لِمَاذا نَغْتَرُّ بِالكُفَّار ونُعْجَبُ بِهِم؟
=======
=======
من زمن ألاحظ على كثير من المسلمين التأثر البالغ بالكفار , يكبرون فيهم أخلاقهم وحسن تنظيم حياتهم خاصة, تلك هي نظرتهم الظاهرية الساذجة , في الوقت الذي بلغ فيه أذى هؤلاء للأمة المحمدية ما لا يوصف , بغض النظر عن كفرهم الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ؛ غضبا منها لحق الله سبحانه , وإنك لتعجب من هؤلاء المسلمين المشار إليهم في تصرفهم مع الكفار المعتدين , فألسنتهم تلعنهم , وجوارحهم تتبعهم والمستعمِرالكافر يعتدي على البلاد المسلمة ثم يخرج منها , فإذا بأهل تلك البلاد لا يعجبهم من لغات الحضارة إلا لغة المستعمِر المطرود , مع أن لهم لغتهم الرسمية ولهجتهم المحلية , بل قد تكون لغتهم لغة عريقة في الحضارة يتعلقون بثقافة مستعمرهم وينسون سنوات التعذيب والتشريد والحرمان التي كانوا وكان آباؤهم
يعانونها منه , ورضوا بأن يكونوا له أذنابا , وقد كان لهم عذابا , وكلما تعلقوا بشيء منه ازداد ارتباطهم به وتأثرهم بهديه , وكان الإنبهار بطرق عيشهم ومناهج أخلاقهم هو الدافع الأول لذلك التأثر , وليتهم تأثروا بعلومهم التي لهم فيها صلاح , لكنهم تأثروا بما هم في غنى عنه , كالأخلاق والشرائع .
ثم رأيت قريبا شابا مراهقا قد حرص أهله على تحفيظه كتاب الله , وبعد أن ظهر عليه مخايل النجابة والذكاء الخارق , إذا به يضعف في دينه فجأة , ويسوء خلقه في بيته , حتى كان منه إحتقاركل شيء يحمل جنسية قومه , والتنكر لكل أصيل والترحيب بكل مستغرب دخيل , فلما استبنتُ حاله , وجدت أن نفسه أصبحت لا تطاوعه على التدين كما كانت , وأنه يود لو يعيش على الطريقة الأوروبية , بل بلغ ولعه بها حد التشبه بأهلها , فلما استفصلت معه وجدت أن المتسبب الأول في ذلك هو أساتذته الذين أخذوا يزينون له بلاد الغرب ؛ إذ ما يجدون حسنة من حسنات الدنيا إلا وصفوها بها وجعلوها في مقدمتها , ويقابله الحط من أخلاقيات البلاد الإسلامية ورميها بالتخلف , وهذا ديدن كثير من المنهزمين أمام الحضارة الغربية , وقد كان بدء هذه المشكلة من قبل بعض المبتعثين من المسلمين إلى تلك البلاد ؛ ذهبوا ليجمعوا شيئا من العلم الضروري لينفعوا به أمتهم , فإذا بهم تضعف شخصيتهم أمام التيارات الحضارية الجارفة , فأخذوا يجمعون كل شيء وقع بأيديهم , فكانوا كحاطب ليل يأخذ مرة خشبة , ومرة حية , يحملها معه إلى بيته وهو لا يشعر , فبدلا من أن يحافظوا على حياتهم الإسلامية وعاداتهم العربية التي هي أقرب العادات إلى الفطرة البشرية , إذا بهم يتنكرون لذلك كله أو جله , ليأخذوا من أولئك كل شيء أو كادوا . وقد ذكر لي أن منهم من ينصح طلابه الذين يرغبون في تنمية مهاراتهم اللسانية أن يسافروا إلى بلاد الكفار ليعيشوا معهم في بيوتهم ولو على غسل صحونهم وتطهير مراحيضهم , ولم يفكر هذا فيما ينتج من جرّاء الإحتكاك بهم , ولا فكّر في عسر علاج قلوب أولئك الطلبة إذا رجعوا بأدمغة مغسولة لكن بغير طهر , ونفسيات مخذولة وأخلاق مرذولة , فأمثال هؤلاء يسعون في تقويم اللسان على حساب خراب الجنان , والله المستعان .
لقد أصبح هذا الصنف من المبتعثين هو الناطق الرسمي للدعاية للبلاد الكافرة , وحوّلتهم أيام الإبتعاث إلى هوامش لمدينة الغرب ؛ لأنهم - إلا من رحم الله - يتأثرون بما هنالك ولا يؤثرون،ويذوبون ولا يثبتون , وإن كانت لهم ألسنة معسولة , فقد تجرعت الأمة منهم مرارات , ولاسيما في التقنين لها بعقول مستعارة , وقد تبعهم المنهزمون من أهل البلاد الإسلامية , حتى أضحوا جنود الخفاء لتلك البلاد وهم لا يشعرون , فإلى هؤلاء أكتب , ولغيرهم من أبناء المسلمين , ممن يخشى
عليه الغزو العقدي الكافر والغزو الخلقي الفاجر , ولو رزق هؤلاء العقل الراجح لقنعوا بما آتاهم الله من إيمان , ولقنع ذلك الشاب بكتاب الله الذي حواه صدره ؛ فإن الله يقول )) ولقد آتينك سبعا من المثاني والقرآن العظيم , لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم )) [ الحجر 87-88 ] .
هذا , وقد حرصت أن تكون نصيحتي هذه عقدية أكثر منها أخلاقية ؛ لأن الغالب على من يعجب بأخلاق الكفار أنه يمدحهم ,ومن يمدحهم لابد أن يحبهم , ومن أحبهم كان على خطر عظيم ؛ لنقض عقدة الولاء والبراء , ومن نقض هذه العقدة حشر يوم القيامة مع مَن مِن أجله نقضها , فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" المرء مع من أحب " . متفق عليه .
والله يسدد الجميع للخير , ويرد لهذه الأمة عزّها ويمكّن لها دينها .
منقول من كتاب
رفع الذل والصّغارعلى المفتونين بخلق الكفار لفضيلة الشيخ عبد المالك رمضاني الجزائري - حفظه الله-.
~ مما راق لي