رسائل رمضانية

اكليل الورد85 09-07-2012 47 رد 4,833 مشاهدة
ا
الرسالة الرابعة وعشرون

ها هو شهر رمضان قد انقضى أغلبه و ما بقى منه إلا القليل و لكن أي قليل إنها العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم فيها ليلة خير من ألف شهر ..
فهيا يا غالية شمري عن ساعد الجد فإن كنتِ فرطتِ فيما انقضى من هذا الشهر الكريم فما زال لديك فرصة عظيمة فلا تضيعيها ..
قفي مع نفسك الآن في هذه اللحظة وقفة لابد منها لصلاحك في الدنيا و الآخرة , وقفة محاسبة ماذا أنجزتِ في الأيام القليلة الماضية ..
هل واظبتِ على قيام الليل ؟؟
و أي قيام هو ؟؟هل مجرد تأدية واجب بقليل من الآيات أم قمتِ قيام الخاشعات القانتات ؟؟
هل تذوقتِ في سجودك حلاوة المناجاة ؟؟ و لذة القرب من الله الرحمن الرحيم الغفور الودود ؟؟
كم مرة ختمتِ قراءة القرآن ؟؟ مرة ..مرتين..ثلاثة .. فإن كان كذلك فهنيئاً لكِ يا غالية ..
أم مجرد أجزاء قرأتيها على ملل و تسرع ؟؟
كم من طاعة أخلصتِ فيها النية لرب العالمين من بر الوالدين , إفطار للصائم , بذل للصدقة , و غيرها من الطاعات الكثير ؟؟
كم من دعوة دعوتي بها عند فطرك أم كان هذا الوقت المستجاب فيه الدعوة هو وقت غفلة غفلتِ فيه عن الدعاء بخيري الدنيا الآخرة ؟؟
كم و كم من الطاعات و القربات التي قمتِ بها في هذا الشهر العظيم البركات ....شهر العتق من النيران ....شهر المغفرة و الرحمات ..

حاسبي نفسك يا أختي في الله الآن , فما أحوجك إلى هذه المحاسبة الآن حتى تتداركي ما فاتك من خيرات في هذا الشهر الكريم
حاسبي نفسك بصدق ....

فإن وجدتِ من نفسك خيرا فاحمدي الله عز و جل أن وفقك للطاعة و اسأليه سبحانه مزيداً من القرب و أن يوفقك لكل ما يرضيه عنك , قال تعالى " لئن شكرتم لأزيدنكم " و اعزمي أن تكون هذه الأيام القادمة ..أيام العشر الأواخر ...أفضل و أفضل من ما مضى
و إن وجدتِ من نفسك تقصير فاحمدي الله عز و جل أن ما زالت أمامك فرصة لتنهلي من خير هذا الشهر و ما أعد الله فيه لعباده الصالحين و انفضي عن نفسك غبار الكسل و الركون إلى دنيا فانية و ما فيها من ملهيات و اعزمي من الآن على تعويض ما فاتك و أن تلحقي بركب الصالحات
هيا يا غالية نخرج الدنيا من قلوبنا في هذه العشر و نجعل شعارنا بصدق " لن يسبقني إلى الله أحد"
إنها أيام و ليالي قليلة و لكن أثرها و أجرها عند رب العالمين عظيمة فمن حُرم خيرها فقد حُرم , نسأل الله عز و جل أن لا يجعلنا من المحرومين في هذا الشهر الكريم
هيا أخيتي لا تسوفي فلا وقت لطول الأمل فما هي إلا أيام معدودة و تنقضي هذه الأيام المباركة فلابد لكِ من عزيمة صادقة و مسارعة لنيل بركة هذه الأيام الفاضلة , هيا أخيتي رددي معي " و عجلت إليك ربِ لترضى "


ياشهر رمضان ترفّق
دموع المحبين تدفّق
قلوبهم من ألم الفراق تشقّق
عسى وقفة للوداع تطفيء من نار الشوق ما أحرق

عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ماتخرّق.
عسى منقطع من ركب المقبولين يلحق
عسى أسير الأوزار يُطلق
عسى من استوجب النار يُعتق

ا
الرسالة الخامسة وعشرون

يقول الله - جل في علاه -: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} فجعل أقرب الناس إلى نيل رحمته هم أهل الإحسان، والطاعة، والعبادة، الذين هم أولى بقربه - سبحانه وتعالى -، والأمر كذلك بالنسبة لكل مسلم يعلم حقيقة أن الدنيا زائلة، فتراه حريصاً على نيل رحمة الله، يعرِّض نفسه لها بأي وسيلة ممكنة بحيث لا يعلم طريقاً يوصل إليها إلا سلكه، ولا حبلاً ينتهي إليها إلا تمسك به، حياته كلها مسخرة للسعي في طلب رضوان الله - تعالى - ممتثلاً قوله - تعالى -: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، وقوله: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.

والسعيد هو من أدرك أن هذه الحياة الدنيا هي دار عمل وتحصيل لكل ما ينفع عند لقاء الله {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}4، فيجتهد فيها كل الاجتهاد، ومن ذلك اغتنامه لمواطن الرحمة، وأماكن المغفرة، ومظان العفو، فلا يضيعها أبداً.

ونحن في نفحات ربانية ينعم الله بها على أهل طاعته من أهل الإيمان، ويجعلها لأهل القرب منه من أهل الإحسان، إنها نفحات من فيض العشر الأواخر من رمضان، إنها خاتمة الشهر الكريم الذي {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}، نعم في ذلك فليتنافس المتنافسون، في ذلك فليسارع المتقون {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، في ذلك فليبادر الأذكياء الحصيفون الذين يطلبون رحمة الله من حيث تطلب {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}.

وإن العشر الأواخر من رمضان هي الليالي التي طالما انتظرها أهل رمضان بما فيها من أجواء إيمانية تسري فيها الروح إلى مقامات علية من التعبد والتذلل بين يدي الله - عز وجل -، إنها العشر التي لها المكانة الخاصة في قلوب المؤمنين، ولها القدر العظيم لأنها تحمل في طياتها أعظم ليلة "ليلة القدر".

وهذه العشر قد عَلِمَ مكانتها الصالحون؛ فغيروا نمط حياتهم اليومية، وجعلوا لها تعاملاً خاصاً يميزها عن غيرها، فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - إمام المتقين، وأسرع المسارعين إلى رضوان رب العالمين، وقدوة المتعبدين، وصاحب المقام الأعلى في عليين؛ تحكي لنا الصديقة عائشة - رضي الله عنها - كيف كان يفعل إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان فتقول: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر؛ أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشد المئزر"، أليس هو الذي قال عنه نفسه - صلى الله عليه وسلم -: ((أصلي وأرقد))، لكنه لما عَلِمَ مكانة العشر وما فيها الرحمات والهبات؛ كان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، (أحيا ليله) "أي: سَهِرَهُ فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت، والمعنى: أحياه بالقيام والتعبد لله رب العالمين، وأما ما ورد من النهي عن قيام الليل كلّه الوارد في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - فهو محمول على من داوم عليه جميع ليالي السنة.

ولم ينفرد - صلى الله عليه وسلم - في الحرص على اغتنام العشر الأواخر من رمضان لنفسه فقط، بل كان حريصاً على أن يوقظ أهله، ويحثهم على العبادة، واغتنام الفرصة، وفي الحديث: ((وجدَّ)) دلالة على شدة الاجتهاد الذي كان عليه - صلى الله عليه وسلم -، حتى أنه كان يعتزل النساء لعدم تفرغه لهن ((وشد المئزر)).

فإذا كان رمضان أياماً معدودات كما قال الله في كتابه الكريم: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}، فماذا نقول عن العشر الأواخر أليست هي ثلث رمضان؟ فما كان من اجتهاد في رمضان فلابد أن يتضاعف في هذه العشر.

هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان يلتمس في اعتكافه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له.. الحديث"، يفعل ذلك وهو من قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أفلا نحرص نحن على أن نتشبه به فننهل من فيض هذه العشر ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، نحيي لياليها بالقيام وقراءة القرآن، والذكر والاستغفار، والدعاء وطلب الحاجات من رب العالمين، نرجو عفو ربنا في ليلة عظيمة مباركة تقول عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أدعو؟ قال: ((تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)).

نسأل الله أن يعفو عنا، وأن يجعلنا ممن يقوم ليلة القدر إيماناً واحتساباً، اللهم اجعل خاتمة رمضان لنا خاتمة بر وتقوى، وأخرجنا منه بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل صالح متقبل مبرور.
ا
بارك الله فيك وجزاك الله خيراً
ا
الرسالة السادسة وعشرون

فيما مضى من أيام استقبلنا زائراً كريماً، وضيفاً عزيزاً، وها نحن اليوم قاب قوسين من توديعه، هاهو هذا الضيف يجمع خيامه، ويطوي أسفاره، ويحمل أمتعته ورحاله، ويلوح لنا بتحية الوداع، وسيرحل بعد أيام.

سيرحل عنا هذا الضيف وقد أحسن منا فيه من أحسن، وأساء من أساء، وهو شاهد لنا أو علينا بما أودعناه من أعمال، شاهد للمشمرين بصيامهم وقيامهم، وبرهم وإحسانهم، وعلى المقصرين بغفلتهم وإعراضهم، وشحهم وعصيانهم، ولا ندري هل سندركه مرة أخرى أم يحول بيننا وبينه هادم اللذات، ومفرق الجماعات.

أيها الأخ المحب للخير: إن قلوب الصادقين على فراق رمضان لتتقطع، وعيون المحبين بالدموع تدفق، ولنستمع إلى ابن رجب - رحمه الله - يصف لنا وداع رمضان وفراقه فيقول: "يا شهر رمضان ترفّق، دموع المحبين تدفّق، قلوبهم من ألم الفراق تشقّق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ما تخرّق، عسى منقطع من ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يُطلق، عسى من استوجب النار يُعتق".

عسَى وعسَى مِن قَبلِ وقتِ التَّفرقِ إلى كُلِّ مَا نَرجُو مِنَ الْخَيْرِ نَرْتَقِي

فيُجبرُ مَكســـورٌ ويُقبل تَائبٌ ويُعتَقُ خَطّاءٌ ويُسعَدُ مَنْ شَقـِي

سترحل يا رمضان والرحيل مرٌّ على الصالحين، يبكون عليه ويسكبون الدموع الغزار؛ فقد كان هو أنيسهم وجليسهم، وبه صفت نفوسهم، وسمت أخلاقهم، فحُقَّ لهم أن يبكوا عليه.

فيا عين جودي بالدمع من أسف على فراق ليــالي ذات أنوارِ

على ليالي لشهر الصوم ما جُعلت إلا لتمحيـــص آثام وأوزارِ

ما كان أحسننا والشمـل مجتمع منا المصلى ومنا القانت القارى

فابكوا على ما مضى في الشهر واغتنموا ما قد بقى إخوانى من فضل أعمارى

أخي: قبل أن يرحل رمضان قف مع نفسك وقفة صادقة للمحاسبة، وتأمل حالك، وأسال نفسك: يا ترى لو مت الآن أين سأكون في الجنة أم في النار؟ يا ترى هل غُفر لي في رمضان أم خبت وخسرت؟

فإن كنت قد قصرت في هذا الشهر، أو فرطت ولم تستغله فيما يقربك من مولاك؛ فلديك فرصة أخيرة لتدارك ما فات، حتى تلحق بقطار الفائزين، ومن ذلك أن تحرص على استغلال الوقت في تحرِّي ليلة القدر، تلك الليلة التي عظَّم الله شأنها، ورفع قدرها، وأنزل في فضلها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، وجعل العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر فيما سواها، فاحرص على هذه الليلة، وأكثر من الدعاء الذي علمنا إياه محمد - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث أن عائشة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: "ما أقول إذا علمت ليلة القدر أو وافقت ليلة القدر؟" قال: ((قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني))، فإياك أن تخسر هذه الليلة، أو أن تفلت من بين يديك، وأنت قد أنعم الله عليك بنعمة الصحة والعافية، ونعمة البقاء وإدراك هذه الليالي الغالية!.

ويستحب لك أيضاً: أن تعتكف ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فتخلو بربك، وتبعد عن مشاغل الدنيا، وتستغل وقتك فيما يقربك من مولاك من ذكر ودعاء، وقراءة للقرآن، ومناجاة للملك العلام، وسؤاله حسن الختام.

وقبل أن يرحل رمضان: عليك أخي أيضاً أن تختم شهرك بإخراج صدقة الفطر، فبها تطهر صيامك، وتكفر ما حصل من زلل وخلل في أيامك، وتسد بها جوعة فقير أو مسكين في يوم العيد، فتكف عن سؤال الناس في ذلك اليوم الأغر.

وعليك أيضاً أن تجتهد في إتقان العمل وإتمامه، وأن تهتم بعد ذلك بقبوله، وتخاف من رده كما كان السلف الصالح؛ وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الله - عز وجل -: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، وقال مالك بن دينار - رحمه الله -: "الخوف على العمل ألا يُتقبل أشد من العمل"، وقال فضالة بن عبيد - رحمه الله -: "لو أني أعلم أن الله تقبل مني حسنة واحدة لكان أحب إلي من الدنيا وما فيها"

أي شهر قد تولى يا عباد الله عنا

حق أن نبكي عليه بدماء لو عقلنا

كيف لا نبكي لشهر قد قُبلنا أم حُرمنا

ثم لا نعلم أنّا المحروم والمطرود منا

ليت شعري من هو مرَّ بالغفلة عنا

وعليك قبل أن يرحل هذا الضيف أن تصل أرحامك ويأتي في مقدمتهم أبويك، ثم أدناك أدناك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك أو عاداك وهجرك، وأن تطلب منه العفو والمسامحة؛ فإن أعمال العباد تعرض الله - تبارك وتعالى - فيتقبلها إلا من كان بينه وبين أخيه شحناء أو بغضاء فيؤخرهما الله ويقول لملائكته: ((انظروا حتى يصطلحا))، فالله الله في المصالحة مع الله، ومع عباد الله؛ حتى يتقبل الله منا أعمالنا.

وعليك أيضاً أن تكثر من التوبة والاستغفار في ختام هذا الشهر، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرُهم بختم رمضان بالاستغفار، يقول عمر بن عبد العزيز في كتابه: "قولوا كما قال أبُوكم آدمُ - عليه السلام -: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}9، وقولوا كما قال نوحٌ - عليه السلام -: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}، وقولوا كما قال موسى - عليه السلام -: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وقولوا كما قال ذو النون: {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}". فإن الاستغفار يرقع ما تخرَّق من الصيام، ويسد ما قد حصل من لغو ورفث ونقص.

وأخيراً اسكب عبرة الندم والتأسف على فراق هذا الضيف ورحيله

ترحَّلَ الشَّهرُ وَالهْفَاهُ وانصــرمَا واختصَّ بالفوزِ بالجنات مَنْ خَدَما

وأصبح الغافلُ المسكينُ منكـسرا مثلي فيــا ويْحهُ ياعُظْمَ ما حُرِما

من فاته الزرعُ في وقت البذارِ فما تراهُ يحصـد إلاّ الهمّ والنَّدَمَ

نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من الذين بذروا خيراً ففازوا في الدنيا والآخرة، ونسأله - سبحانه - أن يعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وجميع المسلمين والمسلمات من النار، وأن يتقبل منا الصلاة والصيام، وصالح الأقوال والأعمال، وأن يعيننا على طاعته بعد رمضان، وأن يجبر قلوب على فراق رمضان، وأن يجعله شاهداً لنا لا علينا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ا
الرسالة السابعة وعشرون

زكاة الفطر

عشنا رمضان كأحلى ما يعيش الإنسان لحظات الزمان، نتنفس عبيره، ونستنشق أنفاسه؛ فتكون لنا زاداً وبلغةً تبلغنا إلى الآخرة بإذن الله تعالى؛ ثم ها هو يوشك أن تنقضي أيامه، وتنتهي ساعاته؛ فيشتد الأسف، وتكبر اللوعة؛ حزناً على ما فرطنا فيه من الأوقات، واقترفنا فيه من الأخطاء. وألماً على فراق ضيف تعرضنا فيه لأجمل النفحات.

ولما كان الكمال لله وحده، وكان التقصير طبيعة من طباع النفس البشرية في كل أعمالها؛ شرع الله لنا ما يجبر الخلل، ويكمل النقص؛ في سائر العبادات؛ ومن هذه العبادات عبادة الصيام.

فشرعت لنا زكاة الفطر في ختام شهر رمضان، وهي عبادة من العبادات، وقربة من القربات العظيمة؛ لارتباطها بالصوم الذي أضافه الله إلى نفسه إضافة تشريف وتعظيم: ((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))

تعريفها وحكمها:

هي الصدقة التي تخرج عند الفطر من رمضان، وسميت بذلك لأن الفطر هو سببها.

وحكمها الوجوب، وقد فرضت في السنة الثانية من الهجرة في رمضان قبل العيد بيومين.

ودليل وجوبها حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر ، صاعا من تمر أو صاعا من شعير ، على كل حر أو عبد ، ذكر وأنثى ، من المسلمين)) رواه البخاري ومسلم. ، وأجمعت الأمة على وجوبها .

حكمتها:

1ـ طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وجبراً لصومه كما يجبر سجود السهو خلل الصلاة.

2ـ طعمة للمساكين يوم العيد.

لقول ابن عباس رضي الله عنهما: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)) صحيح أبي داود

مقدارها

زكاة الفطر مقدارها صاع من القوت الغالب في البلد ( من غالب طعام الناس ) كالشعير أو الأرز أو الأقط أو غيرها من أقوات العباد،

صحّ عن ابن عمر رضي الله عنهما قوله: (( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ، على العبد والحر ، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير ، من المسلمين ، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة )) رواه البخاري.

وجاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: ((كنا نخرج زكاة الفطر ، صاعاً من طعام ، أو صاعاً من شعير ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من أقط ، أو صاعاً من زبيب)) رواه البخاري ومسلم

وكلما كان من هذه الأصناف أطيب وأنفع للفقراء؛ فهو أفضل وأعظم أجراً.

وكان مقدار صاع النبي صلى الله عليه وسلم أربع حفنات بكفي رجل معتدل الخلقة، وقد قدَّرها العلامة ابن عثيمين رحمه الله بكيلوين وأربعين غراماً من البر الجيد، ومن الأرز ألفين ومائة جرام "2100" جرام.

ولا يجوز إخراجها نقداً عند جمهور العلماء والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، وهو الراجح. لما جاء في حديث ابن عمر وحديث أبي سعيد الخدري ( صاعاً من طعام ) وهذا نص صحيح صريح، فلا اجتهاد مع النص، والعبادات توقيفية. وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل صحابته وهم أحرص الناس على اتباع هديه وتطبيق سنته، وقد كانت الدنانير والدراهم موجودة في المدينة في عهد الصحابة ومن بعدهم، وكان الناس أكثر حاجة إليها من اليوم، ومع ذلك لم يخرج الصحابة ومن بعدهم نقوداً.

على من تجب:

تجب على كل مسلم، ومن يعول من المسلمين، غربت عليه شمس آخر يوم من رمضان. ويجد الفضل عن نفقته ونفقة من يعول. لحديث ابن عمر السابق. وليس لزكاة الفطر نصاب: فكل من ملك ما زاد على قوت نفسه، ومن يعول؛ فقد وجبت عليه.

"فيخرجها القادر عن نفسه، ثم عن زوجته وعياله، ومن تلزمه نفقتهم، والزوجة المعقود عليها إذا لم تنتقل إلى بيت زوجها ففطرتها على أهلها؛ لأن فطرتها تتبع نفقتها؛ إلا أن يكون تأخر الانتقال بسبب الزوج فتجب عليه النفقة والفطرة، والمطلقة الرجعية فطرتها على زوجها؛ لأنها لا تزال زوجة ". [ فتاوى الشيخ ابن عثيمين ]

بل "إذا أخذ الفقير الفطرة وجب عليه أن يخرج عن نفسه، ثم عياله إن زاد عن حاجتهم يوم العيد شيء، والحمل يستحب الإخراج عنه ولا يجب" [ فتاوى اللجنة الدائمة 9/346 ]

ولا يجب إخراجها عن الزوجة الناشز.

ومن أخرج عمن لا تلزمه فطرته فلا بد من إذنه، ومن ترك إخراج زكاة الفطر أثم، ووجب عليه القضاء. وتكون صدقة من الصدقات.



وقت وجوبها وإخراجها:

تجب بغروب الشمس ليلة العيد (أي ليل آخر يوم من رمضان)، فمن مات بعده ولو بدقائق وجب إخراج فطرته؛ لأنه كان حياً حينما وجبت، ومن ولد قبل الغروب ولو بدقائق وجب الإخراج عنه؛ لأن وقت الوجوب مرَّ عليه وهو حي موجود،

ومن أسلم أو وُلِد بعد الغروب، وكذلك من مات قبل الغروب. فلا تجب زكاة الفطر في حقهم.

وأما وقت إخراجها المستحب فهو ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد، ويجوز تقديمها على العيد بيوم أو يومين.

ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد بلا عذر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)) صحيح أبي داود ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج زكاة الفطر أن تؤدى ، قبل خروج الناس إلى الصلاة )) رواه مسلم. وأما المعذور فيبادر بإخراجها حين زوال عذره.

المستحقون لزكاة الفطر:

هم الفقراء، والمساكين من المسلمين، ؛ فيعطون منها بقدر حاجتهم, ولا يجوز إعطاؤها للكفار لا من الخدم ولا من غيرهم، كما أنها لا تجب عن الكافر.

والواجب أن تصل إلى مستحقها أو وكيله في وقتها قبل الصلاة، فلو نواها لشخص ولم يصادفه ولا وكيله وقت الإخراج؛ فإنه يدفعها إلى مستحق آخر، ولا يؤخرها عن وقتها.

توزيع الفطرة الواحدة على أكثر من فقير:

يجوز للإنسان أن يوزع الفطرة الواحدة على عدة فقراء، وأن يعطي الفقير الواحد فطرتين فأكثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدَّر الفطرة بصاع، ولم يبين قدر من يعطي، فدل على أن الأمر واسع، وعلى هذا لو كال أهل البيت فطرتهم، وجمعوها في كيس واحد، وصاروا يأخذون منها للتوزيع من غير كيل؛ فلا بأس، لكن إذا لم يكيلوها عند التوزيع فليخبروا الفقير بأنهم لا يعلمون عن كيلها خوفاً أن يدفعها عن نفسه وهي أقل من الصاع.

اللهم فقهنا في ديننا، وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علماً، اللهم اختم لنا شهر رمضان بغفرانك، والعتق من نيرانك، وأدخلنا الجنة، وأجرنا من النار.
ا
الرسالة الثامنة وعشرون

اختم شهرك بكثرة الاستغفار

ها هي الأيام قد دارت، وها هو الوقت يمضي، والشهر الكريم قد أزف على الرحيل.

تلك أنواره توشك أن تنطفئ، وذاك نجمه قد قارب على الأفول بعد السطوع.

تلك الليالي التي شعت بنور القائمين والتالين والعاكفين؛ أوشكت على الظلمة، والأيام التي عُمِّرت بالطاعة والتلاوة والصيام قد أوشكت على الوداع.

إن وداع هذا الشهر ليهيج في النفس الأحزان، فكيف يفارق الحبيب محبوبه الذي يخشى أن يكون آخر العهد به، إنها لحظات لا ندري حقيقة أهي لحظات عزاء ومواساة، أم لحظات فرح وسرور.

نعم: إن خروج هذا الشهر المبارك ليجمع بين الحالين: حال العزاء، وحال الفرح والتهنئة.

فالعزاء لكل الأمة على وجه العموم؛ إذ ستفقد شهر الصيام، والقيام، والذكر، ستفقد تلك النفحات الربانية، والمنح الإلهية التي منحها الله عز وجل لعباده في هذا الشهر المبارك، فلحظات وداعه لا تُنسى، ولوعتها لوعةٌ لا تبلى، وإن حرقة الوداع لتُلهب الأحشاء، وإن دموعه لتحرق الوجنات بحرارة العبرات، وقد آن لهذا الشهر أن يودع كل مؤمن تذوَّق حلاوة الطاعة والأنس بالله.

عزاؤنا في خروج هذا الموسم المبارك، والشهر الكريم؛ عزاء على وجه الخصوص لمن قصر عن استغلال الفرصة، وغفل فيه عن باب الجنة، ولم يحسن العمل. أن يكون ممن شملهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى المنبر، فلما رقى الدرجة الأولى قال: آمين، ثم رقى الثانية، فقال: آمين، ثم رقى الثالثة فقال: آمين، فقالوا: يا رسول الله سمعناك تقول آمين ثلاث مرات؟، قال: ((لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل عليه السلام فقال: شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد ذكرتَ عنده ولم يصل عليك فقلت: آمين)) صحيح الأدب المفرد.

ومع خروج شهر رمضان المبارك يودعه المؤمنون في كل أصقاع الأرض، وأرجاء المعمورة، فمنهم من يودّعه بقلب وجلٍ يؤمّل قبول العمل ويخشى ألا يتقبّل منه. ومنهم من يودّعه ويودّع معه الأعمال الصالحة، وهذا هو المخذول الذي لم تتحقق ثمرة الصيام والقيام عنده، إذ إن الغاية من الصوم هي تحقيق التقوى في النفس، والتزكية للعبد في الأقوال والأفعال، فإن التقوى هي الكلمة الجامعة التي ختم الله بها آية الأمر بالصيام، ويجب ألا يُغفَل عنها بعد انقضاء شهر الصيام، بل تبقى شعاراً لأعمال الأفراد والأمم.

وإن من نعم الله العظيمة علينا أن يبلغنا تمام هذا الشهر ويختمه لنا ونحن على الطاعة والإخبات والإنابة، وهي غنيمة لا ندري والله من يبلغها مرة أخرى، ومن يفضي إلى الله ولا تسنح له الفرصة لمثل هذه الأيام والليالي الفاضلة.

فهلم نختم شهر رمضان بالتوبة إلى الله ، والإنابة إليه ، فإن كلاً منا لا يخلو من الخطأ والتقصير، وكل بني آدم خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون.

هلمّ نختم عملنا في هذا الشهر بالحمد والثناء على الله وكثرة الاستغفار. إذ هو مطلوب بعد كل عمل صالح لما قد يعتريه من نقص وخلل، فهو مكمل للأعمال وجابر لنقصها ، وأرجى لقبولها. وقد (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا انصرف من صلاته ، استغفر ثلاثاً )) رواه مسلم.

قال سبحانه في وصف عباده المؤمنين : { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } المؤمنون: 60، وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال: ((لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا تقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون )) صحيح الترمذي.

وقد حث الله في كتابه وحث النبي صلى الله عليه وسلم في خطابه على استغفار الله تعالى والتوبة إليه، فقال سبحانه: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } هود: 3. وقال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ } فصلت: 6. وقال تعالى: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } النور: 31. وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } التحريم: 8. وقال تعالى: { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } البقرة: 222.

وعن الْأَغَرِّ بن يَسَار الْمُزنِيِّ رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» رواه مسلم وأحمد

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» رواه البخاري.

يا من صمت وقمت وذرفت دموعك توبة وأسفاً على خطيئاتك :

ها هو شهر الصيام قد أزف رحيله، وأوشكت أيامه ولياليه أن تمضي شاهدة على كل منا ما استودعه فيها، والمؤمن يفرح بإكمال الصيام والقيام، وإتمام عدة رمضان، شكراً لله عز وجلّ على ما منّ به عليه ووفقه إليه من الطاعات، ورجاء ما عنده من الثواب والعتق من النيران. وضعيف الإيمان يفرح بإكماله لتخلصه من الصيام الذي كان ثقيلاً عليه ضائقاً به صدره، والفرق بين الفريقين عظيم .

هلمّ جميعاً نتدارك ما بقي من ليالٍ معدودة هي خير ليالي العام، ونجتهد في الدعاء والصلاة والقيام وقراءة القرآن، ونختم شهرنا بكثرة الاستغفار وسؤال الله القبول، ونكون من عدم قبول العمل على وجل.

فما ندري وربي من هو المقبول فنهنيه، ومن هو المردود فنعزيه.

اللهم يامن فتحت أبوابك للطالبين ، وأظهرت غناك للراغبين، يامن تجيب دعوة المضطرين، نحن الفقراء إليك، المضطرون إلى عفوك ومغفرتك، اللهم فأنزل علينا رحمة من عندك، تهدي بها قلوبنا، وتلم بها شعثنا، وتغفر بها ذنوبنا، وتتقبل بها أعمالنا.

اللهم اختم لنا شهرنا بالقبول والمغفرة والعتق من النار.

اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، فاغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ا
الرسالة التاسعة وعشرون


رمضـانُ ودَّع وهـو في الآمـاق

يا ليته قـد دام دون فـراقِ

ما كـان أقصَـرَه عـلى أُلاَّفِـه

وأحبَّـه في طـاعةِ الخـلاق

زرع النفـوسَ هـدايةً ومـحبـة

فأتى الثمارَ أطايبَ الأخـلاق

«اقرأ» به نزلتْ، ففـاض سناؤُهـا

عطرًا على الهضبات والآفـاق



ولِليـلةِ القـدْر العظيـمةِ فضلُـها

عن ألفِ شهر بالهدى الدفَّـاق

فيها المـلائـكُ والأمـينُ تنـزَّلوا

حتى مطـالعِ فجـرِها الألاق

في العــامِ يـأتي مـرةً . لكنـّه

فاق الشهـورَ به على الإطلاق

شهرُ العبـادةِ والتـلاوةِ والتُّقَـى

شهرُ الزكـاةِ، وطيبِ الإنفاق


ما أسرع تعاقب الأيام ومرور الليالي ، وتصرم الشهور والأعوام ، بالأمس قلنا أهلاً رمضان والفرحة تغمرنا ، والسعادة تملأ قلوب المحبين المخبتين ، واليوم ها هو ضيفنا ، هاهو شهرنا ، ها هو حبيبنا قد آذن بالرحيل، بعد أيام معدودة سيرحل رمضانُ ويذهب ليكون حجة وشاهداً لبعضنا، وحجة وشاهداً على بعضنا، نعم حجة وشاهداً لمن صاموا فأحسنوا الصيام، ولمن قاموا فأحسنوا القيام، ولمن بذلوا فأحسنوا العطاء، ولمن عرفوا قدر رمضان فاستغلوا الأوقات، وحجة وشاهداً على أولئك المفرطين، الذين صامت أجسامهم ولم تصم أرواحهم، أولئك الذين لم يكن حظهم من الصيام إلا الجوع والعطش، أولئك الذين زهدوا في الأجر فلم يكترثوا بأبواب الخير المشرعة في رمضان، غلت أيديهم عن الإنفاق فبخلوا، وأغراهم الشيطان -وهو مسلسل- فسهروا على المحرمات، سماعاً ومشاهدة، فاستحقوا دعاء جبريل عليهم بالرغام والإبعاد. (بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له) ( صحيح الترغيب )

فيا من وفقك الله للاستفادة من رمضان بالاستقامة على أمره ونهيه، إن هذه نعمةٌ عظيمة، والنعم تدوم بالشكر، قال الله سبحانه: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } إبراهيم: 7، والشكر الحقيقي هو الشكر العملي، فأدِّ شكر هذه النعمة بعد رمضان، بالمحافظة على استقامتك، أثبت لربك ثم لنفسك أنك صادق في هذه الاستقامة، وأنك إنما تعبد الله قناعة لا عادة، وأنك تعبد رب رمضان، لا رمضان.

لقد تعودنا الصيام في رمضان ، فهل يستمر معنا هذا الصيام بعد خروج رمضان وانقضائه، أم ينقطع بانقطاع رمضان.

إن رب رمضان هو رب شوال ورب شعبان وغيرهما من الشهور، وكما شرع الله تعالى لنا صيام شهر رمضان فرضاً ، فقد شرع لنا صيام بعض الأيام نفلاً وتطوعاً لتقربنا إلى الله تعالى.

ومن صيام التطوع:

أولاً: صيام الست من شوال: وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى صيام الست من شوال كما جاء في الحديث الشريف: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر) رواه مسلم.

ففي هذا الحديث الحث على صيام ست من شهر شوال، وأن من أتبع رمضان بها كتب له أجر من صام الدهر، فالحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام سنة. وما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين عظيم أجر صيامها فحري بكل مسلم أن يعقد العزم على صيامها ويجد ويجتهد في عدم إضاعتها.

أخي المسلم: صيام هذه الست بعد رمضان دليل على شكر الصائم لربه تعالى على توفيقه لصيام رمضان، وزيادة في الخير، كما أن صيامها دليل على حب الطاعات، ورغبة في المواصلة في طريق الصالحات.

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "فأما مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو من فعل من بدل نعمة الله كفراً" ( لطائف المعارف 244 )

ثانياً: صيام ثلاثة أيام من كل شهر:

ومن صيام التطوع صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة رضي الله عنه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر كما قال: "أوصاني خليلي بثلاث ، لا أدعهن حتى أموت : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وصلاة الضحى ، ونوم على وتر" رواه البخاري ، وروي استحباب أن تكون هذه الأيام الثلاثة أيام البيض وهي: اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فمن أمكنه أن يجعل الثلاثة في أيام البيض فهو أفضل وإلا صام في غيرها، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، يعدل صيام سنة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصيام الثلاث من كل شهر يعدل صيام الشهر كله.

ثالثاً: صيام يوم عرفة لغير الحاج:

إن فضل يوم عرفة لا يخفى على مسلم؛ ولأجل ذلك رغب النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه لغير الحاج، فقد ورد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) رواه مسلم. وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.

وليوم عرفة فضائل منها أنه يوم أكمل الله فيه دينه، وهو اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم، وهو يوم أقسم الله به في كتابه الكريم، وهو يوم عيد لأهل الموقف بعرفة، وهو يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة من الله تعالى لملائكته بأهل الموقف.

رابعاً: صيام المحرم، وتأكيد صوم عاشوراء ويوماً قبلها، أو يوماً بعدها:

فعن أبي هريرة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: (صيام شهر الله المحرم) رواه مسلم .وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم ، يوم عاشوراء ، وهذا الشهر ، يعني شهر رمضان ) رواه البخاري .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صام، وأمر الناس بصيامه، فلما فُرض رمضان قال: (من شاء صامه ومن شاء تركه)، متفق عليه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوما -يعني عاشوراء- فقالوا: هذا يوم عظيم وهو يوم نجى الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون فصام موسى شكراً لله فقال: (أنا أولى بموسى منهم). فصامه وأمر بصيامه. رواه البخاري ومسلم

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال: (إذا كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع) قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. وفى لفظ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) يعنى مع يوم عاشوراء.

وهو على ثلاث مراتب: الأولى: صوم ثلاثة أيام: التاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثانية: صوم التاسع، والعاشر، والثالثة، صوم العاشر وحده.

خامساً: صيام أكثر شعبان:

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر شعبان:كما قالت عائشة رضي الله عنها:ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط، إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه في شعبان. رواه مسلم.

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أراك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه ، بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي ، وأنا صائم ) صحيح النسائي . وتخصيص صوم النصف منه ظناً أن له فضيلة على غيرة، مما لم يأت به دليل صحيح.

سادساً: صوم يومي الاثنين، والخميس:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس، قال: فقيل له، قال: (إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس أو كل يوم اثنين وخميس فيغفر الله لكل مسلم أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين فيقول: أخرهما ) رواه أحمد وصححه أحمد شاكر والأرناؤوط ، والألباني في تمام المنة.

وفي صحيح مسلم: أنه سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: (ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل علي فيه).

سابعاً: صيام يوم وإفطار يوم:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار) قلت: بلى: قال: (فلا تفعل، قم ونم، وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإنك عسى أن يطول بك عمر وإن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإن بكل حسنة عشر أمثالها فذلك الدهر كله)، قال: فشددت فشدد علي، فقلت: فإني أطيق غير ذلك قال: (فصم من كل جمعة ثلاثة أيام)، قال: فشددت فشدد علي، قلت: أطيق غير ذلك، قال: (فصم صوم نبي الله داود)، قلت: وما صوم نبي الله داود؟ قال: (نصف الدهر) رواه البخاري



هذه بعض نوافل الصيام، والتي يستحب للمؤمن متابعتها بعد صيام رمضان . و ( من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً ) رواه البخاري ومسلم.

نسأل الله تعالى أن يتقبل صيامنا وقيامنا وسائر أعمالنا، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يوفقنا للصالحات حتى الممات،إنه سميع مجيب.
ا
الرسالة الثلاثون

هاهو رمضان قد فارقنا بعد أن حل ضيفا عزيزا غاليا علينا لمدة 30 يوما ولكن هل تركنا رمضان وهو راض عنا أم رحل وهو يبكي حسرة علينا وعلى أحوالنا ... نسأل الله أن يتقبل منا رمضان كما بلغنا رمضان ووفقنا لصيامه وقيامه وتلاوة القرآن أناء ليله وأطراف نهاره .
( الثبات بعد رمضان )
النقطة الأولى ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ) :-
ماذا تقول لامرأة جلست طوال شهر كامل تصنع ملبسا من الصوف بالمغزل حتى ما ان قرب الغزل من الانتهاء نقضت ما صنعته .
هذا المثل يمثل حال بعضنا فبمجرد إنتهاء شهر رمضان سرعان ما يعود إلى المعاصي والذنوب فهو طوال الشهر في صلاة وصيام وقيام وخشوع وبكاء ودعاء وتضرع وهو بهذا قد أحسن غزل عباداته... لدرجة أن أحدنا يتمنى ان يقيضه الله على تلك الحالة التي هو فيها من كثرة ما يجد من لذة العبادة والطاعة ولكنه ينقض كل هذا الغزل بعد مغرب أخر يوم في رمضان ... والكثير يسأل نفسه لماذا فعلت هذا ويستغرب والإجابة على هذا السؤال توضحه النقطة التالية .

النقطة الثانية ( احذر الشيطان ) :-
عدو يغفل عنه الكثير ولا يعمل له حساب إلا من رحم ربي رغم علمنا بعداوته لنا وماذا يريد منا وكلمة أوجهها لنفسي ولكم اليس عيب ان يتقن الشيطان فن التخطيط وصناعة الاهداف والإصرار عليها ونجهلها نحن.. الشيطان عنده رسالة وهي أن يدخلك النار وعنده أهداف واضحة لتلك الرسالة وهي ان يجعلك تقع في المعاصي والذنوب التي تكون سببا في دخولك النار ونحن ما هي رسالتنا في الحياة ما هي أهدافنا ما واجبنا تجاه ديننا ام اننا نعيش لنأكل ونشرب ونتزوج .
الشيطان حبس عنا شهرا كاملا وهو الآن يخرج ويفك أسره ومازال مصراً على تحقيق هدفه وهو إيقاعك في المعاصي فأول شيء يفعله معك في أول يوم بعد رمضان هو الوقوع في معصية ومعصية ليست سهلة كي تهدم كل ما فعلته في رمضان من طاعات فهل سنكون مستسلمين له ام اننا سنخطط كما يخطط هو ..وهنا نقطة لطيفة أحب أن أشير إليها وهي أن الشيطان له معك خطتان واحدة قبل رمضان والثانية بعده فالتي قبل رمضان تكون في شهر شعبان والثانية تكون في شهر شوال فهو في شهر شعبان يحاول جاهدا أن يجعلك ترتكب اكبر كمية من المعاصي قبل الدخول على رمضان ليأتي الشهر وأنت في معصية كبيرة تؤثر عليك طوال الشهر حتى ما إذا أفقت منها دخل شهر شوال فقابلك بمعصية أخرى وهكذا ولنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة للخلاص من خطة الشيطان هذه فقد نبهنا الرسول الكريم وحثنا على الاهتمام بشهر شعبان فقال ذاك شهر يغفل عنه كثير من الناس وأمرنا بصيام أيام منه لنستعد لرمضان ونتذكر فضل الصوم وتعتاد النفس عليه ونكون في مأمن من خطة الشيطان التي قبل رمضان ثم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصيام أيام من شوال وأعطى حافزا وجائزة لمن صام وهو قوله من صام رمضان ثم اتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ... لما كل هذا يا رسول الله أولا لتثبت على الطاعة ثانيا لتكون في مواجهة خطة الشيطان وخاصة في هذا الشهر من بعد رمضان
سيحاول أن يوقعك في معاصي زنا او مشاكل اسرية او مشاكل مع الاصدقاء او ترك للطاعات ومشاهدة الافلام المهم أي شيء يخرجك من جو الطاعة لتكون صيد سهل له ... لأنه في لحظة خروجه يخرج هائجا مغتاظا فكل ما فعله معك طوال العام وما اوقعك فيه من معاصي قد غفر لك في شهر ( انظر الى الاصرار منه على دخولك النار) فهو يريد ان يضيع عليك ما كسبته من اجر في هذا الشهر في يوم واحد ليثبت لك ان لا فائدة منك وانك مهما كنت طائعا فمن السهل ان تقع في المعصية .
وعلاج هذه النقطة هو الثبات على الطاعة لمدة اسبوع بعد رمضان لتجبر الشيطان على تغيير خطته معك ولتأكد له انك فعلا قد تغيرت للأحسن ولكي نفهم ذلك ننتقل للنقطة الثالثة فهي توضح ذلك .

النقطة الثالثة : إياك وهبوط العزيمة ( خمس أشياء تساعدك على تثبيت مستواك الايماني ) :
من الأشياء التي تسر النظر وتفرح القلب وتشرح الصدر في رمضان منظر المسجد وهو مملوء بالمصلين في الخمس صلوات فعينك تقع إما على راكع أو ساجد او مبتهل بالدعاء وإما قارئ للقرآن .
تجد الكل مملوء بالطاقة والحيوية والعزيمة والنشاط ومع أول أيام العيد يحدث الفتور والكسل والخمول فمنا من يؤخر الصلاة ومنا من يقوم بوضع المصحف في المكتبة لرمضان القادم ( كل دي من خطط الشيطان ) ويترك الدعاء حتى قيام الليل .... اذا ماذا نفعل لنحافظ على هذه الطاقة

هنا يجب ان نتفق على ان نلتزم بخمس أشياء بعد رمضان ولا نفرط فيها بأي حال من الأحوال فمثل ما نأكل ونشرب ونحافظ على الأكل يوميا لتغذية البدن نحافظ ايضا على هذه الخمسة أشياء لتغذية الروح
1) المحافظة على الصلوات الخمس جماعة وخصوصا صلاة الفجر .
فنحن اثبتنا لأنفسنا في رمضان اننا قادرون على اداء صلاة الجماعة في المسجد وقادرون على صلاة الفجر يوميا فلنحافظ بعد رمضان على الصلوات في المسجد قدر استطاعنا فان لم نستطع فلتكن في اول الوقت مع السنن الراتبة في أي مكان انت فيه حاول الا تؤخرها لا تدع فرصة للشيطان اثبت على ذلك لمدة اسبوع .
2) القرآن : لا تكن ممن يقرآن القرآن في رمضان فالقرآن انزل لنتلوه في رمضان وغير رمضان ... انت استطعت ان تقرأ كل يوم جزء او جزئيين أو ثلاث واجتهدت في ذلك وخصصت وقت لذلك من يومك فحاول أن تجعل لنفسك ورد يومي ثابت من القرآن ولو صفحة واحدة يوميا ( اثبت للشيطان أنك فعلا اتغيرت ) .
3) ذكر الله : اجتهد بعد رمضان على ان تحافظ على اذكار الصباح والمساء اذكار النوم ، اذكار الخروج من المنزل، استغل وقت فراعك في العمل أو ذهابك إليه بذكر الله .
4) الصحبه الصالحة : اختر من يعينك على طاعة الله فالمرء على دين خليله والأخلاء بعضهم يومئذ لبعض عدو الا المتقين ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فاختر صاحبا إذا رأى منك معصية حذرك ودلك على طريق الخير ، وكما تريد أنت صديق حسن الخلق فصديقك يريد أيضا صاحب يشد على يديه فانوي الخير في نفسك لتنال ما تريد .
5) الدعاء : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب . أجيب دعوة الداع إذا دعان ) ، (وقال ربكم ادعوني استجب لكم ) ( من لم يسال الله يغضب عليه ) الكثير من الآيات والأحاديث في فضل الدعاء ومكانته فاحرص بعد رمضان على الدعاء ، أم ليس لك عند الله حاجة بعد رمضان فكلنا فقراء إلى الله وهو الغني الحميد فخصص وقتا للدعاء يوميا ولو لدقيقتين بعد أي صلاة أو اجعله في أخر يومك المهم أن لا يمر يوم دون أن تدعي واسأل الله أن يثبتك على الطاعة .
كما لا تحرم نفسك أيضا من قيام الليل ولو يوم واحد في الأسبوع ولمعرفة فضل قيام الليل وأثره طالع احد الكتب أو قم بزيارة أي المواقع الإسلامية وابحث عن فضل قيام الليل ،والصوم أيضا فهناك صيام الاثنين والخميس والأيام البيض من كل شهر هجري ، اختر لنفسك ما تستطيع فعله من الطاعات المهم أن تحدث تغييرا في حياتك بعد رمضان إلى الأحسن وانتصر على نفسك وشيطانك

النقطة الرابعة ( كيف تعرف هل قبل منا رمضان أم لا ) :
أولا لا تغتر بعبادتك ولا تقل لقد صمت رمضان كاملا بل احمد الله أن وفقك وبلغك شهر رمضان شهر الخير والإحسان واحمده أن وفقك أيضا لصيامه وقيامه فكم من محروم وممنوع واستغفر الله فتلك عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كل طاعة.... الاستغفار .
ويقول سيدنا على كان أصحاب النبي يعملون العمل بهمة ثم إذا فرغوا أصابهم الهم أقبل العمل أم لا
ولكن ما نعنيه في هذه النقطة هي مبشرات وضحها لنا القرآن وبينها لنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم ففي كتاب الله قوله تعالى ( يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) إذا فالهدف من الصوم هو التقوى فإذا تحققت فيك التقوى مع نهاية الشهر فقد قبل منك رمضان بفضل الله وبين لنا الحبيب أن من علامات قبول الطاعة أن تتبعها طاعة لا أن تتبعها معصية
نحن لا نطلب أن نكون بعد رمضان كما كنا في رمضان فهذا شيء صعب فأيام رمضان لها ميزة خاصة وقدرة خاصة وطاقة خاصة ولكن نأخذ من هذه الطاقة والقدرة ما يعيننا على الثبات بعد رمضان فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل وهنا تتضح الحكمة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ) والحكمة أن تثبت على الطاعة وتأكيد على الاستمرار في فعل الخيرات وبان رب رمضان هو رب كل الشهور.

النقطة الخامسة ( رمضان نقطة بداية وليس نقطة نهاية )
شهر رمضان فرصة للتغيير ، فرصه لكسب المزيد من المهارات ، ففي رمضان نتعلم كيف ننظم الوقت نأكل في موعد محدد ونمسك عن الطعام في وقت محدد ، وتتعلم منه أيضا فن الاتزان فنحن في رمضان نوازن بين غذاء الروح وغذاء البدن ففي بقية شهور السنة نركز على غذاء البدن ونهمل غذاء الروح فيحدث الكسل والفتور وعدم المقدرة على العبادة أما في رمضان فيزيد تركيزنا على غذاء الروح مثل الذكر قيام الليل القرآن فتنشط الروح وإذا نشطت الروح أصبح الجسد قادرا على الطاعة والزيادة فيها ، ونتعلم من رمضان أيضا الصبر والمسامحة والإيثار فكثيرا ما كنت أجد على مائدة الإفطار أخوة لي قبل أن يأكل أحدهم تمرته ينظر إلى من بجانبه فأن لم يجد أمامه تمرا آثره على نفسه والكثير من الأخلاق ، فلماذا بعد رمضان نترك كل هذا بعد أن تعودنا عليه وعندي مثال لرجل يمتلك سيارة قام بإدخالها إلى مركز الصيانة لعمل صيانة لها وإصلاح ما فسد فيها ثم بعد أن تمت عملية الصيانة اللازمة لها وتزويدها بالبنزين أوقف السيارة ولم يستعملها ... فهل هذا معقول بعد أن أصبحت السيارة قادرة على السيرة بسرعة وبقوة يتركها .
فهذا الحال يحدث بعد رمضان فبعد أن يتم شحن بطاريات الإيمان فينا ونصبح قادرين على المضي في طريق الهداية والإيمان نتوقف ونهمل أنفسنا نتصالح مع الشيطان ونركز على البدن في الغذاء لا على الروح والبدن معا .
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك
اللهم ما تقبل هذا العمل واجعله خالصا لوجهك الكريم وتقبل منا رمضان واعنا على الطاعة بعده
وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
كل عام وانتم بخير
وتقبل الله طاعاتكم واعاده عليكم بالخير والبركة
اسال الله ان اكون وفقت فيما قدمته لكم
الرسائل كانت تجميع من عدة مصادر
X