رحلة في عالم الأقزام

بلسم الشرق 30-10-2003 3 رد 370 مشاهدة
ب
قصير أم طويل ليست هي القضية في معيار الموازين الحقة، فكم من قصير أبدع و تفوق؟، و كم من طويل لم يحالفه شيء من ذلك؟، و العكس وارد و ممكن، و رغم هذا يبقى أمر طول القامة يشغل بال الكثيرين و يحوز على جزء كبير من اهتمامهم فنرى الصغير يمني النفس باللحظة التي يصبح فيها رجلاً كأبيه (أو امرأة كأمها)، و نرى من ظن نفسه قصيراً يحاول أن ينال بعض الطول بأي ثمن، و نرى من كان قصيراً بالفعل يركض من عيادة لأخرى و ربما من عملية لأخرى سعياً وراء بضعة سنتيمترات.
إن قصر القامة من الحالات الشائعة نسبياً سواء في الحياة العامة أو في الممارسة المهنية الطبية، و رغم ضآلة أهمية القامة أمام قيم العقل و الفكر و بالطبع الدين و الخلق و الأخلاق إلا أنها كانت محوراً لقصص نسجت حول قصار القامة، و أساطير حيكت حول عالمهم ، منها مايروى للكبار، و منها ما يعشقه الصغار، و حتى في يومنا الحاضر فإننا لابد أن شاهدنا عبر الشاشات قصصاً كان أبطالها من هذا العالم المليء بالأسرار.
لا تشير كلمة قزامة إلى شماتة ما ، و ليست هي لفظة سيئة – لا سمح الله- ، و إنما هي مفردة لغوية تدل على القصر الزائد، و تعاكسها لفظة العملقة، و كلا الحالتين لا يخلو منهما مجتمع، و طبياً هناك عوامل عديدة تساهم بنمو الإنسان الطولي، و هي تعتمد أساساً على المخزون الوراثي للشخص، ذلك المخزون الذي يرثه المرء من أمه و أبيه، و قد يطرأ عليه تعديل ربما يصبح موروثاً فيما بعد لسبب أو لآخر، و يتم التعبير عن مجمل الموروث من خلال تفاعل دائم مابين الوراثة و البيئة بمفهومها الشامل، بحيث تسمح البيئة المثلى الداخلية و الخارجية للشخص بالنمو بالشكل الأقصى المقرر وراثياً، أو أن تلك البيئة تقف حجر عثرة في وجه هذا النمو فتعرقله و تكون النتيجة قصراً بالطول يتفاوت من حالة لأخرى، أما عندما يكون الخلل بالعوامل الوراثية فإن البيئة قد لاتستطيع أن تقدم الكثير لزيادة الطول اللهم إلا عبر بعض العمليات التقويمية و ربما عبر معالجات مورثية ننتظرها على أحر من الجمر.
إن الدرجات الشديدة من قصر القامة أو القزامة تنجم عن أسباب منها ما نشاهده من حالات تدعى باللاتصنع الغضروفي أو "الأكوندروبلاجيا" و هي حالات يكثر مشاهدتها على أرض الواقع و في شاشات التلفاز، و منها حالات ترتبط بعمل الغدد الصماء في الجسم و خصوصاً الغدتين النخامية و الدرقية، و هناك متلازمات عديدة و لكنها نادرة تؤدي لهذا القصر مثل متلازمة سيكل و متلازمة بلوم و متلازمة روسيل سيلفر و غيرها كثير، و هناك متلازمات وراثية شائعة أكثر مثل متلازمة تورنر و متلازمة نونان تؤدي لقصر قد يكون أقل شدة، هناك متلازمات تؤدي لقصر متوسط الشدة مثل متلازمة ويليام و متلازمة روبينو و متلازمة كاستيلو و غيرها، كما أن هناك متلازمة شديدة هي متلازمة الأطفال الشيوخ، و بالطبع فإن لكل متلازمة صبغية أعراضها و مظاهرها و إشكالياتها و اختلاطاتها الخاصة بها و التي قد تتشارك ببعضها مع غيرها مع بقاء قصر القامة قاسماً مشتركاً بينها، رغم أن أهميته قد تكون ثانوية تماماً في بعض الحالات إذا ماقورنت بالإضطرابات الأخرى المرافقة مثل الآفات القلبية و عدم الإنجاب و التأخر العقلي في بعض الحالات.
هناك نوع من قصر القامة ندعوه بالعائلي و هو شائع في بعض العائلات، و أغلب البشر يعرفون أن طول الإنسان يمكن توقعه من طول أمه و أبيه، و هناك قصر يشخص بمرحلة من مراحل الطفولة و من ثم ينمو الطفل بسرعة ليعانق طوله طول أنداده و ربما يتجاوزهم.
إن حالات قصر القامة المكتسبة كنتيجة لعوامل بيئية عديدة ، فمنها عوامل التغذية و خصوصاً في الطفولة الأولى، و كذلك الأمراض المزمنة و حالات سوء الهضم و معالجات الأورام الكيميائية و الشعاعية، و كذلك الأورام و السرطانات بحد ذاتها، و الإيدز عند الأطفال، و الرضوض وخصوصاً على الرأس، و كذلك بعض العمليات الجراحية، و هذا السرد يجرنا للحديث عن قزامتين غديتين سبق أن ألمحنا لهما، و هما القزامة النخامية المتعلقة بالغدة النخامية الموجودة في الدماغ، و الآخر القزامة الدرقية المتعلقة بالغدة الدرقية الموجودة في مقدمة العنق، و هما تجمعان سببياً مابين الوراثة و البيئة ، و لكل منهما صفاتها و أعراضها و علاماتها الخاصة.
التشخيص:
و له أهميته القصوى رغم أنه قد يمثل تحدياً أحياناً، إن من الأهمية بمكان معرفة معدلات الطول الطبيعية في مجتمع ما و بعمر ما و حسب الجنس و ذلك لتقرير الطبيعي و المرضي من الأطوال، و لهذا فإن هناك مخططات يعتمد عليها في التشخيص، و الأشيع منها هي تلك المخططات التي يعتمد عليها في سن الطفولة، لا بل أكثر من ذلك هناك مخططات خاصة بالنسبة لبعض الحالات و المتلازمات المرضية و الوراثية، و حسب الحالة يتم إجراء بعض الفحوص المخبرية أو الصور الشعاعية أو التحاليل الهرمونية أو غير ذلك لاستجلاء الصورة و وضع التشخيص الدقيق.
المعالجة:
تعتمد أساساً على السبب و نوع الإصابة (أو الإصابات) المرافقة و العمر، و بالتالي يتم توجيه العلاج النوعي نحو السبب ما أمكن ذلك و خصوصاً قبل العمر (18-20) سنة حيث هناك إمكانية لزيادة الطول، مع عدم إغفال معالجة النواحي الأخرى للمريض من علاج للأعراض المرافقة و دعم نفسي و اجتماعي و غير ذلك.
هناك المعالجات الهرمونية ، و هناك المعالجات العظمية و التقويمية، و هناك التدابير الغذائية و الدوائية، و بطبيعة الحال فإن المتابعة الطبية هي الأساس في حالات مزمنة كهذه، أما المعالجات العرضية الموجهة نحو الإختلاطات و التأثيرات التي قد تطرأ فقد تكون من الأهمية بمكان بحيث يتوقف عليها العديد من التطورات في مستقبل المريض سلباً أو إيجاباً.
و رغم أن قصر القامة و حالات القزامة تمثل تحدياً طبياً إلا أن الطب بالفعل قد قدم و يقدم الكثير بفضل الله، و لا زال الأمل بالمزيد – إن شاء الله- قائماً و مشروعاً، حيث أنه من المتوقع أن يقدم مشروع الجينوم البشري (HGP ) أو مايدعى بالخارطة الوراثية و تطبيقات ذلك السريرية في المستقبل ربما القريب الكثير على صعيد المعالجة المورثية و المعالجات الجزيئية و الأدوية الهدفية النوعية بشكل ربما لا نستطيع حتى تصوره في أيامنا الراهنة، و تلك الخارطة أضحت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق غاياتها بعد أن تم إعلان إنجازها منذ أيام، و لكن يلزم وقت لتسخيرها في الممارسة اليومية.
ماذا حول مستقبل المريض؟
يعتمد الإنذار المستقبلي لحالات قصر القامة على نوعها و سببها و شدتها، فهناك حالات تعيش حياة طبيعية تماماً، و هناك حالات تعاني من إشكاليات مرضية مختلفة، و هناك حالات تحدث فيها الوفاة باكراً، و هناك بين ذلك طيف واسع من الإحتمالات، أما عن تأثير القصر على الإنسان فهذا أيضاً يعتمد على العوامل آنفة الذكر، و عموماً فإن هناك تأثيرات نفسية و اجتماعية و حتى اقتصادية بالإضافة للتأثيرات الصحية و الطبية و كلها بحاجة للأخذ بعين الإعتبار عند وضع خطة تدبير المريض.
و ختاماً:
ليس قصر القامة عاراً أو مذمة، و كثير من النابغين و الناجحين هم بالواقع قصار قامة و لم يضيرهم ذلك بشيء، و لعل بعضنا يعرف بعضهم، و لا أزال أذكر تلك الأسكتلندية التي كانت و زوجها و أطفالها يعانون من نفس الحالة الوراثية التي تؤدي لقصر قامة شديد، و قد ارتقت علمياً و اجتماعياً حتى صارت خبيرة بحالتها، لابل صارت تدرب الأطباء و تختبرهم بحالتها، و ترأست جمعية تهتم بأمور تلك الحالة المرضية، و نقطة أخرى أحببت تأجيلها لآخر الحديث كي تبقى عالقة بالذهن ألا و هي أن البعض و للأسف يخافون من الأقزام أو يخوفون الغير منهم أو يربطونهم بالفأل غير الحسن، و كل هذا لا مبرر له علمياً أو طبياً أو أخلاقياً على الإطلاق لا بل إنه يتنافى مع القيم الإنسانية و الأخلاقية النبيلة و مثل ديننا الحنيف، و بنفس الوقت لا يجوز استخدام مفردات القزامة اللغوية إلا بمكانها الصحيح، فلا يجوز نعت الغير بها للتصغير أو التحقير، إن الأقزام بشر مثل كل البشر، و الأساس هو الخلق الكريم و نعمة العقل، و الله من وراء القصد.

بقلم د.عبدالمطلب بن أحمد السح
استشاري طب الأطفال و حديثي الولادة
عضو الجمعية الوراثية الأمريكية
عضو الجمعية الأوروبية للوراثة البشرية
ا
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كلامك صحيح والله يا دكتور..

بارك الله فيك
ب
مشكور يادكتور جزاك الله كل الخير
ب
أختي أم نورة شكرا لطيب كلماتكم
أختي بنت النور شكرا لكريم كلاماتكم.
X