الشاعرة / غادة السمان

Anfas Elfajer 17-06-2012 291 رد 63,088 مشاهدة
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



"مناضل زواريب"
__________




لك عدو واحد،
تخترع له عشرات الأسماء الحركية
واسمه: الحرية...
لقد نجحت في شيء واحد: تزوير اسمك الذي كان أنبل ما
في حياتنا، فصار يدعو إلى الريبة كجاسوس مزدوج.
دوماً تشيّد حريتي ضريحاً لحبي وتشيّعه إلى مثواه الأخير في
مقبرة النسيان.
فالحرية لا تحب تجّار هيكلها.


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



الشامية الجارحة المجروحة
__________________



أين تلك الامسيات المتقشفة اللطيفة في ساحة النجمة
الدمشقية،
حين كان القلب يجنّ فرحاً لطلوع القمر، وهبوب رائحة
الياسمين على الشرفة، وأصوات الليل الشامي المجنون هوى بما
لا يدريه؟
أين ذلك الصدى
الذي كان أعلى من كل الأصوات،
وتلك الظلال الأكثر حقيقة من كل الأجساد؟
أين تلك الأوهام الغابرة الأكثر كثافة من أي صدق؟
وأين تلك الرعشات التي تولد من اللاشيء لتصير كل شيء؟
وأين تلك البنت الطيبة التي لم تكن تحلم بأكثر من حبيب
اسمه الاستقرار، ومنحها القدر كل شيء باستثنائه؟
أين تلك الصبية التي لم تكن لتذوب في النوم إلا لتتجسد في
أحلامها حقيقة خرافية؟
أين تلك البنت الضالة التي لم تضيّع يوماً نجم قطبها ولم
تتقن يوماً فن التلاشي ولا فن الاستقرار فتحولت إلى مركب يهيم
على أبواب القارات؟
أين تلك العاشقة البسيطة التي تنشد المطلق في كل رجل،
حتى دمرت رجالها بشهوة الكمال المستحيل؟
أين ذلك الصوت الذي بدأ صراخه داخل أذن الحبيب
المجهول، ثم صار يصرخ في البرية بين الماء والماء على طول
أربع قارات وعمقها؟
ثمة لحظات نادرة في بيروت...
على شاطئ البحر الساكن المسائي،
ألمح فيها وجهها حين أحدّق في المياه الأزلية...
أيتها البنت الشامية الجارحة المجروحة، أما زلت تذكرينني
كما أذكرك؟
عيد سعيد أيتها القاتلة القتيلة!


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



من لبنان وإلى لبنان
_____________



أطير إليك من مدن الضباب الرمادية مثخنة بجراحي، وما
أكاد أعمّد جسدي في ماء بحرك حتى أشفى وأعود مهرة صبيّة
بوسعها أن تركض قروناً أخرى فوق سهوب الورق الأبيض...
معك يا لبنان أنسى أنني محكومة بالموت ككل الناس، ففي
ينابيع جبالك ماء الخلود والشباب الدائم...
معك أنسى أن العشب سينمو ذات يوم داخل قفصي الصدري
الهشّ الذي يخفق الآن بحبك...
معك أنسى أنه لن يتبقى من أصابعي التي تسطّر لك رسائل
الحب سوى سلاميات عارية يركض عليها النمل، ويتخللها ماء
المطر البارد في ليل مقبرة باريسية.
معك أتحوّل من امرأة إلى غيمة.
لم أكن أدري أن لي أنا أيضاً دموع فرح، إلا بعدما وطئت
مطارك بعد سبعة قرون من الفراق أو سبع ثوانٍ، ويزعم جواز
سفري أنها سبعة أعوام...
كنت اظن الشموع وحدها تبكي ليلاً، حتى وعيت معنى
فراقك... فماذا أهديك في العيد؟
أهديك غابات لم تستبدل أشجارها بغابات أسمنت...
وشوارع نظيفة من "الثورجية" ومجانين "الكلاشنكوفات الزواريبية
الوطنجية".
أهديك رجالاً يفعلون ما يقولون بعيداً عن أقنعة الكرنفالات
السياسية وتانغو الأهواء: خطوة إلى الأمام وقرناً إلى الوراء...
رجالاً يتحدثون عن الوفاق بلا وفاق.
أهديك نساء بلا خوف من الكمامة والسياط وبلا ضعف أمام
الطواويس الشهريارية؛ نساء يطالبن بحق الخطأ لا الخطيئة...
أهديك بيوتاً لم يسمع قرميدها أنين سجين، ومدارسَ لم
تتحوّل إلى ثكنات حربية. حدائق بلا ألغام، يقهقه بين أزهارها
الأطفال ولا يلعبون بالجماجم... وبيوت عبادة لا ترفع
الصلوات لغير الخالق العظيم وبلا ناطقين رسميين باسمه، وأفراناً
لم تصبح متاريس عداء تبيع الخبز المسموم.
أهديك مقاهي أدباء لها جدران بلا آذان. مجالس حوار لا
ديك "أوحداً" فيها ولا بطل فكرياً ملهماً.
أهديك عشاقاً لشاطئ الكورنيش يخبئون في أعينهم النجوم
وهم يتجرعون القهوة، في جيوبهم تطير الفراشات الملونة كما
في فضاء، وأقفاصهم الصدرية مليئة بعصافير تغرد ألحاناً نقلها
موزار في سرقات فنية باهرة.
أهديك الشواطئ المقمرة بلا مهربي مخدرات، ومطارات
بلا خاطفين.
أهديك في العيد راحة البال بدلاً من المال، أهديك النسيان
والصحو في آن، وأتمنى لو أهديك أثمن ما في الكون:
الحرية... الحرية... الحرية.
ولكن الحرية وحدها ترفض تعليبها وصرّها بالشرائط الحريرية
الملونة وإهداءها.
الحرية لا تُعطى ، وعليها أن تنبت على رمال شواطئك
وجبالك ووديانك... فهل سترعاها؟
وما الذي ستهديه لعشاقك مثلي؟
رصاصة؟


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]




أبدية الصعود
________


طوال سنوات فراقنا يا دمشق،
كنت أذهب إلى النوم متشوقة وخائفة في آن، كما تذهب
العاشقة للقاء حبيبها الأول.
أتعذب ريثما أتجاوز مخاض الصحو وحواجز الأرق، ثم
أنزلق إلى بئر السبات وأنا أعرف أنكِ تنتظرينني على الشاطئ
الآخر للصحو... لأضع عند قدميك عقداً من الياسمين،
مقطوفاً من البراري الوعرة لقلبي...
لقد كنت دائماً مجنونة غير مؤذية...
أحببت رجالاً لم يلتفتوا إليّ...
ركضت خلف قطارات أجهل إلى أين تمضي...
عشقت مدناً أجهل لغة أهلها...
صادقت ديكة تعلن لصباحات لا تطلع...
اقترفت كمية لائقة من الحماقات...
لكنني احتفظت بياسمينك في قلبي نقياً ونضراً...
وحين وصلت إلى قمة عشقي لك،
تابعت الصعود!


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



أبدية بلا نهاية
_________



قصف ... قصف ...
هات قطناً وكحولاً طبية وشاشاً ،
هات جبيرة ،
لنلفّ بها ساق الشرفة البحرية المكسورة.
هات تعويذة ،
نرد بها غضب الأسلاف والأجداد .
هات إبرة وخيطاً ،
لنرتق جرح القلب والكبرياء .
وحكِّم "مكمورة" الأطفال و "القجة"،
لنستخرج منهما جزيرة الحلم ،
ونهرب إلى أفيون ذكريات الآتي ...
لقد اصطفى الحزن هذه المدينة ، و صوّت لها الموت
بالإجماع...
ها نحن نرتعش ذعراً داخل أكياس الرمل، والقصف يزلزل
عظامنا...
يفخّخ جماجمنا من الداخل ثم يفجّرها...
نحلم بملمس العشب البرّي على الشاطئ...
نعلن بكبرياء الندم: أولئك الذين كتبناهم بالمحبة كرسائل
العشّاق المراهقين ، خرجوا من أحلامنا جلادين .. .
وها هم يعربدون في ثقوب قلوبنا،
يتّخذون من صماماتها متاريس لعبهم ...
لقد غدروا بنا يا صديقي...
حبلنا منهم بالأحلام الكاذبة، فولدنا الفقاعات والرماد...
تعثّرنا بقلوبنا.. ولكنني أقسم بدمك - ذاك الذي يسيل
بهدوء حتى البالوعة - وأقسم برأسك المقطوع العائم في سواد
الملجأ بلا جسد: لن نستسلم لكرنفال غسيل الذاكرة...
***
قصف... قصف...
وأنا تعبتُ من نظراتٍ غامضة...
تتهدد بالشرّ والوعيد كالأزقة الخلفية المعتمة...
تعبتُ من وطن يسلبني حق التصويت...
يمنحني فقط "حق الذبح": أن أكون ذبيحة!
لي أن أختار بين أن أكون ذبيحة أو أنضم إلى فريق
الجزّارين...
أنا لا أريد أن أَقتل ولا أن أُقتل...
أريد أن أحيا تحت سماء صافية حتى من غيومها، بعيداً عن
هباب البارود فوق البراعم...
هل تذكر يا صيديقي أيام كان رجال شرطة السير يحررون بك
مخالفة بدلاً من مسلحين غامضين، يعتبرون حياتك "مخالفة" لا
تُغتفر... ويسوقونك إلى الذلّ الإجباري كل ليلة؟
هل تذكر مرحنا في شوارع مضاءة لم يكن اسمها "نقاط
تماس" ؟
وكيف كنا نتدفق إلى البحر في شواطئ لم تكن "مواقع
استراتيجية"؟ وكيف كنا نصافح جارنا ونسأله عن صحته بدلاً من
دينه وملّته وطائفته وأمير حربه وذخيرته؟
كيف تركناهم يسرقون منا أحلامنا ، وأكبادنا، ليشحّموا بها
أسلحتهم وجنازير دباباتهم ؟
كيف رضينا باستبدال رمال الشواطئ بأكياس الرمل في
الملاجئ ؟
كيف تركناهم يقصّون زيتوننا العتيق ويبيعوننا إياه كوماً من
التوابيت بدلاً من سرير عرس؟
كيف لزَّمناهم مزايدة "العدالة الاجتماعية" ، فأسلمونا للحزن
بين القصف والمجاعة؟
هل تتذكر أيام كان الفرح نضراً كخسّة وبريئاً كالكرز، وكنا
نريده أن يعمّ الجميع وصدّقناهم؟
هل تتذكر أيام كان المشي في الشوارع لا يُعتبر تهمة زنا مع
الفرح والحرية؟
هل تذكر كيف كان الأطفال يذهبون إلى المدارس دون أن
ترافقهم "مارشات" القذائف هدية من "ماريشالات" الدمار؟
حذار من الذاكرة مرة،
وحذار من النسيان ألف مرة...
***
قصف...قصف...
ولكنني لن أنسى كيف احتضنتني بيوت القرميد في تلك
التلال والشواطئ...
لن أنسى كيف سندتني جبال الصوان واحتواني كفّ البحر
المشمس...
لن أنسى كيف انفتحت لي الحقول والقلوب ككتاب، وحنت
السراخس وأعشاب الليل على جرحي...
لن أنسى كيف أحاط بي دفء الطيبين واحتوى أبجديتي
كالرحم، وكنت متوحشة كنبع ارتوازي، وبريئة كنبع لا يد له في
تدفقه...
لبنان، الكلمات إطارات نجاة مثقوبة في بحار حبك
المضطربة... فماذا أقول وأنا سمكة كان بحر بيروت لها محبرة
حرية؟
***
من ينسج هذا الحنين إليك في حنايا روحي أيها البعدي القريب؟
لم أعدْ أعرف، هل أشتاقك، أم أحب نفسي كما كانت في
زمانك؟!
أأحنّ إليك، أم إلى وطن عشناه معا وكان إمكانية تعايش
عادل بين الطوائف... خطوة نحو المحبة أي حضارة إنسانية؟!
أما زلتُ أحبك حقاً ، أم أحبُ عبرك ذلك الحلم ، وتلك
الساعات الهاربة إلى المستحيل؟
قصف...قصف... تسعل الجبال ناراً وتبصق حمماً...
وترتجف جدران قلوبنا وتتهدم قبل ولوج الملجأ...
الذين صدّقناهم حين اقتطعوا لحمنا وقالوا قضيّة، جعلوا منا
مطيّة...
***
قصف... قصف...
فمن يعلّمني، كيف أزغرد في عرس قاتلي؟
وكيف أجفف بإسفنج الخوف،
دم المذابح، وأتغزل بالسكاكين المحدقة بي؟
من يعلّمني،
كيف أرحِّب بالمشانق في الديار، وأصفّق لقرار نفي
الأشجار؟
فلتسطعْ شمس الصدق المميتة فوق الحريق، ولتشهدْ على
روح تنصهر عشقاً لبردى وشط العرب والبحر الأحمر والأبيض
والنيل والبردوني من محيط القلق حتى محيط الظلمات..ز
ولتظل اللغة خادمة لإله الصدق لا لأرباب الحرب ودماها
وأُمراء الخراب...
***
أربعة عشر عاماً ولم يخجلوا... وهم يجلسون تحت
القرميد ويتشاجرون على حكم البيت بحجة إصلاحه.. وما
زال الشجار مستمراً رغم أن البيت تداعى بأكمله واحترق ولم يبقَ
ثمة ما يقتسمونه غير جمهورية الحزن والرماد والجثث التي ماتت
ولكنها لا تزال تركض بين الملجأ والمستشفى والمقبرة كالدمى
المتحركة...
أحفاد لعنة أوديب العربي، أولئك الحمقى الذين يتعاقبون
على قتل أبيهم منذ أربعة عشر عاماً، ما الذي سيفعلونه الآن وهو
يلفظ أنفاسه بين أيديهم الملوّثة بدمه؟
تباركت الذاكرة العنيدة كحمار:
أذكر أننا كنا ننادي في شوارع بيروت بفلسطين والحرية
والعروبة،
فصرنا لا ننادي اليوم بغير اللقمة والاستحمام والنوم ووقف
القصف... هكذا تقضي المؤامرة الشاسعة...
***
قصف...قصف...
أيها الهواء الذي يختنق مثلي، ساعدني...
أيتها النوافذ التي تتحطم فوق رأسي، ساعديني...
أيتها المرأة التي تلفظ أنفاسها عند عتبة الملجأ وتبدو لا مبالية
بشيء، ساعديني... كي أرضى بأن أموت مثلك ضحيةٌ، بلا
قضيّة، مجرد مطيّة...
قصف... قصف... وأنا في الملجأ أتظاهر بالنوم كي لا
يسألني أحد عن الساعة فأنفجر باكية...
أتابع سقوطي في تلك البئر كالريشة وأتأمل في الوقت ذاته
ارتطامي بالجدران...
قصف... قصف... متى ينجزون تدمير المدينة ويدعوننا
وشأننا؟
متى ينجزون سلخ جلدنا، واستئصال حناجرنا، وغسيل
ذاكرتنا كي نستعيد دمنا المختبئ في الخوابي، ونغادر علب
المعلّبات المعدنية التي انغلقت علينا منذ أربعة عشر عاماً؟
متى يترجّل البكاء عن أحصنة الارتجاف الأخرس وينام بسلام
على وسائد التنهُّد؟
قصف على الذاكرة... قصف... وكلنا مطيّة، فماذا كانت
القضية؟
______
3/8/ 1989


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



الأبدية لحظة صدق
_____________



- أيتها المرأة الحزينة،
ما الذي تفعلينه منتصف ليل السنة الجديدة؟
- أحمل المثقاب الكهربائي، واغرسه في الجدار،
أصنع ثقباً صغيراً لتعليق خارطة وطني على مسمار،
وبعدها أغرس المثقاب في ظلام الليل الصلد
حتى أثقبه ، فقد ألمح ضوءاً في الطرف الآخر...
- أيتها المرأة الحزينة، أما زلتِ تحبينني؟
- هذا العمر كله لا يكفيني لأقول كم أحبك ...
إنه أقصر من أن يتسع للرحلة معك
وأطول من أن نقضيه في الفراق...
- أيتها المرأة الحزينة، لماذا إذن هجرتني؟
- لأنك طالما اعتبرت تقديسي للحرية
مرضاً بحاجة إلى علاج...
ولأنك وضعت لنفسك هدفاً ثابتاً:
إن تبدّلني كي تحبني...
كنتَ تحب امرأة أخرى وهمية، وتحاول حشري في قالبها،
ماسحاً ملامحي النفسية بممحاة حبي لك...
***
- أيتها المرأة الحزينة، أراضية أنت الآن بحريتك؟
- من الذي سجن روحي في هذا الجسد المهترئ؟
لو استطعت أن أختار جسداً،
لاخترت جسد الأمواج الحرة،
التي تهرول كما يحلو لها في وضح الليل،
على رمل قارات الأسرار وتنحت مغاورها معلنة حقيقتها...
- أيتها المرأة الحزينة ، ألا هاجس لكِ غير الحرية؟
- وكل شيء يحاول سجني!...
حتى السطور على ورقتي البيضاء
التي أخط عليها الآن هذه الكلمات،
تبدو لي كقضبان السجن...
لهذا أحب الكتابة،
بين السطور وخلف الورقة على الريح...
- أيتها المرأة الحزينة، هل تعرفين نفسك؟
- أحدق في المرآة ، وأرى صورتي غريبة عني،
فأسألها: من أنتِ أيتها البومة؟
من هو ليلك؟ أي الرياح رياحك؟
أي الأوطان وطنك؟
لا تجيب...
لكنها تفتح باب المرآة، ولا تقول شيئا...
وتطير بعيداً...
***
- أيتها المرأة الحزينة، ما الذي تبقّى من حبنا!
- لم يبق من الدورة الدموية لحبنا،
غير الحبر في قلمي...
وها أنا أعيد صياغة حرائقنا، وأمزجتنا الموسمية،
وأبني قصور الأبجدية من رمادنا...
- دعينا نحاول من جديد...
- أعذرني.. ليس لي صبر الأمواج
لأقرع باب شطآنك دهوراً من الذل...
لي حرية الأمواج وفضولها...
وكالعصفور أمضي خلف الغصن المستحيل،
المرتسم داخل بحيرات الدهشة...
وكالعصفور، لا أحطّ على شرفتك إلا لأطير...
***
- أيتها المرأة الحزينة سعيدة أنت في باريس؟
- جيوب الغربة،
مليئة بالسكاكر الشهية والبالونات الملونة،
والمناديل الحريرية، والأرانب البيض،
ولكنها لا تصلح رشوة لمشردة مشاكسة مثلي،
محصّنة بشوقها إلى الوطن،
رافضة لقارئة الكف ونقر الدف...
- وبيروت؟
- حين أكتب عنها يصير الفضاء لحظة تنّهد...
بيروت؟ آه كيف يمشي البكاء في الشوارع...
والحزن مكواة تركض فوق الملامح،
وتمسح عنها التعابير الآدمية، كالابتسامة
والشوق واللهفة والحلم،
وتبدو وجوهنا جميعاً،
مثل قميص أبيض خاو في مصح عقلي،
خرج للتو من الغرفة المطاطية للقمع
بعدما استجوبه الجنون طويلاً...
في ليالي الانتحاب الأخرس.
***
- أيتها المرأة الحزينة، كيف ترين ما كان بيننا؟
- أحاول أن أتذكر التفاصيل، وأفشل،
قأقوم باختراع ماض جميل لنا خارج تناقضاتنا...
كيف أطيق أيامي بدونك وأخطو في نفق غدي
إذا لم أخترع لنا زمناً يليق بأسطورتنا؟
وثمة لحظات أرى فيها ما كان حقاً
في ومضة صدق مختزلة... فيدمع قلبي.
- وماذا ترين؟
- التقينا. حملتني. سوّرت أحد حقولك وزرعتني فيه
فزّاعة طيور تحت الثلج، ونسيتني شتاءات طويلة،
ثم سألتني ليلة رأس السنة: لماذا أنت شاحبة هكذا؟!
_______
منتصف ليل 1989 / 1990


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



حبك "كادوك"
________



أحببتك ذات يوم، طائر برق لم ينحن لغير الوردة، فكيف
آلفك اليوم، وأنت ترتع في سلاسلك الذهبية، وقفازاتك البيضاء
وخطبك الحماسية (الطبلية) المخاتلة، وتكتب خنوعك بأظافر
مطلية بالشعارات؟
كيف تركتَهم يسرقون من جناحيك الأفق والمدى والريح
والحلم ولا يتركون لك غير منقار للأكل والثرثرة؟
وكيف تركتُك زمناً طويلاً تعبث بمجاهلي. تضرم النيران في
شعري وأواراقي وشوارعي ومدني،
ولا أقول لك إلا سلمت يدك وأنت تعربد في دورتي الدموية
بجزمتك الحربية وتدمغ حروفي ببصمتك الصوتية؟...
مثل قرصان أرعن أحاول عبثاً مهاجمة سفن الماضي...
ونهب ذكرياتنا لأصدق أن ما كان قد كان حقاً...
فكيف أتعلّم اليوم حرفة التخلّي،
وأدع سفن الماضي تبحر بسلام في مياه اللامبالاة،
وأفهم أن الجدار الشفاف بين ما كان وما صار، مجرّة فراق؟
وكيف أقول لك بلا غصّات:
ما دام كل ما كان بيننا "كادوك"،
إذن حبك "كادوك"!
***
تذهب العاشقة إلى شواطئ المساء،
وحيدة مع أبجديتها، بلا متفرجين ولا مصفّقين...
هاربة بصوتها من مهرجان الضفادع البشرية وبطولات النقيق،
بلا أوسمة غير جرحها...
قليل من الصفاء، بعيداً عن مجالس الرياء،
ينعش الفؤاد الثري بالسكتات القلبية المتلاحقة...
فحزنها ليس أسهماً في بورصة النفاق...
ولن تبيع جرحها مقابل فضة الثرثرة.
تذهب العاشقة وحيدة إلى الذاكرة،
تستحيل دودة قز، تحيك خيوط النسيان الحريرية، وتتأمل
الشريط السينمائي للماضي بصمت داخل شرنقتها ثم تثقبها لتطير
من جديد مدجّجة بخيبتها الجديدة...
تشرع جناحيها وقد شبّت فيها النيران، وتحلّق بعدنا تعمدت
بالدم واللهب والخديعة، على طول جولات من القهر
المرفوض...
تكتشف رئتاها فرحة الأوكسجين خارج حجرات المؤامرات
الصغيرة والكبيرة، وهي تنتحب طيراناً وتعلن لنفسها: حبك
"كادوك".
***
عبثاً تخرّب بوصلتي الداخلية،
عبثاً تزرع في حقولي أشجار الحسّ بالذنب أو الحيرة.
ذات ربيع، أحببتك بجنون رائحة زهر الليمون في ليل
الشواطئ والمذابح.
تمنيت أن نواجه - متكاتفين - المسننات المعدنية الجبارة التي
تحاول أن تطحننا معاً.
ولكنك حاولت اغتيال عنفواني، وصار حبي لك يعني الإِصابة
بعمى الألوان، والتحوّل إلى دمية مطاطية تقول "سمعاً وطاعة"...
كان الحب، في عرفك، فعل طاعة بلا قناعة!
شعارك في الحب:
نفّذ ثم ناقش ، وقلْ "سمعاً وطاعة".
وها أنا أقول لك:
سمعاً وطاعة لرفضي لك.
سمعاً وطاعة يا نداء العصيان على إذلالك لي، على طول
زمن من الخيبات حين كنتُ شريكتك في الضراء لا السراء!
وها أنا أضرم النيران في تذكاراتنا، فلا يداهمني برد الفجر
الحزين.
أتدفأ بالمحرقة وأردد: حبك "كادوك"، يا من عرفانه بالجميل
مباهاة بغطرسته!
***
صرت غريبة عنك،
الغربة هي أن أفتش عن وجهك داخل ملصقاتك العتيقة في
الشوارع ولا أجده
الربة هي أن أفتش عن نبرتك داخل صوتك الميكرفوني،
عن روحك داخل جسدك المتورم،
وعن ضوئك داخل مصباحك الخابي،
وعن جمرك تحت أكداس رماد صدرك،
وعن نبضك تحت أثقال وزنك...
الغربة هي أن أسمع دقات قلبك
كما لو كانت قنبلة موقوتة ستطيح بي،
وأن يفارقني حسّ الأمان معك
فأتحول من ليلى العامرية إلى ماتا هاري،
في حكاية حب أضحت أقرب إلى المكيدة منها إلى الصفاء.
الغربة هي هجرتي إلى قاعي حين نلتقي،
اختبائي من صخبك الهوائي في مأوى أحزاني السرّية المائية
المعدنية المنصهرة.
الغربة هي موت الانسجام بين المقلاع والحجر والشجار بين
الينبوع والمطر.
الغربة هي انكسار الانسجام بين الطيران والريح، وها أنت
تطوي أجنحتك وخطبك الحماسية، وتنكبّ على فواتيرك.
وها أنا أتأمل القمر الحزين، وقد عرّته الغربة من ثيابه كلها
إلا من ضوء كبريائه، وهو يروح ويجيء على مدى دهور باحثاً
في الأبدية بين مدارات المنافي عما لا يدريه،
دون أن يخلع ضوء كبريائه.
الكتابة، هي أن أتعلم منه،
ويومها سأقول لك بصوت الرعد: حبك "كادوك" يا من
أحرق مدينتي وزمني...
...
22 / 11 / 1993
__________



*"كادوك" لفظة فرنسية ( Caduc ) تعني شياً تخطاه الزمن، وقد شاعت عربياً بعد استعمال "أبو عمار" لها في بيان هام له.


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



الحب في بيروت
__________


على ناصية الفرح البحري التقينا . كنتُ جبانة ، لا أمسك بغير
مظلتي.
معك اكتشفت ملذّات المطر الربيعي ، حين تتحوّل رئة
الفضاء حقولاً من الأزهار البرية وعطور الغابات ... وتهب
رائحتها من شعرك.
لعلّي ما زلتُ أحبك... فما زلتُ حين أطالع قصائدك،
أطلق شهقة الدهشة الأولى التي زقزقتُها يوم شاهدت البحر للمرة
الأولى .
أرحل في أجسادك عاصمةٌ بعد أخرى دونما "فيزا" ، وأتقدم
من مخافر قلبك بطلب إقامة دائمة في دورتك الدموية وأكتب
على إيقاع نبضك!
قلت لك بأنني أفتش عن الاستقرار،
فأقنعتني بالإقامة في غيمة فوق الروشة ، وأقتنعت!
أهذا هو الحب في بيروت ؟
____
ربيع 1998


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



ثملة بالربيع أم بحبك؟
______________



حبك يشبه العودة إلى الطفولة.
من جديد تتحول علب الكبريت الفارغة إلى قطارات ،
وتبدو الفراشة فوق الوردة لغزاً ذهبياً ،
ويعود قوس القزح دروباً معبّدة بالبرتقالي والبنفسجي
والأزرق والأصفر في السماء.
من جديد يصير بوسعنا أن نشتري بطاقة سفر في طائرة ورقية
ملونة لتحلّق بنا إلى سماوات الدهشة وأكوان النشوة بأسرع من
"الكونكورد" و "البوينغ".
من جديد يعود العالم جديداً ، ونلتهم تفاح البراءة ، والأفعى
ساكتة والعمر لحظة خلود صغيرة...
من جديد نعيد الاعتبار إلى كلمة: "أحبك"... بعدما تلوثت
طويلاً ، ومضغوها كاللبان و "الشيكلتس"، وعهّروها وباعوها في
أسواق الرياء، وغطّوها بالأقنعة ورموا بها ليلاً في براميل القمامة
كأطفال الخطيئة.
حبك رئة الأوكسجين في كوكب ملوّث حتى موت الأرانب
البيض كلها...
______
ربيع 1998


[/BACKGROUND]
A


[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



زحام
____


الحب ازدحام مكتظ
فأنا لم أعد وحيدة داخل جلدي،
ما دُمتَ تقيم تحته أيضاً ...


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



جماليات الفراق
___________


حبنا قوس قزح ، قال للشمس :
لا تشرقي كثيراً وإلا رحلت !
ولا تغيبي تماماً وإلا رحلت !
فأنا الحب الكبير،
يقتلني الوصال الكبير والفراق الكبير !




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



تنصّت
_____



هل تسمع مثلي
قهقهة الجثث في المقابر البيروتية ،
ساخرة من سباق الفئران على الجزرة الذهبية
في شوارع مدينتنا ؟




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



شبح في كورنيش المنارة
________________



أجلس على المقعد الحجري فجراً ،
وأخطُّ لك رسائل الحب بريشة من جناح بومة أغمسها في
المحبرة الشاسعة أمامي الملقبة بالبحر.
أمد يدي لأصافحك وأنت على الضفة الأخرى في إفريقيا
وأشعر بدفء كفك وهو يحتوي أصابعي...
ما أجمل حكاية حبي مع شبحك !






[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



براءة
____



لا تلم الرتيلاء،
لأنها تنسج من بيتها مكيدة...
لعلّها تدافع عن نفسها في زمن شعاره:
إمّا أنْ تأكل أو أنْ تُؤكل !






[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



متعة الوحشة
__________



سيدة الحكايا الأسطورية ،
وحيدة في قصرها الشاسع وقد طردت مهرّجي البلاط
والحاشية والخدم.
سيدة الحكايا الأسطورية،
يقتتل العشاق في باحة قصرها
وهي تحتضر في الظلام وحيدة خلف نافذتها في غُرف
الكبرياء...





[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



لبنان واحة الحرية
_____________



قال لي الغبار: لا تحزني،
ودعيني أخدّر لك جراحك بالفتور التدريجي.
قالت لي العنكبوت: اسمي النسيان،
فدعيني أحيك خيوطي قرب نزقك.
قال لي الرماد: ارتديني أعلّمك حرفة اللامبالاة.
قالت لي القوارب: ارحلي معي إلى جزر آكلي اللوتس.
قال لي الفرح: انتسبي إلى مدرسة الضحك،
وجرِّبي استبدال قلبك بوردة.
هدرَتْ الذاكرة : حذار من التكرار،
ولا تدعي حب لبنان يقتلك مرتين...
همس القلب: أموت ألف مرة وأظلّ أحبه.






[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



بحر بيروت
________



أغطس في حبك
كمن يغطس في مياه عميقة مظلمة
مليئة بالأفاعي والعقارب والشرور والنفايات ،
وأخرج من بحرك
مغسولة بالضوء !




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



جرثومة السفر
___________


"على قلقٍ كأن الريح تحتي".
واقعة في قبضة الغيم، في قبضة زنزانة الفضاء حيث تتقاطع
المصائر.
اتكئ على المطر مستسلمةً لشهوات اللا جسد. لا شفاء لي
من القطارات والمطارات والفنادق على أطراف البحيرات
والغابات، والمرايا التي أرى فيها وجهي لمرة واحدة وأرحل
متكة على المطر.
الجسد سلحفاة والرغبات أرنب. الرحيل يجعل السلحفاة
أرنباً، يهديها أجنحة فتذوق المتع "النورسية".
لا شفاء لي من لواعج التشرّد.
خرائط تعبر روحي وتعيد كتابة خارطة أعماقي، وبصلات
تركض في دورتي الدموية على هدي مؤشراتها.
"اغتربْ تتجدّدْ". رحلت لصيد الرعشات. اكتشفت أن قمة
الجبل هي قاع السماء، والحقيقة تتبدل تبعاً لـ "موقع النظر".
ولكن، أياً كانت الشواطئ المدارية والقطبية التي يعمّدني
رذاذ أمواجها،
أعرف أنني سأظل أبداً أمشي على شاطئ الروشة ذهاباً وإياباً
كشبح لا يراه بعد منتصف الليل إلا الشعراء والعشّاق والسكارى
والمجانين والأطفال...
يا أشجار النخيل قرب مسبح الجامعة الأميركية: ارفقي
بشبحي المقيم عندك...
أيها الصبي الذي يطاردني على الروشة ليبيعني زهرة غاردينيا،
أخشى أن أشتريها منك، وأستيقظ في سريري في باريس،
فأجدها تزيّن شعري.




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



"البيارتة"
_______


جئناهم ضيوفاً ثقلاء، فرحبّوا بنا. تغزّلوا بسماجتنا وصفقوا
لهرائنا وقالوا لنا: صدر البيت لكم والعتبة لنا، فصدّقناهم!
هدمنا البيت لأنه لم يعجبنا،
وكتبنا القصائد في مديح الخراب الجميل،
وقطعنا تحتنا غصن الشجرة الذي آوانا من الذئاب...
صفّقنا للمليشيات، وصفّقنا لموتها،
وبكيناها بدموع التماسيح المرهفة!...
ومازلنا نصفق للطغاة، ونتباكى على الحرية،
وبيروت تبكي منا وعلينا...
_________

البيارتة هم أهل بيروت الأصليون.




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



زلازل القلب في لبنان
______________



أتذكر بحنين،
اشتعال زجاج المباني بالغروب المتورد على الشواطئ
والانصهار المسائي لمباني الأسمنت على حانات الضياء وحافات
الغيوم الرمادية الفسفورية...
بيروت،
ما أجمل أن أُلدغ مرتين من جُحر حبك!




[/BACKGROUND]
X