بسم الله الرحمن الرحيم
اقتبست هذا الموضوع من كتيّب قيّم جداً بعنوان "الغيبة و أثرها السيئ في المجتمع الإسلامي" للشيخ حسين العوايشة –حفظه الله- أحد تلاميذ الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
الأمور التي تباح فيها الغيبة:
1- التظلم: كالتظلم للسلطان و القاضي.
و دليله: ما روته عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قالت هند امرأة أبي سفيان للنبي صلى الله عليه و سلم: إن أبا سفيان رجل شحيح (أي بخيل حريص)، و ليس يعطيني ما يكفيني و ولدي؛ إلا ما أخذت منه و هو لا يعلم؟ قال: "خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف" [رواه البخاري (7180)، و مسلم (1714)]
و لحديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: "قال رجل: يا رسول الله! إن لي جاراً يؤذيني. فقال: "انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق". فانطلق، فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه، فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني، فذكرت للنبي صلى الله عليه و سلم، فقال: "انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق". فجعلوا يقولون: اللهم العنهُ، اللهم أخزه، فبلغهُ، فأتاه، فقال: ارجع إلى منزلك؛ فوالله لا أوذيك" [أخرجه البخاري في الأدب المفرد (124)، و حسن إسناده الحافظ المنذري في "الترغيب و الترهيب" و غيرهما]
2- الاستفتاء:
كأن يقول للمفتي: ظلمني أخي، أو فلان؛ فما طريقي في الخلاص؛ كما في الحديث السابق.
3- الاستعانة على تغيير منكر أو رفع بلاء عن مسلم. لحديث هند السابق.
4- تحذير المسلمين و نصحهم من أصحاب الشر و ممن يضرّ بالمسلمين.
و منها جرح المجروحين من الرواة و الشهود، و ذلك للذب عن حديث الرسول صلى الله عليه و سلم.
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه؛ قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. و قال: لئن رجعنا إلى المدينة؛ ليخرجن الأعز منها الأذل. فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم، فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ، فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقال: كذب زيدٌ رسول الله صلى الله عليه و سلم. قال: فوقع في نفسي مما قالوه شدة، حتى أنزل الله تصديقي {إذا جاءك المنافقون}. قال: ثم دعاهم النبي صلى الله عليه و سلم ليستغفر لهم فلوّوا رؤوسهم". [رواه البخاري (4903)، و مسلم (2772)، و هذا لفظه، و معنى: "لوّوا رؤوسهم"؛ أي: أمالوها إعراضاً و رغبة عن الاستغفار]
قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في هذه المسألة: "و مما يدلّ على ذلك دلالة بيّنة ما ورد في النصيحة لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم و خاصتهم؛ فإن بيان كذب الكذابين من أعظم النصيحة الواجبة لله و لرسوله و لجميع المسلمين" [كتاب "رفع الريبة" بتحقيق الأخ: محمد إبراهيم الشيباني (ص 27)]
و مما قاله أيضاً: "و كذلك جرح من شهد في مال أو دم أو عرض بشهادة زور؛ فإنها من النصيحة التي أوجبها الله على عباده، و أخذهم بتأديتها، و أوجب عليهم القيام بها".
و عن الشّريد رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" (1) أي: القادر على قضاء دينه [أخرجه أبو داود (3628) (صحيح أبو داود / 3086)، النسائي، و ابن ماجه، و غيرهم، و حسنه شيخنا في "الإرواء" برقم (1434)]
قال ابن المبارك: "يُحلُّ عرضه: يغلِّظ له. و عقوبته: يحبس له".
و مما جاء في "فيض القدير" للمُناوي في شرح هذا الحديث: "(ليّ الواجد)؛ أي: مَطْل الغني، و (اللَّيُّ)؛ بالفتح: المطْلُ. و (الواجد): الغنيّ؛ من الوُجد؛ بالضم؛ بمعنى السّعة و القدرة، و يقال: وجد في المال وجداً؛ أي: استغنى. (يُحِلّ): من الإحلال. (عرضه): بأن يقول له المدين: أنت ظالم، أنت مُماطل، و نحوه مما ليس بقذفٍ و لا فُحش. و (عقوبته): بأن يُعَزِّرهُ القاضي على الأداء، بنحو ضربٍ أو حبسٍ حتى يؤدّي".
5- المشاورة في أمور الزواج أو المشاركة أو المجاورة، و نحو ذلك.
لقول النبي صلى الله عليه و سلم لفاطمة بنت قيس – في استشارتها من خِطبة معاوية و أبي الجهم حين خطبها- : "أما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه ، و أما معاوية؛ فصعلوك لا مال له".
(1) فيه تأويلان مشهوران: أحدهما أنه كثير الأسفار. و الثاني أنه كثير الضرب للنساء. و العانق: هو ما بين العنق إلى المنكب. (2) الصعلوك: الفقير. [رواه مسلم (1480) و غيره].
و في الحديث: "حق المسلم على المسلم ست". قيل: ما هنّ يا رسول الله؟ قال: "إذا لقيته؛ فسلّم عليه، و إذا دعاك؛ فأجبه، و إذا استنصحك؛ فانصح له…" [رواه مسلم (2162) و غيره.
6- ذكر المجاهر بما فيه، أو صاحب البدعة ببدعته و لا يذكره بغيره من العيوب إلا لحال مما سبق ذكره.
عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه و سلم، فقال: "ائذنوا له؛ بئس أخو العشيرة" [رواه البخاري (6054)، و مسلم (2591)]
احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد و أهل الريب (بقوله: "باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد و الرّيب".
و عن عائشة رضي الله عنها أيضاً؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "ما أظنّ فلاناً و فلاناً يعرفان من ديننا شيئاً" [رواه البخاري (6067)].
قال الليث: كانا رجلين من المنافقين.
7- التعريف: إن كان الإنسان معروفاً بلقب معين؛ كالأعرج، و الأصم، و الأعمى، و نحو ذلك.
و لا يحل إطلاقه على وجه التحقير و التنقيص، و إن أمكن تعريفه بغير ذلك؛ فهو أفضل و أولى.
عن أسَيْر بن جابر أن أهل الكوفة وفدوا على عمر رضي الله عنه، و فيهم رجل ممن كان يسخر بأويس، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القرنيِّين(1)؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قال: "إن رجلاً يأتيكم من اليمن، يُقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض ، فدعى الله، فأذهبه عنه؛ إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم؛ فليستغفر لكم"
(1) نسبته إلى قبيلة قرن. (2) أي: برص. [رواه مسلم (2542)]
قال الإمام الشوكاني(1) رحمه الله تعالى: "فإن قلت: فإن كان صاحب اللقب لا يُعرف إلا به و لا يُعرف بغيره أصلاً؟ قلت: إذا بلغ الأمر إلى هذه النهاية؟ و وصل البحث إلى هذه الغاية؛ لم يكن ذلك اللقب لقباً، بل هو الاسم الذي يُعرف به صاحبه إذ لا يعرف باسم سواه قط" [رفع الريبة (ص 33)]
و جاءت هذه الأغراض الشرعية منظومة شعراً في بيتين:
القـدحُ ليـس بغيبة في ستةٍ *** متظلمٍ و معرفٍ و محذرِ
و مجاهرٍ فسقاً و مستفتٍ و مَنْ *** طلب الإعانة في إزالة منكر
1
2 القدحُ ليس بغيبة فـي ستـةٍ *** متظلـمٍ و معـرفٍ و iiمحـذرِ
و مجاهرٍ فسقاً و مستفتٍ و مَنْ *** طلب الإعانة في إزالة منكر
ِ
و قد أشار الشيخ العوايشة حفظه الله إلى أنه أخذ النقاط من (1-7) عن كتاب "رياض الصالحين" للنووي، شارحاً ما رآه لازماً مقروناً بالأدلة.
و قد قدّم لهذا الفصل بكلام ينبغي حفظه و الالتزام به في جميع ما ذكر أعلاه، فقال –حفظه الله-:
((و لكن؛ ليحذر الإنسان من خلال المباحات أن يلبس عليه الشيطان، فيفتح عليه باب المحرمات، فلا يزال لسانه رطباً بالغيبة؛ فالمباح بقدر و حدود، و لا بد أن يقترن كل ذلك بنية صحيحة ليس فيها تشفٍّ لغيظٍ، و لا رغبةً بتشهير، و ربنا سبحانه يعلم خائنة الأعين، و ما تخفي الصدور.))
و يبقى أن أذكر أن لشيخنا الألباني رحمه الله شريط بعنوان "جواز الغيبة في ستة مواضع" و هو برقم (287) من سلسلة الهدى و النور، يشرح فيه الموضوع السابق بما يروي الغليل. و الحمد لله.
مـــايـــبــــــاح مـــــــن الــــغـــــيــــبــــــه
p
08-07-2003 | 03:45 PM