أرأيت من قبل أماً أو أباً ينحني على ولده فيشمه ويقبله؟ كانت تلك عادة لدى أمهاتنا من قبل، ولكن ما أصل هذه العادة ومن أين أتت؟! وهل لرائحة الولد من أثر معين في نفس الأم أو الأب؟!
يخطر في بالنا عندما نتطرق لهذا الموضوع حكاية يوسف مع أبيه يعقوب عليهما السلام، وبداية عندما مكر به إخوته وألقوه في غياهب الجب، وادعوا لأبيهم أن الذئب قد أكله، وأتوا على قميصه بدم كذب، فلم يقتنع يعقوب بهذا الكلام، وعرف زيف رائحة الدم على قميص ولده، ولكنه اكتفى بأن قال: ( فصبر جميل ).. وبقى ينتظر السنوات الطوال رجوع يوسف حتى وكأنه كان على موعد معه، ومن شدة حزنه على فراق ولده ابيضت عيناه من الحزن، إلى أن قال تعالى:  ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ! وقد كان إخوة يوسف قد قدموا من عند يوسف وهم لا يعرفونه وكان في ذاك الوقت قد أصبح عزيز مصر .. فاشتم منهم أبوهم رائحة يوسف..
لم يميز الإخوة رائحة أخيهم، ولكن الأب ميزها رغم السنين الطوال التي مرت على فراقهما.. ذلك ما نبحث عنه في أن رائحة الولد يعرفها أبوه جيداً، ولكل إنسان رائحة متفردة على ما يعرفه العلماء..
ونعود لقصة يوسف وقميصه الذي لعب دور البطولة في هذه القصة، فهو الذي بدأ الحكاية وجاءوا على قميصه بدم كذب ..ومن ثم أنقذه قميصه من كيد امرأة العزيز،  وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدهن عظيم  .. ومرة أخرى عندما طلب يوسف من إخوته أن يلقوا قميصه على وجه أبيهم..  اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين .
■ رائحة القميص
وقد عرف يوسف عليه السلام وهو نبي – كما كان أبوه – أن رائحة القميص سوف تعيد لأبيه الذكرى، وتجعله يتذكر ابنه الذي فقده منذ سنين طوال، وشاهد إخوة يوسف أباهم وهو يعود له بصره من جديد  فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون  .
ويعقوب عليه السلام : نبي كريم، وإنه يحزن لفقدان ابنه كما كل أب، ولكن حزنه أودى ببصره وابيضت عيناه من الحزن، وكذلك نبينا محمد عليه السلام، حزن لموت ابنه إبراهيم وقال: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ، وهذه طبيعة بشرية لا يمكن أن تختلف عند كل أب وأم، فالعاطفة الجارفة التي تذهب بنور بصر الأب من حزنه على ابنه موجودة لدى كل أب وأم، وهي نفسها التي تجعل الأب يفني حياته في سبيل أبنائه، وتجعل الأم تسهر الليالي على راحة أبنائها، فلذلك هي تعرف كل تفاصيل أبنائها، ومن جملة هذه التفاصيل تعرف روائحهم جميعاً، فهى من حيث لا تدري تميز كل ابن عن الآخر برائحته، وتعرف حتى لو فقدت بصرها أن ابنها موجود لديها أو لا، مثل ما حدث مع يعقوب عليه السلام، فقد عرف رائحة قميص ابنه من بعد طول السنين وارتد إليه بصره..
فهذه القصة لها مدلولاتها الاجتماعية العميقة، والتي تدلنا بجلاء على علاقة رائحة الولد بالوالدين، وصلتها القوية بنفسيتهما، ولكن ما هي هذه الرائحة المميزة ؟
■ تميز بعد البلوغ
إن من المعلوم في علم الطب الشرعي أن لكل إنسان رائحة تميزه عن غيره، ويعرف هذا عن طريق الكلاب المدربة التي تقتفى أثر إنسان ما بواسطة شم أي جزء من رائحته كملابسه أو منديله مثلاً، ومن ثم تتبع أثره دون أن تختلط عليها رائحته مع رائحة شخص آخر.
وتخرج هذه الرائحة مع العرق الذي يفرزه الجسم لتجعل للإنسان طابعاً مميزاً بها، ويضيف إلينا مزيداً من المعلومات د. زيدان المزيدي – استشاري الأطفال والغدد الصماء بمستشفى الصباح بالكويت: الرائحة عبارة عن مواد كيماوية تظهر من مواد مختلفة كالعرق أو رائحة الفم، وغالباً ما تميز هذه الرائحة الشخص بعد البلوغ بسبب التغيرات الهرمونية الكثيرة في جسده، وكذلك الخلايا الذكرية التي لها رائحة مميزة، وهناك تغيرات كثيرة تحدث في الرائحة بسبب الهرمونات التي تفرزها الغدة النخامية في المخ، كذلك توجد إفرازات أخرى تنتج عن الغدة الكظرية عند الأطفال قبل البلوغ.
■ 4 مصادر
وعموماً فقد فصل العلماء والأقدمون كثيراً في هذا الموضوع، فقد ذكر ابن القيم رحمه الله آيات الله في رأس الإنسان في ثلاث آيات: النهر المالح: وهو الدموع، والنهر الحلو: وهو اللعاب والنهر المر: وهو الماء الخارج من الأذن، وجعل لكل رائحة تختلف عن الأخرى، ولا شك أن العلم الحديث يؤيد هذه الحقيقة من عدة جوانب، أما الرائحة فلها مصادر كثيرة:
1- فقد تكون الرائحة مصدرها الفم ولها علاقة قوية بالأسنان وتسوسها.
2- وقد تكون أيضاً من لوز الأطفال وهي عرضة للالتهاب المتكرر وحدوث فجوات ذات رائحة معينة.
3- اللسان يبعث عدة روائح بسبب الطبقات البيضاء أو الميكروبات التي تغطيه.
4- الرئتان قد تنبعث منهما روائح مميزة وخصوصاً في حالات ارتفاع السكر فتظهر رائحة الأسيتون.
وبعض هذه الروائح طبيعي ومقبول بين الناس، وأخرى لابد من استخدام بعض المستحضرات لإزالتها كمستحضرات إزالة رائحة العرق على سبيل المثال.
■ من أجل رائحة عطرة
وقد أولى ديننا الحنيف موضوع رائحة الإنسان اهتماماً كبيراً.. فقد راعى الفطرة البشرية التي تحب النظافة والرائحة العطرة الطبية، ونجد ذلك واضحاً في عدة جوانب منها:
1- يسن للإنسان الاغتسال يوم الجمعة والتطيب والتبخر لمن يحضر صلاة الجمعة والاجتماع بالمسلمين، وكذلك الحال في كل اجتماع للمسلمين.
2- قوله  : من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مصلانا ، وذلك لأنه يؤذي الناس والملائكة بريح فمه.
3- أجاز الإسلام للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا كان أبخر أي له رائحة فم كريهة.
4- في القرآن الكريم من عطايا الله للمؤمنين:  فروح وريحان وجنة نعيم  .
5- قول النبي  : حبب إلي من دنياكم الطيب.
6- قوله أيضاً: إن الله جميل يحب الجمال، ولا يخفي أن من مستلزمات الجمال الرائحة الطيبة، لذلك فديننا لا يدعو إلى ارتداء الملابس الرثة وإهمال الترتيب وحسن المظهر، بل على العكس تماماً؛ فهو يدعو للنظافة والتجمل ولبس الحسن من الثياب، ولكن دون تفاخر وتعال على الناس.
7- وكان أنس بن مالك يروي أن النبي  كان إذا أتى بطيب فلا يرده، وكان يقبل من الهدايا الطيب والبخور.
وبعد فهل وجدت – عزيزي المربي- معنى الرائحة في تربية الأبناء، إنها تعبر عن الأبوة والأمومة بشكل أو بآخر، وقد كان  يضم إليه الحسن والحسين ويقبلهما ويشمهما، وكأن ذلك انعكاس وجداني عاطفي يصل الآباء بالأبناء، ويجعل في قلب الأم والأب عاطفة متحركة تتجه وتتحرك أينما اتجه وتحرك الابن، وقد كانت أمهاتنا من قبل، ولازلن يفعلن، يقبلن الأبناء ويشممنهم، وتتعلق تلك الرائحة بأنوفهن، ومن ثم ترتبط عاطفة الأمومة تلك بهذه الرائحة، حتى أن الأم تعلم إذا دخل ولدها البيت أو خرج منه.. ومن ثم أفليس ذلك دليلاً على التواصل الأسري المتين بين أسرنا العربية القديمة؟! وهل يعود مجدداً ذلك التواصل لتعم السعادة بيوتنا ومجتمعاتنا ؟!
اثر رائحة الأبناء في نفوس الأباء
*
03-08-2003 | 12:32 AM
ش
05-08-2003 | 08:34 AM
مشكوووووره اختي على الموضوع القيم...جزاج الله خير..
ش
11-08-2003 | 02:05 AM
اعجبني الموضوع .... يعطيك العافيه...اتمنى الكل يستفيد...