلك ما بينهم وبين الله : ... وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ(21 سورة يوسف) .
ألا إن من سنن الله تعالى أن يدع هذه الحضارة تحصد ما تزرع لتذوق طعم الجذاذ عند الحصاد ، فما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع : ... وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(31 سورة الرعد).

هذا .. وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة ؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ به بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه ، وأيه بكم - أيها المؤمنون - فقال جلا وعلا : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) سورة الأحزاب ..

اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر صحابة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين .

اللهم أعز الإسلام . والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين واخذل الشرك والمشركين ، اللهم انصر دينك وعبادك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين ، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ونفِّس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم ، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام .

اللهم انصر إخواننا المستضعفين في غزة . اللهم انصر إخواننا المستضعفين في غزة . اللهم انصر إخواننا المستضعفين في غزة ، اللهم انصرهم على عدوك وعدهم اللهم . انصرهم على عدوك وعدوهم ، الله ارفع عنهم بطشه وكيده وعدوانه يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم إنا ندرأ بك في نحره ونعوذ بك اللهم من شره ، اللهم عليك باليهود الصهاينة الغاصبين . اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك . اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك .

اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم يا رب العالمين وانصر إخواننا عليهم يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم اجعل شأنهم في سفال وأمرهم في وبال ، اللهم أهلكم بالسنين واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم من أرادنا وأرد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء يا ذا الجلال والإكرام .

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت .. أنت الغني ونحن الفقراء ؛ أنزل علينا الغيث ولا تجعنا من القانطين . اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين . اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أغثنا . اللهم أغثنا . اللهم أغثنا ، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا بلاءٍ ولا مرض ، اللهم لتحي بها البلاد وتسقي بها العباد ولتجعلها بلاغا للحاضر والباد .

ربنا آتنا في الدنيا وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(102 سورة آل عمران)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1 سورة النساء)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (70 – 71 سورة الأحزاب)

أما بعد .. فياأيها الناس إن من يسبر التاريخ الغابر والحاضر ببداهة فهمٍ واتزان نظر، ويتعرف على واقع الأمم السالفة والمجتمعات الحاضرة فلن يتطرق إليه شك البتة في وجود حقيقةٍ ثابتة ومبتغى ينشده كل مجتمع، وأس لا يتغير ولا يتبدل مهما توالت عليه العصور وعصفت به رياح الأيام التي يداولها الله بين الناس .. ألا وهو مطلب الأمن والأمان ؛ الأمن الذي يهنأ فيه الطعام ويسوغ فيه الشراب ويكون فيه النهار معاشا والنوم سباتا والليل لباسا .

عباد الله .. إنه متى اختل إيجاد الضمانات الواقعية والاعتداءات الشمولية ضد ما يعكر الصفو في أجواء الحياة اليومية للمجتمعات المسلمة .. إنه متى اختل ذلكم يومًا ما فاحكموا على أمان الناس واستقرارهم بالغيبة والتيه المفرزين للممارسات اللامسئولة والإخلال المرفوض بداهةً بكل ما له مساس بالأمن والذي يحدد سفينة المجتمع المسلم الماخرة .. في حين أنه لا قبول له بأي صفةٍ كانت مهما وضعت له المبررات والحيثيات التي يرفضها كل ذي عقل حيٍّ وفؤادٍ ليس هواء وإن استعمل في نفاذ مثل تلكم الممارسات بعض بني أمتنا وممن يتكلمون بلغتنا ليجعلوا نتيجة الممارسات النشاز في المجتمع المسلم عرضةً لحتفهم قبل حتف من سواهم ..

ومتى دب في الأمة داء التسلل أو الافتئات الأمني من قبل بعض أفرادها فإنما هم بذلك يهينون التراث على مفهوم الاستقرار ويقطعون شرايين الحياة عن الأجيال الحاضرة والآمال المرتقبة .. هذا إن لم تكن تلك المممارسات تكأة يتكئ عليها أعداء الإسلام من الكفرة الحاقدين ومبررًا سائغًا لهم في تنفيذ ما من شأنه إيجاد المسوغات المشروعة بمفهومهم في التضييق المتتالي على حياض المسلمين ؛ فتأتيهم مثل هذه الإخلالات على طبق من ذهب ليجتاحوا بلاد المسلمين بأدنى الحيل .

أيها المسلمون .. إنه ينبغي لنا في هذا المقام أن ندرك مفهوم الأمن بمعناه الشمولي والواقعي ، وألا يكون محملًا لضيق العطن أو الفهم المقلوب لأبعاده وصوره أو لهما معا .. وذلكم من خلال قصر مفهوم الأمن على نطاق ضيقٍ متمثلٍ في حماية المجتمع من السرقة أو النهب أو القتل وأمثال ذلك فحسب .. كلا .. فالأمن له مفهومٌ أعمّ من ذلكم وأجلّ بأن أول وأعظم مفهوم للأمن هو أن ينطلق المجتمع المسلم على تقرير أن عقيدة المجتمع هي تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله بالبعد عن الشرك بالله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته ، وبالبعد عن الشرك به في حكمه والبعد عن الكفر بملة الإسلام والإلحاد فيها أو تنحية شرعة الباري - جل شأنه - عن واقع الحياة أو مزاحمة أي شرعة غير شرعة الله مع شرعته - جل وعلا - : صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ(138 سورة البقرة)أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83 سورة آل عمران)

كما أن مفهوم الأمن - عباد الله - ينبغي أن لا ينحى عن مراكز القوى في المجتمعات المسلمة أو يدب التجاهل فيه دبيبًا لينسينا أمر هذه المراكز الملموسة لأمن المجتمعات سلبا أو إيجابا ؛ فهناك ما يسمى مفهوم الأمن الغذائي والأمن الصحي والوقائي ، وهناك ما يتعلق بالضوابط الأمنية في مجال التكافل الاجتماعي ، وتهيأت فرص العمل والإنتاج والقضاء على البطالة والعناية بالنشء في كل ما يفيد ولا يضر ، وحسم مادة البطالة الفكرية والفراغ الروحي أيا كان نوع ذلكم لكونه مثمرًا الخلل والفوضى في الشبه والشهوات .. إضافة إلى فهم النواحي الأمنية المنبثقة من دراسة الظواهر الأسرية وما يعتريها من ثقوب واهتزاز في بنيتها التحتية ..

كما أنه يجب أن لا نغفل عما يعد هاجسا أمنيا لكل مجتمع وصماما للفتح أو الإغلاق لمادة الإخلال بالأمن .. ألا وهو الأمن الفكري الذي يحمي عقول المجتمعات ويحفظها من الوقوع في الشبهات بالسذاجة أو العب من الشهوات بنهم ، ومثل هذا النوع من الأمن لا يتسنى له التمام إلا من خلال مراعاة محورين أساسيين :
- أولهما : محور الفكر التعليمي التربوي .
- وثانيهما محور الأمن الإعلامي الثقافي ..
إذ يجب على الأمة ألا تقع في مزالق الانحدار والتغريب أو التبعية والإخلال عبر هذين المحورين ؛ حيث إن الأمن على العقول لا يكون هاجسًا عن أمن الأرواح والأموال .. فقد نرى للعقول لصوصًا ومختلسين كما نرى للبيوت لصوصا ومختلسين ؛ فينبغي أن يحمى التعليم بين المسلمين عن أن يستلل لواذًا عن هويته ، بل ويحمى من خلال إيجاد الآلية الفاعلة التي توفر سبل العلم النافع الداعي إلى العمل الصالح والبعد عن التبعية المقيتة أو التقليل من شأن العلوم الدينية النافعة أو استثقالها على النفوس أو الاعتراف بها على الاستحياء والتخوف المفرزين الفتون - الذي يتردد بين الحين والآخر - عن مدى جدوى الأخذ بها على مضضٍ مقلقٍ بحجة أن مثل ذلك ليس من أوليات سوق العمل ؛ فالفكر التعليمي ينبغي أن يغذي سوق العمل بخاصة وحاجات المجتمع التربوية بوجه عام ، ولاغنى للمجتمع المسلم عن الاثنين جميعًا .

وأما محور الفكر الإعلامي فهو مقبض رحى المجتمعات المعاصرة وأقنوم تأثيرها الأساس ؛ إذ به يبصر الناس ويرشدون وبه يخدع الناس ويرغبون به .. تخدم قضايا المسلمين وتنصر وبه تطمس الحقائق وتهدر .. بالفكر الإعلامي تُعرف المجتمعات الجادة من المجتمعات المستهترة .. فما يكون فيها من اعتدال وكمال يكون كمالًا في بنية الأمن الإعلامي واعتدالا ، فمن الخطأ الفادح أن يترجم الفكر الإعلامي على أنه جملة من الأفلام الهابطة أو الأغاني الماجنة التي لا تعترف بالقيم والمبادئ ولا ترى للحياة صورةً ولا جسدا .. كلا فهذا غشٌّ في التصور ، ومن غشنا فليس منا .

كما أنه يجب على كل صاحب لسانٍ فصيحٍ مسموعٍ أو قلمٍ سيّالٍ مقروءٍ أن يتحدثوا عن شغل المسلمين بكل مصداقيةٍ وواقعيةٍ وعدلٍ وإنصاف .. وأن لا تستهجنهم الحوادث وردود الأفعال ويستهويهم الشيطان فينطلقوا من خلال الحديث المتشنج والسباب المسترسل والخصام الحاجب للقضية الأم، الذي قد يفقأ العين ولا يقتل العدو : ... فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ(17 سورة الرعد).

إن عزو الأمور إلى المسببات الحقيقية ووضع النقاط على الحروف ينبغي أن يكون هو أول طرق معاجلة المعضلات والقضايا المزعجات ، وإن تجاهل الأسباب والبواعث أو عزوها إلى غير مصادرها لا يزيد الأمور إلا تعقيدًا والشرور إلا اتساعا .. وإن العقول السليمة لتستخف بالطبيب يعزو سبب السرطان إلى شرب الماء أو استنشاق الهواء لأن نتيجة التشخيص أيًّا كانت فعاقبتها ستطال نفسي ونفسك - أيها المسلم - أو ولدي وولدك وبنتي وبنتك وأسرتي وأسرتك .. كما أنه ينبغي أن تكون هذه المعاجلة من قِبل ذوي الاختصاص من العلماء الأفذاذ والحكماء الموثوقين في دينهم وأمانتهم دون تشويشٍ وتهويش أو قيل وقال وظن وخرص ؛ فالله - جل وعلا - يقول : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (10-11 سورة الذاريات) يقول قتادة - رحمه الله - : " الخراصون هم أهل الغرة والظنون " .

إن إطلاق اللسان وسيلان الأقلام خائضةً في المدلهمات ولاتتةً في النوازل دون زمامٍ ولا خطام لمن شأنه أن يحدث البلبلة ويوغر الصدور ويخرج المجتمع المسلم من تشخيص النازلة الواقعة إلى التراشق والاختلاف وتصفية الحسابات الكامنة في النفوس ، ولا تسألوا بعد ذلك عن محاولة الفكر لرموز اللامز والغمز والهمز بنميم من قبل المشككين في تدين المجتمع المسلم وسلامة المنهل الإسلامي العذب فيه من كل تهمةٍ تصيبه أو تحل قريبًا من داره ؛ فيكثر اللغط ويقل استحضار العلم فتضمحل العافية والسلامة من الخطر ، فضلًا عن عدم القدرة في تقديم حلٍّ عاجلٍ سوى الخلط والجهل والتضليل ؛ ومن ثم تُزال المشكلة بأشكل منها .. وعلى سبيل المثال : لو سرق إنسانٌ في المسجد لعلت صيحات بعض اللاهازم أو المبغضين مناديةً بإغلاق المساجد أو هدمها قطعًا لدابر السرقة ، ولو أن امرأةً محجبةً غشّت وخدعت لسمع رجع الصدى للمناداة بنزع الحجاب حسمًا لمادة الغش والخداع .. زعموا .. فلا هم في الحقيقة نادوا بقطع يد السارق ولا طالبوا بتعزير تلك التي غشت وخدعت ، وإنما دعوا إلى هدم المسجد ونزع الحجاب ، وهذا هو سر العجب وهو ما يثير الدهشة وينشئ الغلو وردود الأفعال ؛ فيتسارع الإفراط والتفريط على حساب الاعتدال المنشود في المجتمعات المسلمة .

والإسلام - عباد الله - يكره الثرثرة الفارغة التي قد تخلو من ضررٍ ملحوظٍ في الباطن فكيف بالضرر المتحقق في الظاهر والتناوش المفرق : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(9 سورة المجادلة) .. إن الإسلام شديدُ الوضوح في تحديد موقفه من حرية النقد والحوار ؛ فهو لا يرى أن ذلك كلأً مباحًا لكل إنسان ولا أنه يكتب ويقول ما شاء بما شاء كيف شاء غير مقيدٍ بضوابط الشرع وحدوده .. وإن من المؤسف أن يكون مفهوم حرية التعبير وحرية الحوار قد شاع مقلوبًا في أذهان الأغرار من حملة الأقلام وعليمي اللسان فظنوه لا يعدو إرسال الكلام على عواهنه وتسويد الصفحات بضروب من الهرف يضر ولا ينفع .

إن الأمن الإعلامي في المجتمعات لهو أحوج ما يكون إلى دراساتٍ موسعةٍ تقتنص الهدف الواعي من خلال دراسة أوساط المجتمعات المسلمة والربط بينهما وبين الخلفيات الشرعية والاجتماعية للطبقة الممارسة لمثل هذه الأنشطة الإعلامية الفاعلة ..
كما ينبغي تحليل الأفعال وردود الأفعال بين معطيات المتطلبات الشرعية والمتطلبات الاجتماعية وبين متطلبات الرغبات الشخصية المحفوفة بالشبهات أو الشهوات وأثر تلك المشاركات في إذكاء الحس الأمني الإعلامي والكفاية الإنتاجية باستقرار المجتمع العائد للأسر والأفراد من النفع العام والهدوء اللامحدود في الدارين ..

فالواجب علينا جميعا - أيها المسلمون - أن ننظر إلى الحقيقة الأمنية من أوسع أبوابها وأقرب الطرق الموصلة إليها ، وأن ننزل الأمور منازلها في كل المستجدات ، وأن لا نقحم أنفسنا في القضايا الكبار التي لا يصلح لها إلا الكبار كلٌّ بما أوكل الله إليه من مصالح المسلمين ورعايتهم وإقامة الحق والقسط فيمن استرعاهم الله ؛ فالله الله أن نزاحم فضول الكلام والقيل والقال:وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(36 سورة الإسراء)

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والحكمة .. قد قلت ما قلت إن صوابًا فمن الله وإن خطأ فمن نفسي والشيطان ، وأستغفر الله إنه كان غفارا .


الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد ..

فاتقوا الله - أيها المسلمون - واعلموا أن ثمة مسلّمات وثوابت ينبغي أن تدركها المجتمعات المسلمة بعامة ؛ أعني بذلك المجتمعات التي جعلت شرعة الله غايتها وبغيتها ، وهذا التأكيد ينبغي أن يكرر كلما سنحت فرصةٌ وادلهمت خطوب ..
فمن تلك الثوابت - عباد الله - أن عقيدة المسلمين أساسها التوحيد لله والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك ، وهيهات هيهات أن يفلح أي تجسيد عقدي سواه : حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ(31 سورة الحـج) ..

وثابتٌ آخر يؤكد أن الشريعة الإسلامية شريعةٌ ثابتةٌ مستقرةٌ تصلح لكل زمانٍ ومكان ، ويخضع لها كل شيء ولا تخضع هي لكل شيء منذ بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا ، وقد كان المسلمون عبر هذه القرون يعيشون بين انتصارات يتواضعون عندها وبين هزائم وخسائر يسترجعون فيها ويحوقلون وهم صابرون على ذلك حتى يأتي الله بالفتح أو أمرٍ من عنده وشريعتهم باقية لا تتبدل ولا تتغير .

ومن الثوابت أيضًا أن الأمة الإسلامية مهما بلغت من أوجه التسلح العسكري والثورة الصناعية والعولمة الحضارية فإنها لا غنى لها عن العلماء الربانيين والدعاة الصادقين الذين تجتمع عليهم القلوب وتتألف حولهم النفوس .. ينطلقون من فهمٍ صحيحٍ ثابتٍ لكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهم النجوم الثواقب والبدور المضيئة ، ولولاهم بعد الله لمادت الأرض بأهلها ، ولكن هم فيها أوتاد ورواسي ؛ فهم عدة الأمة في مكافحة الفكر الإلحادي المنحرف والدعوات المضللة المسعورة ، وهم عدتها في كبح جماح الغلو وتنشيط المفرطين والعلماء والدعاة .. لن يتمكنوا من القيام بهذه المهمة في ظل غياب الثقة أو الاعتزاز بهم وفق مجتمعاتهم ؛ إذ لا شرف للمجتمع إلا بانتسابه للإسلام والالتفاف حول علمائه أولي النهي والصدق والأمانة .

هذا ، وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة ؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه ، وأيه بكم أيها المؤمنون فقال - جل وعلا - : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(56 سورة الأحزاب) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : " من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا " .. اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدٍ صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارض اللهمّ عن خلفائه الأربعة - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر صحابة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وعن التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك ياأرحم الراحمين .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين واخذل الشرك والمشركين .. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين .

اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ، ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين .

اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئتمنا وولاة أمورنا ، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين .. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال ياحي ياقيوم ، اللهم أصلح له بطانته ياذا الجلال والإكرام.. اللهم ما سألناك من خير فأعطنا ، وما لم نسألك فابتدرنا ، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا .

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار .. سبحان ربنا رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
الخطبة الأولى :


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(102 سورة آل عمران) ،يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً(1 سورة النساء)، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(70 -71 سورة الأحزاب) .


أما بعد .. فياأيها الناس : في خضم الثورة المعرفية والاكتساح الحضاري وموج المصالح المادية والتطلعات الذاتية بعضها في بعض تسود المنافسة المحمومة والسباق اللاهث وراء الظفر ليغلب على طابع المنافسة والسباق الجانب الشخصي والمصلحي العائد للذات على حساب بعض المعايير المهمة والسجايا السامية ؛ فيطغى الغضب على الحِلْم والسخط على الرضا والأثرة على الإيثار ومصلحة الذات على المصالح الشرعية ؛ فيذوب بسبب ذلكم كله ويتوه في مهام طيشها سمةٌ جلَّى وسجيةٌ هداف .. ما فُقِدت في مجتمعٍ ما إلا صار منهومًا منزوع البركة ، وما وُجِدَت في مجتمعٍ ما إلا ورأيت صور الرضا والطمأنينة والتكامل والاشتراك بين أفراده على حدٍّ سواء .. أتدرون ما هي عباد الله ؟ أتدرون ما هي هذه السجية ؟

إنها سجية الإنصاف .. نعم الإنصاف بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .. نعم - أيها الإخوة - الإنصاف الغائب في الفرد والإنصاف الغائب في الأسرة .. الإنصاف الغائب في المدرسة والإنصاف الغائب في العمل .. الإنصاف الغائب في الصحيفة ومنابر التلقي ، بل الإنصاف الغائب في المجتمعات إلا من رحم ربي ..

الإنصاف عباد الله كلمة تعني العدل والإحسان لا الظلم والاعتداء ، وتعني اتباع الشرع لا اتباع الهوى ، وتعني العلم لا الجهل ، وتعني الوسط بين المنحرفين والثبات بين المتفلتين والأصالة بين المضطربين .. المنهج في الإنصاف هو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والقدوة فيه هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته من بعده وسلف الأمة من العلماء الصادقين الناصحين .

والإنصاف في الشريعة الإسلامية قيمةٌ مطلقة ليست نسبيةً كما هي الحال في مناهج البشر وقوانينهم ؛ فهي كلٌّ لا يتجزأ .. فإما إنصافٌ أو حيف وإما رجلٌ منصفٌ أو رجلٌ جائر ؛ فلا يمكن أن يكون المرء منصفًا جائرًا في نفسٍ واحدة ؛ إذ كيف يكون منصفًا وأبكم عن الحق في آنٍ واحد: وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(76 سورة النحل) .

أيها الناس : بالإنصاف يشعر الفرد والأسرة والمجتمع بالأمان والرضا والقناعة ؛ إذ لا أضر عليهم في حياتهم ومعاشهم وشئونهم كلها من الظلم والجور .. واتباع الهوى بالإنصاف يوثق بالعالِم ويطمئن إلى القاضي ويؤخذ من الصحفي ويركن إلى المسئول ، ولا يعد أحد من هؤلاء منصفًا إذا كان لسان حاله يقول :

يومٌ يمانيٌّ إذا لقيت ذا يمن ... وإنْ لقِيت معديا فعَدْنان


ألا إن الإنصاف ثلث الإيمان لما روى البخاري تعليقًا عن عمار قال : " ثلاثٌ من جمعهن فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق من الإكثار والحديث " رواه أصحاب السنن ، ولا نبعد النجعة إذا قلنا : بل هو الإيمان كله لأن من أنصف سلم وأنفق ، بل إن من أنفق آمن واستقام وآمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا ورسولا .. أفترونه وهذه الحال يظلم أو يغش ؟ أترونه يشح أو يبخل ؟ أترونه يحابي أو يماطل ؟ أترونه يتحيز أو يتعصب ؟ أترونه يدع المحاسن ويقع في سفساف الأمور ؟

إن المنصف لبعيدٌ عن ذلك كله .. ولكن أين هذا المنصف في عصر العولمة ؟ وأين هذا المنصف في عصر المادة وطغيان الهوى والشهوة ؟ ولقد صدق من قال :

ولمْ تزَلْ قلةُ الإنصافِ قاطبةً ... بيْن الرجالِ وإنْ كانُوا ذوِي رَحِم

قال الإمام مالك - رحمه الله - : "ما في زماننا شيءٌ أقل من الإنصاف " .. قال القرطبي - رحمه الله - معلقا على كلام مالك : " هذا في زمن مالك .. فكيف في زماننا اليوم الذي عم فيه الفساد وكثر فيه الطغام ؟! " ؛ أي أوغاد الناس ..ونحن نقول عباد الله : إن زمن مالك - رحمه الله - كان في القرن الثاني الهجري وزمن القرطبي - رحمه الله - كان في القرن السادس .. فما الظن بزماننا هذا ؟! ألا إن الهوة أشد والخطب أفجع ؛ فإلى الله المشتكى وعليه التكلان .
ألا إن من لم ينصف لم يفهم ولن يتفهم ، ومن أجل أن ندرك صحة كلام مالك والقرطبي فلننظر إلى زماننا حينما يضع أقوامٌ أوصافًا للحق لا تنطبق إلا على ما يفعلونه أو يقولونه ليكون ما يفعله غيرهم ويقوله هو الخطأ والباطل .. مع أن الحق أوسع منهم والصواب يتعداهم إلى غيرهم لكنهم يرون أنهم ناطقون حصرياً باسمه ، وقد يقارفون غداً ما كانوا يرونه خطأً عند الآخرين وهم مع ذلك يرون الكلمة الأخيرة لهم .. أمثال هؤلاء يصنعون لأفكارهم هالةً من أجل تسويقها ويُجيِّشون لها من الأقلام والألسن ما يعقرون به من خالفهم ، ويجعلون الناس بناءً على منهاجهم إلى فسطاطين : فسطاطٍ معهم وفسطاطٍ ضدهم ، وهم يدركون أن عموم الناس لا ذاكرة لهم ليستعيدوا الماضي القريب فضلا عن الماضي البعيد ليدركوا هذا التضاد أو ذلك التناقض.. وإن كان بعض الناس لا ينسون لكنهم يجاملون رغبةً أو رهبةً أو أنانيةً على حد قول القائل أنا "ومن ورائي الطوفان" ، ومن شاء أن يمتحن أحدًا في الإنصاف فليخالفه في أشد ما يقوم عليه هواه وتدعو إليه شبهته وشهوته لينظر كيف يكفهر ويزمجر فيجلب أصوات الناعقين معه ، ويجلب بخيله ورجله ليجعل منها قضيةً تفسد كل المعايير وتقضي على مبدأ الإنصاف قضاءً مبرما.

هذا هو الإنصاف - عباد الله - وجودًا وعدما .. إن قليل الإنصاف مذمومٌ على ألسن الناس مكروهٌ سماع اسمه في الآذان بغيضةٌ رؤيته بالأعين .. تتقى مجالسته وتدرأ مجاورته .. لحمه منهوش في نوادي الناس وعرضه مهريٌّ كلما طرأ ذكره بينهم.. لا يداري الناس اسمه ولا رسمه .. ودوا لو أن بينهم وبينه أمدًا بعيداً والناس شهود الله في أرضه .. فمن ترك الإنصاف وأحب الانفراد وآثر النفس على كل شيءٍ حتى على الحق فليكبر عليه أربعًا لوفاة قيمة الإنصاف في نفسه .. وإننا لو دققنا النظر في أجمع أسباب في عدم الإنصاف بين الناس لوجدنا الحسد أسها وأقنومها ؛ إذ لا يتأتى الإنصاف من حاسد،كما أنه لا يتأتى الظلم والجور من محبٍّ للغير .

والحسد - عباد الله - بحد ذاته داءٌ منصف كما قال الأصمعي - رحمه الله - لأنه يفعل بالحاسد كما يفعل بالمحسود ، بل هو عباد الله كرجع الصدى لما تنطق به .. فإن نطقت رد عليك رجع الصدى بالإنصاف ، وإن نطقت بعدم الإنصاف رد عليك رجع الصدى بعدم الإنصاف ، والجزاء من جنس العمل
كمَا تدينُ صَاحِبي تُدان **** إنَّ جزاءَ إحسانِنَا الإحسان

إذَا مَا رُمْتَ إِنْصَافًا تُسَرُّ لأجْلِه **** فكُنْ مثلَمَا ترجُو مِنَ الِإنصَاف

فإنَّ رجَالًا قَدْ سَمَو بِبُلُوْغِه **** وفَرَّطَ فِيْهِ جمُلةُ الأنْصَاف

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90 النحل) .

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة .. قد قلت ما قلت إن صوابًا فمن الله وإن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان ، وأستغفر الله إنه كان غفارا .

الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده ، وبعد ..فاتقوا الله – عباد الله – واعلموا أن منهج الحكم على الأشياء والآراء والأشخاص والتعامل المتعدي إلى الغير يجب أن يتوفر فيه عنصران أساسان .. وهما عنصر العلم بالشيء وعنصر الإنصاف فيه ؛ لأن العلم بالشيء يوصِّل إلى الحقيقة ، والحكم بموجب هذه الحقيقة بموضوعيةٍ سليمةٍ علميةٍ بعيدةٍ عن العواطف الصارفة هو الإنصاف الذي ننشده ..

وفي تصور عنصر العلم فإن هذا ظاهر من خلال قاعدة أن " الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره" ، وفي تصور عنصر الإنصاف يكون المرء على استحضار لمنهج القرآن الكريم كما في قوله - تعالى - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (18 سورة المائدة) ؛ أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك الإنصاف فيهم ، بل استعملوا العدل والإنصاف في كل أحد عدوا كان أو صديقا ويشهد لهذا قوله - تعالى - : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ... (2 سورة المائدة) .. قال شيخ الإسلام وابن كثير - رحمهما الله - : " أي لا يحملنَّكم بغض قومٍ قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام - وذلك عام الحديبية - على ألا تعدلوا في حكم الله فيهم .. فتقتصوا فيهم ظلمًا وعدوانا ، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد " .

ثم إن الشعار في هذا كله - عباد الله - القسط والإنصاف ؛ فلا غلو في الإطراء حال الرضا ولا الإفراط في القدح حال الشنآن والعداوة ، بل نريد أن يصدق فينا حال الرضا قوله - تعالى - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ... (135 سورة النساء) .. فلا تكونوا حينئذٍ عين الرضا عن كل عيبٍ كليلة ..كما نريد أن يصدق فينا حال (الشنآن) في قوله - تعالى - : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْفلا تكنوا حينئذٍ عين السخط هي التي تبدي المساوي ولو كانت عين الرضا لاستحسنت ما استقبحت .. ومقبض الرحى في ذلك كله - عباد الله - هو إحكام الهوى عن أن يميد بالإنسان في ذلك كلها : ...فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ .... (135 سورة النساء) .

هذا ، وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة ؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنّى بملائكته المسبحة بقدسه وأيه بكم أيها المؤمنون فقال - جل وعلا - : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (الأحزاب56) .. وقال صلوات الله وسلامه عليه : " من صلَّى عليه صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرا " .. اللهم صلِّ وسلِّمْ وزدْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدٍ صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر صحابة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك ياأرحم الراحمين .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين واخذل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين .. اللهم فرِّجْ هم المهمومين من المسلمين ونفِّسْ كرب المكروبين واقضِ الدَّينَ عن المدينين ، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك ياأرحم الراحمين .

اللهم آمنّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين .. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال ياحي ياقيوم ، اللهم أصلح له بطانته ياذا الجلال والإكرام ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت .. أنت الغني ونحن الفقراء ؛ أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين . اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين . اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا .

اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار .. سبحان ربنا رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

[/BACKGROUND]
.
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/165185/21347481233.gif"]
الخطبــــة الأولى :



الحمد لله غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد أن محمد عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه ، بلغ الرسالة ,وأدى الأمانة ونصح الأمة وجعلنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك


فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى أصحابه الغر الميامين ، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً ..


[COLOR=red]أما بعد :

[/COLOR]
فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، ألا وإن تقوى الله زاد كل راجٍ ووازع كل خائف ، بها يرزق المرء من حيث لا يحتسب ، ويلوح له من كل هم فرج ومن كل ضيق مخرج ( [COLOR=green]أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ )

[/COLOR]
[COLOR=mediumturquoise]أيها المسلمون : إن اختلاف الناس وتفاوت مداركهم ورغباتهم وطبائعهم لبعيد الشقة ، مع أنه من أبوين اثنين ، وهو في الحقيقة مثار امتحان بالغ الجدوى كما قال سبحانه : ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا )

[/COLOR]
ثم إن في الناس الحليم المتأني المحتفظ برجاحة الفكر ، وسماحة الخلق ، فلا يحمى من قليل يسمعه فيوقعه في كثير يكره ، وإن في الناس الطائش الأهوج ، والغر المأفون وضيق العطن الذي تستخفه التوافه فيحمق على عجل ، ويكون لسانه وفعله قبل قلبه وعقله ، والمؤمن الكبير من هؤلاء إنما هو مصلح عظيم يجمع ولا يفرق ، ويصلح ولا يفسد ، ويفيض من أناته على ذوي النزق والشقاق حتى يلجئهم إلى الخير إلجاءاً ، فيطلق الناس ألسنتهم له بالدعاء والثناء الحسن لكونه مصلحا بين الفرقاء .


إن التعارف والتواد بين الناس ضربان خاصان من المحبة في النفس ليس لهما في الأنواع طريق ، وهما اللذان يلتقى بهما بشران يتمم كل منهما الآخر ، والناظر في واقع الناس اليوم سيجد ثلمة تخدش صفاء المودة والإخاء تظهر في الهوى المتبع ، والشح المطاع ، وإعجاب كل ذا رأي برأيه ، فضرب الإستهتار بالألفاظ بأطنابه ليركز خيمة الخصومة والتدابر فلم يفرق لسان بعضهم وقلمه بين العالم والجاهل ، ولا بين ذي السلطان والسوقة وصار منطق بعض عشاق القلم ينحى منحى الأهوج الأول ([COLOR=green] مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ) فطاشت ضوابط السلوك عندهم ، وكثرت زلاتهم ، فأحدثت شروخاً يستفحل رأبها ويستعصي على المصلحين الإمساك بها خلية من الخطام والزمام ، فانهارت أمانة الكلمة ، وتلاشت الثقة العزيزة ، وتصدعت الإخوة ، فلم يبرز في الساحة إلا المحن وسوء الظن فصار وقع الألسن أشد من وقع الحسام المهند .

[/COLOR]
ولا غرو عباد الله فإن النار بالعيدان تذكى وإن الحرب مبدأها كلام


ولقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال : ([COLOR=blue] إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ) رواه مسلم

[/COLOR]
وعند هذه الخصومات والنزاعات يحمد الصلح ، ورأب الصدع ، وجمع الكلمة ، وإذا كان الخلاف شراً ، والنزاع والخصومة معرة فإن الصلح والتصالح رحمة وجمع فرقة وسد ثلمة .


وإذا كان الخلاف سنة من الله - جل وعلا - في الخلق كما في قوله : ( [COLOR=green]وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) فإنه سبحانه استثنى من أولئك من أسبغ عليهم رحمته فقال : ( إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ )

[/COLOR]
فالخصومة بلاء والصلح رحمة ، والصلح والتصالح ما وقع في أمة إلا زانها ، ولا نزع من أمة إلا شانها .


الصلح نهج قويم ، ومنار لكل تائه في مهامه الخصومة ، والصلح جائز بين المسلمين في الحقوق ، وواجب لنزع فتيل التباغض والتدابر ، به يقرب البعيد ويتسع المضيق .


بالصلح تهزم الأنانية ، وينتصر الإثار ، والصلح برمته قال عنه سبحانه : ([COLOR=green] وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) وقال عنه : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ) وقال عنه : ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) وقال عنه سبحانه : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) وقال عنه جل وعلا : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )

[/COLOR]


وإنه لا يعرف في الوجود البشري مصلح عزيز عليه ما عنتنا ، حريص علينا بالمؤمنين رؤوف رحيم مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو المصلح بين القبائل والطوائف وهو المصلح بين الأفراد والجماعات ، وهو المصلح بين الزوجين ، والمصلح بين المتداينين ، والمصلح في الأموال والدماء والأعراض ، كيف لا وهو الذي يقول : ([COLOR=blue] ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ ) قالوا : بلى ، قال : ( صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) رواه أبو داوود والترميذي .

[/COLOR]
وعن سهل ابن سعد - رضي الله عنه - أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال : ( [COLOR=blue]إذهبوا بنا نصلح بينهم ) رواه البخاري .


[/COLOR]
وبإس الخصمان اللذان يستكبران أن يصلحا بينهما رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه ، والله جل وعلا يقول : ( [COLOR=green]فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )


[/COLOR]
وبعد يا رعاكم الله فإن الصلح سبب المودة ومحو للقطيعة ، والصلح قد يكون خير من فصل الخصومة قضائياً لما يورثه من الشحناء من خلال ثبوت الحكم لأحد المتخاصمين دون الآخر ، وقد كتب عمر ابن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى أبي موسى الأشعري يقول له : ( [COLOR=darkorchid]رد الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغانة )


[/COLOR]
فالصلح عباد الله إذكاء لخصلة العفو والتسامح ، وهو علامة التماسك الإجتماعي المحمود ، بالصلح تقل المحاكمات ويقضى على الأزمات ، بالصلح يرفع الفهم الخاطئ بإحلال الفهم الصحيح ، وبالصلح يعظم الأجر ويمحى الوزر ، بالصلح بين المتخاصمين يصلح حال الأسرة التي يصلح بسببها المجتمع ثم الأمة بأسرها .



ولن يتأتى كله إلا إذا وجد العفو الصادق والنية الخالصة في الإصلاح من قبل المصلح والمتخاصمين جميعاً لأن الله - جل وعلا - علق تمام التوفيق في الإصلاح بحسن الإرادة كما قال سبحانه : ([COLOR=green] إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) ومفهوم المخالفة في ذلك أنه إذا لم تكن إرادة الإصلاح حاضرة لدى المصلح والمتخاصمين فشتان ما بينهم وبين التوفيق .


[/COLOR]
وقد تقدم للحسن البصري - رحمه الله - خصمان من ثقيف فقال الحسن : ( [COLOR=darkorchid]وأنتما أيضاً في أسنانكما وقرابتكما تختصمان ؟ ) فقال : يا أبا سعيد إنما أردنا الصلح ، قال : نعم إذاً فتكلما . فوثب كل واحد منهما على صاحبة بالتكذيب ، فقال الحسن : كذبتما ورب الكعبة ما الصلح أردتما ، لأن الله جل وعلا يقول : ( إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا )


[/COLOR]
ألا فاتقوا الله عباد الله وكفى خصومات وتدابراً لا سيما فيما هو من تفاهات الأمور وسفسافها ( [COLOR=green]فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )


[/COLOR]

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، قد قلت ما قلت إن صواباً فمن الله وإن خطأ فمن نفسي والشيطان واستغفر الله إنه كان غفارا .


الخطبــــة الثانيـــــة :


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ..


أما بعد :


فإن الأسرة المسلمة أصل المجتمع المسلم ، وصورة المجتمع الكلية إنما هي ترجمان لواقع الأسرة فإذا دب في الأسرة روح الخلاف والتنازع والخصومة فإن التشتت لها وللمجتمع ما منه بد ، ويتأكد الأمر في حق الزوجين لأنهما أس الأسرة ، ثم إن المترقب لواقع مجتمعه ليرى بعين قلبه ورأسه ما تعانيه الحياة الزوجية من تفكك لدى كثير من الأزواج كل ذلك بأتفه الأسباب فقد تطلق المرأة في نقصان ملح ٍ أو قفل باب فتطلق حينها عدد نجوم السماء ، حيث أعملت السلطة وأهملت الحكمة والعاطفة ، والعكس صحيح أيضاً .




وربما كان لتدخل الأهل والأقارب إذكاء لروح الخلاف والخصام فتأتى البيوت من ظهورها ، وينزع ستارها ، ويهتك حجابها ، ومن المعلوم بداهةً أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الزوجين بطباع واحدة ، ومن يظن ذلك فهو يعيش في أوهام لأنه لا يمكن البتة أن يفكر أحدهما بعقل الآخر أو يحس بقلب الآخر ، فكل له عقل يفكر به ، وقلب يحس به ، ثم إن ارتقاب الراحة التامة المطلقة بين الزوجين إنما هو نوع وهم إلا من رحم الله .


لذا كان من العقل توطين النفس على بعض المضايقات فالكمال لله وحده ، وكان لزاماً على المجتمعات المسلمة أيضا أن ترعى جانب الأسرة وأن تدرك أن الوضع الأسري مرتع خصب للخلاف والخصومة كيف لا والنبي - صلى الله عليه وسلم يقول : ( [COLOR=blue]إن إبليس يضع عرشه على الماء ، ثم يبعث سراياه ، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة ، يجيء أحدهم فيقول : فعلت كذا وكذا ، فيقول : ما صنعت شيئاً ، ثم يجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته ، قال : فيدنيه منه ويلتزمه ويقول : نعم أنت ) رواه مسلم


[/COLOR]
وقد حثنا ديننا الحنيف على الإصلاح بين الأزواج ورأب صدع البت المسلم حتى لا ينهار فيهتز كيان المجتمع برمته ، ولذا قال الله سبحانه : ( [COLOR=green]وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) وقال سبحانه : ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ )


[/COLOR]
ولقد كان من حرص الشارع الحكيم على الصلح ونزع فتيل الخصومة أن أباح شيئاً من الكذب في سبيل الإصلاح وجمع الكلمة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( [COLOR=blue]ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً ) متفق عليه .


[/COLOR]
والمقصود بالكذب هنا ذكر ما يكون سبباً للإجتماع وتأليف للقلوب .



فلله ما أجمل الكذب في الإصلاح ، ولله ما أقبح الصدق في الإفساد ، ولله ما أقبح الرجل حلو اللسان خراب الجنان ، قلبه أمر من الصبر قال الله عنه وعن أمثاله : ( [COLOR=green]وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ( 204)وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ )


[/COLOR]
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية محمد ابن عبد الله ابن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة فقد أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكة المسبحة بقدسه وأيه بكم أيها المؤمنون فقال جل وعلا : ( [COLOR=green]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )


[/COLOR]
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وأرضى اللهم عن خلفاءه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر صحابة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين .



اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأخذل الشرك والمشركين ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين ، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ونفس كرب المكروبين واقض الدين عن المدينين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين .



اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم ، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم .



اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم .



الله آمنا في أوطاننا وأصلح ائمتنا وولاة أمورنا ، وأجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين .



اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم .



اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام .



اللهم أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم اجعل ما أنزلته علينا بلاغاً لنا ومتاعاً إلى حين برحمتك يا أرحم الراحمين .






سبحان ربنا رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

[/BACKGROUND]
X