قد تكمن المشكلة في أني أراه ما زال يحبو إلى عالم الحياة، ولم يدخل في خضم المشاكل والتجارب بعد، بينما يرى هو أن الـ12 عاما التي هي عمره تُعد رصيدا كبيرا من التجارب والمعلومات التي صنعت منه رجلا كبيرا.
علت وجهي ابتسامة وأنا أتذكر كيف بذلت جهدا كبيرا لا أنساه في ترويض نفسي حتى تعودت أخيرا على وجود رجلي الأول (زوجي) في حياتي، وأذكر هذا الجهد وقد أخذ وقتا ليس بالقليل، ولكني أخيرا كبرت ونضجت وتعلمت كيف أتعامل معه، ومع طلباته ومزاجه واحترام وجوده في البيت وفي حياتي - ولم يكن هذا بالأمر اليسير - هأنذا أعتاد على كوني زوجة.. وفجأة أكتشف أن هناك رجلا آخر في حياتي، ويريد أن أعامله كما أعامل رجلي الأول، إنه ابني. عندها اكتشفت كم هو مسكين هذا الرجل الأول! فهو مثقل بأعباء الحياة ومشغول دائما بكيفية توفير حياة كريمة لنا، وكم يصعب هذا في هذه الأيام!
ولكن هذا الرجل الثاني.. إنه خالي البال لا يجد أمامه غيري، وأشعر دائما بقرب حدوث المظاهرات في بيتي، فأنا أتوقع من ابني أن يرفع ذات يوم شعار "لقد أصبحت كبيرا"، ويسير بها في ميادين بيتي، ويعلقها في شوارع منزلي لشحذ الرأي العام وإقناع المسئولين والإدارة العليا (ماما وبابا) بأنه أصبح كبيرا.
ما زلت حائرة
ابتسمت وقلت لنفسي: كم هو جميل أن يكبر ابني أخيرا، ويصبح رجلا، فهو لم يعد في حاجة إلي لكي أختار له ملابسه، فهو يعلم ماذا يريد أن يلبس، إنه لا يريد أن يلبس سوى الجينز والحذاء الرياضي المريح مهما كانت المناسبة، وهو يعلم أيضا ماذا يريد أن يأكل، فمرحبا بالشطائر السريعة والوجبات الجاهزة المستوردة من خارج المنزل بصرف النظر عن تأثيرها السلبي علي صحته وصحة ميزانية البيت. وبصرف النظر عن ذلك، فهو أيضا يعلم متى يذاكر فهو يرى أنه لا يحتاج كثيرا للمذاكرة، إنه فاهم وعارف وحافظ لكل الدروس، ولقد سمع هذا الشرح من أستاذه من قبل وهو يذكره جيدا فلا داعي لإضاعة الوقت في مراجعته أو كتابته أو حل بعض الأسئلة عليه، فهو لا يجلس للاستذكار أكثر من عشر دقائق ثم يشعر وكأنه طير مسكين محبوس في قفص المذاكرة.
شعرت كم أنا صغيرة على إحساسي بهذا الرجل، وتذكرت أيام كنت أما لأول مرة، وكيف كنت أقف حائرة أمامه وهو يبكي: ماذا يريد؟ لا أدري. الآن وبعد أن كبر أراني أقف نفس الموقف في كل صدام يحدث بيننا، وأتساءل نفس السؤال: ماذا يريد؟
صفارة الحكم
حاولت أن أتذكر مشاعري وأحاسيسي في هذه المرحلة عندما كنت في مثل سنه.. نعم أتذكرها جيدا، ولكن لا مجال للمقارنة بيني وبينه.
أولا: لأني بنت فأنا أريد أن أكون "ماما" بينما هو يريد أن يكون "بابا".
ثانيا: فارق 20 سنة على الأقل تغيرت فيها الحياة كثيرا، وحقيقة فأنا أعذره هو وأقرانه فلقد أصبحت الحياة رحبة أكثر، وبها من المتع ووسائل التسلية ما يسلب لب الناضج فما بالك بهم!
لقد كانت أقصى أمنياتي وطلباتي في هذه المرحلة تعد محدودة ومتواضعة بالنسبة لرغبات ابني الآن، فهو يسأل إذا كنا سنخرج للتنزه وإلى أي من الأماكن التي يوجد بها ألعاب ومسليات، فإما إلى "مول" أو مطعم للشباب أو مكان مسلٍ ويا حبذا لو تخلل النزهة مباراة لكرة القدم يلعبها مع أصدقائه -على الماشي- أما إذا مكثنا بمنزلنا آمنين فإنه لا يقوم من على اختراع الكمبيوتر، ولا يريد حدودا لوقته على الإنترنت، ولا مانع من مباراة كرة قدم سريعة أثناء تناول العشاء في المنزل.. نعم في المنزل مع إخوته أثناء العشاء.. "يا ماما ما فيش مشاكل لا تقلقي".
وفجأة يتعالى الصراخ الحماسي للمباراة وإحراز الأهداف -في المنزل- وهذه رمية "أستاذة" وتلك ضربة "معلم" فهم طبعا اللاعبون والجمهور والحكم.. وفي كل الأحيان تنتهي المباراة بصفارة أقصد صرخة مني "سأرمي هذه الكرة من النافذة" ومع التوسلات والاعتذارات أتراجع طبعا عن رميها، وأقول بآخر نفس أملكه وأحتفظ به لأوقات الطوارئ "سريعا إلى النوم".
بارقة أمل
مع هذه الاختلافات الواسعة وجدت أنه من الظلم أن أقارنه بمشاعر وأحاسيس ورغبات عفا عليها الزمان، وكانت على أيامنا وليست على أيامهم. ودرت في دائرة التساؤلات، وبدأت بأقراني ومن هن في مثل حالي فوجدتنا في الهم سواء، ليس هذا فقط بل من المضحك أيضا أنه كلما سألت أما عندها أبناء في عمر ابني بدأت هي في سرد نفس سيناريو المصادمات، وأجد نفسي مشفقة عليها وعلى ابنها، وأبدأ بتهدئتها وإلقاء الأعذار للأولاد، ليس هذا فقط بل طرح بعض الحلول عليها أيضا.
ولا أخفي عليكم سرا فبعد هذه الحوارات شعرت براحة مؤقتة إذ كانت أول بارقة أمل في حل مشكلتي وهي النظر إليها من الخارج واستشعرت أن ابني طبيعي، وهكذا يفعل كل من هم في سنه، وتذكرت عمي الحبيب وهو يقول: "الموت مع الجماعة رحمة". الآن فقط فهمت ما يعنيه من أن تشعر بأنك تسير في نفس الطريق مع أناس آخرين، وليس بمفردك فيهون الطريق علينا.
مهارة لاعب السيرك!
رجعت بذاكرتي لأيامي الأولى مع طفلي، وكيف أنني جمعت الكتب في كل ما يتعلق بالحمل والولادة والتسمية والرضاعة وما إلى ذلك من موضوعات تدور حول هذه التجربة الجديدة التي كنت أمر بها "أم لأول مرة" حتى أنني تذكرت أن أول حمام أعطيته لطفلي كنت قد ذاكرته مسبقا من كتاب، وكلما أشرفت على خطوة قلبت الصفحة، ثم وقع الكتاب على الأرض واحترت كيف أنهي حمام ابني؟
أسرعت إلى مكتبتي، وامتدت يدي بحثا عن كتاب يناقش تربية الأولاد وبحث مشكلاتهم، وأخذت ألتهم سريعا صفحات كل ما وقع تحت يدي لألحق ما فاتني من مراحل ومعلومات هامة.
أمتعتني وأفادتني ثلاثة كتب لـ د. "أكرم رضا" يتحدث فيها عن المراهقة بمراحلها المختلفة: بلوغ بلا خجل، مراهقة بلا أزمة، وشباب بلا مشاكل، وكيف كان موضوعيا وعصريا في مناقشاته لمشاكل الأولاد وكيفية التعامل معها بعد تفنيدها، وشرح أسبابها، وطرق الوقاية والعلاج.. ثم أتبعت قراءاتي ببحث طويل مع من سبقوني بالتجربة وتجاوز أولادهم هذه المرحلة الحرجة، ووجدت حل هذه المصادمات يتلخص في عدة نقاط بسيطة وإن كانت صعبة وتحتاج لمهارة لاعب السيرك وهو يمشي على الحبل في الهواء:
1- علاقة الأم القريبة من الله ليعينها على تربية الأولاد ويلهمها ما فيه الخير لهم.
2- كثير من ضبط النفس.
3- إعطاء الثقة للأولاد ومد جسور الصداقة معهم خصوصا مع الأب.
4- التجاوز بعض الشيء عما يمكن التجاوز عنه فلا داعي لملاحقتهم بأوامر ونواهٍ زائدة.
5- تحديد بعض النقاط التي لا يمكن التجاوز فيها إطلاقا، وتوضيح هذا لهم مثل: الصلاة، الأدب مع الكبار… إلخ.
6- التعبير عن اعتراضاتنا بأسلوب هادئ مع فتح باب للحوار ومناقشة الأسباب.
7- اتباع أسلوب الثواب والعقاب فأقوم بتشجيعه بقوة عندما يحسن التصرف مع الحذر في العقاب عندما يخطئ.
8- ضرورة ربطه بكتاب الله تعالى وسنة نبينا –عليه الصلاة والسلام-، والاقتداء بالصحابة –رضوان الله عليهم-، وربط مواقفهم بالقصص القرآني في حياتنا المعاصرة، خاصة ما يتعلق منها بالشجاعة، القوة، والأمانة، وحب الله وأهل بيت النبي.
9- الدعاء المستمر لهم.
دعوت الله من قلبي أن يربي أولادنا على عينه ويعيننا على صلاحهم، ولكن بقي سؤال في نفسي: هل الأم في فلسطين التي لا تجد شربة ماء أو كسرة خبز لأولادها وتبحث عنه تحت حطام المنازل متعثرة في جثث الشهداء.. هل لديها وقت لهذه التصادمات مع أبنائها؟ لا أعتقد. هل ما يحدث لأبنائنا هو نتيجة الفراغ والرفاهية والتدليل الزائد وما نوفره لهم من راحة؟ أرى أننا يجب أن نعيد النظر معهم في مشاكلنا وأولويات ما يشغلنا!!
اقرأ أيضًا:
المراهقة ...مشكلات حلولها الصداقة
صاحب ابنك المراهق..ينضبط
معاملة المراهق.. صداقة لا أوامر
معاملة المراهق منظومة صداقة
اكسب مراهق واربح أخوته
التربية الجنسية.. متى وكيف؟
للأمـــــــانه : منقــــــول (l)
[B] من موقع اسلام اون لاين
http://go.3roos.com/ANONWYpZJZU