أنظر للذين يتكلمون عن متعة الكتابة وأضحك. جارسيا ماركيز يقول: أكتب ليحبني أصدقائي أكثر". لورانس داريل يقول: "لكي أحقق ذاتي". آلان جوفروا يقول: "لندافع عن أنفسنا على هذه الأرض البيضاء". ويقول الحكيم الفرعوني: "ليبقى اسمك في فم الناس".
لا.
أنا لا أكتب لأشياء من هذه. الكتابة عندي الم. كأني أستفرغ أمعائي. نزيف متواصل. قلمي في الحبر، إصبعي في دمي. لم أختر الكتابة ابدًا برغبتي. شأن كل شيء في عمري. عمري الذي ضاع نصفه دون أن أختار أي شيء برغبة مني.
من الذي يمسك كرباجًا، كلما اقف، يلسعني به على ظهري؟ من الذي يدفعني، غصبًا عني، لأكتب؟
***
فنان كبير
لأنه كان قد بلغ 70 عامًا، ولأن قدميه ما عادتا تستطيعان حمله، ولأنه لم يكن يقدر أن يعيش دون أن يلعب بالألوان، فإن هنري ماتيس ثبّت قلم فحم في عصا طويلة، وراح وهو نائم في سريره يرسم، بكل تهور الأطفال، على حيطان الغرفة.
ولأنه لم يعد له أب أو أم أو أخ كبير، فلم يقل له أحد: "ولد يا هنري، سنقص لك أصابعك، كفاية، أنت وسخت الحيطان".
***
وعش على الهامش
القلب مركز الجسم، واليد هامش أو طرف. هو مركز، نعم، لكن مربوط بالأوردة، وسجين داخل قفص في صدر. وهي هامش، لكنها تتحرك بحرية في الهواء والنور. تلمس وتحضن. تعزف وترسم. تهدي وردة، وتزرع شجرة، وتمسح دمعة، وتبادر الناس بالسلام. هو يشتغل، مثل موتور، ليل نهار، وهي تضم أصابعها، حين تتعب، و نام على راحتها، كعصفور. تسقى الماء، وترش العطر، وهو مشغول، طول الوقت، بتوزيع الدم.
أناني ومستبد، مثل كل مركز، وإصابته قاتلة، وهي يمكن أن نبترها، كأي هامش، دون أن تحرم صاحبها من الحياة.
***
أنت خدّام الحرية
كان نيكوس كازنتزاكس (الروح العظيمة. صاحب زوربا) يقول: "لم أعد أطمع في شيء. لم أعد آمل في شيء. أنا حر". وشاعر تركي (دخل الموت في الثلاثين) اسمه أورهان ولي يقول: "الحرية تكلفك الحياة، والعبودية مجانية". وشاعرة بولندية (تخطت السبعين واسمها صعب) هي فيسوافا شيمبورسكا تقول: "أفضّل الاصفار الحرة، على الواقفة في طابور من أجل أرقام". أنطونيو ماتشادو (مات من المشي على الحدود، هاربًا من عساكر فرانكو) يقول: "ما أسهل الطيران، ما أسهله، ما على الناس إلا أن يحرصوا على ألا تمس الأرض الأقدام".
***