الشاعر (علي محمود طه)

الوردة الجورية {نيبو} 22-07-2012 16 رد 10,510 مشاهدة
ا


الشاعر :
*علي محمود طه*



*نشأته :
ولد علي محمود طه في الثالث من أغسطس سنة 1901 بمدينة المنصورة عاصمة الدقهلية لأسرة من الطبقة الوسطى وقضى فيها صباه . حصل على الشهادة الإبتدائية وتخرج في مدرسة الفنون التطبيقية سنة 1924م حاملاً شهادة تؤهله لمزاولة مهنة هندسة المباني . واشتغل مهندساً في الحكومة لسنوات طويلة ، إلى أن يسّر له اتصاله ببعض الساسة العمل في مجلس النواب .

وقد عاش حياة سهلة لينة ينعم فيها بلذات الحياة كما تشتهي نفسه الحساسة الشاعرة . وأتيح له بعد صدور ديوانه الأول " الملاح التائه " عام 1934 فرصة قضاء الصيف في السياحة في أوربا يستمتع بمباهج الرحلة في البحر ويصقل ذوقه الفني بما تقع عليه عيناه من مناظر جميلة

وقد احتل علي محمود طه مكانة مرموقة بين شعراء الأربعينيات في مصر منذ صدر ديوانه الأول " الملاح التائه "، وفي هذا الديوان نلمح أثر الشعراء الرومانسيين الفرنسيين واضحاً لا سيما شاعرهم لامارتين . وإلى جانب تلك القصائد التي تعبر عن فلسفة رومانسية غالبة كانت قصائده التي استوحاها من مشاهد صباه حول المنصورة وبحيرة المنزلة من أمتع قصائد الديوان وأبرزها.

وقد كان التغني بالجمال أوضح في شعره من تصوير العواطف، وكان الذوق فيه أغلب من الثقافة وكان انسجام الأنغام الموسيقية أظهر من اهتمامه بالتعبير.
وعلي محمود طه من أعلام مدرسة "أبولو" التي أرست أسس الرومانسية في الشعر العربي. يقول عنه أحمد حسن الزيات: كان شابّاً منضور الطلعة، مسجور العاطفة، مسحور المخيلة، لا يبصر غير الجمال، ولا ينشد غير الحب، ولا يحسب الوجود إلا قصيدة من الغزل السماوي ينشدها الدهر ويرقص عليها الفلك



*أشهر أعماله :
الملاح التائه، عام (1934).
ميلاد الشاعر.
الوحي الخالد.
ليالي الملاح التائه (1940).
أرواح وأشباح (1942).
شرق وغرب (1943).
زهر وخمر (1943).
أغنية الرياح الأربع (1943).
الشوق العائد (1945). وغيرها.



*وفاته :
كان قضاء الله أسبق على علي محمود طه فما كاد يفرغ نفسه للشعر حتى عاجله القدر، فقد مات علي محمود طه في 17 نوفمبر سنة 1949 إثر مرض قصير "شلل نصفي مفاجئ" لم يمهله كثيراً وهو في قمة عطائه وقمة شبابه، ودفن بمسقط رأسه بمدينة المنصورة مدينة العباقرة.



منقول من المواقع التالية :

1- علي محمود طه - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

2- أدب .. الموسوعة العالمية للشعر العربي علي محمود طه

ا


:L: فــــلــــــســــطـــــيـــــن :L:

أخي ، جاوز الظالمون المـدى ***** فحق الجهاد وحق الفـدا
أنتركهم يغصبون العروبــة ***** مجد الأبوة والســؤددا ؟
وليسوا بغير صليل السيـوف ***** يجيبون صوتَاً لَنا أَو صدى
فجرد حسامك من غمــده ***** فليس لـه بعد ، أن يغمـدا
أخي، أيهـــا العربي الأبي ***** أرى اليوم موعدنا لا الغـدا
أخي، أقبل الشرق في أمــةٍ ***** ترد الضلال وتحيي الهـدى
أخي، إن في القدس أختاً لنـا ***** أعد لها الذابحون المُــدى
صبرنا على غدرهم قادريـن ***** وكنا لهم قدراً مرصــدا
طلعنا عليهم طلوع المنــون ***** فطاروا هباءً وصاروا سدى
أخي، قم إلى قبلة المشرِقيـن ***** لنحمي الكنيسة والمسجـدا
يسوع الشهيد على أرضها ***** يعانق في جيشه أحمدا
أخي، قم إليها نشق الغمـار ***** دماً قانياً ولظىً مرعــدا
أخي، ظمئت للقتال السيوف ***** فأورد شباها الدم المصعـدا
أخي، إن جرى في ثراها دمي ***** وشب الضرام بها موقــدا
ففتش على مهجـــة حرةٍ ***** أبت أن يمر عليها العــدا
وخذ راية الحق من قبضــةٍ ***** جلاها الوغى ونماها الندى
وقبل شهيداً على أرضهــا ***** دعا باسمها الله واستشهـدا
فلسطين يفدي حماك الشباب ***** وجل الفدائي والمفتــدى
فلسطين تحميك منا الصـدور ***** فإما الحياة وإمــا الردى

ا


* قــــــــلــــــــبـــــــي *

كالنجم في خفقٍ وفي ومضٍ ***** متفرداً بعوالم السدم
حيران يتبع حيرة الأرض ***** ومصارع الأيام والأمم
مستوحشاً في الأفق منفرداً ***** وكأنه في سامر الشهب
هذا الزحام حياله احتشدا ***** هو عنه ناء جدّ مغترب
مترنحاً كالعاشق الثمل ***** ريّان من بهج ومن حزن
نشوان من ألم ومن أمل ***** مستهزئاً بالكون والزمن
تلك السماء على جوانبه ***** بحر الحياة الفائر الزبد
كم راح يلتمس القرار به ***** هيمان بين شواطئ الأبد
تهفو على الأمواج صورته ***** وشعاعه اللماح في الغور
نفذت إلى الأعماق نظرته ***** فإذا الحياة جلية السر
ويمر بالأحداث مبتسماً ***** كالشمس حين يلفها الغيم
زادته علماً بالذي علما ***** دنيا تناهى عندها الوهم
بلغ الروائع من حقائقها ***** فإن السعادة تؤام الجهل
هتف المحدق في مشارقها ***** ذهب النهار فريسة الليل
يا قلب : مثل النجم في قلق ***** و الناس حولك لا يحسّونا
لولا اختلاف النور و الغسق ***** مروا بأفقك لا يطلّونا
فاصفح إذا غمطوك إدراكاً ***** و اذكر قصور الآدميينا
أتريدهم يا قلب أملاكاً ***** كلا و ما هم بالنبيينا
هم عالم في غيه يمضي ***** مستغرقاً في الحمأة الدنيا
نزلوا قرارة هذه الأرض ***** و حللت أنت القمة العليا
عبّاد أوهام و ما عبدوا ***** إلا حقير منى و غايات
و مناك ليس يحدها الأبد ***** دنيا وراء اللانهايات
و لك الحياة دنى و أكوان ***** عزّت معارجها على الراقي
تحيا بها و تبيد أزمان ***** و شبابها المتجدد الباقي
يا قلب : كم من رائع ألحلك ***** ألقاك في بحر من الرّعب
كم عذت منه بقبة ألفلك ***** و صرخت وحدك فيه يا قلبي
و مضيت تضرب في غياهبه ***** ترد عنك المائج الصخبا
تترقب البرق المطيف به ***** و تسائل الأنواء و السحبا
و خفقت تحت دجاه من وجل ***** كالطير تحت الخنجر الصلت
و عرفت بين اليأس و الأمل ***** صحو الحياة و سكرة الموت
يا قلب : عندك أي أسرار ***** ما زلن في نشر و في طي
يا ثورة مشبوبة النار ***** أقلقت جسم الكائن الحي
حمّلته العبء الذي فرقت ***** منه الجبال و أشفقت رهبا
و أثرت منه الروح فانطلقت ***** تحسو الحميم و تأكل اللهبا
و ملأت سفر المجد من عجب ***** و خلقت أبطالاً من العدم
و على حديثك في فم الحقب ***** سمة الخلود و نفحة القدم
كم من عجائب فيك للبشر ***** أخذتهم و منها الفجاءات
متنبئاً بالغيب و القدر ***** و عجيبة تلك النبوءات
و عجبت منك و من إبائك في ***** أسر الجمال و ربقة الحب
و تلفت المتكبر الصلف ***** عن ذلة المقهور في الحرب
يا حر كيف قبلت شرعته ***** و قنعت منه بزاد مأسور
آثرت في الأغلال طلعته ***** و أبيت منه فكاك مهجور
فإذا جفاك الهاجر الناسي ***** و قسا عليك المشفق الحدب
فاضت بدمعك فورة الكاس ***** و هتفت بكفك و هي تضطرب
و فزعت للأحلام و الذكر ***** تبكي و تنشد رجعة الأمس
ووددت لو حكمت في القدر ***** لتعيد سيرتها من الرمس
ووهمت ناراً ذات إيماض ***** فبسطت كفك نحوها فزعا
مرت بعينيك لمحة الماضي ***** فوثبت تمسك بارقاً لمعا
و صحوت من وهم و من خبل ***** فإذا جراحك كلهن دم
لجت عليك مرارة الفشل ***** و مشى يحز وتينك الألم
و الأرض ضاق فضاؤها الرحب ***** و خلت فلا أهل و لا سكن
حال الهوى و تفرق الصحب ***** و بقيت وحدك أنت و الزمن
و صرخت حين أجنك الليل ***** متمرداً تجتاحك النار
و بدا صراعك أنت و العقل ***** و لأنتما بحر و إعصار
ما بين سلمكما و حربكما ***** كون يبين و يختفي كون
و بنيتما الدنيا و حسبكما ***** دنيا يقيم بناؤها الفن

ا


(عـــــام جــــديـــــد)

غن بالهجرة عاماً بعد عام ***** و ادع للحق و بشر السلام
و ترسل يا صديقي نغما ***** و تنقل بين أمواج و غمام
صوتك الحق فلا يأخذك ما ***** في نواحي الأرض من بغي و ذام
كن بشير الحب الحب و النور إلى ***** مهج كلمي و أكباد دوامي
هجرت أوطانها و اغتربت ***** في مثالي من المبدأ سام
أنفت عيش الرقيق المجتبى ***** و أبت ذل الضمير المستضام
يا دعاة الحق هذي محنة ***** تشغل الروح بمشبوب الضرام
هذه حرب حياة أو حمام ***** و صراع الخير و الشر العقام
خاضها الإسلام فرداً ، و هدى ***** بيراع ، و تحدى بحسام
هجرة كانت إلى الله ، و في ***** خطوها مولد أحداث جسام
أخطأ الشيطان مسراها ، فيا ***** ضلة الشيطان تلك الموامي
آب الخيبة من غايته ***** و هو فوق الأرض ملعون المقام
صفحات من صراع خالد ***** ضمنت كل فخار و وسام
لم تتح لجبار طغى ***** أو لباغ فاتك السيف عرام
بل لداع أعزل في قومه ***** مستباح الدم مهدور الذمام
زلزل العالم من أقطاره ***** بقوى الروح على القوم الطغام
و بنى أول دنيا حرة ***** برئت من كل ظلم وأثام
تسع الناس على ألوانهم ***** لم تفرق بين آري و سامي
حاطم الأصنام : هل منك يد ***** تذر الظلم صديعاً من حطام ؟
لم تطلقها حجراً أو خشبا ***** و يطاق اليوم أصنام الأنام
و عجيب صنعهم في زمن ***** أبصر الأعمى به و المتعامي
آدميون قزامى انتحلوا ***** منطق الآلهة الشم العظام
و تراهم مثلما تسمعهم ***** صور الوهم و أحلام النيام
بشروا الناس بدنيا ، ويحهم ! ***** أي دنيا من دمار و حمام ؟
تسلب الناس حجاهم و ترى ***** أمم الأرض قطيعاً من سوام
قيل للحق ، و ما أعجبه ***** في ادّعاء لفقوه و اتهام
قيل للخبز ، فهل أطعمهم ***** حاتم الحرب سوى الموت الركام
سددي بالنار قوساً و اصرعي ***** مارد الشر بمشبوب السهام
ضلت الأرض بليل داهم ***** يحذر النجم دجاه المترامي
دميت أعيننا في جنحه ***** و اشتكت حتى خفافيش الظلام
يا قلوباً ضمها الشرق على ***** مورد للحق و الحب التوأم
و شعوبنا جمعتها أمة ***** بين مصر عراق و شام
و بطونا من بقايا طارق ***** في البقاع الجرد و الخضر النوامي
ما شدا شعري بها إلا هفت ***** بالقباب البيض أو حمر الخيام
كل روح بهدى من حبها ***** كل قلب بشعاع من غرام
تذكر القربى و تستندي بها ***** مشرق الآمال في مطلع عام
و ترجى عودة المجد الذي ***** أعجز الباني ، و أعيا المتسامي
من بيوت هاشميات البنى ***** عروش أمويات الدعام
و نتاج من نهى جبّارة ***** و تراث من حضارات ضخام
قل لها يا عام لا هنت ***** و لا كنت إلا مهد أحرار كرام
ذاك مجد لم ينله أهله ***** بالتمني ، و التغني ، و الكلام
بل بآلام ، و صبر ، و ضنى ***** و دموع، و دم حر سجام
قل لها إن الرحى دائرة ***** و اللّيالي بين كر و صدام
فاستعدي لغد إن غدا ***** نهزة السباق في هذا الزحام
و اجمعي أمرك لليوم الذي ***** يحمل البشرى لعشاق السلام

ا


{ الـــمـــــلاّح الــــتـــــائـــه }

أيها الملاّح قم و اطو الشراعا ***** لم نطوي لجة الليل سراعا
جذف الآن بنا في هينة ***** و جهة الشاطئ سيراً و اتّباعا
فغدا يا صاحبي تأخذنا ***** موجة الأيام قذفاً و اندفاعا
عبثاً تقفو خطى الماضي الذي ***** خلت أن البحر واراه ابتلاعا
لم يكن غير أويقات هوى ***** وقفت عن دورة الدهر انقطاعا
فتمهل تسعد الروح بما ***** وهمت أو تطرب النفس سماعا
ودع الليلة تمضي إنها ***** لم تكن أول ما ولّى وضاعا
سوف يبدو الفجر في آثارها ***** ثم يمضي في دواليك تباعا
هذه الأرض انتشت مما بها ***** فغفت تحلم بالخلد خداعا
قد طواها الليل حتى أوشكت ***** من عميق الصمت فيه أن تراعا
إنه الصمت الذي في طيّه ***** أسفر المجهول و المستور ذاعا
سمعت فيه هتاف المنتهى ***** من وراء الغيب يقريها الوداعا
أيها الأحياء غنوا و اطربوا ***** و انهبوا من غفلات الدهر ساعا
آه ما أروعها من ليلة ***** فاض في أرجائها السحر و شاعا
نفخ الحب بها من روحه ***** و رمى عن سرها الخافي القناعا
و جلا من صور الحسن لنا ***** عبقرياً لبق الفن صناعا
نفحات رقص البحر لها ***** و هفا النجم خفوقاً و التماعا
و سرى من جانب الأرض صدى ***** حرك العشب حناناً و اليراعا
بعث الأحلام من هجتها ***** كسرايا الطير نفرن ارتياعا
قمن بالشاطئ من وادي الهوى ***** بنشيد الحب يهتفن ابتداعا
أيها الهاجر عز الملتقى ***** وأذبت القلب صدّاً و امتناعا
أدرك التائه في بحر الهوى ***** قبل أن يقتله الموج صراعا
وارع في الدنيا طريداً شارداً ***** عنه ضاقت رقعة الأرض اتساعا
ضل في الليل سراه ، و مضى ***** لا يرى في أفق منه شعاعا
يجتوي اللافح من حرقته ***** و عذاب يشعل الروح التياعا
و الأسى الخالد من ماض عفا ***** و الهوى الثائر في قلب تداعى
فاجعل البحر أماناً حوله ***** و املأ السهل سلاماً و اليفاعا
و امسح الآن على آلامه ***** بيد الرفق التي تمحو الدماعا
و قد الفلك إلى بر الرضى ***** و انشر الحب على الفلك شراعا

ا


'' أغـــنـــيــــة ريــــفــــيــــة "
إذا داعب الماء ظل الشجر ***** و غازلت السحب ضوء القمر
ورددت الطير أنفاسها ***** خوافق بين الندى و الزهر
و ناحت مطوقة بالهوى ***** تناجي الهديل و تشكو القدر
و مرّ على النهر ثفر النسيم ***** يقبّل كل شراع عبر
و أطلعت الأرض من ليلها ***** مفاتن مختلفات الصور
هنالك صفصافة في الدجى ***** كأن الظلام بها ما شعر
أخذت مكاني في ظلها ***** شريد الفؤاد كئيب النظر
أمر بعيني خلال السماء ***** و أطرق مستغرقاً في الفكر
أطالع و جهك تحت النخيل ***** و أسمع صوتك عند النهر
إلى أن يمل الدجى و حشتي ***** و تشكو الكآبة مني الضجر
و تعجب من حيرتي الكائنات ***** و تشفق مني نجوم السحر
فأمضي لأرجع مستشرفاً ***** لقاءك في الموعد المنتظر

ا


- قـــيـــثـــارتـــي -

بددت يا قيثارتي أنغامي ***** و نسيت لحن صبابتي و غرامي
مرت ليل كنت مؤنستي بها ***** و عزاء نفس جمت الآلام
تروين من طرب الصبا و حنينه ***** و تذهبين حواشي الأحلام
كالبلبل الشاكي رويت صبابتي ***** لحناً تمشى في دمي و عظامي
أنشودة الوادي و لحن شبابه ***** ذابت على صدر الغدير الطامي
شاق الطبيعة من قديم ملاحني ***** أصداؤك الحيرى على الآكام
و شجا البحيرة و استخف ضفافها ***** لحن كفئر موجها المترامي
ياربة الألحان غني و ابعثي ***** من كل ماض عائر الأيام
هل من نشيدك ما يجدد لي الصبا ***** و يعيد لمحة ثغره البسام
و يصور الأحلام فتنة شاعر ***** توحي الخيال لريشة الرسام
وادي الهوى ولت بشاشة دهره ***** و خلت مغانيه من الآرام
طارت صوادحه و جف غديره ***** و ذوى بشطّيه النضير النامي
و اعتاض بهمس النسيم بعاصف ***** داو يشق جوانب الأظلام
و هو الصدى الحاكي لضائع صرختي ***** و صداك بين الغور و الآكام
قد كن ألاّفي و نزهة خاطري ***** و سماء وحي الشعر و الإلهام
مالي بهن سكتن عن آلامي؟ ***** أنسين عهد مودتي و ذمامي ؟
يا ربة الألحان هل من رجعة ***** لقديم لحنك أو قديم هيامي؟
فاروي أغاني القدامى ، و انفثي ***** في اللّيل من نفثات قلبي الدامي
علّ الذي غنيت عرش جماله ***** و طفقت أرقب أفقه المتسامي
تشجيه ألحاني فيسعدني به ***** طيف يضن عليّ بالإلمام
مالي أراك جمدت بين أناملي ***** و عصيت أنّاتي و دنعي و إلهامي
خرساء لا تتلو النشيد و لا تعي ***** سر الغناء و لا تعيد كلامي
يغري الكآبة بي و يكسف خاطري ***** أني أراك حبيسة الأنغام

ا


/ أيـــتـــهــا الأشـــبــــاح /

لم أقبلت في الظلام إليّ ؟ ***** و لماذا طرقت بابي ليلا؟
لات حين المزار أيتها الأشـ***** ـباح فامضي فما عرفتك قبلا
اتركيني في وحشتي و دعيني ***** في مكاني بوحدتي مستقلا
لست من تقصدين في ذلك الوا ***** دي فعذراً إن لم أقل لك أهلا
لا تطيلي الوقوف تحت سياجي ***** لن تري فيه للثّواء محلا
ضل مسراك في الظلام فعودي ***** و احذري فيه ثانياً أن يضلا
ذاك مأوى في تخوم الفياقي ***** طلل واجم عليك أطلا
قد تخليت عن زماني فيه ***** وهو بي عن زمانه قد تخلى
لن ترى من خلاله غير خفّا ***** قشعاع يكاد في الليل يبلى
و خيال مستغرق في ذهول ***** بات يرعى ذباله المضمحلا
إبرخي بهوه الكئيب فما فيـ ***** ـه لعينيك بهجة تتجلى
قد نزلت العشي فيه على قفـ ***** ـر جفته الحياة ماء و ظلا
كان هذا المكان روضاً نضيرا ***** جر فيه الربيع بالأمس ذيلا
كان فيه زهراً فعاد هشيما ***** كان فيه طير و لكن تولى
فاسلمي من شقائه و دعيه ***** وحده يصحب السكون المملا
و اطرقي غير بابه ، إنّ روحي ***** أحكمت دونه رتاجاً و قفلا
أ وقوفاً إلى الصباح ببابي!؟ ***** شدّ ما جئته غباء و جهلا
ابعدي من وراء نافذتي الآ ***** ن ورفقاً إذا انثنيت و مهلا
إن من تحتها هزازاً صريعا ***** سامه البرد في العشية قتلا
و أزاهير حوله ذابلات ***** مزقتها الرياح في الليل شملا
كان لي في حياتها خير سلوى ***** فدعيني بموتها أتسلى
فهي بقايا صبابة و دموع ***** جثيا عندها شعاعاً و طلا
إن عيني بها أحق من المو ***** ت و قلبي بها من القبر أولى
جن قلبي فاستضحكته المنايا ***** حيث أبكتني الحقيقة عقلا
لا تطيلي الوقوف أيتها الأشبـ ***** ـاح فامضي فما رأيتك قبلا
أو لم تسمعي؟ جهلتك من أنـ ***** ـت ! فعودي فما كذبتك قولا

ا
: عــــلى الـــصــــخـــرة الــــبــــيـــضــاء :

على الصّخرة البيضاء ظلّلني الدّجى*****أسرّ إلى الوادي نجيّة شاعر
سمعت هدير البحر حولي فهاج بي*****خوالج قلب مزبد اللّج هادر
وقفت أشيع الفكر فيها كأنّما*****إلى الشّاطئ المجهول يسبح خاطري
و قد نشر الغرب الحزين ظلاله*****على ثبج الأمواج شعث الغدائر
من خلفها تبدو النّخيل كأنّها*****خيالات جنّ أو ظلال مساحر
ألا ما لهذا البحر غضبان مثلما*****تنفس فيه الرّيح عن صدر ثائر
لقد غمر الأكواخ فوق صخوره*****ولجّ بها في موجه المتزائر
و أنحى عن قطّانها غير مشفق*****بهم أو مجيل فيهمو عين باصر
و مالي كأنّي أبصر اللّيل فوقه*****يرفّ كطيف في السّماوات حائر
ألا أين صيّادوه فوق ضفافه*****يهيمون في خلجانه و الجزائر
و بحّارة الوادي تلفّع بالدّجى*****و تنشد ألحان الرّبيع المباكر
لقد غرقوا في إثر أكواخهم به*****و ما لمسوا من حكمه عفو قادر
و سجّاهم باليمّ زاخر موجه*****و أنزلهم منه فسيح المقابر
أصخ أيّها الوادي ! أما منك صرخة*****يدوّي صداها في عميق السّرائر !؟
أتعلم سرّ اللّيل ؟ أم أنت جاهل ؟*****بلى إنّه يا بحر ليل المقادر !!

ا
-- مـــــــــخدع مــــــغنـــية --

شاع في جوّه الخيال و رفّ الـ*****ـحسن و السّحر و الهوى و المراح
ونسيم معطّر خفقت في*****ـه قلوب ، ورفرفت أرواح
و منى كلهنّ أجنحة تهـ*****ـفو و دنيا بها يدفّ جناح
و من الزّهر حولها حلقات*****طاب منها الشّذا و رقّ النّفاح
حملت كل باقة دمع مفتو*****ن كما تحمل الندى الأدواح
و هي في ميعة الصبا يزدهيها*****ضحك لا تملّه و مزاح
و غناء كأنّ قمرية سكـ*****ـرى بألحانها تشيع الراح
أخلصت ودّها المرايا فراحت*****تتملّى فتشرق الأوضاح
كشفت عن جمالها كلّ خاف*****و أباحت لهنّ ما لا يباح
معبد للجمال، و السحر ، و الفتـ*****ـنة يغدى لقدسه و يراح
نام في بابه العزيز كيوبيـ*****ـد و لكن في كفّه المفتاح
إن ينم فالحياة شدو و لهو*****أو ينبّه فأدمع و جراح
دخلت بي إليه ذات مساء*****حيث لا ضجّة و لا أشباح
لم نكن قبل بالرفيقين لكن*****هي دنيا تتيح ما لا يتاح
و جلسنا يهفو السّكون علينا*****و يرينا وجوهنا المصباح

ا
<< غـــرفــــة الــــشـــاعر >>

أيّها الشاعر الكئيب مضى اللّيـ*****ـل و مازلت غارقاً في شجونك
مسلما رأسك الحزين إلى الفكـ*****ـر و للسّهد ذابلات جفونك
و يد تمسك اليراع و أخرى*****في ارتعاش تمرّ فوق جبينك
وفمّ ناضب به حرّ أنفا*****سك يطغى على ضعيف أنينك
لست تصغي لقاصف الرّعد في اللّيـ*****ـل و لا يزدهيك في الإبراق
قد تمشّى خلال غرفتك الصّمـ*****ـت و دبّ السّكون في الأعماق
غير هذا السّراج في ضوئه الشّا*****حب يهفو عليك من إشفاق
و بقايا النّيران في الموقد الذّا*****بل تبكي الحياة في الأرماق
أنت أذبلت بالأسى قلبك الغضّ*****و حطّمت من رقيق كيانك
آه يا شاعري لقد نصل اللّيـ*****ـل و مازلت سادرا في مكانك
ليس يحنو الدّجى عليك ولا يأ*****سى لتلك الدموع في أجفانك
ما وراء السّهاد في ليلك الدّا*****جي و هلاّ فرغت من أحزانك؟
فقم الآن من مكانك و اغنم*****في الكلاى غطّة الخليّ الطروب
و التمس في الفراش دفئا ينسّـ*****ـك نهار الأسى و ليل الخطوب
لست تجزي من الحياة بما حمّـ*****ـلت فيها من الضّنى و الشّحوب
إنّها للمجون و الختل و الزيـ*****ـف و ليست للشّاعر الموهوب!

ا
( الـــــــــوحي الــــــخــــالد )

لوجهك هذا الكون يا حسن كلّه*****وجوه يفيض البشر من قسماتها
و تستعرض الدّنيا غريب فنونها*****و تعرب عن نجواك شتّى لغاتها
و لولاك ما جاش الدّجى بهمومها*****و لا افترّ ثغر الصّبح عن بسماتها
و لا سعدت بالوهم في عالم المنى*****و لا شقيت بالحبّ بين لداتها
ولا حبت الفنّان آيات فنّه*****و لا رزق الإبداع من نفحاتها
بكرت إلى الرّوض النّضير فزاحمت*****إليك ورود الأرض نور نباتها
و ألقت بأنداء الصّباح شفاهها*****على قدميك العذب من قبلاتها
تشتهّي خطى فيها الرّدى و كأنّها*****تصيب حياة الخلد بعد مماتها
و ملت إلى الأدواح فانطلقت بها*****صوادح طار الصّمت عن و كناتها
و مدّ شعاع الفجر ريق نوره*****يحيّيك يا ابن الفجر من شعفاتها
فوا أسفا يا حسن للحظة التي*****تطيش لها الأحلام من وثباتها
ووا أسفا يا حسن للفرقة التي*****يعزّ على الأوهام جمع شتاتها
و ماهي إلاّ الصّمت و البرد و الّدجى*****و دنيا يشيع الموت من جنباتها
فضاء يروع الرّيح فيه نشيجها*****و تفزع فيه البوم من صرخاتها
و تنثر الأزهار من عذباتها*****و تعرى الغصون النّضر من ورقاتها
و يغشى السّماء الجهم من كلّ ديمة*****تخدّد وجه الأرض من عبراتها
هناك لا الوادي و لا العالم الذي*****عرفت و لا الأيّام في ضحكاتها
و لكن ردى الّنفس التي كنت حبّها*****و نافث هذا السّحر في كلماتها
مضت غير شعر خلّدت فيه و حيها*****إليك فخذ يا حسن وحي حياتها

ا
/ الــــــنشــــــيد /

عندما ظللني الوادي مساء*****كان طيف في الدّجى يجلس بقربي
في يديه زهرة تقطر ماء*****عرفت عيني بها أدمع قلبي
قلت من أنت؟ فلبّاني مجيبا*****نحن ياصاح غريبان هنا
قد نزلنا السّهل و الليل الرّهيبا*****حيث ترعاني و أرعاك أنا
قلت يا طيف أثرت النّفس شكا*****كيف أقبلت؟ و قل لي من دعاكا
قال أشفقت من اللّيل عليكا*****فتتبّعت إلى الوادي خطاكا
و دنا مني و غنّاني النّشيدا*****فعرفت اللّحن و الصّوت الوديعا
هو حبّي هام في الليل شريدا*****مثلما همت لنلقاك جميعا
أقبل اللّيل فأقبل موهنا*****و التمس مجلسنا تحت الظلال
وافني نصدح بألحان المنى*****و نعبّ الكأس من خمر الخيال
أقبل اللّيلة و انظر و اسمع*****كلّ ما في الكون يشدو بمزارك
جئت بالأحلام و الذّكرى معي*****و جلسنا في الدّجى رهن انتظارك
سترى يا حسن ما أعددته*****لك من ذخر و حسن ومتاع
هو قلبي في الهوى ذوّبته*****لك في رفّاف لحن و شعاع
وهو شعر صوّرت ألوانه*****بهجة الفجر و أحزان الشّفق
و نشيد مثّلت ألحانه*****همسات النّجم في أذن الغسق
باكي الأحلام محزون المنى*****ضاحك الآلام بسّام الجراح
لم يكن إلاّ تقيا مؤمنا*****بالذي أغرى بحبّيك الطّماح
يتمنّى فيك لو يفنى كما*****يتفانى الغيم في البحر العباب
أو يتلاشى فيك حيّا مثلما*****يتلاشى في الضّحى لمح الشّهاب
دمعها الأنداء و العطر الشّجا*****و صدى أنّاتها همس النّسيم
فاحبها منك الرّبيع المرتجى*****تصدح الأيّام باللّحن الرّخيم

ا
" الـــــــــلـــــــــه والـــشـــاعر "

لا تفزعي يا أرض : لا تفرقي*****من شبح تحت الدّجى عابر
ما هو إلاّ آدميّ شقي*****سمّوه بين النّاس بالشاعر
حنانك الآن فلا تنكري*****سبيله في ليلك العابس
و لا تضلّيه و لا تنفري*****من ذلك المستصرخ البائس
مدّي لعينيه الرّحاب الفساح*****و رقرقي الأضواء في جفنه
و أمسكي يا أرض عصف الرّياح*****و الرّاعد المنصب في أذنه
أتسمعين الآن في صوته*****تهدّج الأنّات من قلبه؟
و تقرأين الآن في صمته*****تمرّد الرّوح على ربّه؟
و في وقفة الذّاهل ألقى عصاه*****مولّي الجبهة شطر الفضاء
كاّنما يرقى الدّجى ناظره*****يستشفّا ما وراء السّماء
يسقط ضوء البرق في لمحه*****على جبين بارد شاحب
و يستثير البرد في لفحه*****نارا تلظّى من فم ناضب
أنت له يا أرض أمّ رؤوم*****فأشهدي الكون على شقوته
وردّدي شكواه بين النّجوم*****فهو ابنك الإنسان في حيرته
ما هو إلاّ صوتك المرسل*****وروحك المستعبد المرهق
قد آده الدّهر بما يحمل*****فجاء عن آلامه ينطق
طغى الأسى الدّاوي على صوته*****يا للصّدى من قلبه الناطق
مضى يبثّ الدّهر في خفته*****شكاية الخلق إلى الخلق إلى الخالق
لا تعدني يا ربّ في محنتي*****ما أنا إلاّ آدميّ شقي
طردتني بالأمس من جنّتي*****فاغفر لهذا الغاضب المحنق
حنانك اللّهم لا تغضب*****أنت الجميل الصّفح جمّ الحنان
ما كنت في شكواي بالمذنب*****و منك يا ربّ أخذت الأمان
ما أنا بالزّاري و لا الحاقد*****لكنّني الشّاكي شقاء البشر
أفنيت عمري في الأسى الخالد*****فجئت أستوحيك لطف القدر
تمرّدت روحي على هيكلي*****و هيكل الجسم كما تعلم
ذاك الضّعيف الرّأي لم يفعل*****إلاّ بما يوحي إليه الدّم!
يعرق حدّ السّيف من لحمه*****و يحطم الصّفوان بنيانه
و ينخر الجرثوم في عظمه*****و منه ينمي القبر ديدانه
ما هو إلا كومة من هباء*****تمحقه اللّمسة من غضبتك
فكيف يثني الرّوح عمّا تشاء؟***** و كيف يقوى؟ و هي من قدرتك؟
روحك في روحي تبثّ الحياة*****نزلت دنياي على فجرها
فإن جفاها ذات يوم سناه*****لاذت بليل الموت في قبرها
و مثلما قدّرتها صوّرتها*****فروحك الصّوت و روحي الصّدى
طبيعة في الخلق ركبتها*****و ما أري لي في بناه يدا !
لكنّما روحك من جوهر*****صافي و روحي ما صفت جوهرا!
أو لا ؟ فما للخير لم يثمر فيها ؟*****و ما للشّر قد أثمرا ؟
تقول روحي إنّها ملهمة*****فهي لما قدّرته متبعة
مقودة في سيرها مرغمة*****و إن تراءت حرّة طيّعة
إرث تمشّى في دمي منهما*****ميراثه ينتظم العالما !
فأنت قدّرت عليّ الشّقاء*****من حيث قدّرت عليّ النّعيم
و ما أرى !! هل في غد لي ثواء*****بالخلد ؟ م مثواي نار الجحيم؟
ما أثمت روحي و لا أجرمت*****و لا طغى جسمي و لا استهترا
عناصر الروح بما ألهمت*****أوحت إلى الجسم فما قصّرا
كلاهما لم يعد تصويره*****ما كان إلاّ مثلما كوّنا
كم حاولا بالأمس تغييره*****فاستكبر الطّبع و ما أذعنا
أمنذري أنت بيو الحساب ؟*****و لائمي أنت على ما جرى ؟
رحماك: مايؤضيك هذا العذاب*****لطيّع لم يعص ما قدّرا !!
ما كنت إلاّ مثلما ركّبت غرئزي*****ما شئت لا ما أشاء
فلتجزها اليوم بما قدّمت*****و إن تكن ممّا جنته براء !
و فيم تجزى ، و هي لم تأثم ؟*****ألست أنت الصّائغ الطّابعا ؟
ألم تسمها قبل*****بـــــــالمـــــيــــســــــم؟؟؟
ألم تصغها عنصرا عنصرا ؟*****من أين ؟ ما علمي ؟ و أنت العليم !
جبلتها يوم جبلت الثّرى*****من عالم الذّر و دنيا السّديم
الخير و الشّر بها توأمان*****و الحبّ و الشّهوة في طبعها
حوّاء و الشّيطان لا يبرحان*****يساقطان السّحر في سمعها
تشكّكت نفسي بما تنتهي*****إليه دنياه و ماذا يكون !
مضت فما آبت بما تشتهي*****من حيرة الفكر و هجس الظّنون !
رأت إساري في قيود ثقال*****بين يديّ ذي مرّة يبسمون
يسوقهم في فلوات اللّيال*****في بطش جبّارين لا يرحمون
إن ضجّ في الأغلال منهم طليح*****أخرسه السّوط الذي يرهف
و إن هوى للأرض منهم جريح*****أنهضه في قيده يرسف !
يا ويحهم ما عرفوا موئلا*****من قسوة الدّهر و حور القضاء
يا أرض ما كنت لنا منزلا*****ما أنت إلاّ موبق الأبرياء !!
أفي سبيل العيش هذا الصّراع ؟*****أم في سبيل الخاد و الآخره ؟
و هؤلاء البائسون الجياع*****تطحنهم تلك الرّحى الدّائره ؟؟
ما ذنب هذا العالم الثّائر ؟*****إن حاول الإفلات من آسره ؟
ما كان في ميلاده الغابر*****أسعد حالا منه في حاضره !!
ما كان لو لم تنز آلامه*****بالماجن الرّوح و لا الهائم
لو جرت بالصّفو أيّامه*****ما كان بالزّاري و النّاقم
رأى بعينيه المصير الرّهيب*****و كيف غال النّاس من قبله
و كلّ يوم للمنايا عصيب*****يسوقهم للموت من حوله !
فحقّر الدّنيا و أزرى بها*****و قال: مالي أنكر الواقعا ؟
فلتسعد النّفس بأنخابها*****من قبل أن تلقى الغد الرّائعا !
أيصبح الإنسان هذا الرّميم ؟*****و الجيفة الملقاة نهب التّراب ؟
أيستحيل الكونهذا الهشيم*****و الظّلمة الجاثم فيها الخراب ؟
لمن إذا ابتدع تلك العقول ؟*****أفي الرّدى تدرك ما فاتها ؟؟
أم غد تثوي بتلك الطّلول*****و يستحق الدّهر يواقيتها ؟؟
و آسفا للعالم البائد*****ليس له ممّا يرى مهرب
على رنين النجل الحاصد*****مضى يغنّي ... و هو لا يطرب !!
فدعه ينسى بعض ما حمّلا*****من نكد الدّنيا و ضنك الحياه
و أوله العطف الذي أمّلا*****فإنه أولى بعطف الإله !
ماهي إلاّ لحظات قصار*****تمرّ مثل الومض في عينيه
فإن مضى اللّيل و جاء النّهار*****عاوده الخالد من حزنه !
و ما أتى الغيّ ليعصي الإله*****يوما، و لا كان به مغرما
لك لينسى شقوات الحياة*****و سرّها المستغلق المبهما !
يا للشّقيّ القلب كم سامه*****توهّم النّعمة ما لا يطيق
يريد أن يقنع أوهامه*****بأنه ذاك الخليّ الطّليق
هأنذا أرفع آلامه*****إلى سماء المنقذ الأعظم
إنا الذي ترسل أنغامه*****قيثارة القلب ، و ناي الفم
من عبراتي صغت هذا المقال*****و من لهيب الرّوح هذا القلم
ملأت منه صفحات اللّيال*****فضمّنت كلّ معاني الألم
أنا الذي قدّست أحزانه*****الشّاعر الباكي شقاء المبشر
فجّرت بالرّحمة ألحانه*****فاملأ بها يا ربّ قلب القدر ّ
ما الشّاعر الفنّان في كونه*****إلاّ يد الرّحمة من ربّه
معزّي العالم في حزنه*****و حامل الآلام عن قلبه
عزاؤه شهر به أهزج*****في نغم مستعذب ساحر
ما يحزن العالم أو يبهج*****إلاّ على قيثارة الشّاعر
يا ربّ ما اشقيتني في الوجود*****إلاّ بقلبي : ليته لم يكن
في المثل الأعلى و حبّ الخلود*****حمّلته العبء الذي لم يهن
خلقته قلبا رقيق الشّغاف*****يهيم بالنّور و يهوى الجمال
حلت له النّجوى و لذّ الطّواف*****بعالم الحسن و دنيا الخيال
بعثته طيرا خفوق الجناح*****على جنان ذات ظلّ و ماء
أطلقته فيها قبيل الصّباح*****و قلت : غنّ الأرض لحن السّماء
فهام في آفاقها الواسعة*****النّور يهفو حوله و النّدى
مصفّقا للضّحوة الساطعة*****و منشدا ما شاء أن ينشدا
أن جاء صيف أو تجلّى ربيع*****حيّاه منه عبقريّ الغناء
و كم خريف من نشيد بديع*****تظلّ ترويه ليال الشّتاء
قيتارة تصدر في فنّها*****عن عالم السّحر و دنيا الخفاء
على الصّدى الحائر من لحنها*****يستيقظ الفجر و يغفو المساء
مشت على الأنغام أمواجها*****و الأرض قيد النّشوة المسكره
كأنّما ترقص أحلامها*****في ليلة شرقيّة مقمره!
من قلبه أسلست أوتارها*****فقلبه يخفق في كفّه
يشدو فتملي النّفس أسرارها*****عليه فهي اللّحن من عزفه
ذات صباح طار لا يمهل*****و الأرض سكرى من عبير الزهور
حلى حصاها رنّم الجدول*****و في روابيها تغني الطّيور
ما كان يدري قبل أن ينظرا*****ما خبأته النّظرة العاجلة
ما أبدع الحلم الذي صوّرا*****لو لم تشبه اليقظة القاتلة!
مرّ بنهر دافق سلسبيل*****تهفو القمارى حوله شادية
في ضفّتيه باسقات النّخيل*****ترعى الشّياه تحتها ثاغية
فهاجت النّظرة ممّا رأى*****في قلبه السّحر و في عينيه
الكون يبدو وادعا هانئا*****كانّه الفردوس في أمنه
فظلّ في التفكير مستغرقا*****من فتنة الدّنيا و من سحرها
ما كان إلاّ ريثما حدّقا*****حتى جلت دنياه عن سحرها
رأى بعينيه الذي لم يره*****الذّئب و الشّاة، و حرب البقاء
ما عرف القتل و لا أبصره*****و لا رأى من قبل لون الدّماء!
ما هي إلا صرخات الفزع*****و صيحة المقتول و القاتل
قد انقضى الأمر كأن لم يقع*****و ضاع صوت الحقّ في الباطل
و بعد ساعات يولّي النّهار*****و يقبل اللّيل و ما يعلم!
سيلبث السّر وراء السّتار*****و يختفي الشّلو و يمحي الدمّ
فروّع الشاعر ممّا رآه*****و هام في الأرض على وجهه
أين ترى يا أرض يلقي عصاه؟*****و أيّ واد ضلّ في تيهه؟
حتى إذا شارف ظلّ الشّجر*****في روضة غنّاء ريا الأديم
قد ضحطت للنّور فيها الزّهر*****و صفّقت أوراقها للنّسيم
إختار في الظّل له مقعدا*****قي ربوة فاتنة ساحرة
أذاب فيها الشّفق العسجدا*****و ناسمتها النّفحة العاطرة
بينما يملّي العين من سحرها*****إذ أبصر الصّلّ بها مطرقا
قد انتحى الأطيار في و كرها*****فسامها من نابه مبقا
هل سمعت أذناك قصف الرّعود*****في صخب البحر و عصف الرّياح؟
هل أبصرت عيناك ركض الجنود*****في فزع الموت و هول الكفاح
إن كنت لم تبصر و لم تسمع*****فقف إلى ميدانها الأعظم
ما بين ميلادك و المصرع*****ما بين نابي ذلك الأرقم !!
جريمة الغدر و سفك الدّم*****جريمة لم يخل منها مكان
يا لجّة كلّ إليها ظمي*****قد جاز طوفانك شمّ القنان !
من علّم الوحش الأذى و القتال؟*****من بثّ فيه الشّر و ألهمه؟
من علّم الثعبان هذا الختال؟*****و الحيوان الغدر من علّمه؟
يا أرض هذا الوحي من عالمك*****الماء و الطين به يشهدان
جنيت يا أرض على آدمك*****إذ سمته بالأمس هجر الجنان!
يا ضلة الشّاعر أين النجاة*****و أين اين المنزل الآمن ؟
أكلّ واد طرقته خطاه*****طالعه من الرّدى الكامن؟
حتى إذا ضاقت عليه السبل*****و عزّ في الأرض عليه المقام
أوى إلى كهف بسفح الجبل*****عساه يقضي ليله في سلام
ما كان إلاّ حلما كاذبا*****أفاق منه مسطير الجنان
البحر يرغي تحته صاخبا*****و الشّهب نار و الدّياجي دخان
الأرض من أقطارها راجفة*****كأنّما طاف عليها المنون
تضجّ في أرجائها العاصفة*****كأنّما النّاس بها يحشرون !
ثمّ استقرّ العالم الثّائر*****و أقبل النّور وولّى الظّلام
وا عجبا ممّا يرى الشّعر*****كأنما أمسى بوادي الحمام !
بدت له الأرض كقبر عفا*****إلاّ بقايا رمّة أو حجر
قد أصبح القاع بها صفصفا*****فما عليها من حياة أثر
مررت بالبلدان مستعبرا*****أبكي الحاضرات و أرثي الفنون
أنقاضها تملأ وجه الثرى*****و كنّ بالأمس مثار الفتون
أتى على اليابس و الأخضر*****الموج و النّوء و سيل الحمم
يا رحمة الله اهبطي و انظري*****ما حصد الموت ودكّ العدم !!
أيستحق النّاس هذا العقاب ؟*****أم حانت الساعة من نقمتك !
ما احتملوا يا ربّ هذا العذاب*****إلا رجاء الغوث من رحمتك ؟
أما ترى منفرجات الشفاه*****عن آخر الصّيحات من رعبها؟
ما زال فيها من معاني الحياة*****إيماءة الشّكوى إلى ربّها !
و هذه الأعين نهب العفاء*****في رقدة الموت كأن لم تنم
محدقات في نواحي السّماء*****تشهدها هذا الأسى و الألم!
و هذه الأيدي تحوط الصّدور*****كأنّها في موقف للصّلاة
لم تنس في نزع الحياة الغرور*****ضراعة ترسمها للإله !
ما عرفوا من صعقات الرّدى*****إلاّك من غوث و من منجد
و لا سرى في الأرض منهم صدى*****إلا و دوّى باسمك الأمجد !
أعبرة تذكرها كلّ حين*****للعالم الذّاكر إمّا نسي ؟
أم ضربات قاسيات تلين*****بهنّ قلب الفظّ و الأشرس ؟
أم موجة الطّهر التي تغسل*****مآثم الكون و تمحو أذاه
يا ربّ ضقنا بالذي نحمل*****فحسبنا آلامنا في الحياة !!
ألم تطهّر ذلك العالما*****من كل عاص أو غويّ جموح؟
ما غادر الموج به قائما*****يوم احتوى الأعلام طوفان نوح !
إذا فما للناس َضلّو الهدى ؟*****و أخطئوا اليوم سبيل الرّشاد؟
لعلّ نوحا أخطأ المقصدا*****فأغرق الخير و نجّى الفساد !!
يا ليته لما دعا بابنه*****و حالت الأمواج أنّ يسمعا
لجّ عليه القلب في حزنه*****فلم يرى الجوديّ لمّا دعاّ !!
يا أرض ولى عهد نوح وزال*****فمن لك اليوم بطوفانه ؟
مسكينة تطوين بحر اللّيال*****قد عزّك المرسى بشطئانه !
إلام تطوين عباب السنين*****شوقا إلى فردوسك الضّائع؟
غرّرت يا ارض بما تحملين*****فاستيقظي من حلمك الخادع
و ابقبي كما أنت على موّجه*****تمزق الأنواء منك الّشراعا
يقذفك التّيار في لجذه*****عشواء لا يهديك فيه شعاع
سلي القداسات و أربابها*****ضراعة تصغي إليها السّماء
أو فاطرقي في البثّ أبوابها*****لعلها ترفع عنك الشّقاء؟
يا أيّها الغادون الرّائحون*****في شعب الأرض و ليل الهموم
تمسون أشتاتا كما تصبحون*****و الشمس حيرى فوقكم و النّجوم !
مدّوا لها الأيدي و ولّوا الجباه*****و أرسلوها صيحة واحدة
قولوا لها : يا من شهدت الحياة*****من أين تلك النّظرة الجامدة ؟
من أين تلك النّظرة الهادئة ؟*****أم أنت يا أعين لا تبصرين ؟ !
أم هكذا أوحى إليك القضاء*****فما عرفت الحزن و الأدمعا ؟
يا أيها النّاس اضرعوا للسّماء*****قد آن أن تصغي و أنّ تشفعا !
هاتوا الأزاهير و هاتوا الغصون*****و كلّ ما يحلو و ما يجمل
قد آن أن تفضّوا بما تشعرون*****فاشعلوا النار بها أشعلوا !!
أو فاملأوا من زهرها اليانع*****مجامر النّار و ألقوا البخور
و صعّدوا في ذلة الضّارع*****أنفاسكم نشوى بتلك العطور
أحبب بها من أنّة عاطرة*****في مسمع الأفلاك إذ تصعد
أصداؤها الرّفافة الحئرة*****في وجهها الآفاق لا توصد !!
يا أرض ناديت فلم تسمعي*****أنكرت صوتي و هو من قلبك
لا تفرقي مني و لا تفزعي*****من شاعر شاك إلىربّك
أيّتها المحزونة الباكية*****لا تيأسي من رحمة المنقذ
لعل من آلامك الطّاغية*****إذا دعوت الله من منفذ ّ!
فابتهلي لله ، و استغفري*****وكفّري عنك بنار الألم
و قدّمي التوبة ، و استمطري*****بين يديه عبرات النّدم !!

ا
[ صـــــــــــخرة الــــمـــلــــتقـــى ]

صخرة لا تجل في الكائنات*****غشيها جلالة الآبدات
جاورتها الصحراء تستشرف اليمّ*****و قرّ المحيط جنب الفلاوة
أبديّان قد أفاءا إليها*****لم تجمّعها يد الحادثات
و جدا الملتقى عليها فقرّا*****بعد آباد فرقة و شتات
ليلة غوّرت بها الأنجم الزهـ*****ـر و أضفت سوادف الظّلمات
لو تلفّتّ في دجاها لراعتـ*****ـك خوالي الأبراج و الهالات
و كأنّ الزّمان خالجه الرّو*****ع ولجّ الوجود في الشّبهات
و كأنّ الوجود لم يحو إلاّ*****ذلك الصّخر رائع الجنبات
عقدة الإتّصال بين جلاليـ*****ـن أجدّا به وثيق الصّلات
برزخ تعبر اللّيالي عليه*****بين عبرين من بلى و حياة
ركزتها الآباد بينهما رمـ*****ـزا على صولة الدّهور العواتي
فأقامت تسر للفقر و اليمّ*****أحاديث أعصر خاليات
و احتوت سرّ كائنين كأن لم*****يبعثا سيرة مع الكائنات
و كشفت لي الصّحراء من دوّها الوا*****سع ما لا تحدّه نظراتي
و بساطا من الرّمال تراءى*****ككتاب مموّه الصّفحات
هو مهد السّحر الخفيّ و مثوى*****ما تجنّ الصّحراء من معجزات
ربّ ليل مكوكب خطرت فيـ*****ـه الدّراري و ضيئة القسمات
و رمى البدر بالأشعّة تبدو*****فوق وجه الرّمال منعكسات
و سرت نسمة من اللّيل حيرى*****و غناء الصّوادح الطّائرات
فإذا اللّيل روعة و جلال*****و إذا القفر غرق في سبات
غير ذاك الغريب في تيهه النّا*****ئي كئيب الفؤاد و النّظرات
أرّقته صبابة حملتها*****نفسه من ربوعه النّائيات
قد شجاه هوى اقتحام الصّحارى*****و الصّحارى مثارة الصّبوات
ربّ ناء مدّت إليه هواها*****فهوى في شراكها القاتلات
يقطع الدّو باردات اللّيالي*****و يجوب الحزون ملتهبات
قتلته سمومها و براه*****ظمأ من عيونها المجدبات
حرمته الصّحراء ظلاّ و ريفا*****في حواشي واحاتها النّضرات
فسل القفر هل له فيه قبر*****ضمّ من جسمه نحيل رفات؟
أترى غير أعظم نخرات*****في ثنايا الرّمال منتثرات؟
صحراء الحياة كم همت فيها*****شارد الفكر تائه الخطوات
سرت فيها وحدي و قد حطم المقـ*****ـدار في جنح ليلها مشكاتي
و لكم أرمد الهجير جفوني*****و رمتني الحرور باللّفحات
لم أجد لي في واحة العيش ظلاّ*****أو غدير يبلّ حرّ لهاتي
أسفا للحياة أصلى لظاها*****و أراها و ريفة العذبات
بعدت عني الحقيقة فيها*****و أضلّت مسعاي للغايات
كلّما هاجت الرّياح صراخي*****هدّجت في هزيمها صرخاتي
غير ذاك الصّخر العتيد الذي ضجّ*****عليه العباب من أنّاتي
ظلّلتني ذراه منفرد النّفـ*****ـس أبثّ المحيط حرّ شكاتي
أنا فوق المحيط كالطّائر التّا*****ئه يعلو موائج اللجّات
ناشرا فوق عرضه من جنا*****حيّ ظلال الهموم و الحسرات
ممعنا في سمائه أتغّنى*****بنشي الخلود من صدحاتي
للإله العظيم من لجّه السّا*****كن أتلو الجميل من صلواتي
و أناجيه طائرا رفّ في اللّيل*****يغنّي خمائل الجنّات
صخرة الملتقى أتيتك بعد الأ*****ين أشكو من الحياة أذاتي
أنا ذاك الشادي الذي نسلت ريـ*****ـش جناحيه هبّة العاصفات
أنا ذاك الشّريد في صحراء الـ*****ـعيش ضلّ السّبيل في الفلوات
في ثراها الغبيّ و سّدت أحلا*****مي و ماضي الهنيّ من أوقاتي
أنا قيثارة جفتها اللّيالي*****من زوايا النّسيان و الغفلات
و أرثّت أوتارها فهي تبكي*****من شجاها حبيسة النّغمات
أنا طيف الماضي على صخره الآ*****باد ، أستشرف الزّمان الآتي
و ورائي الصّحراء وادي المنايا*****و أمامي المحيط لجّ الحياة
بين عبريهما ثوت غرّ أياّ*****مي و حال الوضيء من ليلاتي
لا أسمّيك صخرة الملتقى لـ*****ـكن أسّميك صخرة المأساة !!

ا
_الأجنحة المحترقة_

أدنا المزار و قرّت العينان*****و فرغتما من لهفة و حنان ؟
و هززتما بالشّوق كفّ مسلّم*****و هفّت إلى تقبيله الشّفتان؟
و حلا العناق على اللّقاء و أومأت*****لكما الدّيار ، فرفرف القلبان؟
و على الثّغور الباسمات بشائر*****وعلى الوجوه المشرقات أماني؟
و على سماء النّيل من سمة الضّحى*****وضح من ثغريكما وضحان؟
و على الضّفاف الضّاحكات مزاهر*****و على السّفين الرّاقصات أغاني؟
يوم تطلّعت المنى لصاحبه*****و تحدّثت عنه بكلّ لسان!
و سرى التّخيل في النفوس فهزّها*****مرح الطّروب و غبطة النّشوان
و الأفق مربدّ الأديم، و أنتما*****فوق الرّياح الهوج منطلقان
تتخايلان على السّحاب برفرف*****بلواء مصر مظلّل مزدان
تتطلّعان إلى السّديم كأنّما*****تتخيران لها أعزّ مكان
و تحدّثان النّجم عن أوصافها*****و النّجم مأخوذ بما تصفان
علّقتما بالنّاظرين خيالها*****شوقا و أجفان المنون رواني
هي خطرة، أو نظرة ، و درجتما*****في جوف عاصفة من النيران
طاش الزّمام فلا السّحاب مقرب*****لكما و لا الجبل الأشمّ مداني
و هوى الجناح فلا الرّياح خوافق*****فيه و لا الأرواح طوع عنان
سدّت طريقكما الحتوف و انتما*****تتحرّقان هوى إلى الأوطان
و مشى الرّدى بكما و تحت جناحه*****جسمان بل قلبان محترقان !!
يا ملهميّ الشّعر هذا موقف*****الشّعر فيه فوق كل بيان
لوددت لو أنّي عرضت بناته*****في المهرجان نواثر الرّيحان
و عقدت من شعري و من ريحانها*****إكليل غار أو نظيم جمان
أنا من يغنّي بالمصارع في العلى*****و يشيد بالآلام و الأحزان
ماذا وراء الدّمع من أمنية*****أو ما وراء النّوح من نشدان؟
أصبحت ذا القلب الحديد و إن أكن*****في النّاس ذاك الشّاعر الإنساني
و وهبت قلبي للخطار ، فللهوى*****شطر ، وللعلياء شطر ثاني
و عشقت موت الخالدين و عفت من*****عمري حقارة كلّ يوم فاني
لولا الضّحايا الباذلون دماءهم*****طوت الوجود غيابة النّسيان
هذا الّدم الغالي الذي أرخصتم*****هو في بناء المجد أول باني
تبنون للوطن الحياة و هكذا*****تبني الحياة مصارع الشّجعان
مثلتما في الموت وحدة أمّة*****ذاقت من التّفريق كلّ هوان
مسح الهلال دم الصّليب و ضمّدت*****جرح الأهلّة راحة الصّلبان
إن كان في ساح الرّدى لكليكما*****مثل ففي ساح الفدا مثلان !
عذرا فرنسا إن جزعت فإنّه*****قدر و مالك بالقضاء يدان
هزّتك بالرّوعات قبل مصابنا*****أمم ملكن أعنّة الطّيران
واسيت مصر فما هوى نجم لها*****إلاّ و منك عليه صدر حاني
حيّ سماء الفرقدين و قدّسي*****من تربك الغالي أعزّ مكان
فهناك دم روّى ثراك و ههنا*****قلبان تحت الصّخر يختلجان
يا أمّة الشّهداء أنت بثكلهم*****أدرى و بالأحزان و الأشجان
ألغار أحقر أن يكلّل هامهم*****و رؤوسهم أغلى من التّيجان
لغد صبرنا للزّمان و في غد*****نعفو و نغفر للزّمان الجاني
و نمد للأيّام كفّ مصافح*****يجزي المسيء إليه بالإحسان
و ندلّ فوق النّيرات بموكب*****فيه الحجى و البأس يلتقيان
و نهزّ أجنحة الحياة و نعتلي*****بخفافهنّ مناكب العقبان
و ننصّ راية مصر أنّى تشتهي*****مصر ، و يرضاه لها الهرمان
أقبل سلاح الجوّ ، إنّ عيوننا*****للقاك لم يغمض لها جفنان
أقبل سلاح الجوّ، إنّ قلوبنا*****كادت تطير إليك بالخفقان
رفرف على البلد الأمين و حيّه*****و انزل إلى الوادي و طر بأمان
كن للسّلام وقاءه، و لواءه*****و شعاعه الهادي على الأزمان
و إذا دعتك الحادثات فلبّها*****بحميّة المستقتل المتفاني
ليضنّ بالأعمار كلّ معاجز*****و ليخش حرب الدّهر كلّ جبان
ليثر على القضبان كلّ معذّب*****و ليحطم الأصفاد كلّ معاني
هذا الزّمان الحرّ مال شعوبه*****صبر على الأصفاد و القضبان
لكم الذد المرجوّ فتيان الحمى*****و اليوم يومكم العظيم الشّان
لا تثنيّنكم المنايا إنّها*****سرّ البقاء و سنّة العمران
كونوا من الفادين إن عز الفدا*****كم في الفداء من الخلود معاني
و لئن حرمتم من متاع شبابكم*****إنّ النّعيم ينال بالحرمان
ليكن لكم في كلّ أفق طائر*****ليكن لكم قس كلّ أرض باني
و لينخسنّ البحر من أسطولكم*****علم كنجم المدلج الحيران
سيروا بهدي الأحمرين و مهّدوا*****بهما سبيل المجد و السّلطان
لم تبصر الأمم الحياة على سني*****كالنّار في شفق الدّماء القاني!

y
جزاكِ الله خير
مشاركة جميلة
تستحقين التقيم
مباركحصولك على وسام المشاركة
• :032::f:
X