معروف الرصافي

~الفراشة الجميلة~ 07-07-2010 22 رد 6,924 مشاهدة
~

معروف الرصافي

1294 - 1364 هـ / 1877 - 1945 م
معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي.
شاعر العراق في عصره، من أعضاء المجمع العلمي العربي (بدمشق)، أصله من عشيرة الجبارة في كركوك، ويقال إنها علوية النسب.
ولد ببغداد، ونشأ بها في الرصافة، وتلقى دروسه الابتدائية في المدرسة الرشيدية العسكرية، ولم يحرز شهادتها.
وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في علوم العربية وغيرها، زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم، ونظم أروع قصائده، في الاجتماع والثورة على الظلم قبل الدستور العثماني.
ورحل بعد الدستور إلى الأستانة، فعين معلماً للعربية في المدرسة الملكية، وانتخب نائباً عن (المنتفق) في مجلس (المبعوثان) العثماني.
وانتقل بعد الحرب العالمية الأولى إلى دمشق سنة (1918)، ورحل إلى القدس وعين مدرساً للأدب العربي في دار المعلمين بالقدس، وأصدر جريدة الأمل يومية سنة (1923) فعاشت أقل من ثلاثة أشهر، وانتخب في مجلس النواب في بغداد.
وزار مصر سنة (1936)، ثم قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني ببغداد فكان من خطبائها وتوفي ببيته في الأعظمية ببغداد.
له كتب منها (ديوان الرصافي -ط) (دفع الهجنة - ط)
(محاضرات في الأدب العربي - ط) وغيرها الكثير.
~
علام حرمنا منذ حين تلاقيا
أفي سفر قد كنت أم كنت لاهيا
عهدناك لا تلهو عن الخِل ساعة
فكيف علينا قد أطلتَ التجافيا
ومالي اراك اليوم وحدك جالساً
بعيداً عن الخلان تأبى التدانيا
أنابك خطب ام عراك تعشق
فإني أرى حُزنا بوجهك باديا
وما بالُ عينيكَ اللتين أراهما
تديران لحظا يحمل الحزنَ وانِيا
واي جوى قد عدت اصفر فاقعاً
به بعد أن قد كنت أحمر قانيا
تكلم فما هذا الوجوم فانني
عهدتك غِرّبدا بشعرك شاديا
تجلد تجلد ياسليم ولا تكن
بما ناب من صرف الزمان مباليا
ولا تبتئس بالدهر ان خطوبه
سحابة صيف لا تدوم ثوانيا
فقال ولم يملك بوادرَ أدمع
تناثرن حتى خلتهن لياليا
لقد هجتني يا أحمدُ اليوم بالأسى
وذكرتني ما كنت بالامس ناسيا
اتعجب من حزني وتعلم انني
قريع تياريح تشيب النواصيا
ترحلت عنها لا علي ولا ليا
وقد كنت اشكوا الكاشحين من العدى
فأصبحت من جَور الأخلاء شاكيا
ومارحتُ استشفى القلوب مداوياً
من الحقد الا عدت عنها كما هيا
وداريتُ حتى قيلَ لي مُتعلق
وما كان من داءِ التملّق دائيا
وحتى دعاني الحزمُ أن خل عنهمُ
فإنّ صريح الرأي ألا تداريا
ورُبّ أخِ أو قرُتُ قلبي بحبه
فكنتُ على قلبي بحبيه جانيا
أراد انقيادي للهوان وما درى
باني حر النفس صعب قياديا
إذا ما سمائي جاد بالذل غيثها
أبيتُ عليها أَن تكون سمائيا
الا فابك لي يااحمد اليوم رحمة
ودعنى وشأني والاسى وفؤاديا
فان احق الناس بالرحمة امروء
أضاع ودادا عند من ليس وافيا
وما كان حظي وهو في الشعر ضاحك
ليظهر إلا في سوى الشعر باكيا
ركبت بحور الشعر رهواً ومائجاً
وأقحمتُ منها كلِّ هول يراعيا
وسيرت سفني في طلاب فنونه
وألقيتُ في غير المديح المَراسيا
وقلتُ أعصني يا شعرُ في المدح إنني
ارى الناس موتى تستحق المراثيا
ولو رضيت نفسي بامر يشينها


~
الا لفت منا إلى الزمن الخالد
فتغبِط من أسلافنا كل مِفضال
تَلونا أناساً في الزمان تقدمُوا
وكم عِبرَة فيمن تقدم للتالي
ألا فاذكروا يا قوم أربع مجدكم
فقد درست إلا بقية أطلال
تطلبتمُ صفوَ الحياة وأنتمُ
بجهل، وهل تصفو الحياة ُ لُجهال؟
وما أنتم إلا ك طافح
تحسى من الصهباء عشرة أرطال
مشي بارتعاش في الطريق فتارة
يقوم وأخرى ينهوي فوق أو حال
يمد إلى الجدران كف استناده
فتقذفه الجدران قذيفة أذلال
ويفتح للطراق مقلة حانق
فيغمضها خزيان عن شتم عذال
رمى الدهر قومي بالخمول فلمتهم
وأوسعتهم عذلا فلم يُجد تعذالي
فهاج البكى يأسي فلما بكيتهم
بدمعي حتى بل دمعي سِربالي
نظرت إلى الماضي وفي العين حُمرة
كأن على اماقها نضح جريالي
سيروا البرق بينهن رسولا
فشمتُ بروق الأولين منيرة
على أفق من ذلك الزمن الخالي
"تنورتها من أذرعات وأهلها
بيثربَ أدنى دارها نظر عال»
وقلبت طرفي في سماء رجالها
وهم فوق عرش من جلال محلال
فآنست آتارا وهم سِلك درها
وأبصوت أعمالا وهم جيدها الحالي
ولما طويت الدهر بيني وبينهم
على بعد أزمان هناك وأجيال
قعدت بأوساط القرون فجاءني
"أبو بكر الرازي"فقمت لإجلال
فتى عاش أعمالاً جساما وإنما
تقدر أعمار الرجال بأعمال
حكم رياضي طبيب منجم
أديب وفي الكمياء حلال أشكال
أني فيلسوفا للنفوس مهذبا
بأفضل أفعال وأحسن أقوال
لقد طبب الأرواح من داءِ جهلها
كما طبب الأجسام من كل إغلال
تولد عامَ الأربعين الذي انقضى
لثالث قرن ذي مآثر أزوال
إلى زكريا ينتمي إنه له
أب تاجر في الري صاحب أموال
على حينَ كانت بلدة ُ الري عادة
إلى العلم تعطو جيدَها غيرَ مِعطال
مدارسُ بالشبان تزهو ودونها
كتاتيب للتعليم تزهو بأطفال
بها جل درس القوم طب وحكمة
وفلسفة فيها لهم أي إيغال
وكانت نفيسات الصنائع عندهم
يحاوالها ذو الفقر منهم وذو المال
بل الحال في البلدان طرا كذا الحال
فإن هدى الإسلام أنهى فتوحه
وآصلها للحد أحسن إيصال
وبدل أبطال الحروب من الورى
بأبطالِ علْم للجَهالة قُتال
فدارت رحى تلك العلوم وقطبها
ببغدادَ مركوزُ بربوة إجلال
وكانت يد المأمون في ذاك أخجلت
لسان العلي في شكره أي إخجال
تدرّج في تلك المدارس ناشئا
مترجمنا يسعى بجد وإقبال
تعلم فن الصوت باديء بدئه
ومارس تفصيلاً به بعد إجمال


~
قضت المطامع أن نطيل جدالا
وأبَيْنَ إلا باطلا ومِحالا
في كل يوم للمطامع ثورة
باسم السياسة تستجيش قتالا
ماض من سلسوا البلاد لوانهم
كانوا على طلب الوفاق عيالا
أمِنَ السياسة أن يقتل بعضنا
بعضا ليدرك غيرنا الآمالا
لادر در اولي السياسة انهم
قتلوا الرجال ويتموا الاطفالا
غرسوا المطامع واغتدروا يسقونها
بدم هريق على الثرى سيالا
تثروا الدماء على البطاح شقائقا
وتوهموها الروضة المحلالا
واعلم بأني لا أخاف مَنيَّتي
سبقت ولاترة ولا اذحالا
قالوا كرهت الحرب قلت لأنها
دارت لتغصب الحقوق الالا
وأجلت فكري في الحروب فلم أجد
إن الهوائفَ لا تزال بمسْمع
طاشت منافعها الصغار عن الورى
ورست مآثمها الكبار جبالا
ما اجشع الحرب الضروس فانها
تحسو النفوس وتأكل الاموالا
كم سح من رهج الحروب على الربى
وبل الدماء فزادها امحالا
لولا الحروب ومحرقات صواعق
منها لابقلت الربي ابقالا
قبحت بنا الأرض الفضاء وما حوت
في غير ما زمن الفطحل جمالا
أبني السياسة ان سلكتم بالورى
طرق الرشاد فعلموا الجهالا
ان جرت حرب الكمال لامة
إن الحياة كثيرة أعمالها
ان الحيلة كثيرة اعمالها
فدعوا الانام وحاربوا الاعمالا
وتقحموا حرب الحياة فانها
واستلئموا زرد الوفاق واشرعوا
فيها تعاونكم قناً ونصالا
وأقْنوا لكم بيض المساعي شُزَّبا
تجري رعالا المُنى فرعالا
واعلُوا على صَهواتهنَّ رواكضا
للمَكرمات تُسابق الآجالا
ودُعوا صيالا في المَلاحم إن في
هذي الحياة مَلاحما وصيالا
او كلما طمع القوي شراهة
اكل الضعيف تحيفا واغتالا
لا غرو أن يلَد الزمان بمرِّه
كأبي دُلامة من بنيه رجالا
اذراح يقتل بالعواطف قرنه
قتلا ادام حياته واطالا
اذ جهز"المنصور" جيشا قاده
"روح" يريد من "الشراة " قتالا
فمضى وفيه أبو دُلامة مُكرَها
للحرب أخرج كي يُصيب نكالا
حتى إذا التقت الجيوش وعُبِّئت
صفا فصفا يمنة وشمالا
برزَ الكميِّ من الشُّراة مُجرِّداً
للسيف يطلب من يطيق نزالا
فأجال روْحٌ في الجنود لحاظه
والقوم ينتظرون منه مَقالا
فدعا اليه ابا دلامة قائلا
يا ليثُ دونَك ذلك الرِّئْبالا
فجرى اليه ابا دلامة هازلا
ثم استقال فلم يكن ليقالا
فشكا لروح جوعه فازاده
بدجاجتين وحثه استعجالا
فانصاع من عجل وسمط زاده
ومضى يُخبّ لقرْنه مختالا
فأتى وقد شهر الكميُّ بوجهه
سيفا يروع غراره الاغوالا
فدنا اليه ابو دلامة قائلا
مَهْلا فأغمد سيفَك القصالا
اني اتيت وما اتيت مقاتلا
من لَسْت أطلب عندهَ أذحالا
فاسمع مقالة من أتاك ولم يكنْ
فيما يقول مخادعا محتالا
واعلم اني لا اخاف منيتي
جُبنا ولا أتهيَّب الأبطالا
لكن ارى سفك الدماء محرما
وأعيذ رأيكَ أن تراه حلالا
أمن المروءة أن نريق دماءَنا
سَفها لمطمع طامع وضلالا
هل كنتَ من قيل اللقاء رأيتني
يوما وهل مني لقيتَ نكالا
أمْ هل طرقتُ خيام قومك جانيا
أم هل خَرْبتُ بحيِّهم آبالا
ماذا جرى بيني وبينك قبل ذا
مما يجر خصومة وجدالا
حتى شَهرتَ عليَّ سيفك تبتغي
ضَربا يُقطِّع مِني الأوصالا
فاربأ نفسك ان تكون من الاولى
زحفوا جنونا للوغى وخَبالا
فرأى الكمي مقالة متعاليا
حقاً وكل حقيقة تتعالى
سيفا أجادته القيون صِقالا
ولوى العنان من المطهم قائلا
رح بالامان فلا لقيت وبالا
فمشى اليه ابو دلامة مخرجا


~
لقد سمعوا من الوطن الأنينا لقد سمعوا من الوطن الأنينا
فضجوا بالبكاء له حنينا
وأنبأه بصارمه اليقينا
جميعاً للدفاع مسلَّحينا
وثاروا من مرابضهم أسودا
بصوت الاتحاد مُزمجِرينا
شبابٌ كالصوارم في مَضاءٍ
يُروْنَ، وكالشموس مُنوِّرينا
سلانيك الفتاة حوت ثراءً
بهم فقضت عن الوطن الديونا
لقد جمعوا الجموع فمن نصارى
ومن هود هناك ومسلمينا
فكانوا الجيش الف من جنود
مجندة ومن متطوعين
وشاهت أوجه المتمردينا
وما هم فيه متحدين دينا
هي الاوطان تجعل في بنيها
وتتركهم أولي أنف كبارٍ
يرون حياة ذي ذل جنونا
وأن الموت خير من حياة
يظل المرء فيها مستكينا
مشوا والوالدات مشيعات
يقلن وهن من فرح بواك
وهم من حزنهم متبسمونا
على الباغين منتصرين سيروا
وعودوا للديار مضفرينا
ولا تبقوا الذين قد استبدوا
وراموا كيدنا وتخونونا
فإن لم تنقذوا الأوطان منهم
فلستم يا بنين لنا بنينا
فقد هاجوا على الدستور شراً
بدار الملك كي يستعبدونا
هم الاشرار باسم الدين قاموا
فعاثوا في المواطن مفسدينا
فما تركوا من الدستور شُورَى
ولا أبقَوا لنغْمته طنينا
وكم قد قلن من قول شجى ٍّ
ومذ حان الوَداع دنون منهم
فقبلْن الصوارمَ والجفونا
وما أَنسى التي برزَت وقالت
وقد لفتوا لرؤيتها العيونا
ألا يا راحلين لحرب قوم
خذوني للوغى معكم خذوني
ممرضة لجرحاكم حنونا
وان لم تفعلوا فخذوا ردائي
به سدوا الجروح اذا دمينا
ولما جد جدهم استقلوا
على ظهر القطار مسافرينا
فطاروا في مراكبه سراعا
باجنحة البخار مرفرفينا
وظل الجيش صبحا أو مساء
تسير جموعه متتابعينا
فلم يتَصرّمِ الأسبوع إلا
وهم برُبا فروقَ مخيّمونا
هنالك قمت مرتحلا اليهم
لأبصر ما أؤمل أن يكونا
تكادُ به تظن الماء طينا
ركبت بها على اسم الله بحرا
غدا بسكون لجته رهينا
يعز على الطبيعة ان يهونا
ومرأى البحر أحسن كل شيءٍ
اذا لبست غواربه سفينا
اتينا دار قسطنطين صبحا
وقد فتحت لهم فتحا مبينا
وظل الجيش جيش الله يشفي
بحد سيوفه الداء الدفينا
فأزهق أنفس الطاغين حتى
سقاهم من عدالته المنونا
احلهم المقابر والسجونا
وحطوا قصر يلدز عن سماء
له فانحط أسفل سافلينا
واصبح خاشع البنيان يغضي
عيونا عن تطاوله عمينا
خلا من ساكنيه وحارسيه
هوى عبد الحميد به هويا
إلى درَك الملوك الظالمينا
وانزل عن سرير الملك خلعا
وأفرد لا نديمَ ولا قرينا
فسيق الى سلانيك احتباسا
له كي يستريح بها مصونا
ولكن كيف راحة مستبد
غدا بديار اسرار احرار سجينا
يراهم حول مسكنه سياجا
ويعجز ان ينيم لها عيونا
وموت المرء خير من مقام
له بين الذين سقوه هونا
لقد نقض اليمين وخان فيها
وقد كانت به البلدان تشقى
شقاء من تجبره مهينا
فكم اذكى بها نيران ظلم
وكم من اهلها قتل المئينا
وكان يدير من سفه رَحاها
بجعجعة ولم يُرِها طحينا
وقد كانت به الايام تمضي
شهوراً والشهور مضت سنينا
ولما ضاق صدر الملك يأسا
وصار يردد الوطن الانينا
اتى الجيش الجليل له مغيثا
فصدَّق من بني الوطن الظنونا
واضحى سيف قائده المفدى
على الدستور محتفظا أمينا
حماه من العداة فكان منه
مكان الليث اذ يحمي العرين
واسقط ذلك الجبار قهرا
فقرت اعين الدستور امنا
وشاهدت اوجه المتمردينا


~
لمن القصر لا يجيب سؤآلي
آهلات رُبوعُه أم خوالي؟
مشمخر البناء حيث ترآءى
باليا مجده بلح الاطلال
لم تصبه زلزال الارض لكن
قد رمته السماء بالزلزال
وكسته الأيام بالصمت لمَّا
نطقتْ فيه حادثات الليالي
فتراءت ابكاره شاحبات
باكيات بأعين الآصال
ايها القصر ايه بعض جواب
لا تكن ساكتاً على تسْآلي
ليت شعري والصمت فيك عميق
ذاكر انت عهدهم ام سال
ما تداعى منك البناءُ ولكن
قد تداعى بناء تلك المعالي
كنت كل البلاد في الطول والعرض
وكل العباد في الاعمال
كنت مأوى العلى مثار الدنايا
مَهبط العز، مصدر الإذلال
كنت جُباً وأيَّ جُب عميق
بالعا للنفوس والاموال
مَورِدا الخائنين كنت وكانت
منك تدلي مطامع العمال
قصرُ عبد الحميد أنت ولكن
اين يا قصر اين عرش الجلال
اين خاقانك الذي كان يدعى
قاسمَ الرزق، باعثَ الآجال
ما ارى اليوم ذلك المجد الا
كخيال تمر بعد خيال
هل وقوفي على مبانيك إلا
كوقوفي على الطلول البوالي
قد تخونتنا ثلاثين عاماً
جئت فيها لنا بكل محال
تلك اعوام رفعة للاداني
تلك الاعوام حطت للاعالي
يَثِب العدل طافرا كلما مـ
ـرّ عليها مشمِّرَ الأذيال
ملأت خطة الزمان شنارا
فأبتها كل العصور الخوالي
وكأني أرى اضطراب نفوس
كنت تغتالها وأي اغتيال
أسمع الآن فيك ما كان يعلو
من أنين لها ومن إعوال
وترقت الى ذؤابة اعلى
كوكب في سمائه جوال
وهي اليوم أحرقتك بشُهب
قذفتها عليك ذات اشتعال
لم يضع مجدها وان هي امست
ضائعات الاشلاء والاوصال
كيف ننسى تلك الخطوب اللواتي
لقحت منك حربها عن حيال
يوم كنا وكان للجهل حكم
خاذل كل عالم مفضال
آمر من عتوه كل امر
يغرس البغضَ في قلوب الرجال
أفأصبحتَ نادماً أيها القصـ
ـرُّ تبالي بالقوم أم لا تبالي؟
لم تفدك الندامة اليوم شيئاً
قضى الامر فاصطبر باحتمال
وعزاء فلستَ أولَ قصر
نكس الدهر من ذراه العوالي
قد تداعى من قبلُ إيوان كسرى
بعد ان طال شاهقات الجبال
وكأين من قصر ملك ترَامى
ساقطا بالملوك والاقيال
فابق يا قصر عابس الوجه كيما
يصبحَ الملك باسم الآمال
ولسنا "وإن كانت كباراً قصورنا"
وتعثر فلا لعا لك حتى
ينهض العدل ناشطا من عقال
إنما نحن أمة تدرأ الضيـ
ـم وتأبى أن تستكين لوالي
امة سادت الانام وطابت
عنصرا من أواخر وأوالي
فإذا ما غلا الغشومِ نهضنا
فقذفناه سافلا من عال
نملأ الارض ان مشينا لحرب
بزئير الغضنفر الرئبال
واذا ما غل المليك رددناه
ذليلا يقال بالاغلال
نحن من شعلة الجحيم خلقنا
لأولى الجوْر لا من الصلصال
يا ملوك الانام هلا اعتبرتم
حائمات على الذي فيك أبقيـ
ليس عبد الحميد فردا ولكن
كم لعبد الحميد من أمثال
فاتركوا الناس مطلقين والا
عشتم موثقين بالاوجال
هل جنيتم من التجبر الا
كل اثم عليكم ووبال
فمشى اليه ابو دلامة مخرجا
زادا تعلق بالسموط مشالا
~
إذا انقضى مارْتُ فاكسر خلفه الكوزا
واحفل بتموز ان ادركت تموزا
اكرم بتموز شهرا ان عاشره
قد كان للشرق تكريما وتعزيزا
شهر به الناس قد اضحت محررة
من رق من كان يقفوا اثر جنكيزا
سل اهل باريز عن تموز تلق لهم
يوما به كان مشهودا لباريزا
كانت لهم فيه لما ثار ثائرهم
بسالة هَدَّتِ البستِيل مبزوزا
وان تموز شهر قام فيه لنا
على اليفاع لواء العز مركوزا
في شهر تموز صادفنا لما وعدت
بيض الصوارم بالدستور تنجيزا
هي المساواة عمتنا فما تركت
فضلا لبعض على بعض تمييزا
أمست لنا قسمة بالملك عادلة
حكما وكانت علاتها ضيزى
كنا من الجور عميانا وليس لنا
من قائدين ولم نملك عكاكيزا
حتى نهضنا إلى العلياء تقدمنا
عصابة برزَت في المجد تبريزا
ان تلقهم تلق منهم في الوغى جبلا
أو هجتهم للمنايا هِجت راموزا
قوم إذا طَعِموا في حومة تخذوا
قصاعهم من قحوف القوم لا الشيزى
قمنا على الملك الجبار نقرعه
بالسيف منصلتا والرمح مهزوزا
حتى تركناه في هَيجاءَ معضلة
ألقت ضِراما على الطاغين مأزوزا
إنا لنأبى على الطاغي تهضمنا
حتى نهوِّز في الهيجاء تهويزا
ونأكل الموت دون العز نمضغه
كمضغنا التمر برنيا وسهريزا
لا عاش من لا يخوض الموت مرتضيا
بقاءَه بعصيّ الذل موكوزا
راعت سلانيك دار الملك فانتبهت
من ذاك طهران تخشى امر تبريزا
حتى غدت وهي في تمور ناكسة
رايات شاه رماه الخلع مجنوزا
فالشاه في شهر تموز هوى وكذا
عبد الحميد هوى في شهر تموزا
يا شهر تموز لا راعتك رائعة
ولالقيت من الاحداث ارزيزا
يا شهر تموز قد زينت رايتنا
بالعدل توشية فيها وتطريزا
من لي بانجم هذا الافق انظمها
قصائداً فيك مدحا أو أراجيزا
او انحت الماس اقلاما معرضة
امدها ذهبا في الطرس ابريزا
واجعل الجو في تموز امدحه
طرساً أجادته كف النور ترزيزا
~
يا شرق بشراك ابدى شمسك الفلك
وزال عنك وعن آفاقك الحلك
أضحى بك القوم أحراراً قد اعتصموا
من النجاة بحبل ليس يَنبتك
ناد به القولُ عن أهليه مستمَع
والحق متبع، والأمر مشترك
ناد اذا نفرت عنا الامور به
إن لم يتمَّ له من شأوه الدرَك
يصطاد فيه شرودُ الحق عن كثب
كالماء يصطاد في ضحضاحه السمك
إن السحائب لم تظهر بوارقها
ما لم يكن للقوى فيهن معترك
وللتدابير حرب لا يخيب بها
قوم بمستنقع الآراء قد بَركوا
هذا هو المجلس الرحب الذي وسعت
احكامه الناس من عاشوا ومن هلكوا
هو السماء التي نعلو السماء بها
تبدو من العدل في آفاقها حُبك
دارت بها شمس عز الملك حيث لها
حرية العيش برج والنهي فلك
قد أصبح الأمر شورى بيننا فبه
على الرعية لا يستاثر الملك
واصبح الناس في قربى وان بعدت
اديانهم من بهم حقد ولا حسك
هذا الذي جاءنا الدين الحنيف به
وحياً من الله مبعوثاً به الملك
هذا به نهض الاسلام نهضته
من قبلُ إذ قام يستولي ويمتلك
يا قوم قد حان حين تسخرون به
ممن بكم سخِروا من قبلُ أو ضحكوا
مات الزمان الدي من قبل كان به
يحيا امرؤ لم يكن في السعي ينهمك
هلا نظرتم لما في الغرب من سَنَن
كل به سائر طَلقاً ومُنسلك
لم تلق للحق وجهاً فيه محتقرا
ولم تجد حُرمة للعلم تنتهك
في الغرب أصوات عل يبعثون بها
من في القبور فهل قي سمعكم سكك
فشمروا يا رجالَ الشرق عن هِمم
حجابها عند اهل الغرب منتهك
ولست أطلب منكم فعلَ ما فعلوا
ولا أحاول منكم ترك ما تركوا
بل فاذكروا اوليكم كيف قد سلفوا
ثم اسلكوا في المعالي أية سلكوا
واستخلصوا عسجد المجد الذي بلغوا
سبكا على قالب العلم الذي سبكوا
لاعذر للشرق عند الغرب بعدئذ
واستنجدوا العلم ان العلم شكته
في حومة العيش تبلى دونها السنكك
اما المدارس فلترفع قواعدها
حتى تقوم وطود الجهل مؤتفك
منابع العلم إن غاضت بمملكة
فاضت بسيل الدواهي حولها برك
من شاد مدرسة للعلم هد بها
سجنا لمن أفسدوا في الأرض أو فتكوا
وكم أَثارت رياح الجهل من سحب
تهطالهن دم في الارض منسفك
فالعلم والجهل كل البون بينهما
هذا الفسوق وذاك الفوز والنسك
ضد ان ما استويا يوما ولا اجتمعا
وهل ترى يتساوى النور والحلك
نادوا البدارَ البدارَ اليوم إنكم
يا قومُ ساهون حيث الأمر مرتبك
كم رددت كلمات الناصحين لكم
حتى لقد مل من مضغ لها الحَنك
يا قوم قد طلعت شمس الهدى وبها
للناس قد وضحت من رشدهم سكك
وانشد الشرق مسرورا يؤرخها
«حرية المُلك أهدى شمسها الفلك»
~
نزلت تجر إلى الغروب ذيولا
صفراءُ تشبه عاشقا مَبتولا
تهتز بين يد المغيب كأنها
صب تململ في الفراش عليلا
ضحكت مشارقها بوجهك بكرة
وبكت مغاربها الدماء اصيلا
مذحان في نصف النهار دلوكها
هبطت تزيد على النزول نزولا
قد غادرت كبد السماء منيرة
تدنو قليلا للافول قليلا
حتى دنت نحو المغيب ووجهها
كالورس حال به الضياء حيولا
وغدت باقصى الافق مثل عرارة
عطِشت فأبدت صفرة وذبولا
غَرَبت فأبقت الشُّواظَ عَقيبها
شفقا بحاشية السماء طويلا
شفق يروع القلب شاحب لونه
كالسيف ضمخ بالدما مسلولا
يحكى دم المظلوم ما زَجَ أدمعاً
هملت به عين اليتيم همولا
رقت اعاليه واسفله الذى
في الأفق أشبِعُ عُصفراً محلولا
شفق كأن الشمس قد رفعت به
ردنا بذوب ضيائها مبلولا
كالخود ظلت يوم ودّع إلفها
ترنو وترفع خَلفه المِنديلا
حتى توارت بالحجاب وغادرت
وجه البسيطة كاسفاً مخذولا
فكأنها رجل تخرم عزه
قرع الخطوب له فعاد ذليلا
وانحط من غُرف النباهة صاغراً
وأقام في غار الهوان خمولا
لم انس قرب الاعظمية موقفي
والشمس دانية تريد افولا
وعن اليمين أرى مُروج مَزارع
وعن الشمال حدائقا ونخيلا
وتروع قلبي للدوالي نعرة
في البين يحسبها الحزين عويلا
ووراء ذاك الزرع راعي ثلة
رجعت تؤم الى المراح قفولا
وهناك دون برذونتين قد اثنى
بهما العشيَّ من الكراب نحيلا
وبمنتهى نظري دخان صاعد
يعلو كثيرا تارة وقليلا
مد الفروع الى السماء ولم يزل
بالارض متصلا يمد اصولا
وتراكبت في الجوِّ سُود طباقه
تحكي تلولا قد حملن تلولا
فوقفتُ أرسل في المحيط المدَى
نظرا كما نظر السقيم كليلا
والشمس قد غربت ولما ودعت
ابكت حزونا بعدها وسهولا
غابت فأوحشتِ الفضاء بكدرة
سقِم الضياء بها فزاد نحولا
حتى قضت رُوح الضياء ولم يكن
غير الظلام هناك عزرائيلا
وأتى الظلامُ دُجنة فدجنة
يُرخي سدولاً جمة فسدولا
ليل بغيهبه الشخوصُ تلفعت
فظَلِلت أحسِب كل شخص غولا
ثم انثنيت اخوض غمر ظلامه
وتخِذت نجم القطب فيه دليلا
إن كان أوحشني الدجى فنجومه
بعثت لتؤنسني الضياءَ رسولا
سبحان من جعل العوالم أنجما
يسبحن عرضا في الاثير وطولا
كم قد تصادمتِ العقول بشأنها
وسعت لتكشف سرها المجهولا
لا تحتقر صِغر النجوم فإنما
ارقى الكواكب ما استبان ضئيلا
دارت قديما في الفضاء رحى القوى
فغدا الاثير دقيقها المنخولا
فاقرأ كتاب الكون تلق بمتنه
آيات ربك فصلت تفصيلا
ودع الظنون فلا وربك انها
لم تغن من علم اليقين فتيلا
~
طرب الشعر أن يكون نسيبا
مذ أجالت لنا القوام الرطيبا
وتجلت في مرسح الرقص حتى
أرقصت بالغرام منا القلوبا
أقبلت تنثي بقدِّ رَشيق
ألبسته البرد القصير قشيبا
قصرتْ منه كمِّه عن يديها
وأطالت إلى الهنود الجيوبا
حبسَ الخضرَ حيث ضاق ولكن
من تزيا به، وفي الطيب طيبا
خطرت والجمال يخطر منها
في حشا القوم جيئة وذُهوبا
وعلى أرؤس الأصابع قامت
تتخطى تبخترا ووثوبا
يعبس الانس أن تروح ذهابا
ويعيد ابتسامه أن تئوبا
فهي إن أقبلت رأيت ابتساما
وهي إن أدبرت رأيت قطوبا
نحن منها في الحالتين ترابا
نرقب الشمس مطلعا ومغيبا
تضحك الحموَّ في الصباح طلوعا
ثم تبكيه في المساء غروبا
أظهرت في المجال من كل عضو
لعبا كان بالقلوب لعوبا
فأرتنا من الجين صباحا
فعجيبا من رقصها فعجيبا
شابهت عطفة الغصون انثناء
ما حيات أنوارهن الجُدوبا
تلفِتُ الجيد للرجوع انصياعا
كفطيم رأي على البعد ذِيا
تثب الوثبة الخفيفة كالبرق
صعودا في رقصها وصبوبا
حركات خلالها سكنات
يقف العقل بينهن سليبا
وخطاً تفضح العُقود اتساقاً
نظمتها تسرُّعاً ودبيباً
بسمت كوكبا ومرت نسيما
وشدْت بلبلا وفاهت خطيبا
لهف نفسي على نضارة بغدا
لتغني بوصفها عند ليبا
او غدا الحسن شاعرا ينظم العشق
قريضا ابدى بها التشبيبا
هي كالشمس في البِعاد وإن كا
ن إلينا منها الشعاع قريبا
عمتِ الناسَ بالغرام فكل
قد غدا عاشقا لها ورقيبا
زَهرة تبهج النواظر حسناً
ورُواءً وتُنعش الرُّوح طيبا
هي دائي اذا شكوت من الداء
وطبي اذا اردت طبيبا
وأتت بعدها من الغيب أخرى
يقتفي إثرَها الجمال جنيبا
فأرتنا من الجبين صباحا
ومن الخد كوكبا مشبوبا
حملت بُندقية صوبتها
نحو مستهدف لها تصويبا
واستمرت رميا بها عن بنان
لطفه ضامن له ان يصيبا
تحسن الرمي تارة مستقيما
وإلى الخلف تارة مقلوبا
وانكبابا الى الامام واقعاسا
كثيرا الى الوراء عجيبا
وهي في كل ذا تصيب الرمايا
مثلما طرفها يصيب القلويا
لو أرادت رمي الغيوب وأغضت
لاصابت خفيها المحجوبا
مشهد فيه للحياة حياة
تترك الواله الحزين طروبا
قد شهدناه ليلة ً جعلتنا
نحمد الدهر غافرين الذنوبا
بين رهط شمَّ العرانين ينفي الـ
عنى حديثهم والكروبا
كرموا انفسا وطابوا فعالا
وسموا محتدا وعفوا جيوبا
كل ذي نجدة تراه لدى الفعل
كريما وفى المقال اديبا
تلك والله ليلة لست أدري
في بلادي قضيتها ام غريبا
كدت أنسى بها العراقَ وإن أنـ
ـقى ندوبا بمهجتي فندوبا
يا سواد العراق بيضك الدهر
فاشبهت مقلتي يعقوبا
شملت ريحك العقيم وقد كانت
نت لُقوحاً تهب فيك جنوبا
أين أنهارك التي تملأ الارض
غلالا بسيحها وحبوبا
اذ حكت ارضك السماء نجوما
دَ استحالت كذُورة وشحوبا
أين بغداد وهي تزهو علوما
وزروعا واربعا ودروبا
أَقفرْت أرضها وحاق بها الجهـ
فجاشت دواهيا وخطوبا
~
تذكرت في أوطاني الأهلَ والصحبا
فأرسلت دمعاً فاض وابلهُ سكبا
وبتُّ طريد النوم أختلس الكرَى
بشاخص طرف في الدجى يرقب الشُّهبا
كئيب كأن الدهر لم يلق غيره
عدُوًّا فآلى لن يهادنه حربا
يِقل كروباً بعضها فوق بعضها
إذا ما رَمى كربا رأى تحته كربا
وإني إذا ما الدهرُ جرَّ جريرة ً
لتأنف نفسي ان اكلمه عتبا
وقد علم القوم الكرام بأني
غلام على حب المكارم قد شبا
وأني أخو عزم إذا ما انتضيتُه
نبا كل عضب أو انكر الضرب
وأني أعاف الماء في صفوه القَذى
وان كان في احواضه بارداً عذبا
ولكن لي في موقف الشوق عبرة
أولى الأنام بعطف الناس أرملة
وقاطرة ترمي الفضا بدُخانها
بدت نغمات ترقص الدمع منصبا
وقاتطرة ترمي الفضا بدخانها
وتملأ صدر الأرض في سيرها رعبا
لها مَنخر يبدي الشواظَ تنفساً
وجوف به صار اليخار لها قلبا
تمشت بنا ليلاً تجرّ وراءها
قطاراً كصف الدوح تسحبه سحبا
فطوراً كعصف الريح تجري شديدة
أشارك الناس طُرّاً في بَلاياها
تساوى لديها السهل والصعب في السرى
فما استسهلت سهلا ولا استصعبت صعبا
تدكُّ مُتون الحَزن دكّاً وإنها
لتنهب سهل الأرض في سيرها نهبا
يمر بها العالي فتعلو تسلقا
ويعترض الوادي فتجتازه وَثبا
اذا ولجت في جوفه النفق الرحبا
لها صيحة عند الولوج كأنها
تقول بهلا يا طود خلّ لي الدربا
وتمضي مُضي السهم فيه كأنما
ترى افعواناً هائجاً دخل الثقبا
تغالب فعل الجذب وهي ثقيلة
فتغلب بالدفع الذي عندها الجذبا
طوت بالسير الارض طياً كانها
تسابق قرص الشمس ان يدرك الغربا
وما إن شكت أينا ولا سُئمت سرى
ولا استهجنت بعدا ولا استحسنت قربا
عشية سارت من فروق تقلنا
وتقذف من فيها بوجه الدجى شهبا
فما هي إلا ليلة ونهارُها
وما قد دعونا من سلانيك قد لبى
فجئنا ولم يُعي السفارُ مطينا
كأن لم نكن سفراً على ظهرها ركبا
تغالبت يا عصر البخار مفضلا
على كل عصر قد قضى أهله نحبا
يا ربُّ ما حيلتي فيها وقد ذَبلت
يذلل ادنى فعلها المطلب الصعبا
تمشي بأطمارها والبرد يَلسعها
~
اذا شئت ان تسرى بكافرة الصوى
يدَوِّي بقطريها هزيمُ الرواعدِ
وتذهبَ مِحيار الظلام تخبطاً
وتعثر في ظلمائها بالجلامد
وتمشي فما تدري إلى قعر هُوَّة
تروح بها ام للمدى المتباعد
فطالع أراجيف الجرائد إنني
ارى الويل كل الويل بين الجرلائد
جرائد في دار الخلافة أضرمت
لهيب خلاف بينهما غير خامد
ولم يكفها هذا الخلاف وانما
أطافت بنقص في الحقيقة زائد
فما بين مكذوب عليه وكاذب
وما بين مجحود عليه وجاحد
ترى في فروق اليوم قراء صحفها
فريقين من ذي حُجة ومعاند
جِدال على مَرِّ الجَديدين دائم
بتنفيد رأي أو بتنقيد ناقد
فذائد سهم عن رميّ يرده
وآخر رامٍ سهمه نحو ذائد
وهذا الى هذى وذاك لغيرها
من الصحف يدعو آتياً بالشواهد
وما هي إلا ضَجَّة كل صائت
بها مدّ للدنيا حِبالة صائد
أضاعوا علينا الحق فيها تعمدا
وعُقبى ضياع الحقُ سود الشدائد
ولم أر شيئاً كالجرائد عندهم
مبادئه منقوضة بالمقاصد
يقولون نحن المصلحون ولم اجد
لهم في مجال القول غيرَ المفاسد
وكيف يبين الحق من نفثاتهم
وكل له في الحق نفثة مارد
فاياك ان تغتر فيهم فكلهم
يَجر إلى قرصية نار المواقد
وكن حائداً عنهم جميعاً فانما
يضل امروء عن غيهم غير حائد
على رسلكم يا قوم كم سمعوننا
مقالة محقود عليه وحاقد
ألا فارحموا بالصفح عن نهج صُحفكم
فقد اوردتنا اليوم شر الموارد
وما الصحف إلا أن تدور بنهجها
مع الحق انى دار بين المعاهد
وان تنشر الاقوال لا عن طماعة
فتأتي بها مشحونة بالفوائد
وان لا تعاني غير نشر حقائق
وتنوير افكار وانهاض قاعد
أتبغون في تلفيقها نفع واحد
وتغضون عن اضرارها الف واحد
ألا إن صحف القوم رائد نجحهم
وما جاز في حُكم النُّهيِ كذب رائد
لعمري ان صحف مرآة اهلها
بها تتجلى رُوحهم للمشاهد
كما هي ميزان لوزن رقيهم
وديوان أخلاق لهم وعوائد
الاننظرون الغرب كيف تسابقت
به الصحف في طُرق العلى والمحامد
بها يهتدي القراء للحق واضحا
كما يهتدي الساري بضوء الفراقد
ولكن ابى الشرق التعيس تقدماً
مع الغرب حتى في شؤون الجرائد
فلا تحملوا حقداً على ما أقوله
فإني عليكم خائف غير حاقد
وما هي الا غيرة وطنية
فان تجدوا منها فلست بواحد
~
ناح الحمام وغرّد الشحرور
هذا به شجن وذا مسرور
في روضة ِ يُشجى المشوق ترقرق
للماء في جنباتها وخرير
ماء قد انعكس الصفاء بوجهه
وصفا فلاح كأنه بَلور
قد كاد يمكن عنذ ظني أنه
بالماس يوشر منه لي موشور
وتسلسلت في الروض منه جداول
بين الزهور كانهن سطور
حيث الغصون مع النسيم موائل
فكأنهن معاطف وخصور
ماذا أقول بروضة عن وصفها
يعيا البيان ويعجز التعبير
عني الربيع بوشيها فتنوعت
للعين أنوار بها وزهور
مثلت بها الاغصان وهي منابر
وتلت بها الخطباء وهي طيور
متعطر فيها النسيم كأنما
جيب النسيم على شذا مزرور
للنرجس المطلول ترنو أعين
فيها وتبسم للاقاح ثغور
تخذت خزاماها البنفسج خدنها
وغدا يشير لوردها المنثور
وكأن محمر الشقيق وحوله
في الروض زهر الياسمين يمور
شمع توقد في زجاج أحمر
فغدا حواليه الفراش يدور
وتروق من بعد بها فوارة
في الجو يدفقُ ماؤها ويفور
يحكى عمودُ الماء فيها آخذا
صعدا عمود الصبح حين ينير
ناديت لما ان رأيت صفاءه
والنور فيه مغلغل مكسور
هل ذاك ذوب الماس يجمد صاعدا
أم قد تجسم في الهواء النور
تتناثر القَطرات في أطرافها
فكأنما هي لؤلؤ منثور
ينحل فيها النور حتى قد ترى
قوس السحاب لها بها تصوير
كم قد لبست بها الضحى من روضة
فيها علتني نضرة وسرور
فاجلت في الازهار لحظ تعجبي
ولفكرتي بصفاتهن مُرور
فنظرتهن تحيراً ونظرنني
حتى كلانا ناظر منظور
فكأن طرف الزهرِ ثمة ساحر
لما رنا وكأنني مسحور
إن الزهور تكهن براعم
مثل العلوم تجنهن صدور
وتضوُّع النفحات منها مثله
تبيينها للناس والتقرير
وبتلك قلب الجهل مصدوع كما
ثوب الهموم بهذه مطرود
والزهر ينبته السحاب بمائه
يزهو فذلك في النهَى تنوير
او كان هذا لا يدوم فان ذا
ليَدوم ما دامت تكر عصور
~
وخرساء لم ينطق بحرف لسانها
سوى صوت عِرق نابض بحشاها
حكت لهجة َ التمام لفظاً ولم تكن
لِتفصحَ إلا بالزمان لغاها
لها ضربان في الحشاقد حكت به
فؤاداً تغشاه الهوى وحكاها
جرت حركات الدهر في ضربانها
وبانت مواقيت الورى بعماها
على وجهها خُطت علائم تهتدي
بها الناس في أوقاتها لمناها
مشت بين آناتِ الزمان تقيسه
وما هو إلا مشيها وخُطاها
بها يتقاضى الناس ما يُوعدُونه
ويرشد ضُلال الزمان هُداها
غدت كأخي الإيمان تأكل في معي
وما أكلها إلا التواء مِعاها
تدور عليها عقرب دَورَ حائر
بتيهاء غُمّت في الظلام صواها
تُريك مكان الشمس في دورانها
إذا حجبت عنك الغيوم ضياها
فأعجب بها مصحوبة جاء صنعها
نتيجة أفكار الورى وحِجاها
بنتها النهي في الغابرين بسيطة
فتم على مر الزمان بِناها
تنادي بني الأيام في نقراتها
أن اسعوا بجِدّ بالغين مداها
ولا تهملوا الأوقات فهي بواتر
تقطع أوصالَ الحياة شباها
~
ذهبتُ لحى في فروق تزاحمتْ
به الخلق حتى قلتُ ما أكثرَ الخلقا
ترى الناس افواجاً اليه وانما
الى التلعات الزهر في درج ترقى
يضئ به ثغر الحضارة باسماً
بلامع نور علم السحبَ البرقا
رأيت مبانيه وجلت بطرفه
فما أحسن المبنى وما أوسع الطرْقا!
فكم فيه من صرح ترى الدهر متلِعا
يمد الى ادراك شرفته العنقا
قصور علت في الجو لم تلق بينها
وبين النجوم الزهر في حسنها فرقا
هنالك للأرضين أفق بروُجه
تُضاحك أبراج السموات والأفقا
بروج ولكن شارقاتُ شموسها
تدور بافق يجمع الغرب والشلارقا
بحيث ترى حُمر الطرابيش خالطت
برانيط سوداً كالسلاحف أو ورقا
وتلقى الوجوه البيضُ حُمراً خدودها
وتلقى العيون السودَ والأعينَ الزرقا
خدود جرى ماء الشبيبة فوقها
ففيه عقولُ الناظرين من الغرْقى
محاسن كالأزهار قد طلها الهوى
وان كان فيها الشعر ممتلئاً عشقاً
ومن ذي دلال رنح الحسنُ عِطفه
وكم مسرح فيه الحسان تلاعبت
تمثل كيف الناس تسعد أو تشفى
حِسان علت في الحسن خُلقا وخلقة
وهل خِلقة تعلو إذا سفلت خُلقا
تمثل ما قد مرَّ منا وما حلا
وما جل من امر الحياة وما دقا
فتلقى دروساً لو وعتها حياتنا
لبدل كذبٌ في سعادتها صدقا
إذ مثلت شكوى الحزين بكت لها
عيون البلايا والزمان لها رقا
وإن صورَت حقا هوَى كل باطل
على رأسه حتى تجدل مندقا
وما ذا ترى فيه اذا زرت حانة ً
ترى الانس يشدو في فم يجهل النطقا
سَكوتٌ على قرع الكؤوس مُغرّد
بلحن سرور يترك الهم منشقا
عليهم سحاب الاحتشام يظلهم
متى هم ارادواسح من قبل ودقا
اوانس قد نادمن كل غرانقٍ
فمنهن من تَسقى ومنهن من تُسقى
فمن ذا يراهم ثم لم يك واغلا
عيهم وان امسى يعد الفتى الاتقى
الست بمعذور اذا انا زرتهم
وساجلتهم شوقا فقل ويحك الحقا
فقد لامني لما رآني بحبهم
فتى ً منه قحف الرأس ممتلئ حمقا
فقال أفي الحي الذي شاع فسقه
تجول ألم تمنع عمامتك الفسقا
فقلت اجل ان العمائم عندنا
لتمنع في لوثاتها الفسق والزرقا
ولكنني ما جئت الا توصيلا
لذكرى شقاء في العراق به نشقي
شقاء تمطى في العراق تمطيا
وألقي جِرانا لا يزحزحُ واستلقي
فان العراق اليوم قد نشبت به
نيوب الدواهي فهي تعرقه عرقا
تمشت به حتى اعادت سواده
بياضاً ومدت للبَوار به رِبقا
فلهفي على بغداد اذ قد اضاعها
بنوها فسحقاً للبنين بها سحقا
جَزوها عقوقاً وهي أم كريمة
والأم أبناء الكريمة من عَقا
أدامت لها الأحداث مخضا كأنها
قد اتخذتها الحادثات لها زقا
سأبكي عليها كلما جلت سائحاً
وشاهدت في العمران مملكة ترقى
واندبها عند الاغاريد شارباً
من الدمع كأساً لا اريد لها مذقا
~
نجيت بالسد بغداداً من الغرق
فعمها الأمن بعد الخوف والفرَق
قد قمتَ بالحزم فيها والياً فجرتْ
أمورها في نظام منك متسق
لقد نجحت نجاحاً لا يفوز به
من خالق الحزم الا حازم الخلق
ويح الفرات فلو كانت زواخره
تدري بعزمك لك تطفح على الطرق
ولا غدت تجرُفُ الأسدَاد قاذفة
منها بسيل على الانحاء مندفق
حيث"الحويوة " امست منك طالبة
رَتقاً لسدّ بطامي السيل مُنفتق
باتت تجيش بتيار وبات لها
أهلُ العراقين في هم وفي قلق
حتى إذا أيقنت أرض العراق بأن
تفنى من الظلم اليها متلع العنق
فكدت تملأ فرغ الواديين بما
حشرت مِن طبق يأتيك عن طبق
لما خرجت وكان الخرق متسعاً
والناس ما بين ذي شك ومتثق
قالوا: نحا شُقة قصوَى وما علموا
بأن عزمك يدني أبعد الشقَق
فصدَّق الله ظنا فيك أحسنه
قوم وكذَبَ ظن الجاهل الخَرِق
اذ جئت والسد تحت الغمر مكتسح
والنهر يرغو بموج فيه مُصطفق
وثلمة السد كالمواة واسعة
يهوي بها السيل من فوق الى العمق
سَللتَ صارم رأي قد أزلت به
ما كان في السيل من طيش ومن نزق
فما تموج ماء النهر من غضيب
وانما اخذتهرعدة الفرق
ثبّت عزمك في أمر يذِلّ به
عزم الحصيف لما يحوي من الزاق
تقضي النهار برأب الثأي مجتهداً
وتقطع الليل بالتدبير والأرَق
حتى بنيتَ وكان النهرُ منفلقا
سَدا عليه رَصينا غير مُنفلق
أرسيته جَبلا قامت ذُراه على
أصل مع الموج تحت الماء معتنق
فراحت الناس تمشي فوقه طَربا
والنهر ينساب بين الغيظ والحنق
وصار معكس فخرانت مرجعه
من كل أحمرَ قانٍ وَسطه قمر
يتلوه نجم بلون ابيضٍ يقق
فظلَّ حاسدك المغبون منطويا
على فؤاد بنار الجهل محترق
ودَّ الفرات حياءً منك يومئذٍ
لما اقتدحتَ زناد الرأي مفتكرا
في الخطب الهبت منه فحمة الغسق
فأدبرَ الهم وانشقت غياهبه
كما قد انشق سَجف الليل بالفلق
انّ الامور اذا استعصت نوافرها
أخذتهن من التادبير في وهق
وان تصاممت الايام عن طلب
أسمعتهن بصوت منك صهصَلق
تنحلّ بالرأي منك المشكلات لنا
كالنور ينحلْ ألواناً من الشرَق
وكلما زدت تفكيراً بمعضلة
زادت وضوحاً لنا حتى على الشفق
فالفكر منك كأبعاد الفضاء بلا
حدّ يسابق خطف البرق في الطلق
يحكى الأثيرَ إذا أجرى تلاطمه
ابدى سواظع نور منه منبثق
لك الثناء علينا ان نخلده
نقشاً على الصخر لا رقماً على الورق
تالله لو بلغت زهر النجوم يدي
مكن كل جرم بصدر الليل مؤتلق
رتبتها حيث كل الناس تقرؤها
سطراً بمدحك مكتوبا على الافقِ
~
لعمرك ان قصر البحر قصر
به يسلو مواطنه الغريب
وتمتلئ العيون به ابتهاجاً
اذا نظرت وتنشرح القلوب
أحاط به فكان له رقيباً
مناظر دونها العجب العجيب
فمن شمس يصافحها طلوع
ومن شمس يعانقها غروب
ومن سُفن تجيء بها شمال
ومن سفن تروح بها جنوب
وأخرى حوله خمدت لظاها
وأخرى في الفؤاد بها لهيب
أطل على المياه فقابلته
بوجه لا يمازجه شحوب
يقبل جانبيه البحر حتى
كأن البحر مشغوف كئيب
وهذا القصر بينهم خطيب
ومغناه الانيق له حبيب
وما هذا التموج من هواء
ولكن من هوى ً فهو الوجيب
كأن الموج في الدأماء رجال
مهذا القصر تصفيق مهيب
تلمُّ به المسرات ازدياراً
فتعرفه وتجهله الكروب
وما انفردت به بيروت حسنا
ولكن القصور بها ضروب
فها هو من تكاسل قاطنيه
تجرّ عليه كلكلها الخطوب
إذا تدعو الرجالَ به لخير
يجيبك من تخاذلهم مجيب
فيا لهفي على بغداد امست
من العمران ليس لها نصيب
سأبكي ثم استبكي عليها
اذا نضبت من العين الغروب
أيا بغداد لا جازتك سحب
ولا حلّت بساحتك الجدوب
تطاول ساكنوك على َّ ظلماً
فضاق على َّ مغناك الرحيب
وكم نطقوا بالسنة حداد
يسيل بها من الأشداق حُوب
رماني القوم بالالحاد جهلاً
وقالوا عنده شك مريب
ألا يا قوم سوف يجد جِدى
وسوف يخيب منكم من يخيب
فمن ذا منكم قد شق قلبي
وهل كُشفت لكم فيَّ الغيوب
فعند الله لي معكم وقوف
إذا بلغت حَناجرَها القلوب
يقيني شرّ فريتكم يقيني
بأن الله مطلع رقيب
ولم تُخفر لكم عندي ذِمام
ولكن عادة الريح الهبوب
~
البحرُ رهو والسماء صاحية
والفخت في الليل شبيه السديم
والبدر في طلعته الزاهيه
قد ضاحك البحر بثغر بسيم
والصمت في الانحاء قد خيما
فالليل لم يَسمع ولم يَنطق
والبدر في مفرق هام السما
تحسبه التاج على المفرق
اغرق في أنواره الأنجما
وبعضها عام فلم يغرق
والبحر في جبهته الصافيهْ
قام طريق للسنا مستقيم
وقفتُ والريح سرت سجسجا
وقفة مبهوت على الساحل
انظر ما فيه يحار الحجى
ورد سحبان إلى باقل
ما أنت إلا صحف عالية
كم حار في حكمتها من حكيم
اذا وعتها أذن واعيه
فقد خير كتاب كريم
وزان عرض البحر ما قد بدا
من زورق يجرى بمجدا فتين
عام بذوب الماسِ أو قد غدا
يسبح في لجة ذوب اللجين
في صامت الليل جرى مفردا
وبين جنبيه حوى عاشقين
من غادة في حسنها غانيه
تبسم عن لألاء دُرّ نظيم
ومن فتى أدمعه جارية
قد صافح العشقَ بجسم سقيم
قابلها والحب قد شفه
وقابلت طلعة بدر السما
وظل يرنو تارة خلفه
وتارة ينظرها مُغرما
ثم تدانى واضعاً كفه
في كفها يطلب ان يلثما
وخر من وجد على الناصيه
وقلبه يركض ركض الظليم
وهي غدت من اجله جاثيه
واحتضنه كاحتضان الفظيم
ثم رمى نظرة مُسترحم
في الكون عن طرف له حائر
وقال قولَ الكلف المغرم
في حب ذات النظر الساحر
أيتها الأرض قفى واسلمي
من أجل هذا المشهد الزاهر
حتى ارى ليلتنا باقيه
محفوفة من وصلنا بالنعيم
فان هذي ليلة حاليه
تزهو ببدرين وطلق نسيم
وأنت يا بدرُ اللطيف السنا
في الجو قف وقفة غير الرقيب
ما ابهج النور وما احسنا
اذا دنا منك لوجه الحبيب
نحو المعالي يبتغيها النصيب
فحاز منها جملة وافية
ما حازها من أحد من قديم
وصار يدعى الرجل الداهيه
في الفكر والمجد وخلق عظيم
يا آل مطران لكم «ندرة »
وأكرم الناس هو النادرُ
لكن معاليكم لها كثرة ٌ
يعجز أن يحصرها الحاصر
من أجلها أمست لكم شهرة
عمّ البرايا صيتها الطائر
حيث معاليكم غدت قاضيه
لكم على الناس بضل عميم
فراية المجد لكم عاليه
و"ندوة " الشهم عليها زعيم
يا من بَنى المجدَ فأعلى البنا
اقبل من العبد جميل الثنا
وإن يكن قصر عن حده
ومره ثم احكم به ان ونى
ما يحكم السيد في عبده
إذ أنت بالمنقبة السامية
قد خصك الله العزيز العليم
فاهنأ ودم في عيشة راضيه
رغم المعادي وسرور الحميم
~
من كان يأرق بالهموم
فقد ارقت من السرور
وطربتُ من صوت يجي
ء إليّ من غرَف القصور
صوت كأن الغانيا
اعرنه هيف الخصور
ونضحن من ماء الحياة
ة عليه في شنب الثغور
سرى الهموم عن الفؤاد
يجوف حالكة الستور
والعود ينطق باللحون
ن بلهجتي نمٍّ وزير
يرمي به الصوت الرخيم
ـم على الدجى لمعاتِ نور
ملأ الظلام توقداً
كالكهرباءة في الأثير
يحكى الزلالَ لدى العطا
او الثراء لدى الفقير
أصغيتُ منقطعاً إليـ
ـه عن المُواطن والعشير
فحسبت نفسي في الجنان
ن بغير وِلدان وحور
وطفِقت أدّكر العرا
ق فعاد صفوي ذا كدور
فرجعت عن ذاك السماع
وغبت عن ذاك الشعور
وذكرت من يبكي هناك
على َّ بالدمع الغزير
تستوقف العجلان ثمـ
بالرنين عن المسير
وتقول من مضض الفراق
ق مقالَ ذي قلب كسير
أبُنى سر سيرَ الأما
من الطوارق في خفير
ياأم لا تخشي فان الله
يا أمي مجير
ودعي البكاءَ فإن قلـ
ـبيَ من بكائك في سعير
أعلمتِ أني في دمشـ
ـق أجر أذيال الشرور
بين الغطارفة ِ الذيـ
تخافهم غير الدهور
من كل وضاح الجبين
ـن أغر كالبدر المنير
حرّ الشمائل والفعائل
والظواهر والضمير
~
قلبي عليك حليف الوجد يا عود
كم شنفت أذُني منك الأغاريدُ
كنت افديتك لو يفدى الذي حكمت
فيه المقادير أن يلقاه تنكيد
فكم بدت نغمات منك مطربة
هُزت بها طرباً حتى الجلاميد
تُعيد يا عود بالأوتار إن نطقت
مَيتَ المَسرة حياً وهو ملحود
كأن ارواحنا عند استماعك من
لطف لهن الاجسام تجريد
فكيف نالتك ايدي الدهر كاسرة
وانت في الدهر بالآذان معبود
X