شرح القصيدة ودراستها
المصدر:
موقع نجران الشامل
1- أَهـــاجَ قَـــذاءَ عَــيــنــِيَ الإِذِّكـــــارُ هُــــدُوّاً فــَالــدُمــوعُ لـَها اِنحِدارُ
هاجَتِ الأَرضُ تَهِيجُ هِياجاً، وهاجَ الشيءُ يَهِيج هَيْجاً وهِياجاً وهَيَجاناً، واهْتاجَ، وتَهَيَّجَ ، ثار لمشقة أَو ضرر. تقول هاج به الدم . والقذاء والقذى مايقع في العين ويوجعها. والهدوء أول الليل.
- يبدأ الشاعر بمطلع يشي بالهم الذي ساوره والحزن الذي أرقه حتى إنه ليصوره لنا تصويرا حيا محسوسا بأن تذكر كليبا عاد كالقذى في عينه يمنعه المنام والراحة والسكون ، وما إن يقبل الليل حتى تسبل العيون الدموع الحزينة ، التي أسالها من العين البينُ.
2- وَصارَ اللَيلُ مُشتَمِلاً عَلَينا كَأَنَّ اللَيلَ لَيسَ لَهُ نَهارُ
- وهنا يبين الشاعر مقدار همه الذي جعل الليل محدقا به من كل جانب ينبش الأحزان ويلهب الأشجان ، لقد عم الظلام رأسه ونفسه وحياته فهو يرى كل شيء حالك أسود ، بل يقول: كأن الليل لايعقبه نهار وكأن العتمة لاتليها إشراقة ، وهذه من الصور الجمالية التي يترجمها لنا الشاعر في هذه القصيدة الرائعة في حزن.
3- وَبِتُّ أُراقِبُ الجَوزاءَ حَتّى تَقارَبَ مِن أَوائِلِها اِنحِدارُ
- ويكمل الشاعر تصوير حزنه بتناسق القيم الشعورية واللفظية ، يقول : لقد أسهرني هذا الحزن فلم يعد لي إلا أن أراقب الجوزاء، وهي أسماء لبعض النجوم ، فبات يراقبها والمعروف أن الجوزاء تطلع في أول الليل وتقطع البروج في ثماني عشرة سنة ، وهنا..هنا يظهر لنا طول الليل الذي تخيله الشاعر فعاش معه حتى ليكاد أن يشركنا الموقف الذي كابده.
4- أُصَرِّفُ مُقلَتَيَّ في إِثرِ قَومٍ تَبايَنَتِ البِلادُ بِهِم فَغاروا
- لقد كان يرسل عينيه في السماء والكواكب ويبحث عن أحبابه بتأوه وعذاب ، يسرح بصره في إثرهم لعله يجد شيئا من آثارهم لعله أيضا يجدهم ولكن هيهات فقد بانوا الأحبة وانقطعت عنهم الوسائل فغاروا هنالك في التراب فلا عين تراهم بعد اليوم ولا أذن تسمع أصواتهم فتحن ، ياله من حزن عميق يصوره لنا الشاعر بألفاظ لابالصور .
5- وَأَبكي وَالنُجومُ مُطَلِّعاتٌ كَأَن لَم تَحوِها عَنّي البِحارُ
- نعم يبكي ومازال الليل سادرا ستاره لايعبأ بحزنه العظيم ومصابه الجسيم ، والنجوم أيضا تقوم مشجعة لليل البهيم فهي طالعة ثابتة تخبره بأنه لايوجد هناك نهار لدى الشاعر المكلوم ، فالنجوم لاتريد أن تغرب في البحار وتسقط . ليطول الليل بذلك الجريح.
6- عَلى مَن لَو نُعيتُ وَكانَ حَيّاً لَقادَ الخَيلَ يَحجُبُها الغُبارُ
نَعَى يَنْعَى نُعْياً. وجاء نَعِيُّه بوزن فَعِيل. وهو خَبَرُ المَوْت. والنّعي: نداءُ النّاعي.
وانتشار ندائه. والنَّعيُّ أيضاً: الرّجل الذي يَنْعَى .
- وهنا يضع الشاعر نفسه مكان أخيه المتواري في التراب ، ويضع أخاه مكانه هل كان سيقعد مع النساء ويندب أخاه لا بل سيثير الحرب ويسير بالفرسان الأشاوس وغبار النقع يستر الخيول التي تركض بفرسانها من شدة هول الحرب وهو تصوير فني ، وظل حماسي يلقيه الشاعر في هذا البيت.
7- دَعَوتُكَ يا كُلَيبُ فَلَم تُجِبني وَكَيفَ يُجيبُني البَلَدُ القِفارُ
قفر قال الليث: القَفْر: المكان الخلاء من الناس، وربما كان به كلأ قليل: وقد أقْفَرَت الأرض من الكلأ والناس، وأقفرت الدار من أهلها. وتقول: أرض قَفْر ودار قَفْر، وأرض قِفار ودار قفار.
- هنا يرسم الشاعر صورة بديهية وهي عدم جواب أخيه لأته ميت، ولكن فلننظر إلى ماوراء هذه الصورة البديهية ، إنها تعكس من قراءتها على النفس حزنا عميقا في نفس الشاعر ، ومن ثم يجيب نفسه وكيف يجيبني البلد القفار ، نعم كيف يجيب من دفن ومات ، نعم كيف تجيبني الأرض البلقع ، وهذه صورة من الصور التي بمجرد قراءتها تعيش مع الشاعر همه وكمده العميق.
8- أَجِبني يا كُلَيبُ خَلاكَ ذَمُّ لَقَد فُجِعَت بِفارِسِها نِزارُ
- يظل الشاعر ينادي أخاه كليب ، أجبني وخاطبني خلاك العيب لقد أصيبت بفارس فرسانها نزار لقد بكت عليك العيون ياكليب وصدمت بموتك تغلب . وهنا يتذكر الشاعر فجيعته بأخيه ويكررها لعله يصدق هذه الفجيعة .
9- سَقاكَ الغَيثُ إِنَّكَ كُنتَ غَيثاً وَيُسراً حينَ يُلتَمَسُ اليَسارُ
عليك أنت ياكليب يهطل الغيث وينصب الخير ، لقد كنت غيثا لنا فسقاك ربنا الغيث وكنت يسرا وغنى لنا .وسهلا ليّنا . وهنا يشبه الشاعر أخاه بالغيث بل لا يذكر الشاعر أداة تشبيه لأن الغيث هوهو كليب واليسر هوهو كليب فهذه لمسة فنية يجدر الوقوف عندها وتأملها تأملا صادقا.
10- أَبَت عَينايَ بَعدَكَ أَن تَكُفّا كَأَنَّ غَضا القَتادِ لَها شِفارُ
الغضا شجر من الأتل خشبه أصلب الخشب ، وجمره يبقى زمنا طويلا ، والقَتادُ شجر شاكٍ صُلْب له سِنْفَة وجَنَاةٌ كَجَناة السَّمُر ينبُتُ بِنَجْد وتِهامَةَ، واحدته
قَتادة. قال أَبو حنيفة: القتادة ذات شَوْك، قال: ولا يُعَدُّ من العِضاهِ. وقال مرة: القتاد
شجر له شَوْك أَمثالُ الإِبَر وله وُرَيْقة غبراء وثمرة تنبت معها غبراء كأَنها عَجْمة النوى .
شفر قعدوا على شفير النهر والبئر والقبر. وقرحت أشفار عينيه من البكاء وهي منابت الهدب الواحد.
- ترفض عيناي ترك البكاء ، فتسيل الدموع بلا توقف وتذرف العبرات بلا هوادة ، كأن الغضا وشوك القتاد كونا لعيني الأهداب فهي متقرحة من البكاء المر ، هنا في هذا البيت تصوير فني جاء به الشاعر وهو تصوير الأهداب والشعر الرقيق على حواف العينين بالشوك الصلب الجارح المؤذي وتكاد تغمض عينيك وتتحسسهما إذا قرأت البيت لأنك تعيش مع الشاعر تصويره البارع.
11- وَإِنَّكَ كُنتَ تَحلُمُ عَن رِجالٍ وَتَعفو عَنهُمُ وَلَكَ اِقتِدارُ
وهنا يستطرد الشاعر فيذكر صفحات مشرقة من أخلاق أخيه الكريمة والتي عرف بها أشراف العرب وهي العفو عند المقدرة والحلم الذي اتصف به حكماء العرب والأمم ، نعم كان يعفو عن الرجال وهو مقتدر متسلط متمكن يستطيع أن يفتك بهم
بإشارة من أصبعه فيستحيلون إلى أموات تثكلهم أمهاتهم.
12- وَتَمنَعُ أَن يَمَسَّهُمُ لِسانٌ مخافة مَن يُجيرُ وَلا يُجارُ
وهذا البيت تابع للذي قبله في الموضوع والمعنى ، وفوق عفوك عنهم ياكليب لا ترضى أن ينبس أحدهم بكلمة تؤذي الذين عفوت عنهم ، لأنك كنت حر تعرف مدى شدة الكلام القبيح وأثره على الحر فأنت تجيرهم وتحميهم وتدافع عنهم من بعد العفو لأنها هي هي أخلاق الكرام.
13- وَكُنتُ أَعُدُّ قُربي مِنكَ رِبحاً إِذا ما عَدَّتِ الرِبحَ التِجارُ
هي الحسرة المتمكنة من قلب شاعرنا واليأس الهائج الذي بعثته الذكريات الجميلة والصور المضيئة بينه وبين أخيه ، ويقول بتحسر عميق يكاد القلب يتفطر منه،لقد كنتُ أنا الرابح من القرب منك ، وكأنني بذلك تاجر يجمع الدراهم حتى يختزنها فيربح بذلك ، لأن الربح والكسب عند التاجر هي النقود ولكن الربح الحقيقي عند المهلهل قربه من كليب.
14- فَلا تَبعَد فَكُلٌّ سَوفَ يَلقى شَعوباً يَستَديرُ بِها المَدارُ
استدارت. ودارت رحى الحرب. وفي الحديث" أتيت علياً حين فرغ من مرحى الجمل" وهو مدار رحى الحرب.
هنا في هذا البيت يخاطب الشاعر أخاه وكأنه أمامه لا يحجب عنهما حاجب ، ويريد أن يوصل رسالة إلى أخيه فيقول : لا يغرنك ياكليب فإن الأيام دول تدور علينا وعلى الأعداء ، فإنها سنة في الحياة وناموسا يسري على الخلائق.
15- يَعيشُ المَرءُ عِندَ بَني أَبيهِ وَيوشِكُ أَن يَصيرَ بِحَيثُ صاروا
- نعم هو الموت الذي يأتي فجأة فلا يطرق الباب ليستأذن ولا ينادي لتستعد له ، نعم ياكليب لقد كنت بيننا ولكن أصابك ماأصاب آباءك الكرام قبلك فلحقت بهم ، والموت أيضا سنة تلحق بالشجعان والجبناء والأحرار والعبيد ، وهنا في هذا البيت يخاطب الشاعر أخاه كما أسلفنا من قبل في البيت السابق، ولكنها طريقة للسلو عن الهم الذي هجم عليه فجأة فلم يترك له الخيار.
16- أَرى طولَ الحَياةِ وَقَد تَوَلّى كَما قَد يُسلَبُ الشَيءُ المُعارُ
هنا في هذا البيت تصوير الحياة بالعاريّة التي لا تطول ، فيخطفها المعير متى شاء لأنها ليست ملك الإنسان ، وتحس من البيت معنى خفي لم ينطق به الشاعر ألا وهو كراهية الحياة ، وأن القنوط متمكن منه يقلبه كما يشاء ، فلسان حاله يقول : لاحياة بعد كليب يامهلهل.
17- كَأنًّي إِذ نَعى النّاعي كُلَيباً تَطايَرَ بَينَ جَنبَيَّ الشَرارُ
هنا في هذا البيت يخبرنا الشاعر عن حاله عندما جاءه الناعي ينعي له أخاه ويخبره خبر قتله ، ويصور لنا الغضب الذي انتابه وشبهه بالشرر المتطاير وهذه صورة غاضبة يرسمها لنا الشاعر بفرشاة الألفاظ.
18- فَدُرتُ وَقَد عَشِي بَصَري عَلَيهِ كَما دارَت بِشارِبِها العُقارُ
الأعْشى، وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار، وأعشاه فعَشِيَ بالكسر يَعْشى عَشاً. والعَشْواء: الناقة التي لا تبصر أمامَها فهي تخبط بيديها كلَّ شيء. وركبَ فلانٌ العَشْواءَ، إذا خبط أمره على غير بصيرة. وفلانٌ خابطٌ خَبْطَ عَشْواءَ. والعقار هي الخمر.
- يقول : شاعرنا بأن الخبر أفزعه فأصبح لا يرى شيئا كشارب الخمر عندما يشربها لا يعلم من أمره شيء، وهنا تصوير فني يلقيه لنا الشاعر في هذا البيت ليصور لنا مدى قوة الخبر الذي أتاه فأصبح كال لا يعي شيئا.
19- سَأَلتُ الحَيَّ أَينَ دَفَنتُموهُ فَقالوا لي بِسَفحِ الحَيِّ دارُ
والسفح هو أسفل الجبل .
- وهذه صورة تكمل لنا الصورة التي سبقت في البيت السابق ، فهي إذا مكملة للمشهد الذي مر بالشاعر ، ويريد منك أن تتخيل صورته وقد أتاه الخبر المفزع فغدا كالأعمى يجوب الديار فسأل القوم عن مكان دفنه وأين واروه التراب؟ فأجابوه هنالك في أسفل الجبل .
20- فَسِرتُ إِلَيهِ مِن بَلَدي حَثيثاً وَطارَ النَومُ وَاِمتَنَعَ القَرارُ
والقُرّ، بالضم: القَرار في المكان، تقول منه قَرِرْتُ بالمكان، بالكسر، أَقَرُّ قَراراً وقَرَرْتُ أَيضاً ، وقَرَّ بالمكان يَقِرُّ ويَقَرُّ.
- وهذه أيضا صورة مكملة كما قنا في البيت السابق ، فسار إليه من مكان سكنه والذي يدل عليه أنه قال فسرت إليه من بلدي حثيثا ، وأن مكان قبر أخيه بعيد عن دياره ، وهنا الشاعر كما يظهر لنا ليس بمصدق للخبر أو بالأصح ليس موقنا به ، وهذا يدل عليه سؤاله عن قبر أخيه والسير إليه وهو بعيد عنه ، أو تكون فطرة في الإنسان عند فقد أحبابه يريد أن يرى إلى مكانهم ليتخيلهم موجودين هناك ، ويقول:
أيضا أن النوم طار وهنا تصوير النوم بالطائر عندما يكون بين يديك فيطير فلا تؤمل رجعة له إلا بعد حين ، وتصويره بامتناع الاستقرار عليه فقد أعطاه روحا وحسا حتى يمتنع عنه ويقول له: اذهب فلست بآتيك ، وهنا وُفق الشاعر في اختيار الألفاظ وهذا ليس بغريب عليه.
21- وَحادَت ناقَتي عَن ظِلِّ قَبرٍ ثَوى فيهِ المَكارِمُ وَالفَخارُ
وهنا اكتمل جزء من المشهد الحزين الذي صوره شاعرنا بالألفاظ لا بالصور كما سبق ، لقد وصل الأخ إلى قبر أخيه ، فمالت ناقته إلى قبر أخيه وهو ليس كأي قبر بل هنا في هذه الحفرة دفنت المكارم والفخار دفنت الأخلاق الحميدة هنا بنفسها
وهذا تشبيه لأخيه بالمكارم والفخار وأنها تجسدت به تجسدا حقيقيا فهذا أضفى على المشهد جمالا على جمال.
22- لَدى أَوطانِ أَروَعَ لَم يَشِنهُ وَلَم يَحدُث لَهُ في الناسِ عارُ
والأرْوَعُ: الرجل الكريم ذو الجسم والجهارة والفضل والسودد. وقيل: هو الجميل الذي يَرُوعك إذا رأيته .
- هنا يخبرنا الشاعر أنه وصل لدى أخيه الذي لم يشينه خلق ولا عيب ، ولم يعرف الناس عنه عار .
23- أَتَغدوا يا كُلَيبُ مَعي إِذا ما جَبانُ القَومِ أَنجاهُ الفِرارُ
وهنا يخاطب الشاعر أخاه عندما وصل إليه ، فتمر الصور في خاطره سريعة متوالية ، وتجري الذكريات الجميلة في الخاطر بمجرد الوقوف على قبره ، أتذكر ياكليب حينما نذهب سوية لنقاتل ، فيفر الجبان منك بمجرد رؤيته لك ، فلا ينجيه قوم ولا قبيلة . وهنا بمخاطبة الأخ أخيه على قبره يتجلي بعض الهم الذي داهمه وهذه يعرفها علم النفس جيدا.
[/BACKGROUND][/COLOR][/SIZE][/FONT]