الشاعرة / غادة السمان

Anfas Elfajer 17-06-2012 291 رد 63,088 مشاهدة
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة المخاطر الشهية
_______________



لا عرش لي غير فضائي..
لا صوت غير صمت رياحي...
ياسمين الوطن، وغابات التشرّد
قرع الطبول، وثرثرة الببغاوات
واشتعال القلب على بشرة الشواطئ المتوردة...
وبطاقة بريدية،
أسطِّر عليها عبارة "أحبك" بكل صدق
ولا أعرف إلى من أرسلها!!...
***
أعيش حبَّاً على غير هدى..
حبَّاً ماكر الأفراح، متأرجحاً داخل مراياه
كالمدن المشيدة فوق الماء..
فهل تجرؤ على أن تمد يدك،
وتفتح ظل الباب المتماوج فوق صفحة المياه
وتقبلَه مني.. ذلك الحب الضال... وردة سوداء،
في ليل المخاطر الشهية لامرأة زئبقية الأمزجة
تعشق الحب وتكره الحبيب؟... (أو تكاد!)..
حين يكون إخلاصي لك، خيانة لذاتي
أشهر صدقي في مملكة التقاليد.. وأعلن أظافري..
ومن أعماق وحدتي أنادي الحب، وأطرد الحبيب..
لأغني على عود بلا وتر
أعذب الأغنيات التي طالما انتحبها ناي القلب
بصمت وحشته وبتأجج جوعه إلى المجهول.. والدهشة
بعيداً عن القصب الفصيح لغابات الرياء..
***
تلك الطفلة،
وجدتْ نفسها فجأة متنكّرة داخل جسدي..
متنكّرة داخل عمري واسمي وشهرتي..
ساقطة في شرك أدواري
تجلدها أمزجتي الزئبقية وحكايا حبي الغامضة...
لكنها لا تزال كل ليلة،
تهرب مني حين أنام،
وتفتح باب الكهف
لتهرول وحيدة في كوكب الحلم
دون أن تضلّ الطريق إلى القمر...
***
لأنني سبحت إلى أبعد ما يمكنني في البحر
لأنني نبذت أطواق النجاة
ومراكب خطوط الرجعة..
لأنني كنت صادقة
في حكاية حبي مع أسرار الأعماق وجموح الأمواج
وقارات الدهشة المحفوظة في كتاب القاع
وجدت نفسي حين تعبت وغرقت
وحيدة مع الشماتة والإعياء والدوار وأسماك القرش..
وحين نجوت وعدت،
استقبلوني كالفاتحين!...
هكذا تقضي قواعد اللعبة في مملكة السردين!..
***
أتأمل دمي،
وهو يغادر ذلك الجرح الصغير
في إصبعي، ويسيل بهدوء، ربما إلى ما لا نهاية..
وأكتشف فجأة،
أن كوني كله،
ليس أكثر من منطاد هشّ
سيدمّر تحليقَه ثقبٌ صغير..
_________
7-1-1989




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تمطر الياسمين
________________




* أيتها المرأة، هل تكذبين؟
- عذبة هي أكاذيب العشاق، وبريئة
تهز بذيلها مثل كلب صغير يلاحقك،
حائراً كيف يغتصب الحنان ولمسات الرقة.
* أيتها المرأة، هل أنت حزينة؟
- ثمة مأساة صغيرة في حياتي
اسمها التفتيش عن يد شاسعة كوطن
دافئة كحضن جدتي الدمشقية اللامنسية
جدتي "خيرية" التي تتعرق عطراً
ويتساقط الياسمين من ماكينة خياطتها العتيقة!...
لست حزينة، أنا حزن العالم
ففي صدري وطن يبكي..
***
* أيتها المرأة،اطرحي على نفسك سؤالاً.
خل كنتُ حقاً ذات يوم طفلة عذبة..
أم ولدت كما أنا الآن، شرسة جارحة ومجروحة؟
هل كنت ذات يوم عاشقة مجنونة الطيش
هل ركضت خلف رائحتك في الليل،
كالكلاب البوليسية، وتلصصت على سيارتك وهواتفك ونسائك،
ورصدت أنفاسك كمؤسسة مخابرات محنّكة تصيرها العاشقة؟..
وهل سأقدر على أن أظل أسبح بهدوء
داخل محبرتي، وأتأملك، وأكتبك بالمحبة والسلام
أم سأستيقظ فأجد نفسي راكبة حصان الجنون،
راكضة إليك في سباق الحواجز من جديد؟...
________
8-1-1988




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة المباهج الماكرة
________________




* ما هو أسوأ ما حدث لكِ في السنة الماضية؟
- حبكَ!
* ما هو أجمل ما حدث لكِ في السنة الماضية؟
- حبكَ!
________
31-1-1992





[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تكتب على سطر الأفق
____________________



من زمان، استيقظت ضجرة في دمشق...
رسمت مركباً، وقفزت إليه
فأبحر بي إلى حيث لا أدري...
كان البحر هائجاً، فحاولت أن أرسم مرفأً
وأمواجاً هادئة، والمركب يزلزلني ويعلو ويهبط بي..
ولكن الأوان كان قد فات،
أو هكذا ادعى قدري!
من زمان، استيقظت ضجرة في دمشق
ذهبت إلى المحبرة لأستحمّ وأستجمّ
وسبحت طويلاً حتى غرقت...
وحين جاء حبيبي رامياً إليّ بطوق نجاة
هجرته، لأن الأوان كان قد فات
( أو هكذا ادّعى قدري!)
ومن يومها وأنا أطفو وأغرق... قلبي حقيبة سفر مملوءة بالمنافي
وضجيج القطارات، والفجر الرمادي في المطارات، ووجوه الغرباء
المتشابهة في قاعات "الترانزيت" والحب "الترانزيت" والعمر العابر
ككل شيء آخر.. قلبي حقيبة سفر لحياة مصرّة على أن تظل
كالريح تصهل صدقها، قدماي خشبتا تزلج على ثلوج الغربة، وشفاه
التشرد المزرقة تقبلني كل فجر في عنقي، وأنا أتزلج على الذكريات،
ولكن لساني لن يعقد صلحاً مع الببغاوات.



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة حبر على ورق!
______________




لأني لا أبحث عن أحد،
ذهلت حين وجدتك!
على الآلة الكاتبة السرية في قاعي
أضرب لك رسائل الحب المغفلة من التوقيع!
لا أريد حباً مدججاً بالوعود الكبيرة كبيان وزاري
مزيّناً بالآمال المستقبلية كالمارشات العسكرية..
عصفور ينقر حبة قمح من يدك
ثم يعاود طيرانه في المدى... هكذا الحب
لحظة فرح كونية هاربة، كنجم اشتعل ثم هوى.
***
لا تتنصل ممن أحببتَ قبلي، وستحب بعدي
واعطنا حبنا كفاف يومنا،
لحظة صدق عابرة تدوم أطول من عمرٍ من الأكاذيب المرصّعة!
***
بلا وجل، أمدّ يدي إلى صدرك
وأثقب قلبك بمخلبي
ليهطل دمك البنفسجي على ورقتي
وتولد النجوم والفراشات والقصائد..
ما الذي يبقى من قصص الحب غير الحب على ورق الرسائل؟
ما الذي يخلد أكثر من "حبر على ورق" يتندرون به؟
ومن قال إن الجسد أكثر حقيقة من الظل؟
***
قلبي ممتلئ بحضورك وأنت غائب،
وأنا محاطة بالحاضري - الغائبين في السهرة.
تسيل فوقي أصواتهم وألوانهم مطراً خارج زجاج نافذة منيعة،
ويهطل حضورك من جلدي إلى قاعي...
***
أحب الكلمات التي كادت أن تُقال بيننا،
ثم امتنعنا عن إطلاقها إلى العدم،
واحتفظنا بها أسماكاً ملوّنة مضيئة داخل دورتنا الدموية...
وها أنا أتأمل أصابعي وأنا أكتب رسالة لك
تتحول إلى خمسة عصافير
وتطير..
_________
23/8/1993




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة الأكاذيب الصادقة
_______________




أمس، التقيت بالرجل الذي أقسمت له مرة من زمان
في غوطة دمشق، تحت ضوء القمر الصيفي، أنني سأحبه إلى الأبد،
ولن أنساه.
التقيته ولم أتعرف عليه!
نسيته ذلك النسيان المثالي الفاتر المحايد!
ارتبكت. صار حضوره نصباً تذكارياً لضعفي البشري.
اصْدَق الأكاذيب عبارة: سأحبك إلى الأبد!
________
23/8/1993



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تخشى أسنان الزهرة
__________________



قلت للزهرة اللطيفة: صباح الخير
أخرجت أسنانها وأكلتني!..
ومن يومها وأنا أهرب من حكايات الحب
لأجلس على الضفة الأخرى
أكتب قصائد الحب للحب - كما الفن للفن!
أيتها المرأة الوحيدة، لماذا تحبين الحب وتكرهين الحبيب؟
قالت المرأة الوحيدة كحبة فستق منسية في الصحن:
لأنني أخاف أسنان الأزهار!
_________
23/8/1993



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة حرة كالأمواج
_____________


حين أحبني السيد "شاعر" قرر أن عليّ أن أخسر نصف وزني
لضرورات الرومانسية، ولا آكل غير العشب، ولا أرتدي غير
القطن، وأمشي معه في دروب "الدروشة"، أدخن معه الأعشاب
الغامضة في البراري، وأزداد نحولاً ليستوحي من مرضي أنضر
أشعاره!
وحين أحبني السيد "مازو" حكم عليّ بارتداء جزمة جلدية سوداء
مدببة الكعب، وعلّمني استعمال سوطي لأعاقبه على ذنوب أجهلها
مثله، ولأمنحه مباهج غزالٍ يُشوى حياً بهدوء على الفحم، وحذّرني
من الحنان والرقة والأمومة...
وحين أحبّني "عنترة" فتل شاربيه وأدخلني في هودج العزلة،
وصرت ممنوعة من الصرف والأبجدية معاً...
حين أحببتني أنت أطلقت سراحي منهم جميعاً وقلت لي: أمطري
حيث شئتِ، فأنت حبيبتي وخراجك عندي...
***
لو لم أكن حرة كالأمواج، لما استطعت اختيار شطآنك لأروح
وأجيء عليها ليلاً، أسامر الرمال والقواقع والنجوم وضوء القمر،
منشدة بصوت عرائس البحر...
لو لم أكن حرة لعجزت عن حبك.
كيف كان بوسعي أن أحلّق صوب مغاور صدرك
لو قصصت لي أجنحتي؟
وهل سمعت مرة بعصفور
يحب السقف والجدران والقضبان، وينشد لقفل قفصه؟
___________
23/8/1993



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة في مدن بلا ذاكرة
________________



لستُ سلحفاة...
ووطني ليس صدفة من عاج،
أرتديها فوق ظهري، وأهرول بها حيث أشاء..
ولستُ نورساً، لأطير إلى أي مكان
يرحل إليه الربيع وأقول: هذا وطني!
ولستُ فيلاً، لا يعود إلى وطنه إلا ليموت..
ولستُ ضفدعاً، وطنه النقيق عند الغروب..
ولستُ حوتاً، وطنه التيار كيفما سار..
ولستُ أفعى، تخلع جلدها كل عام
وتصنع منه محفظة، لبطاقة وطن جديد...
ولستُ أرنباً وطنه التناسل..
ولستُ كلباً يهز بذيله طرباً
لمن يطعمه وبالدفء يغمره
وبالطوق الذهبي يحيط عنقه...
ولستُ قطاً يعلن سرير الدلال وطناً..
ولستُ فراشة وطنها الألوان والفضاء...
وأعرف جيداً،
أنني ولدت منذ آلاف الأعوام..
وأعرف أين ولدت، وتعلّمت الحياة تلو الأخرى..
وأتقنت الموت تلو الآخر..
وعيناي بوصلتان، تتجهان دوماً إلى هناك.
***
ها أنا أمدّد أجساد أحبائي القتلى،
فوق طاولة كتابتي، وأنهمر مطراً وحبراً..
أتعرف يا صديقي طعم مدن بلا ذاكرة،
وحانات بلا عصافير، وقطارات بلا محطات..
تهرول بك فوق سكك الأحزان اللامتناهية؟
آه كم من الكوابيس أعادتني إليك،
وأنا أفتتح متاحف الحزن
وأقص الشريط التذكاري بأسنان البكاء.
أتعرف يا صديقي طعم الوحشة،
حين ينتحب المطر فوق رأسك
في مأتم شتاء المدن الكبيرة
وأنت تهرول وحيداً،
تتزلج فوق الكآبة والذكريات؟
أعرف أن المراكب في المرفأ تشكو الضجر،
ولكن المراكب المبحرة تشكو الغربة
وتشهد أن موسم الهجرة إلى الوطن قد حان...
***
أستقل المترو، فيركض فوق جسدي..
أشتري الأطعمة المثلجة
فأجد رائحتها كبرادات جثث المجهولين..
أرتدي معطف الفراء
فيعوي ثلج البراري نائحاً قرب عنقي..
أمشي في شارع "الشانزيليزيه"
وتتنزه فوق رأسي أقدام الفاتحين...
أتسول بطاقة إقامة في الغربة،
فأجد نفسي معزّزة مكرّمة
ممدّة على المنصة في مشرحة المشردين..
شبح أنا في الغربة..
أمد يدي لأشتري تذكرة السينما
فلا تراني البائعة وتخاطب الواقف خلفي...
الأبواب التي تنفتح من تلقاء نفسها
- حين تقف على عتبتها -
لا تستجيب لي وتظل موصدة..
تذكّرني بانعدام وزني هنا.. كالغرباء كلهم
مهما ربطوا إلى أجسادهم أثقالاً ذهبية مرصّعة...
***
لا تقل لي إن الكلاب البوليسية
تطاردك في ليل الموانئ الغريبة،
وفي ليل مطار بلدك على السواء..
وإنك تعيس هنا، وتعيس هناك...
لا تقل لي إنك تحسد الذين في "الداخل"
وهم يحسدونك بدورهم لأنك في "الخارج"
وهذا قدرك: محسود وحاسد.. مقتول وقاتل...
لا تقل لي إنه موسم الهجرة إلى النسيان..
ودعني، أخطّ نداء الاستغاثة هذا، من منفاي
وأضعه داخل زجاجة أرمي بها إلى البحر
وأشهد أنه موسم الهجرة إلى الوطن،
فهل يجرؤ أحد هناك على التقاطه وقراءته
أم سيخفيه شعار الشاطئ: ممنوع القراءة؟!
_________
20/5/1988



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تقتل الصمت
_____________




تلك الليلة، لم يأت صوتك. أعترف: سمعت الهاتف يرنّ
مرتين، ثم اكتشفت أنني كنت أحلم!
إذا استطعت أن تجرّني إلى مغاور الهذيان، لأحلم برنين ماكينة
أكرهها.
حين أيقظني صوتك عند الفجر، كنت ثمرة أنهكتها العاصفة المكهربة
الليلية.
لماذا تأخرت؟
تؤكد: لأنني خفت كخوف الشاعر القاتل "قلبي يحدثني بأنَكَ
مُتلفي / روحي فداك عرفت أم لم تعرف"
صدّقتُ كذبتك لأنها جميلة ولأنني سمعتها بصوتك!
***
آه صوتك،
كيف يمكن لفرحة أن تدوم طويلاً هكذا على مدى موتين داخل
مكالمة هاتفية واحدة؟
آه صوتك،
النوافذ الموصدة صارت أفقاً بحرياً.
النوارس تطير من منفضة السجائر،
جلد الجدران يتنهد ويرتجف ويتعرّق.
آه صوتك،
بين ذاكرة وأخرى. شجار وآخر.
صوتك رائحة الحقول بعد المطر.
ثلج على شعري وأصابع دافئة تطارده.
ضحكات في المقهى، ابتسامات تبغيّة. بائعة أزهار عجوز تلاحقنا
فنشتري كل ما معها، ونرميه وردة وردة على صفحة نهر السين.
***
آه صوتك،
رحيل إلى نجوم سريّة تقطن قاع البحر ولم يكتشفها أحد بعد في
مضارب الموج قرب المرجان.
صوتك أكوان فرح منسية.
مدارات ملوّنة رسمها طفل في دفتره ونسِينا داخلها سجينين في أقمار
اصطناعية.
كيف الدخول إلى صوتك؟
كيف السبيل إلى دورتك الدموية؟
وبأية كلمة سحرية؟
آه صوتك،
ما أجمل اغتيال الصمت
بصمت آخر له صوت!
_________
10/1/1994


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تقرع باب الوردة
______________




ها أنت تناصبني الحب..
يا له من حب شبيه بالعداء،
واقف على تخوم الكراهية والعجرفة وشهيّة التملك..
أين المفر؟ وعيناك أمامي، وفراقك ورائي
والعمر مستحيل بك، وبدونك!...
***
أطرق باب الوردة، فتفتح بابها
شاهرة فأسها كصديقة "مخلصة"..
أطرق باب النسيان، فيرمي في وجهي
بصورنا القديمة وأسطواناتنا وهذياننا الهاتفي المحموم..
أطرق باب حبك، فيجيبني شبح فقد ذاكرته...
أطرق باب بيروت، فيفتحه مسلح أعمى عربيد
ويصرّ على إفهامي أسرار "الألوان" وهو يرسم..
ويلقي محاضرة عن الطريق إلى "النصر"
ويتابع صنع البوصلات إلى الجنة،
ويرغم الطيور على الهجرة وفقاً لخرائطه..
***
أطرق باب الموت، فيعلٍّق حفّار القبور لافتة:
"لم تبقَ محلات".. ويسجل اسمي على "لائحة الانتظار"!...
أطرق باب الفرح، فيفتحه لي وهو يجهش بالبكاء..
أطرق باب المحبرة، فأجد جثث الحروف
عائمة فوق سطحها مذبوحة بسكاكين "العناصر غير المنضبطة"...
أطرق باب جدتي، فتفتحه لي بوجهها العتيق،
وأبكي طويلاً فوق حناء يديها،
بينما ياسمين شعرها يهطل فوقي...
_________
8/4/1988




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة فوق بساط الريح
_______________




.. ولم تكسب رهان إذلالي.
خوّفتني من القمر، وادّعيت أنه سيهاجمني
ويدّثرني بالجنون الفضي
إذا لمحني بدونك...
خوّفتني من الليل، وقلت إنه سيغتصبني
وسألد الغربة لقيطةً تلوثني..
خوّفتني من زملاء العمل، وادّعيت
أنهم سيأكلونني حيةً على طاولة الاجتماعات..
ويمسحون أيديهم من دمي بأوراق محاضر الجلسات!..
خوّفتني من الريح، وأوهمتني أنها ستسرق صوتي..
خوّفتني من الرحيل، لأنه سيلطخني بأوحال الدروب..
خوّفتني من كل شيء، من الزنابق والعناصر
كي أقدم أوراق اعتمادي إلى سلك ملذاتك
وأعمل جارية في كهوف لا مبالاتك المزدحمة بالسبايا
وأتسكع على الشراشف الحريرية لضجرك
بين وسائد تشاوفك وتأففك المتثائب...
لكنني يا سيدي، قررت الرحيل إلى حريتي فوق بساط الريح
مترعة بالحزن، مضرجة بالفراق، متأججة بالحراج
وها أنا أجلس وحيدة
على قمة عالم صغير أمتلكه، أتنفس العواصف
وأدمن طعم الكرامة الخشن كمنشار...
لكنني آتيك بالمحبة، وأسألك بالصفاء
بعيداً عن المستنقعات المتحركة للحقد:
هل نستطيع أن نتعلّم معاً كيف نكون صديقين؟
أريد أن أصادق حبك، ولكن كيف؟
***
أيها الشقي، ألم تتعب من الفرح المستعار
والمهرجانات "الكرنفالية"،
التي تخرج فيها الأرانب من قبعتك لآلهة التصفيق؟
متى تنضم إليّ في الركن المعتم
لننتظر معاً شروق الشمس ونتعلم الحنان؟
__________
8/4/1988




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تركب عاصفة
_____________



أريد أن أصادق النملة
كي أتعلم المشي إليك دونما كلل..
وأعلمك أسراري دونما وجل..
أنا الطالعة من سلالة عربية متجددة..
لا تخشى المهرة ركوب العاصفة..
لا تخشى المهرة رعد الأقاويل، وصواعق الاتهامات...
أريد أن أصادق نبضك وأصارحك بإيقاعي الداخلي..
أريد أن أصادق الريح،
كي تكشف لي أسرار القلوب موصدة النوافذ..
أريد أن أصادق الموت، كي يأخذني إليه بحنان..
أريد أن أصادق الورقة.. كي تدعني وشأني!..
أريد أن أصادق حبك وجنونك
كي نتعلم المحبة قبل الشهوة،
والعطاء لا الترويض..
فهل ترضى بأن نأخذ معاً "دروساً خصوصية"
في مدرسة التواضع ، بعدما رسبنا في صف الحنان..
وتخرّجنا من أكاديمية الشراسة بتفوق؟..
***
ألم يقضِ الحزن وطره من قلبي؟
حتام يترنح في أعماقي متعثراً بصمتي الفاحش؟
حتام يستجوب حنجرتي المقطوعة بسكين الكبرياء
في سكون ليالي الشوق السري إليك؟...
حتامَ يظل حبنا،
مثل كتابة بالأزرق فوق البحر؟..
هذا قدري: سأظل أمشي في نومي
عبر القارات
حتى أتعلم كيف أموت...
__________
8/4/1988




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة ورَقَتُها عانس
_____________




جئت لأكتب...
كانت الورقة بيضاء،
حتى البهاء المطلق للياسمين...
نقية كثلوج لم يطأها حتى عصفور...
وقررت أن لا ألوّثها...
صباح اليوم التالي، تلصّصت عليها،
فوجدتها كتبت لي: حمقاء!...
لوّثيني كي أحيا وأحترق، وأطير إلى العيون..
وأكون...
لا أريد أن أصير ورقة عانس!...




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تتأمل ظلماتها
______________



أهبط إلى قاعي. أتأمل ظلماتي.
أمشي وحيدة في كهوفي
وأنا أحمل خرائط خرائبي وحروبي وحرائقي وكنوزي.
أحفر في ترابي. أنبش صناديقي السرّية
التي دفنتها بإتقان منذ عصور
وعبثاً أتذكر صيغ فتحها!!...
لقد قررت ذات يوم،
أن أحتفظ بصناديق أعماقي سرّاً
صناديق لا تبوح بحقيقتها لمخلوق...
وها أنا أبرُّ بقسمي حتى أقصاه..
ولم تعد أعماقي تبوح بسرّها حتى... لي!
وعبثاً أرى بوضوح، ملامح وجهي في المرآة...
صرت حينما أقف أمام مرآتي
أرى امرأةً - ترتدي ثيابي - تهرول إلى الداخل
دون أن تلتفت صوبي، إلا في ومضة برق..
وتخلِّفني دائماً، وأنا أدري ولا أدري!...




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تهمس: تَكْ تك تك تك
___________________




أنهمر حزناً على أصابع الآلة الكاتبة
كصفصافة تنتحب عصافيرها
تك تك في قلب الظلام الدامس
تعني أنني لست امرأة من المعدن
تك تك بأصابع تشتعل قهراً
فوطني ليس رقعة شطرنج
وذاكرتي عبثاً تنسى حكاية حبها
مع عبد الرحمن الداخل، وحقول البرتقال اليافاوي الحزين
في الجرح بين إسكندرون والناقورة وحيفا وغرناطة وحطين.
***
تك تك تك في قلب الظلام
برقية S.O.S إلى من لا يهمه الأمر
في ليل عمره قرون بين مطلع فجر الحلم وحتى غروب النبض
تك تك تك، أضرب قلبي على الآلة الكاتبة
ثم أضرب روحي ميداية تذكارية، تعويذة ضد النسيان،
وأنا أعرف أن الشخير أنشودة "الضمير"
وربما لن يسمعني أحد...
تك تك تك يا رياح السموم الجهنمية،
فلا تكتمي سرّ بدوية من أحفاد السندباد الجوي
ضربت قلبها حروفاً
مثل وحيد في أرخبيل اللامبالاة
يخط استغاثته ويرمي بها في زجاجة،
من مناطيد الحلم
إلى أمواج المجهول الآتي في القاع
مراهناً على الأحصنة العربية للأحفاد.
تك تك تك أيها الشخير الذي يضم عشّاق غسيل الدماغ
إلى صدر عباءة النوم، أعرف
لن يسمعني أحد... لكنني أنتحب كي لا أختنق...
***
تك تك تك يا رفيق أضواء الدرب
وهي تنطفئ مصباحاً بعد آخر.
حزينة من أجل الأيام التي عشتها معك
حزينة من أجل الأيام التي لم أعشها معك
حزينة من أجل الأيام التي تعيشها المرأة الأخرى معك
منذ افترقنا وأنا أحسدك، فكيف ألومك؟
حسدتك راحلاً بحقيبة التخدير
حين بقيت وحيدة أخطّ مناشير اليأس المضاد المكابر
لأوطان يلتهمها الرخ، ويطعنها وهم الخلّ الوفي.
***
تك تك تك كيف ألوم هربك
من مستنقعات الرمال المتحرك المزيّنة بالشعارات المزورة..
تك تك تك ماذا منحتك غير غثيان الصحو
ما دمتُ أريد ارتداء الخاتم السحري في أصبعي
( وأفركه ليأتي جنيّ الحب) لا الخاتم الزوجي..
أريد أن أعقد قراني على ليالي الدهشة
لا على أنين الخيول في إسطبلك..
أريد أن أعاقر الحرية وأعاني سكراتها
ولا أريد الزواج من مسمار يدقني إلى جدار..
فماذا أفعل بتلك الروح الشقية التي تلبّستني
لعنةً مباركة منذ ولادتي في فراش شاسع
يمتد من تطوان إلى الشام؟!
***
تك تك تك في قلب الظلام
رسالة طابعها البريدي اسمه السرّ
فحبي لك صامت وعميق مثل جرس تقرعه الأمواج
ولكن في قاع البحر..
حبي لك داكن وأخرس ومتكلّس
مثل صخرة في جزيرة مقفرة
لا تقول غير صمتها.
***
تك تك تك في قلب الظلام
الليلة أشعر أنني مستنزفة ومتعبة
مثل شريط آلة كاتبة
ركضت فوقها مطارق الحروف طويلاً...
الليلة ، عيناي لا تلتمعان
مثل تينة برية نضرة لم تُقطف بعد.
الليلة افتقدتك في شوارع نيويورك
وهي تحدق بي بعين من زجاج وأخرى من إسمنت،
الليلة قلبي مترع بالليل البيروتي أيام الأحلام الكبيرة،
الليلة افتقدتك...
***
تك تك تك في ظلام القلب النيويوركي النابض بالنيون
حتامَ تطاردني في عقر نومي
وتداهمني على حين غرة، وروحي فضفاضة
كثوب منشور على ضفاف الحلم والكوابيس
بين الحب والموت وقواميس الخيبات؟


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة في متاهة الورقة
________________




من الحبر تعلّمت حبك..
قطرة واحدة تركض طويلاً على البياض..
من العود تعلّمت حبك،
صرت وتراً وتركت عاصفتك تعزفني...
من النوارس تعلّمت حبك،
تعيد كتابة الأفق بأجنحة الرحيل خلف الضوء..
من الأطفال والمجانين تعلّمت حبك،
اللغة مرآة القلب في عريه المطلق..
من النملة تعلّمت حبك،
حبة قمح أسطورية حتى الرمق الأخير، تلاحقها..
من العصفور الدوري تعلّمت حبك،
سعيدة بشجرتك..
وسعيدة بشهية التحليق: لست عصفوراً في اليد!...
***
ها هي حروفي تجنّ..
داخل أقفاص الواقع اليومي،
المتورم تفاهة وصدأ تحت ذباب الثرثرة..
ها هي حروفي تجنّ،
وتضرب رأسها بالقضبان حتى النزف..
آه كيف أروّض روحي الأثيرية،
في أبدية الخمول؟ وأسدّ مساماتي العاشقة،
بالغبار المتراكم على الوجوه حولي.. والشفاه..
كيف أعلّم شهيقي وزفيري الرتابة والطاعة،
وحرفة الانتماء إلى الأطلال، بدل الأفق؟
آه كيف تستقر أعماقي القلقة كالزئبق،
في أوعية الركود المتسنقعية
لدورة دموية، لم تدرْ منذ عصور؟..
... وكيف أحيا إذا لم أحبك،
وأشاركك سرقة النار وحب الأٍسرار؟...
***
ما الذي تفعله ذاكراك لتصير لؤلؤة سوداء
تتدلى من عنقي إلى الأبد؟
ما الذي يفعله البجع..
راكضاً بالحبر الأبيض على جناحيه،
فوق دفتر الغابات والضباب،
وأنا أهرول في قارّات ليست لي..
وأنادي حبيباً ليس لي؟
وما الذي أفعله بجثث الحروف،
إذا لم أحبك؟ كيف تدبّ الروح
في اللغة، وأشتعل بالحب المستحيل
لملايين نساء وطني الصامتات، مقطوعات الحناجر؟
وكيف أطلق سراح صرختهن،
إذا لم أختر حبك وأعيشه وأموته..
وأسبّحه داخل محبرتي هائمة على وجهك،
وجهك اللامنسي ، بحثاً عن وجهي الحقيقي؟..
***
... يظل القلم يقتحم يدي عنوة
ويجرّها إلى متاهة الورقة، لأكتبك وأتنهدك
وأعيد السلالم المعدنية المتحركة للزمن إلى الوراء
وأرسمك داخل تلك اللحظة اللامنسية،
وأنت تهمس لي: "أحبك"..
تقولها خلسة عن نفسك، وبحدّة
مثل طعنة خنجر سريعة في الظلام..
وجسدك قارّة،
الداخل إليها مفقودة، والخارج أيضاً!..
وعيناك شروق الليل، برق الأمطار الحارة.
أذكرك . أتنهدك. أستعيدك وأنا أنحني على أوراقي،
كساحرة تستحضر وجه حبيبها في مرآة،
وأكتبك بجموع القلب إلى المستحيل،
وحين ترف بأهدابك على الورقة، وتتنفس حياً،
أقفز إليك داخل الدفتر،
لنركض معاً هاربين بين السطور..
_________
1988/11/18


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة ماتت غرقاً
___________



حين أموت،
لا تكتبوا اسمي على شاهدة قبري...
ولكن سطّروا حكاية حبي
وانقشوا: هنا ترقد امرأة،
عشقت ورقةً!..
وماتت غرقاً.. داخل محبرة!..




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة في قاع خابية
______________




أمشي في زحام الغرباء وأفراحهم
ولا أعرف أحداً.. مثل معطف
يدسّونه في خزانة مطعم مزدحم
ولا يعرف جيرانه!...
ها أنا وحيدة ومهجورة،
مثل حبة فستق منسية
في قاع خابية كبيرة موحشة اسمها باريس..
وحين أسمع صوتك آتياً من آخر الدنيا
آخر الليل، آخر سماعة هاتف،
أغمض عيني
وأراك تختال بهدوء ما بين سوادها وجفنها...
أيها البعيد اللامنسي،
باريس هي الربع الخالي... من حبك!


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تحت المطر
____________




أحدّق في المطر وهو يلتهم النافذة،
والليل يتدفق نهراً من الظلال...
أحدّق... كما أفعل منذ ألف عام،
وللمرة الأولى.. أرى الأشباح بوضوح تام
وهي تتابع حياتها خارج الغرف الموصدة على الصدأ...
أفتح النافذة، وأمد يدي إليها
فتضمها - بأصابعها الدخانية - بحنان...
وأمضي معها إلى غابة المجهول
نتسامر بحكايا ما وراء المألوف..
آه كيف قضيت عمري كالحمقى
أخاف من الأشباح، وهم مفتاح الليل
و "كلمة السر"؟...




[/BACKGROUND]
X