[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]
القصة بين غادة السّمان وإيتالوكا لفينو
_______________________
ايزابيلا كاميرادافيلتو
ت.نور السمان دينكل
منذ أن درست الأدب العربي المعاصر في جامعة نابولي كنت أختار في كل عام منهاجاً دراسياً يتعلق بموضوع أدبي أو بكاتب مميز. بدأت بفن القصة الفلسطينية التي أعرفها بشكل خاص من خلال ترجمتي في الماضي لبعض من أجمل روايات غسان كنفاني(1) الذي هو بنظري واحد من أكبر كتاب الشرق الأوسط. بعد الأدب الفلسطيني تابعت اختيار منهاجي حول مواضيع أدبية مختلفة الأهمية ولكنها دائماً مرتبطة بالحقيقة الاجتماعية ـ السياسية للعالم العربي.
ضمن منهاج جديد اخترته حول الأدب النسائي في العالم العربي، خطفت انتباهي كتابات غادة السمان وشعرت بجاذبية كبيرة تجاهها، ليس لأن بقية الكاتبات لا تستحق هذا التركيز ولكن يولد أحياناً بين القارئ وكاتب معين ما يشبه الحب من النظرة الأولى Coup de foudrs.
مما دفعني إلى التعمق بمعرفتها أكثر والرغبة بترجمة شيء من أعمالها لأننا مع الترجمة نتوصل إلى فهم روح الكتابة والتقاط نبضها عبر الدقائق الشكلية والغوص في عمقها. وكما يقول الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي في ترجمة عمل أدبي إلى الفرنسية أو الإيطالية من لغة بعيدة مختلفة كالعربية: ((هي مغامرة تشبه بشدة مغامرة الخلق حين تغلب متعة الترجمة))(2).
بالطبع هذه المتعة هي التي تقود المترجم في اختياره، ومن ثم أعتقد بأن الترجمة التي تعطيني هذه المتعة اختارها غريزياً.
سمعت من غادة السمان منذ وقت طويل ولكن دون توافر الفرصة لي لقراءة شيء من أعمالها حتى سنحت الفرصة لكون أعمالها قد ترجمت في بلاد غربية عدة كانت الكاتبة قد أقامت في بعضها وحي أنشئت فيها بعض المؤسسات مثل معهد العالم العربي في باريس والذي يقوم بمهمة التقديم والدفاع عن الثقافة العربية في أوربا من خلال مختارات أدبية وثقافية. ولكن الجمهور والثقافة الغربيين قد حصر الأدب العربي في النطاق الضيق للمتخصصين ومنذ وقت قصير فقط بدأنا بنشر ترجمات الأعمال الأدبية العربية في الصحف الأكاديمية فقط المتعلقة بالاستشراق.
وهكذا فثقافتنا الأوروبية التي التفت منذ سنين إلى ما وراء البحر المتوسط لكي تتبع غرابة الشرق الأقصى أو الأسلوب الأدبي لأميركا اللاتينية بدأت مع جائزة نوبل للمصري نجيب محفوظ، (وقبلها مع جائزة كانكور Concour للمغربي طاهر بن جلون) تنتبه وتحسب حساب ثقافة بكاملها كانت متجاهلة عماً لوجودها حتى الآن. ومن المؤسف أن الجمهور في أوروبا يبدأ بالاهتمام بثقافة ما أو بكاتب معين اهتماماً خاصاً فقط عن طريق نيله لجائزة أدبية، على كل حال، تعوق انتشار الأدب العربي صعوبة لغته غير المعروفة وغير المدرسة في أوربا وقد بدأ هذا الأدب أخيراً يأخذ مكانه ضمن بانوراما الأدب العالمي ولو كان ذلك بشكل متأخر دون مبرر قرأت بعض أعمال غادة السمان واكتشفت عالمها المنسوج من كوابيس وأحلام، من واقع وخيال وفهمت لماذا كانت الكاتبة في الماضي موضوعة على الهامش بشكل ما تجاه الجمهور الغربي الذي بدأ الآن فقط(3) باكتشافها.
قبل كل شيء، أشير إلى مشاكل موضوعية متعلقة بالصعوبة اللغوية عند الترجمة، فترجمة عمل لغادة السمان ليس بالسهل بسبب الثراء والتصميم المتقن لكتابتها الغنية جداً، لخيالها، وللوجوه المتعددة للمعاني عندها.
لقد انتبهت بنفسي إلى ذلك عندما ترجمت وحللت مع طلابي في الجامعة واحدة من أجمل قصصها: فزاع طيور آخر ضمن مجموعة ليل الغرباء. عندما كان على الطلاب فهم النص، والاستمتاع بالأسلوب والقالب الأدبي، كان من بينهم باولا دي كابو الأكثر مثابرة واهتماماً بكتابات غادة السمان حيث استمرت بعدها بالتعمق من أجل أطروحتها في بعض أعمال الكاتبة السورية وترجمتها.
ولكن في ترجمة أعمال غادة السمان تبرز صعوبات أخرى مرتبطة بشخصية الكاتبة القوية، الناقدة والمحرضة، الثائرة التي يمكن أن تكون غامضة وغير متناسبة مع ترجمة حرة قد تبعد عن النص.
أعتقد بأنه، أكثر من أي كاتب آخر، يجب ترجمة أعمال غادة السمان من قبل شخص يشعر ويشاركها القسم الأكبر من أحاسيسها. لأنها تتوصل إلى قول كل ما يريد قوله الكثير منا ولكنهم لا يجرؤون، لا يقدرون أو لا يعرفون قوله.
((المرأة بصفتها بروليتارية البروليتاريا(4) )) يكفي أن نبدأ من تأكيدها التحريضي الشهير هذا لكي نضع إطاراً ذا دلالة وافية. ويبدو التحريض المرهف، الذكي سلاح غادة السمان المفضل، التي هي اليوم من بين الكتاب الأكثر إثارة للاهتمام والأكثر اطراء في العالم العربي، وكما يقول الناقد الأدبي غالي شكري: ((إذا كان نجيب محفوظ هو الروائي الكلاسيكي عند جمهور القراء العرب فإن غادة السمان هي الروائي الأول عند الأجيال العربية الجديدة(4) )). عصرية، متطورة، برجوازية، مثقفة، مستقلة فكرياً ومتحررة من الرواسب، حالمة.. تلك هي الصفات التي يستعملها الناقد للتعليق على الكاتبة وعلى أعمالها العديدة.
ولكن من هي في الحقيقة غادة السمان؟ ولماذا دائماً كل هذه الضجة والصدى لأعمالها؟
هي أولاً امرأة حرة، حرة لدرجة أنها لكي لا تصبح مستعبدة من قبل دور النشر. قررت بعد أن أصدرت أولى أعمالها القصصية والشعرية عن طريق ((دار الآداب)) في بيروت، أن تبدأ نشر كتبها بنفسها بتأسيسها لدار النشر.. ((منشورات غادة السمان)) عام 1977 وعنها أصدرت كتبها واحد بعد الآخر، كتباً حازت نجاحاً كبيراً في كل العالم العربي تقريباً. وأعيد طبعها عدة مرات(6). في الماضي، كان الناشرون في البلاد العربية الأخرى يتخوفون من نشر كتاباتها الجريئة ويضعون شروطاً أو تعديلات مختلفة. واليوم ربما هم يتسابقون لكي يتمكنوا من نشر كتبها أو توزيعها بعد نجاحها المستحق والساحق.
من جهة أخرى، حتى في البلاد الأوربية التي ترجمت في أعمالها، فهي تحوز على نجاح كبير وجمهور أوروبي واسع، تكفي المعرفة بأن كوابيس بيروت قد باعت عشرات آلاف النسخ في بولونيا وروسيا وأرقاماً مشابهة في ألمانيا الغربية والشرقية وغيرها.
وهنا أستطيع التأكيد بأن غادة السمان هي الكاتبة الأكثر قراءة في العالم العربي وبوسعها الوصول إلى المزيد من القراء بشكل أكبر إذا استطاعت كتبها التحرك والمرور بحرية إلى القراء في كل مكان.
ولكن بعض كتبها، المعتبرة (فاضحة)، قد منعت في بعض البلاد العربية.
من جهة أخرى لا يمكننا أن ننفي كون غادة السمان تعتبر ككاتبة ((مزعجة)) بشكل ما، لأنها تطرح دون أقنعة أو رياء كاذب كل القضايا الحساسة مثل الجنس، الدين أو السياسة. وما تقوله غادة السمان في كتبها بهذا الصدد لا يعجب طبعاً بعض الأشخاص الذين يرون فيها تهديداً للمجتمع، وهجومها المستمر والمباشر والموجه للكل دون استبعاد أحد من المسؤولية أو الذنب.
وإن كانت من جهة تنتقد الطبقة البرجوازية التي تنتمي هي نفسها إليها، فهي من جهة أخرى لا توفر الطبقات الأخرى في المجتمع حيث تنتقد الجهل والتقاليد البالية. والاتهامات تمس أيضاً الطبقة التقدمية وعلى الخصوص ازدواجية الرجل الشرقي والذي رغم كل خطاباته الجميلة والثورية حول تساوي الجنسين فهو في الحقيقة العملية يملك تصوراً آخر للوجود يغلب فيه الذكر. في قصة ((الساعتان والغراب)) ضمن مجموعة رحلي المرافئ القديمة (1973)، تبدو خيبة الأمل واضحة لبطلة القصة (عايدة) عندما يتبين لها أن الرجل الذي تحب (فضل) الثوري، كان هو أيضاً يملك سلوكاً رجعياً تجاه المرأة. أن اتهام الرجل وفضحه في مثل هذه المواقف التقدمية المزيفة هو موضوع متكرر بشكل كاف في الإنتاج الأدبي النسائي المعاصر(7).
ولكن نتاج غادة السمان لا يمكن أن يصنف وبشكل أوتوماتيكي ضمن إطار الأدب النسائي أو الأدب النسائي التحرري أو الأدب الملتزم الخ. لأنه وإن كان حقاً هدفها الأول يبقى تحرير المرأة العربية من وطأة التقاليد، ولكنها لا تقع في فخ.. ((رد الفعل)) ضد الرجل(8) وهي لا تهاجم الجنس الذكري الذي تعتبره ((مخلوقاً جميلاً وبائسً مثلنا(9) )) وعلى العكس من الكثير من المنظمات النسائية حتى في الغرب، فهي تقول بصراحة بأن ((المرأة العربية لا تطالب في الحقيقة بالمساواة مع الرجل العربي لأنه هو نفسه لا يتمتع حقاً بحقوق يحسد عليها.. ومن هنا لا بد من صهر نضال المرأة داخل بوتقة نضال المكافحين جميعاً من أجل حياة أفضل للإنسان العربي(10) ففي الواقع، المرأة والرجل هما معاً ضحيتان لهذا العالم المعاصر وباتحادهما فقط سينجحان في النضال ضد الجهل النبع الأول لآلام المجتمع، لان المرأة ليست مظلومة من قبل الرجل فقط ولكن من قبل التخلف، والفروق الطبقية والاستعمار.
كل هذه الأفكار لا تتعب غادة السمان من كتابتها بوضوح بشكل أو بآخر سواء على لسانها أو على لسان أبطال قصصها.
تربط غادة في الحقيقة قضية المرأة بمأساة ثلثي الجنس البشري الذين يناضلون من أجل البقاء وبنضال الطبقات، كما فعلت سيمون دوبوفوار والتي تقترب منها غادة السمان كثيراً متفقة مع أكثر أفكارها. وهذا التوارد هو موضوع دراسة حديثة بالفرنسية لـ ((نجلاء الاختيار)) حيث قابلت أعمال هاتين الكاتبتين الكبيرتين: واحدة كرمز للنضال النسائي في الغرب والأخرى في الشرق(11).
وكما عند سيمون دوبوفوار، تهاجم غادة السمان في كتاباتها الرأسمالية، البرجوازية، وتنقد بقسوة رياء الأوساط الأكثر تقليدية وهو رياء يضر ويعطي فكرة سلبية وضيقة عن الثقافة العربية ـ الإسلامية، بينما هي تعتبرها إرثاً ثقافياً قيما يجب حمايتها لا كابحاً لكل تطور. وبهذا الصدد، في مقابلة حديثة بالفرنسية مع الكاتبة التونسية جليلة حفصية، تعبر غادة بوضوح عن إعجابها بالكتاب الغربيين مثل فيرجينيا وولف، جيمس جويس، سيمون دوبوفوار وآخرين، ولكن من جهة أخرى تؤكد أنه لا يمكنها تجاهل تأثير كنوز الأدب العربي وثقافتها وجذورها الإسلامية(12) والتي زرعها فيها والدها منذ طفولتها.
من كل هذه الاعتبارات، يبرز بوضوح عامل الرفض عند الكاتبة: رفض قاطع وحاد ضد الجميع. وعند التساؤل: ضد من ومع من تناضل غادة السمان، يجيب غالي شكري بأن الأهم عند الكاتبة هو النضال نفسه دون هدنة مع نفسها أو مع الآخرين، كما نستنتج من أعمالها ((غير الناقصة(13) )).
من هذه النقطة يأتي تساؤل تلقائي إن كان لـ غادة السمان أية ميول سياسية معينة توحي بها أقوالها. ولكنها تصر على التأكيد في كل مقابلاتها الصحفية بأنها لا تنتمي إلى أي بنية سياسية وليست منتسبة إلى أي حزب كان، غادة السمان هي، وتريد أن تكون، امرأة حرة تستطيع أن تتكلم كما يحلو لها عن ((مافيا البرجوازية (14) )).
من هذه النقطة يأتي تساؤل تلقائي إن كان لـ غادة السمان أية ميول سياسية معينة توحي بها أقوالها. ولكنها تصر على التأكيد في كل مقابلاتها الصحفية بأنها لا تنتمي إلى أي بنية سياسية وليست منتسبة إلى أي حزب كان، غادة السمان هي، وتريد أن تكون، امرأة حرة تستطيع أن تتكلم كما يحلو لها عن ((مافيا البرجوازية (14) )) وتناقش في (المحرمات) مثل الجنس، العذرية، تعدد الزوجات، تصورها للزواج والذي تصفه بـ ((شكل من أشكال الدعارة الشرعية والرسمية(15) )).
في قصتها رجل في الزقاق، تفضح غادة السمان ذلك وترفض الزواج التقليدي، بتدبير من أهل الزوجين (والذي يحدد مصير كثير من الفتيات في كل المجتمع المتوسطي وليس فقط في المجتمع العربي) كما فعلت الكاتبة الفلسطينية سميرة عزام. ولكن عند قراءة قصة سميرة عزام نصيب من مجموعة الظل الكبير (1956)، كان الرفض عندها حزيناً، مراً وضعيفاً وعاجزاً قبل كل شيء.
في كتابات غادة السمان، يأتي الرفض فاضحاً، صار خافي كل الاتجاهات لأنه وكما قالت هي عن نفسها ((تكتب بالسكين لا بالقلم وبالدم لا بالحبر (16) )).
في قصتها عذراء بيروت، تفضح غادة السمان نفاق عقلية عربية معينة تريد وتفرض أن تكون الفتاة عذراء قبل الزواج وهذا يعني أيضاً لبعض النساء من عذارى ((التكنولوجيا)) بناء عذريتهن في مستشفيات مختصة. في روايتها بيروت 75 تفضح رياء بعض الطبقات الشعبية وتواجه بجرأة موضوع جريمة الشرف، وهو موضوع وصورت الكثير من الروايات التي لا تنسى حول هذا الطرح يكفي أن نفكر في إيطاليا بـ ((جريمة شرف)) للكاتب جيوفاني أربينو(17) والذي في ذلك الوقت في عام 1961 أثار كثيراً من الضجة لأنه فضح عقلية إيطاليا في عمق الجنوب المتوسطي، عقلية رجعية، جاهلة تبعد عن ركب البلاد المتحضرة والصناعية.
الأدب العربي أيضاً وبشكل طبيعي غني بالروايات حيث جريمة الشرف تبرز بوضوح مختلف الدرجات. كما في بعض روايات الكاتب العراقي فؤاد تكرلي، عند يوسف ادريس أو عند كثيرين آخرين.
ولكن جريمة الشرف عند غادة السمان توصف بشكل متحرك ينساب بين الكابوس ـ الحلم ـ الحقيقة، الحياة ـ الموت. وبينما في الأدب الكلاسيكي، تختتم حالة جريمة الشرف باعتراف القاتلة (أب، أخ أو زوج)، واثقاً من أفلاته من العقوبة ومن تواطؤ السلطة معه، نجد في رواية بيروت 75 لغادة السمان تختتم القصة ـ المشهد بشكل غير متوقع مع واحد من الأبطال والذي يهزه الحدث لدرجة لجوئه إلى مصح عقلي يخرج منه مستعيداً لوعيه، فيأخذ لوحة المصح العقلي ويذهب ليغرسها في مدخل بيروت ليقول بذلك أنه في عام 1975، مع الحرب الأهلية الدامية، قد سيطر الجنون وسكن في العاصمة اللبنانية وليس في المصح العقلي الحقيقي وصارت بيروت هي المصح العقلي الفعلي.
لكن كل هذه الانتقادات للمجتمع العربي لا تعني أن الكاتبة تحس بأنها منجذبة للمجتمع الغربي، فهي أيضاً تنتقد تلك العوائل المنتمية للبرجوازية العليا والتي تتبع ظاهراً سلوكاً أوروبياً محضاً ولكنها تفتقر للانتماء منفية عن قاعدتها الثقافية. وغادة ليست ضد الأسرة العربية كمؤسسة بل بالعكس تريد المحافظة عليها ولكنها تقترح وتأمل أن تحول إلى مؤسسة ديمقراطية(18) ومن ثم ترى بأن تربية الشبان العرب منذ صغرهم على أساس ثقافة الغرب فقط كما تفعل بعض الأسر البرجوازية العربية، وكما يحدث لبعض الشبان في جنوب الكرة الأرضية، أفارقة وآسيويين ينتج عنها شعور الوحدة والغربة الذي طالما ظهر في أعمال كثير من الكتاب العرب المعاصرين. وهذا الشعور بالضياع تعبر عنه الكاتبة عندما تعترض بطلة قصتها ((الدانوب الرمادي)) بأنها تعلمت ستة لغات فامتلأت بالغصات والمرارة حيت ادعت بأنها تفهم لغات ستة شعوب ولكن لا تستطيع التفاهم مع أحد من أهلها!
نلمس الشعور نفسه بالوحدة والتشرد(19) الثقافي حين تذكر مي زيادة، كاتبة عربية أخرى ولكن من الماضي، وقد راوح وجودها باحثاً عن توازنه بين مختلف الثقافات وعدم توصلها إلى التفاهم مع الآخرين ومع الزمن الذي عاشه خلاله. في شعرها أين وطني نجد الأزمة نفسها والضيق العصري اللذين عند غادة السمان عندما نقول بأنها لا تعرف بأي لغة تعبر أو إلى أي شعب تنتمي لأنها: لأني دون سواي، تلك التي لا وطن لها وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد(19).
أعود إلى غادة السمان لانوه عن شيء يدهشني عدا عن نسيجها اللغوي المميز الخاص بها، ما يذهلني هو خصوبة خيالها الذي لا ينضب. والخيال هو بدون شك العامل الأساسي الذي تدور حوله كل عبقرية الخلق للكاتب والتي، عند غادة السمان تصبح عبقرية متشربة بالذكاء والثقافة. حين تغيب وتطلق العنان للقفزات غير المتوقعة لخيالها وثمة ما يقرب غادة من كاتب حديث وعبقري (اينالو كالفينو)(20).
حيث يقول: ((أتوق إلى وقت الكتب الجميلة، المليئة بالذكاء المتجدد، كالطاقة الجديدة وآلات الإنتاج، التي تؤثر على الحداثة والتجديد التي يحتاجها العالم، أعتقد بأن بعض أنواع الأدب الفعالة مثل قصص الشعوب وملاحمها (Saga) والرحلات، والنصوص الأدبية حول المدينة الفاضلة Utopia والقصة الفلسفية والساتيركية الساخرة، والحوار المسرحي والمسرحية الغنائية الهادفة، كل هذه الأشكال يجب أن تأخذ مكانها كمحركات أساسية في أدب الانتلجنسيا التاريخي وفي النضال الاجتماع(21). يبدو لي هذا القول منطبقاً على غادة السمان لأن ايتالو كالفينو، كالكاتبة السورية هو ربما الكاتب الأكثر استخداماً للخيال، واضعاً بينه وبين الواقع (وعي) الكاتب المرهف الحاد. في كتاباته يضع الخيال في خدمة لعبة الكلمات والأوضاع المتناقضة. كالفينو، كغادة السمان، لا يقسم الإنسانية إلى ((طيبين)) وأشرار، لأن هذا يقود إلى التعصب، أو إلى تعصب اللاتعصب(22) ولكن يعتبر الإنسان مزيجاً من الخير والشر، من الصعود والهبوط، من الحب والعنف، من الحياة والموت. أن ارتطام الكتاب مثل كالفينو أو غادة السمان بالواقع وارتجاجهم هو مضاعف بالنتيجة، لأنهم من جهة يرون عالمهم الهادئ البرجوازي يهتز مع كل قيمهم ومن جهة أخرى يرون أنفسهم مرميين في العالم اللاعقلاني للعنف ولهزم هذا العنف لا بد من أسلحته ذاتها. وذلك يفسر تواجد كثير من العنف والموت في كتابات غادة السمان. أن العدو الحقيقي لغادة هو الموت، والكاتبة نفسها تحاول الإفلات منه على طريقتها الخاصة: ((أكتب كي لا أموت)).
هكذا عبرت الكاتبة في المقابلة التي أجرتها معها بأولادي كابوا، والتي ستنشر في الصحيفة الأدبية ((خيط الظل)) في إيطاليا. من جهة أخرى الموت نفسه موجود دائماً وبكثرة في كتاباتها. موت بالنسبة لها وللآخرين والذي تحاول الكاتبة أن تقاومه بكل وسيلة(23) كذلك الحب عندها هو شكل من أشكال الحياة في مواجهة الموت(24) والذي كان عليها التعود عليه منذ كانت طفلة حين كانوا يصطحبونها إلى قبر أمها التي فقدتها قبل أن تنتبه إلى وجودها(25).
ولكن الموت عندما تصفه غادة السمان هو بالنسبة لها أكثر عبثية ولا عقلانية، كما على سبيل المثال، موت الوصيفة في قصة فزاع طيور آخر أو موت الخادم Waitre d'hotel في كوابيس بيروت. وسواهما حيث تهدر حياتهم كما لو كانوا أدوات بسيطة في أيدي السادة المعدومي الضمير وتموت هذه الضحايا بسبب هفوات حمقاء وشريرة من قبل سادتهم. ثم نرى موت شخصية رمزية على مستوى الإنسانية مثل صاحب متجر الحيوانات في كوابيس بيروت، والذي يموت مفترساً من قبل حيواناته الجائعة والتي لم يطعمها كفاية، أو في موت بطلة بيروت75، رامزة لكل الضحايا المقدمة على مذبح الأنانية والنفاق الإنساني. و هكذا نصل إلى تناقض دراماتيكي، فالكاتب الذي يكره العنف مضطر إلى أن يصبح عنيفاً هو نفسه. وكما يقول الناقد جوزيف بونورا، بصدد العنف في كتابات كالفينو: ((مجبر على تبرير كل عنف الحرية)) (26).
أما بالنسبة للكاتبة السورية، فهي تصل إلى درجة انتقاد عنفها نفسه مع روح الفكاهة الـ Macabre السافرة التي تصبح في أكثر من مرة ((سخرية سوداء)). وتماماً مثل كالفينو، تقاتل غادة بالكلمات ((بحر الأشياء)) وهنا تصبح الأفكار والأشخاص داخل عبثية المدينة الحديثة. إن شخصيات قصصها هي ملحقات أو وسائل بسيطة في الأحداث المروية، تدور حولها الأفكار وبصدد غادة يمكن إضافة ما قاله ايتالو كالفينو في الأدب الثوري: ((الثوري هو من لا يقبل معطيات الطبيعة التاريخية ويريد تغييرها)). فهي تقول: ((لا خلاص من دون النضال ضد كل القيم البالية التي مضى عليها الزمن ومن ضمنها ما يتعلق بالجنس، ومن دون التصور البرجوازي الجامد للحرية))(27).
عندما بدأت بكتابة هذه الاعتبارات حول غادة السمان، فكرت فجأة بأنه يجب أن أجد أيضاً من بين إنتاجنا الأدبي اتجاهات مشابهة فكرياً مشتها نساء من كاتباتنا.
في كثير من التعابير الأدبية، كنت أفكر في إمكانية عمل دراسة أدبية مقارنة، ولكن بقدر ما بحثت، بقدر ما توضحت لي خصوصية وتميز كتابة غادة، والتي بنظري (إذا ما نوقشت من وجهة نظر القيمة الأدبية المحضة)، فحتى سيمون دو بوفوار نفسها يمكن أن نقابلها مع غادة على المستوى الاجتماعي فقط لا الأدبي الفني، لأنه يجب أن نقبل بأنه في يومنا هذا ليس هناك كاتبة من نمط غادة السمان. بالطبع، إن التطورات السياسية ـ الاجتماعية في الشرق الأوسط، المأساة الفلسطينية، تمزق بلد مثل لبنان بالإضافة إلى مأساة الحرب الأهلية في العاصمة اللبنانية، كل هذه عوامل يمكن أن تكون مؤثرة بها وفاعلة في تركيبتها الإنسانية والأدبية.
اليوم، ليس عندنا هنا الأوضاع المأساوية على النمط اللبناني، ولكن، من المؤكد أن لنا حروبنا المأساوية أيضاً، فقط، يجب القبول أنه في أدبنا وعند كتابنا، سواء رجالاً أو نساء، لم يتوصل أحد منهم مثل غادة إلى الهزء إلى هذه الدرجة من كنف الحرب وعنف الحياة، المصورة في كل هذيانها الوحشي: وحشية إنسانيتنا نفسها.
الهوامش
* وضعت هذه الدراسة كمقدمة لكتاب بأولادي كابوا بالإيطالية المعنون: ((التمرد والالتزام في أدب غادة السمان)) وايزابيلا دافليتو أستاذة في معهد الاستشراق، وتصدر طبعة الكتاب بالعربية ربيع 1991.
(1) ترجمت لغسان كنفاني: رجال في الشمس (سالرنو) دار النشر Ripostes 1984 (عائد إلى حيفا) و(أم سعد)، سالرنو دار النشر Ripostes 1985.
(2) عبد اللطيف اللعبي، مقدمة لترجمة إلى الفرنسية لرواية حنا مينة Soleil en instance باريس ـ يونيسكو 1986 ص11.
(3) في إيطاليا، دار النشر Ripostes التي نشرت بعض روايات غسان كنفاني ونجيب محفوظ، ستنشر في الأشهر المقبلة ترجمة مختارات من قصص غادة السمان.
(4) تأكيد ضمن ((الأعمال غير الكاملة)) ومنوه عنه أيضاً عند مروان المصري ـ محمد علي ويلاني، الكاتبات السوريات دمشق ـ 1988 ، ص113.
(5) غالي شكري: غادة السمان بلا أجنحة، بيروت، دار الطليعة، الطبعة الثالثة، 1990، ص10.
(6) من بين كتبها الأكثر مبيعاً: كوابيس بيروت الذي وصل إلى طبعته السادسة 1987.
بيروت 75 في طبعته الخامسة في 1987 وليل الغرباء في طبعته الثامنة في 1989، ولا بحر في بيروت في طبعته الثامنة 1987، وعيناك قدري وأعلنت عليك الحب في طبعتها التاسعة في 1989.
(7) في القصة العربية، كاتبة أخرى قد سخرت من سلوك الرجل الثري وهي الفلسطينية سحر خليفة في روايتها (عباد الشمس) وهي تؤكد مثل غادة السمان: ((بأن المفكر العربي عنده مبادئ عامة تخص الشعب بينما في حياته الخاصة فهو الأول الذي لا يطبقها)). سحر خليفة، عباد الشمس، القدس، دار الكتاب، 1980، ص17.
(8) الهام غالي: نبوءة الحرب في أدب غادة السمان، أطروحة غير منشورة، جامعة باريس(7) جوسيو. ص9.
(9) غادة السمان: الأعمال غير الكاملة (9) ص82.
(10) غادة السمان: الأعمال غير الكاملة (14) ص96.
(11) نجلاء الاختيار قد حللت في دراستها هذه أعمال هاتين الكاتبتين من خلال ظروف المرأة وتحررها في سورية وفي فرنسا والتشابه والتوارد فيها من الخارج تبدو مثيرة للدهشة. ولكنها لا تعالج أي تأثير للكاتبة الفرنسية على العربية. وبالنسبة للكتاب العربي، هناك إجماع على كونهم يقرأون اللغات الأخرى، بينما الكتاب الأوروبيين يجهلون العربية. ولكن التشابه بين الاثنين بوفوار والسمان لا يدخل ضمنه الأسلوب الأدبي، أو النظرة نفسها في الحياة.
(12) مقابلة لجليلة حفصية مع غادة السمان في ((La presse)) الصحافة التونسية: 21 ـ 4 ـ 1989.
(13) غالي شكري: غادة السمان بلا أجنحة. ص25.
(14) غادة السمان: أرملة الفرح ـ رحيل المرافئ القديمة ص54.
(15) غادة السمان: الأعمال غير الكاملة (10)، 1988، ص79.
(16) قول في جريدة الثورة 29 أيلول 1988 ومذكور في أطروحة باولادي كابوا ص81.
(17) جيوفاني آربينو، كاتب وصحفي (ولد عام 1927). تظهر كتاباته التزاماً إيديولوجيا مستمراً ثابتاً. وينتمي إلى فن القصة الحديثة الواقعية الإيطالي.
(18) غادة السمان، الأعمال غير الكاملة (14)، ص69.
(19) مي زيادة، ((أين ظني؟)) ضمن ظلمات وحشية، مصر، مطبعة الهلال، 1923 ـص 139 ـ 140.
(20) ايقالوى لفينو: (1923 ـ 1985) واحد من أكبر الكتاب المعاصرين في أوروبا، ترك روايات عديدة، وقصصاً ونصوصاً أدبية ترجمت إلى لغات عديدة من بينها العربية.
(21) جوزيف بونورا: دعوة إلى أدب كالفينو، ميلانو، 1987، ص164.
(22) جوزسيبو بونورا ـ كتاب دعوة إلى أدب كالفينو، ميلانو 1987 ـ ص130.
(23) غالي شكري، غادة السمان بلا أجنحة، ص28.
(24) نجلاء الاختيار، تحرير المرأة عبر أعمال غادة السمان وسيمون دي بوفوار ـ أطروحة بالفرنسية ـ السوربون ص76.
(25) حول حياة غادة السمان: غالي شكري، غادة السمان بلا أجنحة: عبد العزيز شبيل، الفن الروائي عند غادة السمان، سوسة، دار المعارف للطباعة والنشر، 1987.
(26) ج بونورا، كتاب دعوة إلى أدب كالفينو ـ ميلانو 1987 ص164.
(27) ضمن دراسة باولادي كابو بالإيطالية بعنوان التمرد والالتزام في أدب غادة السمان ص53
المصدر : منتديات ستار تايمز