الأخطل

نـون 28-07-2012 72 رد 37,762 مشاهدة
ن
فبلغ ذلك النعمان بن بشير([1]) فدخل على معاوية ونزع عمامته ، قال له : يا امير المؤمنين أترى ظلماً ؟ قال: لا بل أرى كرماً وخيراً ، وطلب منه ان يعرف سبب هذا السؤال .
اجاب النعمان الى ان الذي دفعه الى هذا السؤال هو ان الأخطل زعم ان تحت عمائمنا اللؤم ، فقال معاوية : أو فعل؟ قال: نعم: قال: لك لسانه، قال: وكتب فيه ان يؤتى به، فلما أُتي به سأل الرسول ليدخله الى يزيد اولاً ، فأدخله عليه فقال : هذا الذي كنت اخاف. قال: لا تخف شيئاً. وشفع له يزيد عند أبيه، إذ أشار عليه ان لا يقبل قول النعمان بن بشير وانما تدعوه الى البينة ، فدعاه بالبينة فلم يأت بها، فخلى سبيله ، فقال الأخطل([2]):

وإنّي غَداةَ استَعْبرتْ أمُّ مالكٍ ***** لراضٍ، من السُّلطانِ، أن يتهّدَّدا([3])
ولولا يَزيدُ ابنُ الملوكِ، وسيبهُ ***** تجلَّلتْ حدباراً، من الشّرّ أنكدا([4])
وكم أنقذتني من جُرورٍ حبالكم ***** وخرساء لو يُرْمى بها الفيلُ بلّدا([FONT=Times New Roman][5])[/FONT]
ودافعَ عنّي يوم جِلّقَ، غَمْرةً ***** وهمّاً يُنَسّيني السُلاف، المُهّودا([6])
وباتَ نجيّاً في دِمشْق، لحيَّةٍ ***** إذا عضّ لم ينْم السَّليم، واقصدا([7])
يُخفتُه طَوراً، وطوراً اذا رأى ***** من الوجه إقبالاً ألحّ، واجهدا([8])
وأطفأتَ عني نارَ نُعمانَ بعدما ***** أغذّ لأمرٍ عاجزٍ، وتجرَّدا([9])
ولمّا رأى النُّعمان دوني ابنَ حُرَّةٍ ***** طوَى الكشْح، إذ لم يستطعني وعرَّدا([10])


نال الأخطل بهذا الردّ على الانصار الحظوة والمكانة لدى الخليفة (يزيد) واصبح شاعر البلاط الأموي ونديم الخليفة. وهذا هو ما كان يبغيه الأخطل من ايجابيات، وكان يجرّ عليه من جانب آخر بعض السلبيات وهي اثارته غضب الناس ورفضهم له.
والأخطل برز في مربد البصرة واحداً من شعراء النقائض الثلاثة جرير والفرزدق في معركتهم الهجائية التي استمرت مع الأخطل عشرين عاماً ولم تتوقف الا بوفاة الأخطل عام 95ه ـ. بل ان الأخطل وجرير لم يكفا عن تقارض الهجاء، حتى عند الموت، فقد ورد في الديوانأن الأخطل لما دنت منيته. سالوه عما يوصي به اجابهم بقوله :

أوصي الفرزدق عند الممات ***** بأم جرير وأعيارها*
وزار القبور ابو مالك ***** برغم العُداة وأوتارها**

فلما وصل إلى الفرزدق قول الأخطل، جعل يحنّ إليه، ويقول: سأخذ بوصية أخي([11]) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) النعمان بن بشير بن سعد الخزرجي.
([2]) الاغاني 15/82-85.
([3]) شعر الأخطل 1/305-307 استعبرت: بكت، أم مالك : زوجته. يشير الى تهديد معاوية اياه بقطع لسانه بعد هجائه الأنصار
([4]) تجللت: ركبت، الأنكد: المشؤوم اللئيم. حدبارا: الناقة الذاهبة السنام.
([5]) بلد: ضرب بنفسه الارض إعياء. البئر الجرور: البعيدة القعر.
([6]) جلق: دمشق، الغمرة: الشدة، يشير الى سقاعة يزيد للأخطل عند معاوية ، والسلاف : اول ما يصبّ من الخمرة، المهود: المُسكن واصل التهوين النوم.
([7]) لم ينم السليم: لم ينج الليغ. وأقصده: قتله مكانه.
([8]) يخفته: يسكنه ويخفض كلامه له، فأذا طمع فيه واقبل عليه بوجهه ألح عليه. يقال: جهدة واجهده
([9]) الامر العاجز: الشديد يعجز عنه صاحبه. تجرد: شمر وجدّ. الاغذاذ : الدأب وسرعة النجاء.
([10]) طوى الكشح: أضمر العداوة في نفسه، عرد: احجم وهرب.
* الاعيار: الحمير، وهذا مما عُير به جرير.
** الأوتار: جمع وتر وهو الثأر، زار القبور: كأنه اتى الموت مريداً ، كالزائر يقصد من يزور.
([11]) ينظر: طبقات فحول الشعراء، ابن سلام 22/489-490 الاغاني 8/305 الأبيات ليست في ديوانه، ولكنهما في النقائض: 142، مطلع ابيات يناقض بها جريراً ومع تقديم البيت الثاني على الاول والظاهر إن الفرزدق اخذهما وزاد عليهما.
ن
وقيل : أن الذي هاج التهاجي بين جرير والأخطل ان الأخطل طلب من ابنه مالك أن ينحدر الى العراق ليسمع من جرير والفرزدق ويأتيه بخبرهما. فأنحدر مالك حتى لقيهما وسمع منهما ، ثم لقي أباه فقال : وجدت جريراً يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر. فقال الأخطل الذي يغرف من بحر اشعرهما ثم انشد:

إني قضيت قضاء غير ذي جنف ***** لما سمعت ولما جاءني الخبرُ
ان الفرزدق قد شالت نعامته ***** وعضّه حية من قومه ذكرُ([1])


وقال ابن سلام فيهما "ولجّ الهجاء نحواً من اربعين سنة ، لم يغلب واحد منهما على صاحبه"([2]).

وبذلك دخل الأخطل في معركة النقائض مع الفرزدق ضد جرير، وكان بشر بن مروان يغريه بالهبات والعطايا([3]).



فأذا بالأخطل يجمع بين مدائحه في البلاط الأموي ونقائضه ليبلغ الفحولة وذروة النضج والشهرة فلقد تألق فنه مؤلفاً بين الهجاء والمديح والفخر. وعندما استفحل أمر هجائه ، وازداد جرأة على اعراض الناس لقيّ هناك من يعنفه من رجال الدين الذي وضعه في السجن ثم اطلقه بشفاعة هاشمي([4]).



ويبرز شعر الأخطل في ما يتمتع به من ذوق موسيقي رفيع وحس فني ملهم يسّر لشعره أن يلقىلدى الملحنين عناية ظاهرة ولدى المغنين اهتماماً بالغاً، واذا عدنا الى كتب الاغاني وجدنا اشعاراً كثيرة للأخطل كان عليها لحن وبها غناء ومنها في بحر البسيط([5]):

تغيَّر الرَّبْعُ من سَلمى بأحْفارِ ***** واقْفرَتْ من سُلَيمى دِمْنةُ الدارِ*
وقد تَحلُّ بِها سلمَى تُحدّثُني ***** تساقُطَ الحَلْي حاجاتي وأسراري**([FONT=Times New Roman][6])[/FONT]


الشعر للأخطل . ومما يغنى فيه من هذه القصيدة([7]) :

وشارِبٍ مُرْبحٍ بالكأس نادَمَني ***** لا بالحَصُور، ولا فيها بسَوّارِ***
نازعتَهَ طيّبَ الرَّاح الشَّمُول وقد ***** صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي****
لمَّا أتَوها بِمصْباح ومبْزَلهِم ***** شارتْ اليهم سُؤورَ الأبجلِ الضّاري([FONT=Times New Roman][8])([9])[/FONT]


الغناء في هذه الأبيات لأبن سريج .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ينظر: الاغاني 11/55
([2]) طبقات فحول الشعراء، 2/389.
([3]) ينظر الاغاني، 11/55-56.
([4]) ينظر: الاغاني 8/310-311.
([5]) ينظر: م.ن 15/81 وهناك اخبار اخرى لغناء شعره ينظر منها في الاغاني8/321-322، 13/41، 21/3، 10/126، 5/302.
* الرسم: رسم الدار وهو ما الصق بالارض من آثار. احفار: اسم موضع . اقفرت: خلت. الدمنة: اثار الناس وما سودوا.
** تساقط الحلى: أي يتتابع حديثها تساقط الحلي في عذوبته وجماله.
([6]) شعر الأخطل 1/161.
([7]) م.ن 1/168.
*** المربح: الذي يربح من بيعة، وقيل: هو الذي ينحر لأضيافه الربح وهيالعضلات، الحصور: البخيل.
**** نازعته: ناولته بشمول الطيبة الريح.
([8]) المبزل: ما يفتح به الدن ونحوه. وقيل هو الثقب بجانب الخابية تجري فيه الخمرة صافية فيبقى فيها العكر في القعر. سارت : وثبت. الأبجل: عرق في باطن الذراع. الضاري: الذي نعر منه الدم وتدفق.
([9]) شعر الأخطل 1/168.
ن
ومن الملاحظ ان اكثار الأخطل من فني المديح والهجاء ، اللذين استطاع من خلالهما ان يعبر عما يريد التعبير عنه، وان يصل الى اعلى درجات المجد والشهرة شغل اهتمام كثير من النقاد، فقد اثروا من الحديث عن مديحه وهجائه متجاهلين اغراضه الاخرى على الرغم من جودتها وحسن نظمها، إذ يقول ايليا حاوي ان الأخطل في مستهلّ عهده بالشعر شهر بالجهاء، وربما تخصص به وأقذع فيه، ثم استدعاه يزيد فجعل الهجاء والمدح يسيران جنباً إلى جنب في معظم قصائده([1]).
ولقد كان الأخطل يبث في بعض اشعاره حكمته التي شاعت واشتهرت بين الناس، فأحدثت قفزات ممتازة ، وقف العلماء عندها وأبدوا اعجابهم بها وتقديرهم لها وجعلوها من مختار شعره فأبن سلام خصص قسماً من كتابه لـ "مقلدات الأخطل” عرض فيها ابياتاً له مشهورة ، يستغني كل منها بنفسه فكان فيها :

واذا افتقرت الى الذخائرِ لمْ تَجِدْ ***** ذُخراً يكُونْ كصالح الاعمالِ([2])

وقوله:

ان العداوة تلقاها وان قدُمَت ***** كالعَرّ يكْمنُ حيناً ثُمَّ ينْتشرُ([3])

نجد ان هذه الأبيات فيها نوع من الحكمة بثها الأخطل في ابياته هذه وابيات أخرى نجدها متناثرة في ديوانه.
ولعل اهم مزية في قصائد الأخطل هي كثرة عدد الطوال الجياد من قصائده وهذا يمثل رأي الأخطل نفسه فيما يتصل بالبناء والصقل، بطول القصيدة وصياغتها، فهو ممن يفضلون القصائد المهذبة، وان استغرقت عاماً، ليرسم صوراً متكاملة ومؤثرة في السامعين عن قوة شاعريته وطول نفسه. وقد يكون سبب الأطالة كما قال أبو عمرو: عندما سئل هل كانت العرب تطيل؟ اجاب: نعم ليسمع([4]).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ينظر: الأخطل في سيرته ونفسيته وشعره، 59، 223.
([2]) ينظر: طبقات فحول الشعراء 2/493، الاغاني 8/311.
([3]) شعر الأخطل 1/203 الرواية(أن الضغينة) وهي اجود لأن الضغن والضغينة الحقد. العر: الجرب ، يقول: لا يؤمن ذو الضغن وان طال الأمد. وشبهه بجرب الابل لأنه يخض زماناً ثم يعود. ينظر الكامل للمبرد، 2/310.
([4]) ينظر: العمدة، ابن رشيق، 1/186.
ن
خاتمة المبحث الثاني:


في ديوانه مدائح مختلفة ليزيد واخيه عبد الله ولابنه خالد، وكان للمدح في شعر الاخطل بواعث متعددة ، لعل أهمها تواقعه مع الاحداث والأشخاص في سيرته ، فضلاً عن طمعه بقليل أو كثير من الحظوة والنعمة ، وقد أفاد في ذلك من التقليد الشعري ومن واقع الحياة السياسية في عصره ، ففي مستهل عهده بالشعر شهر بالهجاء ، وربما تخصص به وأقذع فيه، ثم استدعاه يزيد فجعل الهجاء والمدح يسيران، جنباً إلى جنب ، في معظم قصائده ، ثم يتطعمّان بشيء من الفخر والعنجهية . ثم تطورت مدائح الاخطل وفقاً لممدوحيه في البدء، ثم بالنسبة إلى نضجه الفني وامتلاكه لناصية اللغة والعبارة والمعنى وتمرسه بإبداع المعاني. وتبلغ مدائحه اكثر من نصف الديوان فضلاً عن الأغراض الاخرى من وصف ونقائض.
ن

ببب

المبحث الثالث


طبقته الشعرية
ن
المبحث الثالث


طبقته الشعرية


احتل الأخطل مكانة رفيعة عند خلفاء بني امية منذ خلافة معاوية بن ابي سفيان وابنه يزيد ولكن بلغت اوجها في خلافة الخليفة عبد الملك بن مروان واولاده الوليد وهشام ، وكان الأخطل لسان الخلافة الاموية الناطق في ارجاء الدولة الاسلامية وبهذا سجل تاريخهم باروع اللوحات الفنية التي خلدتهم على مر السنين.
وفي هذه المدة كان يعيش الى جنبه شاعران فحلان هما جرير والفرزدق وقد سئل الأخطل يوماً"ايكم أشعر؟ قال: أنا امدحهم للملوك وانعتهم للخمر والحمر (يعني النساء) ، واما جرير فأنسبنا واشبهنا، واما الفرزدق فأفخرنا"([1]). فتساووا هنا جميعاً فمنهم من يحسن غرضاً او اكثر من اغراض الشعر لا يحسنها الأخرون، واستمرت هذه المساواة عند اللغويين ولدى جمهور الدارسين على حد سواء، قال يونس بن حبيب"ما شهدت مشهداً قط ذُكر فيه جرير والفرزدق والأخطل، فأجمع اهل المجلس علىاحدهم"([2]).
وتزامن مفهوم الطبقة مع مفهوم الفحولة الذي ابتكره الأصمعي([3])، ويلتقي معه في اعتماده ، الكثرة اساساً للفحولة واعتماده اراء السابقين له مع تغليب رأي اهل البصرة.
وأحسّ ابن قتيبة فكرة الطبقة ايضاً ويبدو ان مفهوم الطبقة كان حاضراً في ذهنه عند تأليفه كتابه (الشعر والشعراء)([4])
ولا ننسىان الحديث عن شخصية الشاعر وشعره يفصح لنا عن حقيقة شاعريته ويساعدنا في كشف معالمها لنتلمس بعد ذلك المنزلة الشعرية التي احتلها بين شعراء عصره والحديث هنا يقترن بسابقيه ، فنكاد لا نجد ناقداً يعرض لشعر شاعر معين دون ان يشير الى جوانب شخصية ان لم تكن كلها، ويتضح هذا عند مراجعة مصادرنا الأدبية القديمة والحديثة ، فقد كان نقادنا يتعرضون لشعر الشاعر وشخصيته معاً مبرزين النواحي الايجابية والسلبية فيها لما كان الأخطل نشأ في الجزيرة الفراتية بين قومه بني تغلب وتلقى من العلم والثقافة ما تزود به ليخوض معارك شعرية اثبت من خلالها فحولته حتى عدّ من أشعر شعراء عصره.
وهذا المستوى الفني لا يأتي من فراغ بل استمده الأخطل من مصادر شتى يمكن ان تميز مصادرها الاسلامية التي تركت اثرها الواضح على اللغة الشعرية لدى الأخطل وهي
1- القرآن الكريم.
2- الموروث الشعري.
1- القرآن الكريم : الأخطل كغيره من الشعراء نهل من الثقافة الاسلامية علاوة على انه ذو ثقافة نصرانية امتزجت مع الثقافة الاسلامية فغلبت معالمها النصرانية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الشعر والشعراء، ابن قتيبة 1/467.
([2]) طبقات فحول الشعراء، ابن سلام 2/299.
([3]) ينظر: فحولة الشعراء، الأصمعي، 13.
([4]) ينظر: الشعر والشعراء، ابن قتيبة، 1/44.
ن
ولهذا لا نجد صدى كبيراً للتعابير النصرانية في شعره([1]) ولكن نجد عبارات والفاظ- تضمين واقتباس لكثير من آيات الذكر الحكيم .
لقد صاغ الأخطل بعض التعابير القرآنية بأبيات شعرية رائعة كقوله :

فاليوم أجهد نفسي ما وسعت لكم***** وهل تكلف نفس فوق ما تسع([2])


وهذا اقتباس من قوله تعالى "لا تكلف نفسٌ الا وسعَها"([3]). إن تضمين الاخطل للنصوص القرآنية انما هو بدافع ارضائي للحكام والاغلبية المسلمة ، ولطمعه بقليل أوكثير من الحظوة والنعمة.
2- الموروث الشعري: حيث شكل الموروث الشعري ضغطاً هائلاً على مخيلة الأخطل لأنه اورث من اسلافه لغة الشعر بالفاظها الجزلة وصورها الفنية البلاغية فلا غرابة ان نجد ثقافة تزخر بالالوان البدوية ، فقد استوعب من اخبار العرب وحفظ ديوان شعرهم وجود في صنعته حتى عدّ من اصحاب الحوليات . واخذ من تلاميذها الشيء الكثير سواء كان تضميناً أم اقتباس الفاظٍ او معانٍ.
والدارس لديوان الأخطل يجد عدداً كبيراً من الألفاظ انحدرت من قصائد فحول شعراء قبل الاسلام وتفشت في شعره ، فإذا اخذ من المتقدمين حافظ على دلالتها مع الاجادة في رسم الصورة الجديدة المعبرة عن روح الحضارة الاسلامية في عصره.
والأخطل هذب شعره فأمتاز بجزالته وقوة استوائه واسره وكان يبقي من القصيدة وينفي سائرها([4]).
وهذه هي اهم الحوافز والدوافع التي احاطت بالأخطل في تنمية موهبته الشعرية، حتى صار من الشعراء المجودين الذين يعتد بهم ويحسب لهم حساب.
قال الأصمعي حين سئل عن تفضيله جريراً على الفرزدق، فما تقول فيهما وفي الأخطل؟ فأنشد للأخطل بيتاً من قصيدته :

لعمري لقد أسريت لا ليل عاجز ***** بساهمة العينين طاوية القربِ([5])


ثم انشد بعد هذا البيت زهاء العشرة أبيات منها. قال: من قال لك : إن في الدنيا من قال مثلها قبله ولا بعده فلا تصدقه([6]).
ولقد بلغ من اعجاب القدماء بشاعريته ان جعله ابو عبيدة ([7]) احد شعراء طبقاته الثلاث، فكان من بين عشرة شعراء هم (الفرزدق بن غالب، وجرير بن عبد الله ، والأخطل غياث بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) في شعره اشارات واستعمالات منقولة من عادات النصارى ومعتقداتهم، ينظر: شعراء النصرانية بعد الاسلام، اليسوعي، ص172.
([2]) شعر الأخطل 1/366 وهناك العديد من الابيات فيها اقتباس من الآيات القرآنية في الديوان 1/84، 1/98، 1/319، 1/14.
([3]) سورة البقرة، 233.
([4]) لغة العرب، الكرملي، ص403.
([5]) شعر الأخطل 1/39 الساهمة: الغائرة الساحبة، الطاوية الضامرة، القرب: ما فوق الخاصرة في جنب الصرة اسفل البطن.
([6]) ينظر: فحولة الشعراء، للأصمعي، ص24.
([7]) ابو عبيدة النحوي معمر بن المثنى كان اجمع الناس للعلم، واعلمهم بأيام العرب واحبارها ، وقد اجتمع له علم الاسلام والجاهلية وكان من اصحابه الأصمعي، وابو زيد القرشي. الاعلام 4/198.
ن
غوث ، والراعي بن الحصين ، وذو الرمة غيلان بن عقبة ، والكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم/...)([1]).
اما ابن سلام فقد وضعه في ضمن الطبقة الأولى من طبقاته العشر محتلاً فيها المرتبة الثالثة بعد جرير والفرزدق([2]).
ويبدو ان ابن سلام متفق مع ابي عبيدة في وضع الأخطل وجرير والفرزدق ولعل ذلك عائداً الى اسباب فنية أو اجتماعية ، فضلاً عن حب الناس للشعر وحفظه وفهمه مما دفع ادباءنا ورواة الشعر الى وضع مختارات شعرية تضم عيون الشعر في جودتها الفنية، ومن تلك جمهرة اشعار العرب التي تضم تسعاً واربعين قصيدة في سبع مجموعات([3])، في كل مجموعة سبع قصائد فشعره على درجة عالية من الجودة ، وقد عزّ على نقادنا وشعرائنا ان يجدوا في شعره مطعناً ، وقد كان في شعر الأخطل مع شعراء غيره موضع استشهاد لكثير من علماء العربية، وهذا مما يدلل على متانة شعره وحسن اقتداره وتمكنه من صنعته.
وأدى الى اعجاب القدماء بشعره وتمثلهم به ، مما قادهم لأصدار احكامهم، وابداء آرائهم فيه ، فهذا عيسى بن عمر يفضل الأخطل على الأعشى ويصدر حكمه بأن الأخطل هو أشعر الناس إذ يقول :

ونجى ابن بدر ركضة من رماحنا ***** ولينة الاعطاف ملهبة الحضرِ([4])


ثم قال: لله دره: كيف يتنخل شعره([5]).
ولقد كان الأخطل يحتج لمذهب الأمويين السياسي ويمدح خلفاءهم وامراءهم وولاتهم ثم كان فيجانب قومه على قيس عيلان([6]) ولهذا حصل على لقب أشعر العرب، كما ورد في قصة خف القطين([7]).
اما رتبته بين الشعراء فقد بلغ اعلى رتبة بين شعراء العرب وكفى له مرتبته الاولى عند ابن سلام وشهادة ابي عبيدة حين يقول، شعراء الاسلام الأخطل ثم جرير ثم الفرزدق والأخطل اشبه بالجاهلية وأشدهم أسر شعر واقلهم سقطاً"([8]). اما ابو عمرو بن العلاء فقال: لو أدرك الأخطل يوماً واحداً من الجاهلية ما قدمت عليه احداً"([9]) وسئل حماد الروايةعن الأخطل فقال: ما تسألوني عن رجل قد حبب شعره اليّ النصرانية([10]) وسئل حماد بن الزبرقان عن الشعراء فقال أشعر العرب شيخا وائل الأعشى في الجاهلية وهو صناجة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) جمهرة اشعار العرب، ابو زيد القرشي، 106.
([2]) طبقات فحول الشعراء، 2/297-298.
([3]) وتسمى هذه المجموعات بـ(السموط، المجمهرات، المنتقيات، المذهبات،المشوبات، الملحمات) بحسب تسلسلها ينظر جمهرة اشعار العرب ص105-106.
([4]) شعر الأخطل 1/184 وفي الرواية... نضاجة الاعطاف. النضاخة: الكثيرة الراسح. الاعطاف: جمع عطف وهو الجانب يريدان جوانبها ترشح كثيراً بالعرق. الملهبة: السريعة. الحضر: العدد الشديد.
([5]) ينظر: جمهرة اشعار العرب، ص110-111.
([6]) ينظر: تاريخ الشعر السياسي الى منتصف القرن الثاني، احمد الشايب، ص257.
([7]) ينظر: شعر الأخطل 1/192.
([8]) الاغاني 8/292، شعر النصرانية، ص175.
([9]) م.ن 8/284، شرح شواهد المغني، السيوطي: 1/10، تاريخ الادب العربي، بروكلمان، 1/207.
([10]) التكملة لشعر الأخطل، اليسوعي، ص15.
ن
العرب والأخطل في الاسلام([1]) ، اما الأصمعي فعدّه من عبيد الشعر([2]).
وقد كان الأخطل لأعتداده بنفسه وشعره ، يقرُّ ذلك، ولا يجد فيه غضاضة فيقول: "أشعر الناس قبيلة بنو قيس ثعلبة ، وأشعر الناس بيتاً آل ابي سلمى، وأشعر الناس رجل في قميصي"([3]). وروي الجاحظ عن ابي عبيدة ان الشعراء الاسلاميين الذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوا وهجاهم قوم فردوا عليهم فأفحموهم، وسكت عنهم بعض من هجوه مخافة التعرض لهم وسكتوا عن بعض من هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد هم جرير، والفرزدق والأخطل([4]).
ويذكر ابو عبيدة ان هؤلاء الشعراء اعطوا حقاً لم يعطه احد في الاسلام([5]). ثم نتتبع الأخبار نرى القيمة الفنية للأخطل فالعلماء الذين اتفقوا على جعله في الطبقة الأولى من فحول شعراء الاسلام، اختلفوا في الحكم على شعراء هذه الطبقة.
قال ابن سلام: “فأختلف الناس فيهم أشد الاختلاف واكثره. وعامة الأختلاف أو كله في الثلاثة ، ومن خالف في الراعي قليل، وكان آخرهم عند العامة"([6])*.
وكان من هذا أن تعصب للأخطل فقدموه على صاحبه. قال الصولي: وقد قدم الاخطل عليهما خلق من العلماء([7]).
ومن ألمع ما يُذكر للأخطل في تاريخ النقد الأدبي وتصريحه بالتقويم الموضوعي، بعيداً عن العصبيات والقيم الشخصية. إذ يقول: ان العالم بالشعر لا يبالي، وحق الصليب، إذامرَّ به البيت العائر السائر الجيد أمسلمٌ قاله أم نصراني!([8])*
فقد أوضح في قوله هذا أنّ قيمة العمل الفني لدى العلماء بقدر مايتضمنه من خصائص موضوعية ،لا أثر للعصبية في ذلك التقويم.
وأن كان هناك ممن تأخذه الحمية الدينية أو العاطفة الخلقية أو العصبية للقديم فيصدر أحكاماً لاتدل على الموضوعية ، حيث يقول ابو عبيدة : أجمع الناس على ان أشعر الناسفي الاسلام ثلاثة وهم الفرزدق وجرير والأخطل. وهم أشعر الناس بعد حسان بن ثابت لأنه لا يشاكل شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحكم بالمفاضلة هنا يعتمد المعيار الديني وليس المعيار الفني لأنه كان شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمدافع عن الاسلام([9]).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) التكملة لشعر الاخطل، اليسوعي، ص16.
([2]) ينظر: العمدة: 1/133.
([3]) الاغاني 8/286.
([4]) ينظر: البيان والتبيين، 4/83 وينظر: جمهرة اشعار العرب، ص107.
([5]) ينظر: جمهرة اشعار العرب، ص107.
([6]) طبقات فحول الشعراء، 2/299.
* العامة: عامة أهل العلم.
([7]) أخبار ابي تمام للصولي، 74.
([8]) الاغاني 8/288.
* العائر: المتردد الجوال بين الناس لجودته.
([9]) جمهرة أشعار العرب، ص107.
ن
ض
خاتمة المبحث الثالث:



النقاد مختلفون في تقييم العصور الفنية ، والمقارنة بينها. وهم مختلفون في تقييم الشعراء ، والحكم على كل منهم. وكان من نتاج ذلك أن تباينت الأخبار والروايات في بيان المنزلة الفنية للأخطل . فهو في بعضها أشعر العرب ، لا يجاريه أحد، وفي بعضها الآخر يكون واحداً من شعراء الطبقة الأولى بعد الإسلام ، وفي روايات أخرى تراه مقدماً على جرير والفرزدق ، ثم تجد في غير تلك الروايات من يفضل بعض فنونه ، أو قصائده ، ومن يجعله دون أقرانه ، ثم خلصنا من هذا كله إلى أنه كان حقاً من شعراء الطبقة الاولى من الإسلاميين .
ن
ديوان الشاعر


عدد القصائد : 157 قصيدة


F:
ن
قافية الهمزة




العز و الولاء


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر الوافر

ص
عقدْنا حبلَنَا (1) لبني شئيمٍ ***** فأضحى العزُّ فينا واللواءُ
وأضحتْ عامرٌ (2) تعتادُ دوْساً (3) ***** كما اعتاد المطلقة َالنساءُ
يُطِفْنَ بها وما يُغْنينَ شَيْئاً ***** وقَد يُبنى على الصَّلَفِ (4) الخِباءُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) عقدنا حبلنا : أوكلنا أمرنا .
2) عامر : بنو عامر بن عمير بن مالك بن ربيعة .
3) دوس : جد الأخطل .
4) الصلف : كره الرجل للمرأة .
ن
قافية الباء


ومحبوسة في الحي


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر الطويل



ومحبوسة ٍ في الحيّ (1) ضامنة ِ القرى ***** إذا الليلُ وافاها، بأشــعت (2) ساغبِ (3)
معفرة ٍ(4) لا تنكرُ السيفَ وسطَها ***** إذا لمْ يكنْ فيها معسِّ (5) لحالبِ
مزاريحُ (6) في المأوى ، إذا هبتِ الصّبا(7)***** تُطيفُ أوابيها(8) بأَكْلَفَ (9) ثالِبِ(10)
إذا استَقْبَلَتْها الرّيحُ، لمْ تَنْفَتِلْ لها ***** وإنْ أصْبحتْ شُهبُ الذُّرى والغواربِ (11)
إذا ما الدَّمُ المُهْرَاقُ أضْلَعَ حَمْلُهُ ***** ونابَ رهناها بأغْلى النوائبِ
إذا ما بدا بالغيبِ منها عصابة ٌ ***** أوَيْنَ لهُ مشْيَ النّساء اللّواغِبِ
يَطُفْنَ بزَيّافٍ، كأنَّ هديرَهُ ***** إذا جاوزَ الحيزومَ، ترجيعُ قاصبِ
تَرُدُّ على الظِّمْءِ الطَّويلِ نِطافَها ***** إذا شَوَتِ الجوْزاءُ وُرْقَ الجنادِبِ
كأنَّ لَهاها في بلاعيمِ جِنّة ٍ***** وأشداقَها السُّفْلى مَغارُ الثّعالبِ
إذا لم يكنْ إلا القتادُ تجزعتْ ***** مَناجِلُها أصْلَ القَتادِ المُكالِبِ
تُحطّمُهُ تَحْتَ الجليدِ فؤوسُها ***** إذا قفعَ المشتى أكفَّ الحواطبِ
كأنَّ علَيْها القَصْطلانيَّ مُخْمَلاً ***** إذا ما اتَّقَتْ شَفّانَهُ بالمناكِبِ
شَفى النفس قتلى من سليم وعامرِ***** بيَوْمٍ بدَتْ فيهِ نحوسُ الكواكبِ
تُطاعِنُهُمْ فِتْيانُ تَغْلِبَ بالقَنا ***** فطاروا وأجلوا عن وجوده الحبائبِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) المحبوسة في الحي : الإبل التي لا تخرج إلى المراعي .
2) الأشعث : المتفرق .
3) الساغب : الجائع .
4) المعفرة : الخالية من اللبن والمعدة للذبح .
5) المعس المطلب
6) المرازيح : مفردها رازحة وهي التي لا تبارح مكانها .
7) الصبا : ريح الصباح الباردة .
8) الأوابي : مفردها آبية وهي التاقة التي لم توطأ .
9) الأكلف : اسفع الخدين الذي في وجهه كلف .
ن
قافية التاء


وحبست عليه الكأس


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر الطويل


وأبْيضَ، لا نِكْسٍ (1) ولا واهن القُوى ***** سقيناه إذا أولى العصافير صرتِ (2)
حبَسْتُ عليْهِ الكأسَ، غيرَ بطيئة ٍ***** من الليلِ حتى هرّها (3) وأهرتِ
فقام بجرِّ البردِ لو أن نفسهُ ***** بكَفّيْهِ مِنْ رَدّ الحُمَيّا (4) ، لخَرَّتِ
وادبرَ لو قيل: اتقِ السيف لم تُخلْ ***** ذؤابَتُهُ (5) مِنْ خَشْيَة ٍ إقشعرَّتِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) نكس : جبان .
2) صرت : رفعت صوتها .
3) هرها : كرهها .
4) رد الحميا : فعل الخمرة .
5) الذوآبة : خصلة من الشعر تتدلى في مقدم الرأس .
ن
قافية الثاء


قومي أبادوا تميماً


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر البسيط


وما أصابت تميم ***** إلا العناء ، وإلا الحين (1) والعبثا


قومي أبادوا (2) تميما حول ربهم ***** يوم الكلاب ، وقومي أوثقوا شبثا (3)


ببببلبببي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) الحين : الهلاك .
2) أبادوا : أهلكوا .
3) شبث : ابن ربعي بن رباح من تميم .
ن
قافية الحاء


لها في سواد القلب حب مبرح


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر الطويل


[SIZE=4][COLOR=#373737]طربتُ إلى ذلفا[SIZE=3](1) فالدّمعُ يسفحُ (2)****وهشَّ (3) لذكْراها الفؤادُ المبرَّحُ (4)[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]ومِنْ دونِ ذلْفاء المليحَة ِ فاصْطبرْ *** من الإرضِ أطوادٌ [SIZE=3](5) وبيداءُ صحصح (6)[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]بها حينَ يستنّ[SIZE=3](7) السرابُ بمتنها ** لخُوصِ(8) المطيّ إنْ تَذَرَّعْنَ(9) مَسْبحُ[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]وقَدْ صاحَ غِرْبانٌ ببَيْنٍ [SIZE=3](10) وقد جرَتْ ***** ظباءٌ بصرمِ العامرية ِبرحُ (11)[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فما شادنٌ[SIZE=3](12) يرعى الحمى ورياضَها(13) ** يرودهُ(14) بمكحولِ(15) نؤومٌ موشحب[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]أحْسَنَ مِنها يوْمَ جدَّ رحيلُنا ***** مع الجيشِ لا بلْ هي أبضّ [SIZE=3](16) وأصبحُ[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]وأحسنُ جيداً في السحابِ ومضحكاً ***** وأنْجَلُ[SIZE=3](17) مِنها مُقْلَتَينِ وأمْلَحُب[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]أطْيَبَ مِنْ أرْدانِ [SIZE=3](18) ذَلْفاء بعدَما ***** تغورُ (19) الثريا في السماء فتجنحُ[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]إذا الليلُ ولى واسبطرتْ [SIZE=3](20) نجومه ***** وأسْفَرَ (21) مَشْهورٌ مِن الصُّبحِ أفضحُ[/SIZE][/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فلا عيبَ فيها غيرَ أنّ حليلها ***** إذا القَوْمُ هَشُّوا للمروءة ِ زُمَّح[/COLOR][/SIZE][SIZE=4][COLOR=#373737]ُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]بطيءٌ إلى الداعي، قليلٌ غناؤهُ ***** إذا ما اجتداهُ سائلٌ يَتكَلّحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]أذَلْفاءُ كَمْ مِنْ كاشِحٍ لكِ جاءني ***** فأحْفَظْتُهُ إذْ جاءني يتَنَصَّحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]يقولُ أفقْ عن ذكرِ ذلفاءِ وانسها ***** فما لكَ مِنْ حَتْفِ المنيّة ِ مَجْمَحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فقلتُ اجتنبتني لا أبا لكَ واطرحْ ***** ففي الأرضِ عني إذا تباعدتَ مطرحٌ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فكَيفَ تلومُ النّاسُ فيها وقد ثوى ***** لها في سوادِ القلبِ حبٌّ مبرحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]وحبي جدٌّ ليس فيه مزاحة ٌ***** فيرْتاحُ قَلْبي إذْ يراهُ ويفرَحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]وإني لأهوى الموتَ من وجدِ حُبها ***** وللموْتُ مِنْ وجْدٍ ألَذُّ وأرْوَحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]وكلُّ هوًى قدْ بانَ منّي ولا أرى ***** هوى أُمّ عَمْروٍ مِن فؤاديَ يَبرَحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]وفتيانِ صِدْقٍ مِن عشيري وجوهُهمْ ***** إذا شففتهنَّ الهواجرُ وضحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]رفَعْتُ لهُمْ يوماً خِباءً تمُدُّهُ ***** أسِنّة ُ أرْماحٍ يُسِفُّ ويَطمَحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فأدنَيْتُ مِنهُمْ سَبْحَلِيّاً كأنّهُ ***** قتيلٌ مِن السّودانِ عَبْلٌ مُجَرَّحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فظَلّتْ مُدامٌ مِنْ سُلافة ِ بابلٍ ***** تَكُرُّ علَيْهِمْ والشِّواءُ المُلوَّحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فلما تروّوا قلتُ قوموا فأسرجوا ***** عناجيجكُم قد حانَ منا التروحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فقاموا إلى جُرْدٍ طوالٍ كأنّها ***** مِن الرَّكضِ والإيجافِ في الحرْبِ أقرُحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فشَدُّوا علَيْهِنَّ السّروجَ فأعنقَتْ ***** بكل فتى يحمي الذمارَ ويكفحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فقال لهم ذاكمْ سوامٌ ودونهُ ***** كتائبُ فيهنَّ الأسنة ُ تلمحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فلما أغرنا أغنمَ الله منهمُ ***** وذو العرشِ يعطي من جزيلٍ ويمنحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فلَمْ نَخْتَصِمْ عِنْدَ الغَنيمَة ِ بَيْننا ***** ولمْ يكُ فينا باخِلٌ يَتشَحّحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فتلكَ المعالي لا تباعُكَ ثلة َ ***** وبُهْماً عِجاماً للمعيشَة ِ تَكْدَحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]فقلْ لبني عمَ الذينَ ببابلٍ ***** وبالتستري عن أرضكمْ متزحزحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]وفي الأرضِ عنْ جوخى ورعية ِ أهلها ***** وعَنْ نَخَلاتِ السّيْبِ للحيّ مَفْسَحُ[/COLOR][/SIZE]


[SIZE=4][COLOR=#373737]وحسبُ الفتى مِن شِقوَة ِ العَيشِ قطعة ٌ ***** يُحاجي بها طَوْراً يُجَحِّحُ[/COLOR][/SIZE]


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) ذلفاء : امرأة أحبها الشاعر .
2) يسفح : ينهمر .
3) هش : تأثر .
4) المبرح : الشديد العذاب .
5) أطواد : مسافات بعيدة .
6) الصحصح : الفلاة الواسعة .
7) يستن : يضطرب .
8) الخوص : النوق الغائرة العينين .
9) تذرع : مد ذراعه .
10) البين : الفراق .
11) البرح : مفردها بارح وهو طائر ينذر بالشؤم عند العرب .
12) الشادن : الغزال الذي استغنى عن أمه .
13) الرياض : مفردها روضة وهي الحديقة الغناء .
14) يرود : يقصد .
15) المكحول : أكحل العينين جميلها .
16) أبض : رقيق .
17) الأنجل : صاحب العيون النجلاء أي الواسعة .
18) الأردان : مفردها ردن وهو طرف الكم .
19) تغور: تختفي.
20) اسيطرت : أجدت في السير .
21) أسفر: لاح وظهر .
ن
قافية الدال


لن يرجع الشيب شباباً *


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر البسيط


بانَتْ سُعادُ، ففي العَيْنَينِ تَسهيدُ *** واسْتَحقبتْ(1) لُبَّهُ(2)، فالقلْبُ معْمودُ(3)
وقد تكونُ سليمى غير ذي خلفٍ(4)*** فاليوْمَ أخْلَفَ من سُعْدى المواعيدُ
لمْعاً وإيماضَ بَرْقٍ، ما يصوبُ (5) لنا*** ولو بدا من سُعادَ النحرُ والجيدُ
إما تَرَيْني حَناني الشَّيْبُ من كِبَرٍ*** كالنَّسْرِ أرْجُفُ(6) ، والإنسانُ مهدودُ(7)
وقد يكونُ الصِّبا منّي بِمَنْزِلَة ٍ، *** يوماً، وتقتادني الهيفُ(8) الرعاديدُ(9)
يا قلَّ خيرُ الغواني(10) كيف رغنَ(11) بهِ*** فَشُرْبُهُ وَشَلٌ(12)، فيهِنَّ تَصْريدُ(13)
أعرضنَ من شمطٍ(14) في الرأس لاحَ بهِ *** فهنَّ منهُ، إذا أبصرنَهُ، حيدُ
أعرضنَ من شمطٍ في الرأس لاحَ به ***** فَهنَّ منهُ، إذا أبصرنهُ، حيدُ
فهنَّ يشدوونَ مني بعض معرفة ٍ***** وَهُنَّ بالوُدِّ لا بُخْلٌ وَلا جُودُ
قد كان عهدي جديداً، فاستبد به ***** والعهدُ متبعٌ ما فيه منشودُ
يقُلْنَ لا أنْتَ بَعْلٌ يُسْتقادُ لَهُ ***** ولا الشبابُ الذي قدْ فاتَ مرودُ ( مردود )
هلْ للشّبابِ الذي قدْ فاتَ مَرْدُودُ ***** أم هل دواءٌ يرُدُّ الشيبَ موجودُ
لن يَرْجِعَ الشِّيبُ شُبّاناً، وَلن يجدوا ***** عدلَ الشبابِ لهمْ، ما أورقَ العودُ
والشذرُ والدرُّ والياقوتُ فصلهُ ***** ظلَّ الرُّماة ُ قُعوداً في مراصِدِهِمْ
أما يزيدُ، فإني لستُ ناسيهُ ***** حتى يغيبني في الرمسِ ملحودُ
جزاكَ ربكَ عن مستفردٍ، وحدٍ ***** نفاهُ عن أهله جرمٌ وتشريدُ
مُستشرَفٌ، قد رماهُ النّاسُ كلُّهمُ ***** كأنّهُ، مِن سَمومِ الصّيفِ، سَفُّودُ
جزاءَ يوسُفَ إحساناً ومغفرة ً ***** أوْ مِثْلَ ما جُزْيَ هارُونٌ. وَداودُ
أعطاهُ من لذة ِ الدنيا وأسكنه *****في جَنَّة ٍ نِعْمَة ٌ فيها وَتَخْلِيدُ
فما يزالُ جَدا نعماكَ يمْطرني ***** وإن نأيتُ وسيبٌ منكَ مرفودُ
هل تبلغني يزيداً ذاتُ معجمة ٍ***** كأنّها صخرة ٌ صماء صيخودُ
منَ اللواتي إذا لانتْ عريكتُها ***** كانَ لها بعْدَهُ آلٌ ومَجْلودُ
تَهْدي سَواهِمَ يَطْويها العَنيقُ بنا ***** فالعيسُ منعلة ٌ أقرابها سودُ
يلفحهنَّ حرورُ كل هاجرة ٍ ***** فكُلُّها نَقِبُ الأخْفافِ، مَجْهُودُ
كأنها قاربٌ أقرى حلائلهُ ***** ذاتَ السّلاسِلِ، حتى أيْبسَ العُودُ
ثُمَّ تَرَبَّعَ أُبْلِيّاً، وقدْ حَميَتْ ***** وظنَّ أنّ سبيلَ الأخذِ متمودُ
ثم استمرَّ يجاريهنَّ لا ضرعٌ ***** مهرٌ، ولا ثلبٌ أفناهُ تعويدُ
أوْ مِثلَ ما نال نوحٌ في سَفينَته
طاوِي المعا، لاحَهُ التّعْداء، صَيْفَتَهُ ***** كأنّما هوَ، في آثارِها، سيدُ
ضَخْمُ الملاطَيْنِ، موَّارُ الضُّحى ، هزِجٌ ***** كأنَّ زُبْرَتَهُ، في الآل، عُنْقودُ
بمطردٍ الآذي جونٍ كأنما ***** زفا بالقراقيرِ النعامَ المطردا
يَنْضَحْنَهُ بِصِلابٍ ما تُؤيِّسُهُ، ***** قدْ كان في نَحْرِهِ مِنْهُنَّ تَقصِيدُ
وهنَّ ينبونَ عن جأب الأديمِ، كما ***** تنبو عنِ البقرياتِ الجلاميدُ
إذا انْصَمى حَنِقاً حاذَرْنَ شِدَّتَهُ ***** فهنّ من خوفهِ شتى عباديدُ
ينصبُّ في بطنِ أبلي ويبحثهُ


ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في مدح يزيد بن معاوية .
1) استحقب : حمل معه .
2) اللب : العقل .
3) المعمود : الذي أضناه الحب .
4) الحلف : الكذب . والغدر .
5) يصوب : يمطر .
6) أرخف : ارعد .
7) المهدود : الخائر القوى .
8) الهيف : مفردها هيفاء وهي الجميلة النحيلة من النساء .
9) الرعاديد : مفردها رعديد معناه الجبان وهنا يقصد الفتيات الحييات .
10) الغواني : واحدها غانية وهي الحسناء .
11) راغ : خادع .
12) الوشل : ماء الأمطار الذي ينحدر من الجبل شيئاً فشيئاً .
13) التصريد : الشرب دون ارتواء .
14) الشمط : اختلاط البياض بسواد الشعر .
ن
قافية الراء


خف القطين *


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر البسيط


خَفَّ (1) القطينُ (2) ، فراحوا منكَ، أوْ بَكَروا ** وأزعجتهم نوى (3) في صرفْها (4)غيرُ(5)

كأنّني شارِبٌ، يوْمَ اسْتُبِدَّ بهمْ ***** من قرقفٍ (6) ضمنتها حمصُ أو جدرُ (7)

جادَتْ بها مِنْ ذواتِ القارِ(8) مُتْرَعة ٌ(9)*** كلْفاءُ(10)، يَنْحتُّ عنْ خُرْطومِها(11) المَدرُ(12)

لَذٌّ أصابَتْ حُميّاها(13)مقاتِلَهُ ***** فلم تكدْ تنجلي عنْ قلبهِ الخُمرُ

كأنّني ذاكَ، أوْ ذو لَوْعة ٍ خَبَلَتْ(14)***** أوْصالَهُ (15)، أوْ أصابَتْ قَلْبَهُ النُّشَرُ(16)

شَوْقاً إليهِمْ، وَوجداً يوْمَ أُتْبِعُهُمْ ***** طرْفي، ومنهم بجنبيْ كوكبٍ (17) زُمر(18)

حثّوا المطيّ، فولتنا مناكبِها ***** وفي الخدورِ(19) إذا باغمتَها (20) الصوَرُ (21)

يبرقنَ (22) بالقومِ حتى يختبِلنهُمْ (23)***** ورأيهُنَّ ضعيفٌ، حينَ يختبرُ

يا قاتلَ اللهُ وصلَ الغانياتِ، إذا ***** أيقنَّ أنكَ ممنْ قدْ زها الكبرُ

أعرضنَ، لما حنى قوسي مُوترها ***** وابْيَضَّ، بعدَ سَوادِ اللِّمّة ِ، الشّعَرُ

ما يَرْعوينَ إلى داعٍ لحاجتِهِ ***** ولا لهُنَّ، إلى ذي شَيْبَة ٍ، وَطَرُ

شرقنَ إذْ عصرَ العِيدانُ بارحُها ***** وأيْبسَتْ، غَيرَ مجْرَى السِّنّة ِ، الخُضَرُ

فالعينُ عانية ٌ بالماء تسفحهُ ***** مِنْ نِيّة ٍ، في تلاقي أهْلِها، ضَرَرُ

منقضبينَ انقضابَ الحبلِن يتبعهُم ***** مِنَ الشّقيقِ، وعينُ المَقْسَمِ الوَطَرُ

ولا الضِّبابَ إذا اخْضَرَّتْ عُيونُهُمُ ***** أرْضاً تَحُلُّ بها شَيْبانُ أوْ غُبَرُ

حتى إذا هُنَّ ورَّكْنَ القَضيمَ، وقَدْ ***** أشرقنَ، أو قلنَ هذا الخندقُ الحفرُ

إلى امرئٍ لا تعدّينا نوافلهُ ***** أظفرهُ اللهُ، فليهنا لهُ الظفرُ

ألخائضِ الغَمْرَ، والمَيْمونِ طائِرُهُ ***** خَليفَة ِ اللَّهِ يُسْتَسْقى بهِ المطَرُ

والهمُّ بعدَ نجي النفسِ يبعثه ***** بالحزْمِ، والأصمعانِ القَلْبُ والحذرُ

والمستمرُّ بهِ أمرُ الجميعِ، فما ***** يغترهُ بعدَ توكيدٍ لهُ، غررُ

وما الفراتُ إذا جاشتْ حوالبهُ ***** في حافتيهِ وفي أوساطهِ العشرُ

وذَعْذعَتْهُ رياحُ الصَّيْفِ، واضطرَبتْ ***** فوقَ الجآجئ من آذيهِ غدرُ

مسحنفرٌ من جبال الروم يسترهُ ***** مِنْها أكافيفُ فيها، دونَهُ، زَوَرُ

يوماً، بأجْودَ مِنْهُ، حينَ تَسْألُهُ ***** ولا بأجهرَ منهُ، حين يجتهرُ

ولمْ يزَلْ بكَ واشيهِمْ ومَكْرُهُمُ ***** حتى أشاطوا بغَيْبٍ لحمَ مَنْ يَسَرُوا

فلَمْ يَكُنْ طاوِياً عنّا نصِيحَتَهُ ***** وفي يدَيْه بدُنْيا دونَنا حَصَرُ

فهو فداءُ أميرِ المؤمنينَ، إذا ***** أبدى النواجذَ يومٌ باسلٌ ذكرُ

مفترشٌ كافتراشِ الليث كلكلهُ ***** لوقعة ٍ كائنٍ فيها لهُ جزرُ

مُقَدِّماً مائتيْ ألْفٍ لمنزِلِهِ ***** ما إن رأى مثلهمْ جنّ ولا بشرُ

يَغْشَى القَناطِرَ يَبْنيها ويَهْدِمُها ***** مُسَوَّمٌ، فَوْقَه الرَّاياتُ والقَتَرُ

قَوْمٌ أنابَتْ إليهِمْ كلُّ مُخْزِية ٍ***** وبالثوية ِ لم ينبضْ بها وترُ

وتَسْتَبينُ لأقوامٍ ضَلالَتُهُمْ ***** ويستقيمُ الذي في خدهِ صعرُ

ثم استقلَّ باثقال العراقِ، وقدْ ***** كانتْ لهُ نقمة ٌ فيهم ومدخرُ

في نَبْعَة ٍ مِنْ قُرَيشٍ، يَعْصِبون بها ***** ما إنْ يوازَى بأعْلى نَبْتِها الشّجَرُ

تعلو الهضابِ، وحلّوا في أرومتها ***** أهْلُ الرّياء وأهْلُ الفخْرِ، إنْ فَخَروا

حُشْدٌ على الحَقّ، عيّافو الخنى أُنُفٌ ***** إذا ألمّتْ بهِمْ مَكْروهَة ٌ، صبروا

وإن تدجتْ على الآفاقِ مظلمة ٌ***** كانَ لهُمْ مَخْرَجٌ مِنْها ومُعْتَصَرُ

أعطاهُمُ الله جداً ينصرونَ بهِ ***** لا جَدَّ إلاَّ صَغيرٌ، بَعْدُ، مُحْتقَرُ

لمْ يأشَروا فيهِ، إذْ كانوا مَوالِيَهُ ***** ولوْ يكونُ لقومٍ غيرهمْ، أشروا

شمسُ العداوة ِ، حتى يستقادَ لهم ***** وأعظمُ الناس أحلاماًن إذا قدروا

لا يستقلُّ ذوو الأضغانِ حربهمُ ***** ولا يبينُ في عيدانهمْ خورُ

هُمُ الذينَ يُبارونَ الرّياحَ، إذا ***** قَلَّ الطّعامُ على العافينَ أوْ قَتَروا

بني أميّة َ، نُعْماكُمْ مُجَلِّلَة ٌ ****** تَمّتْ فلا مِنّة ٌ فيها ولا كَدَرُ

بني أُميّة َ، قدْ ناضَلْتُ دونَكُمُ ***** أبناءَ قومٍ، همُ آووا وهُمْ نصروا

أفحمتُ عنكُم بني النجار قد علمت ***** عُلْيا مَعَدّ، وكانوا طالما هَدَرُوا

حتى استكانوا: وهُم مني على مضضٍ ***** والقولُ ينفذُ ما لا تنفذُ الإبرُ

بَني أُميّة َ، إنّي ناصِحٌ لَكُمُ ***** فَلا يَبيتَنَّ فيكُمْ آمِناً زُفَرُ

وأَتْخِذوهُ عَدُوّاً، إنَّ شاهِدَهُ ***** وما تغيبَ من أخلاقهِ دَعرُ

إن الضغينة َ تلقاها، وإن قدُمتْ ***** كالعَرّ، يَكْمُنُ حِيناً، ثمّ يَنْتشِرُ

وقَدْ نُصِرْتَ أميرَ المؤمنين بِنا ***** لمّا أتاكَ ببَطْنِ الغُوطَة ِ الخَبَرُ

يعرفونكَ رأس ابن الحُبابِ، وقدْ ***** أضحى ، وللسيفِ في خيشومهِ أثرُ

لا يَسْمَعُ الصَّوْتَ مُسْتَكّاً مسامِعُهُ ***** وليسَ ينطقُ، حتى ينطقَ الحجرُ

أمْسَتْ إلى جانبِ الحَشاكِ جيفَتُهُ ***** ورأسهُ دونهُ اليحمومُ والصُّوَرُ

يسألُهُ الصُّبْرُ مِن غسّان، إذ حضروا ***** والحزنُ كيف قراكَ الغلمة ُ الجشرُ

والحارثَ بن أبي عوفٍ لعبنَ بهِ ***** حتى تعاورَهُ العقبانُ والسبرُ

وقيس عيلان، حتى أقبلوا رقصاً ***** فبايعوكَ جهاراً بعدما كفروا

فلا هدى اللَّهُ قَيساً مِن ضَلالتِهِمْ ***** ولا لعاً لبني ذكوانَ إذا عثروا

ضجّوا من الحرب إذا عضَّت غوارَبهمْ ***** وقيسُ عيلان من أخلاقها الضجرُ

كانوا ذَوي إمة ٍ حتى إذا علقتْ ***** بهمْ حبائلُ للشيطانِ وابتهروا

صُكّوا على شارِفٍ، صَعْبٍ مَراكبُها ***** حَصَّاءَ لَيْسَ لها هُلْبٌ ولا وبَرُ

ولمْ يَزَلْ بِسُلَيْمٍ أمْرُ جاهِلِها ***** حتى تعايا بها الإيرادُ والصدرُ

إذْ يَنظُرون، وهُمْ يجْنون حَنْظَلَهُمْ ***** إلى الزوابي فقلنا بعدَ ما نظروا

كروا إلى حرتيهم يعمُرونَهُما ***** كما تكرُّ إلى أوطانها البقر

وأصْبحَتْ مِنهُمُ سِنْجارُ خالِيَة ً***** والمحلبياتُ فالخابورُ فالسرَرُ

وما يُلاقونَ فَرَّاصاً إلى نَسَبٍ ***** حتى يُلاقيَ جَدْيَ الفَرْقَدِ القَمَرُ

وما سعى فيهم ساعٍ ليدرِكنا ***** إلا تقاصرَ عنا وهوَ منبهرُ

وقد أصابتْ كلاباً، من عداوتنا ***** إحدى الدَّواهي التي تُخْشى وتُنْتَظَرُ

وقد تفاقمَ أمرٌ غير ملتئمٍ ***** ما بَيْنَنا رَحِمٌ فيهِ ولا عِذَرُ

أما كليبُ بن يربوعِ فليسَ لهمْ ***** عِنْدَ التّفارُطِ إيرادٌ ولا صدَرُ

مخلفونَ، ويقضي الناسُ أمرهمُ ***** وهُمْ بغَيْبٍ وفي عَمْياءَ ما شَعروا

مُلَطَّمونَ بأعْقارِ الحِياضِ، فما ***** ينفكّ من دارمي فيهم أثرُ

بئس الصحاة ُ وبئس الشربُ شربهُمُ ***** إذا جرى فيهمِ المزاءُ والسكرُ

قوم تناهت اليهم كل فاحشة ***** وكل مخزية سبت بها مضر

على العِياراتِ هَدّاجونَ، قدْ بلَغَتْ ***** نَجْرانَ أوْ حُدّثتْ سوءاتِهم هَجَرُ

الآكلون خبيثَ الزادِ، وحدهُمُ ***** والسائلون بظهرِ الغيبِ ما الخبرُ

واذكرْ غدانة ً عداناً مزنمة ً***** مِن الحَبَلَّقِ تُبْنى حوْلها الصِّيَرُ

تُمْذي، إذا سَخَنَتْ في قُبلِ أذْرُعِها ***** وتزرئِمُّ إذا ما بلها المطرُ

وما غُدانَة ُ في شيء مكانَهُمُ ***** الحابسو الشاءَ، حتى يفضلَ السؤرُ

يتصلونَ بيربوعِ ورفدهمُ ***** عِنْدَ التّرافُدِ، مغْمورٌ ومُحْتَقَرُ

صُفْرُ اللِّحى مِن وَقودِ الأدخِنات، إذا ***** ردّ الرفادَ وكفَّ الحالبِ القررُ

وأقسمَ المجدُ حقاً لا يحالفهمْ ***** حتى يحالفَ بطنَ الراحة ِالشعرُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في مدح عبدالملك بن مروان . زعم الأخطل أنه أفنى في نظم هذه القصيدة حولاً وما بلغ كل ما أراد . ( المرجع كتاب الأغاني الجزء السابع ص 164 ) .
1) خف : أسرع .
2) القطين : القوم الذين يسكنون الجوار .
3) النوى : البعد والجهة التي يقصدون .
4) الصرف : التغير والتغلب .
5) الغير : المتاعب . روي أن الأخطل لما أنشد " خف القطين فراحوا منك " تطير عبد الملك بن مروان فقال : لا بل منك ، لا بل منك ، فجعله الأخطل " خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا ، ( المرجع : الهفوات النادرة ص 31 ) .
6) القرقف : الخمرة التي تذهب عقل صاحبها .
7) جُدر : قرية اشتهرت بصنع الخمر ، وحمص معروفة .
8) ذوات القار : الخوابي المطلية بالزفت .
9) المترعة : الملآنة .
10) الكلفاء : التي خالط لونها الحمار المائل إلى السواد .
11) الخرطوم : فم الخابية .
12) المدر : العين الموجود على باب الخابية .
13) الحميا : الحدة ـ يقول أن لهذه الخمرة ولدت في رأسه صداعاً لا ينتهي .
14) خبلت : اضطربت .
15) الأوصال : أعضاء الجسد .
16) النشر : الرقى والتعاويذ والشاعر في هذا البيت يقول ان الدوار والمرض الذي اصابه من جراء الخمرة .
17) كوكب : رابية بالخابور .
18) الزمر : العصابات .
19) الخدور : المخابئ .
20) البغام : صوت الضباء استعارة للمطي .
21) الصور : الدمى .
22) يبرقن : يلوحن .
23) يختبلنهم : يفسدن قلوبهم .
ن
قافية الزاي


نعم ذوو الحماية كان قومي *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر الوافر


لعَمْرُ أبيكَ يا زُفَرُ بنَ عَمْرٍو ***** لقد نجاكَ جدُّ (1) بني معازِ
وركضكَ غير ملتفتٍ إلينا ***** كأنكَ ممسكٌ بجناحِ بازي (2)
فلا وأبي هوازنَ ما جزِعنا ***** ولا هَمَّ الظّعائِنُ (3) بانْحِيازِ (4)
ظعائِنُنا غداة َ غدَتْ عَلَيْنا ***** فنِعْمَتْ ساعة ُ السّيفِ الجُرَازِ (5)
ولاقى ابنُ الحُبابِ(6) لَنا حُمَيّا ***** كفَتْهُ كُلَّ راقِيَة ٍ وحَازِ(7)
وكان بنا يحلُّ ولا يُعانى ***** ويرعى كلَّ رملٍ أو عزارِ(8)
فلما أن سمنتَ وكنتَ عبداً ***** نزَتْ بكَ يا بنَ صَمْعاء (9) النّوازي
عمدتَ إلى ربيعة َ تغتزيها ***** بمِثْلِ القَمْلِ مِن أهْلِ الحِجازِ
فنِعْمَ ذوو الحمايَة ِ كانَ قَوْمي ***** لقومكَ لو جزى بالقومِ جازِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في هجاء زمر بن الحارث .
1) الجد : السعي والعمل الدؤوب .
2) البازي : طائر جارح سريع الطيران .
3) الظعائن : مفردها الظعينة وهي الناقة المعدة للرحيل .
4) الانحياز : الابتعاد عن الطريق الصواب .
5) الجزار : القاطع .
6) ابن الحباب : عُمير بن الحباب قيسي قُتل في يوم الحشاك على يد بني تغلب .
7) الحازي : الناسك .
8) العزاز : الأرض التي يصعب الوصول اليها .
9) صمعاء : من جدات عُمير بن الحباب لأمه .
ن
قافية السين


دمشقية أحيت عظاماً وأنفساً


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر الطويل


وليلتُنا عندَ الغَويرِ بقُطْقُطٍ (1) ***** وثانية ٌ أُخرى بموْلى ابنِ أقْعسا (2)
نزَلْنا بلا غُسّ (3) ولا عاتمِ القِرى (4) ***** ولا هَدَنَتْهُ (5) الخَمْرُ عنّا، فيَنْعُسا
فجاء بها بعدَ الكَرى (6) فارِسيّة ***** دمَشْقيّة ً، أحيَتْ عِظاماً وأنْفُسا
كأنّي كرَرْتُ الكأسَ، ساعة كرِّها ***** على ناشصٍ(7) شمتْ حواراً ملبَّسا (8)
فأصبحَ منها الوائليّ (9) كأنّهُ ***** سقيمُ تمشى داؤهُ حينَ أسلسا (10)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) قطقط : منطقة بالشام وعوير بلدة فيها .
2) ابن أقعس : رجل من تغلب .
3) الغس : الضعيف .
4) عاتم القرى : مبطئ في إطعام الضيوف .
5) هدنته : أخرته .
6) الكرى : النعاس . يقول انه شرب خمرة صنعت بفارس ودمشق احيت العظام ودبت فيها الحركة بعد النعاس .
7) الناشص : الناقة الجغول .
8) الحوار الملبس : جلد البعير يُحشى تبناً فتحسبه الناقة ابنها .
9) الوائلي : نسبة إلى وائل بن قاسط .
10) أسلس : شرب الماء سلساً اي عذباً وهنا الخمر .
X