التبرج وخــطــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــره
b
01-07-2003 | 08:45 PM
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه
أما بعد
فلا يخفى على كل من له معرفة ما عمت به البلوى في كثير من البلدان من تبرج الكثير من النساء وسفورهن وعدم تحجبهن من الرجال ، وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبداءها ، ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة. ومن أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وقلة الحياء وعموم الفساد .
فاتقوا الله أيها المسلمون ، وخذوا على أيدي سفهائكم ، وامنعوا نساءكم مما حرم الله عليهن ، وألزموهن التحجب والتستر ، واحذروا غضب الله سبحانه ، وعظيم عقوبته ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه
وقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم
﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾
وفي المسند وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم قال : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان .
وقد أمر الله سبحانه في كتابه الكريم بتحجب النساء ولزومهن البيوت ، وحذر من التبرج والخضوع بالقول للرجال صيانة لهن عن الفساد وتحذيرا لهن من أسباب الفتنة .
فقال سبحانه وتعالى
﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
نهى سبحانه في هذه الآية نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين ، وهن من خير النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال وهو تليين القول وترقيقه ، لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا ، ويظن أنهن يوافقنه على ذلك ، وأمر بلزومهن البيوت ونهاهن عن تبرج الجاهلية ، وهو إظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق ونحو ذلك من الزينة لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا ، وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن فغيرهن أولى ، وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة ، عصمنا الله وجميع المسلمين من مضلات الفتن ، ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية :
﴿ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
وقال عز وجل
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
فهذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن منهم ، وقد أوضح الله سبحانه في هذه الآية أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء وأبعد عن الفاحشة وأسبابها ، وأشار سبحانه إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة
فيا معشر المسلمين تأدبوا بتأديب الله ، وامتثلوا أمر الله ، وألزموا نساءكم بالتحجب الذي هو سبب الطهارة ووسيلة النجاة .
وقال سبحانه وتعالى
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾
والجلابيب جمع جلباب هو ما تضعه المرأة على رأسها وبدنها فوق الثياب للتحجب والتستر به ، أمر الله سبحانه جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك حتى يعرفن بالعفة فلا يفتتن ولا يفتن غيرهن فيؤذيهن. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ، ويبدين عينا واحدة ، وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل :
﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى..
وقال عز وجل
﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
يخبر سبحانه أن القواعد من النساء ، وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا ، لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن إذا كن غير متبرجات بزينة ، فعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها وغير ذلك من زينتها ، وأن عليها جناحا في ذلك ولو كانت عجوزا ، لأن كل ساقطة لها لاقطة ، ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزا ، فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت لا شك أن إثمها أعظم ، والجناح عليها أشد ، والفتنة بها أكبر .
وشرط سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح ، وما ذلك- والله أعلم- إلا أن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمّل والتبرج بالزينة طمعا في الأزواج ، فنهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها صيانة لها ولغيرها من الفتنة ، ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف ، وأوضح أنه خير لهن وإن لم يتبرجن ، فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز ، وأنه خير لهن من وضع الثياب ، فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خيرا للشابات من باب أولى ، وأبعد لهن عن أسباب الفتنة .
وقال سبحانه
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار ، وحفظ الفروج ، وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين ، ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة ، وغض البصر من أسباب السلامة من ذلك
فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة ، وإطلاق البصر والفرج من أعظم أسباب العطب والعذاب في الدنيا والآخرة ، نسأل الله العافية من ذلك.
وأخبر عز وجل أنه خبير بما يصنعه الناس ، وأنه لا يخفى عليه خافية ، وفي ذلك تحذير للمؤمن من ركوب ما حرم الله عليه ، والإعراض عما شرع الله له ، وتذكير له بأن الله سبحانه يراه ويعلم أفعاله الطيبة وغيرها. كما قال تعالى :
[COLOR=orangered]
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
ومن أعظم أسباب الفساد خلوة الرجال بالنساء ، وسفرهم بهن من دون محرم . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم وقال صلى الله عليه وسلم : لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما وقال صلى الله عليه وسلم : لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون زوجا أو ذا محرم رواه مسلم في صحيحه .
فاتقوا الله أيها المسلمون ، وخذوا على أيدي نسائكم ، وامنعوهن مما حرم الله عليهن من السفور والتبرج وإظهار المحاسن والتشبه بأعداء الله من النصارى ومن تشبه بهم ، واعلموا أن السكوت عنهن مشاركة لهن في الإثم وتعرض لغضب الله وعموم عقابه ، عافانا الله وإياكم من شر ذلك .
.
ومن أعظم الفساد : تشبه الكثير من النساء بنساء الكفار من النصارى وأشباههم في لبس القصير من الثياب ، وإبداء الشعور والمحاسن ، ومشط الشعور على طريقة أهل الكفر والفسق ، ووصل الشعر ، ولبس الرءوس الصناعية المسماة ( الباروكة ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : من تشبه بقوم فهو منهم ومعلوم ما يترتب على هذا التشبه ، فاتقوا الله عباد الله ، واحذروا ما حرم الله عليكم ،
.
ولا ريب أن الواجب على ولاة الأمور من الأمراء والقضاة والعلماء ورؤساء وأعضاء الهيئات أكبر من الواجب على غيرهم ، والخطر عليهم أشد ، والفتنة في سكوت من سكت منهم عظيمة ، ليس إنكار المنكر خاصا بهم ، بل الواجب على جميع المسلمين - ولا سيما أعيانهم وكبارهم وبالأخص أولياء النساء وأزواجهن - إنكار هذا المنكر ، والغلظة فيه ، والشدة على من تساهل في ذلك ، لعل الله سبحانه يرفع عنا ما نزل من البلاء ويهدينا ونساءنا إلى سواء السبيل .
.
وأسأل الله أن ينصر دينه ، ويعلي كلمته ، وأن يصلح ولاة أمرنا ، ويقمع بهم الفساد ، وينصر بهم الحق ، ويصلح لهم البطانة ، وأن يوفقنا وإياكم وإياهم وسائر المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد ، في المعاش والمعاد ، إنه على كل شيء قدير ، ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ، وآله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . (1)
--------------------------------------------------------------------------------
1) لشيخ الإسلام العلامة الشيخ / عبدالعزيز بن عبدالل بن باز رحمه الله [/COLOR]