[BACKGROUND="70 #FFCCFF"]قصيدة -تُريد ليَ الأيام أن أتقيّد -للشاعر الكبير معروف الرصافي
تُريد ليَ الأيام أن أتقيّد*****وأطلُب فيها أن أكون المُجِّددا
وتقعد بي دون المدى في خطوبها*****وغاية همّ النفس أن أبلغ المدى
كفى بصريح العقل قيداً لمطلَق*****من الناس يَبغي أن يكون مقيَّدا
لعمر الهدى أن النُهى ليس من صُوىً*****سواها لمن ضلّوا الطريق إلى الهدى
فما بال هذا العقل أمسى معطَّلاً*****لدينا كأن الله أوجده سُدى
أيُخلقنا كرّ الجديدَيْن ضِلّةً*****ولم نتقمّص فيهما ما تِجدّدا
فيا مُنجِدي فيما أريد من العلا*****ولولا العلا لم أطلُب الدهرَ منجدا
أعنّي على ما لو تحقَّق كونُه*****لما كان لي بل للأناسِيّ مُسعدا
تَجهّز من الحُسنى بما أنت قادر*****عليه ولا تَقبل سوى العقل مُرشدا
وأحسِن إلى من قد أساء تكرُّماً*****وإن زاد بالإحسان منك تمرُّدا
وحِبَّ الذي عاداك ان رمت قتله*****فإني رأيت الحبّ أقتل للعدى
فليس مُضرّاً بالعلا في الذي أرى*****على كلّ حال أن تحبّ من اعتدى
إذا دُفِع الشرُّ القبيحُ بمثله*****تَحصَّل شرّ ثالث وتَوَلَّدا
وأمست دواعي الشرّ ذات تسَلسُل*****مَديد وصار الشرّ في الناس سرمدا
فما الرأيُ عندي أن تمّحضت الوغى*****سوى أن يَظَلَّ السيف في الغِمْد مُغمَدا
وأن تُجمِع الدنيا على ردّ طامع*****أشار إلى أسيافه مُتَهدِّدا
فإن كان هذا في العصور التي خَلَت*****عسيراً ففي هذا الزمان تمهّدا
فإنّ جميع الأرض أمست كبلدة*****بها كل جمع عُدَّ في الحكم مفردا
ولي خُلُق يأبى عليّ انطباعه*****على الخير تسليمي إلى الشرّ مِقْوَدا
واضرب عن جهل الجهول ولم أكُنْ*****لأضرب في الأيام للغدر موعدا
إذا أيقظتني للعِداء اعتداءة*****شربت لها من خالصِ العَفوِ مُرْقِدا
وتكرهُ نفسي كل عبد مُذَلَّل*****فقد كرِهت حتى الطريق المُعبَّدا
إذا ما اتَّقَت نفس رداها بذِلّة*****فعنديَ نفس تتّقي الذُلّ بالردى
ولو طلَبت نفسي الغنى بامتهانها*****لأصبحتُ في المثرين أطولهم يدا
ولكنّني آليتُ أن لا أذيقَها*****من العيش إلاّ ما استُطِيب وحُمّدا
سجَّية نفس لم أحُل عن عهودها*****وأن لامني الأعمى عليها وفنّدا
وما ضرّني إذ عضّني مُتشادق*****شَحا بفم قد كان في العضّ أدردا
ولي وطن أفنَيْت عمري بحبّه*****وشتَّتُّ شملي في هواه مُبدّدا
ولم أر لي شيئاً عليه وإنما*****عليّ له في الحبّ أن أتشدّدا
تعلَّقته منذ الصبا مُغرَماً كما*****تعلّق ليلى العامريُّ مُعَمَّدا
وسَيَّرت فيه الشعر فخراً فطالما*****شدوت به في مَحفِل القوم منشدا
وكم رام اسكاتي أناس أبى لهم*****خَنى الطبع إلاّ أن يروا لي حُسّدا
ومن عجب أن يَعشَقَ الروض بلبل*****ويمنعه ذِبّانه أن يُغرِّدا
وما الناس إلاّ اثنان في الشرق كلِّه*****جهول تَلَهّى أو حليم تَبَلَّدا
ولم أر مثل الفضل في الشرق مُخفِقاً*****ولا مثل جدّ المرء للمرء مُسعدا
تأمَّل قليلاً في بَنيه مفكّراً*****لتَشهد منهم للعجائب مَشهدا
فتُبصِرَ أيقاظاً يُطيعون هُجَّداً*****وتبصرَ أحراراً يخافون أعُبدا
وكم فأرة في الشرق تُحسَب هرّة*****وكم عَقعَق في الشرق سُميَ هدهدا
ألا ربّ شاك قال لي وهو آسف*****أما آن للتهذيب أن يتبغددا
فقلت له أبْشِر بخير فإنه*****ببغداد للتهذيب اسس منتدى
*****
المصدر:
- بوابة الشعراء - بوابتك إلى عالم الشعر - Poetsgate
[/BACKGROUND]
تُريد ليَ الأيام أن أتقيّد*****وأطلُب فيها أن أكون المُجِّددا
وتقعد بي دون المدى في خطوبها*****وغاية همّ النفس أن أبلغ المدى
كفى بصريح العقل قيداً لمطلَق*****من الناس يَبغي أن يكون مقيَّدا
لعمر الهدى أن النُهى ليس من صُوىً*****سواها لمن ضلّوا الطريق إلى الهدى
فما بال هذا العقل أمسى معطَّلاً*****لدينا كأن الله أوجده سُدى
أيُخلقنا كرّ الجديدَيْن ضِلّةً*****ولم نتقمّص فيهما ما تِجدّدا
فيا مُنجِدي فيما أريد من العلا*****ولولا العلا لم أطلُب الدهرَ منجدا
أعنّي على ما لو تحقَّق كونُه*****لما كان لي بل للأناسِيّ مُسعدا
تَجهّز من الحُسنى بما أنت قادر*****عليه ولا تَقبل سوى العقل مُرشدا
وأحسِن إلى من قد أساء تكرُّماً*****وإن زاد بالإحسان منك تمرُّدا
وحِبَّ الذي عاداك ان رمت قتله*****فإني رأيت الحبّ أقتل للعدى
فليس مُضرّاً بالعلا في الذي أرى*****على كلّ حال أن تحبّ من اعتدى
إذا دُفِع الشرُّ القبيحُ بمثله*****تَحصَّل شرّ ثالث وتَوَلَّدا
وأمست دواعي الشرّ ذات تسَلسُل*****مَديد وصار الشرّ في الناس سرمدا
فما الرأيُ عندي أن تمّحضت الوغى*****سوى أن يَظَلَّ السيف في الغِمْد مُغمَدا
وأن تُجمِع الدنيا على ردّ طامع*****أشار إلى أسيافه مُتَهدِّدا
فإن كان هذا في العصور التي خَلَت*****عسيراً ففي هذا الزمان تمهّدا
فإنّ جميع الأرض أمست كبلدة*****بها كل جمع عُدَّ في الحكم مفردا
ولي خُلُق يأبى عليّ انطباعه*****على الخير تسليمي إلى الشرّ مِقْوَدا
واضرب عن جهل الجهول ولم أكُنْ*****لأضرب في الأيام للغدر موعدا
إذا أيقظتني للعِداء اعتداءة*****شربت لها من خالصِ العَفوِ مُرْقِدا
وتكرهُ نفسي كل عبد مُذَلَّل*****فقد كرِهت حتى الطريق المُعبَّدا
إذا ما اتَّقَت نفس رداها بذِلّة*****فعنديَ نفس تتّقي الذُلّ بالردى
ولو طلَبت نفسي الغنى بامتهانها*****لأصبحتُ في المثرين أطولهم يدا
ولكنّني آليتُ أن لا أذيقَها*****من العيش إلاّ ما استُطِيب وحُمّدا
سجَّية نفس لم أحُل عن عهودها*****وأن لامني الأعمى عليها وفنّدا
وما ضرّني إذ عضّني مُتشادق*****شَحا بفم قد كان في العضّ أدردا
ولي وطن أفنَيْت عمري بحبّه*****وشتَّتُّ شملي في هواه مُبدّدا
ولم أر لي شيئاً عليه وإنما*****عليّ له في الحبّ أن أتشدّدا
تعلَّقته منذ الصبا مُغرَماً كما*****تعلّق ليلى العامريُّ مُعَمَّدا
وسَيَّرت فيه الشعر فخراً فطالما*****شدوت به في مَحفِل القوم منشدا
وكم رام اسكاتي أناس أبى لهم*****خَنى الطبع إلاّ أن يروا لي حُسّدا
ومن عجب أن يَعشَقَ الروض بلبل*****ويمنعه ذِبّانه أن يُغرِّدا
وما الناس إلاّ اثنان في الشرق كلِّه*****جهول تَلَهّى أو حليم تَبَلَّدا
ولم أر مثل الفضل في الشرق مُخفِقاً*****ولا مثل جدّ المرء للمرء مُسعدا
تأمَّل قليلاً في بَنيه مفكّراً*****لتَشهد منهم للعجائب مَشهدا
فتُبصِرَ أيقاظاً يُطيعون هُجَّداً*****وتبصرَ أحراراً يخافون أعُبدا
وكم فأرة في الشرق تُحسَب هرّة*****وكم عَقعَق في الشرق سُميَ هدهدا
ألا ربّ شاك قال لي وهو آسف*****أما آن للتهذيب أن يتبغددا
فقلت له أبْشِر بخير فإنه*****ببغداد للتهذيب اسس منتدى
*****
المصدر:
- بوابة الشعراء - بوابتك إلى عالم الشعر - Poetsgate
[/BACKGROUND]