مع نهاية الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في عام 1918 ولد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وهو نفس العام الذي ولد فيه مجموعة من أعظم رجالات القرن العشرين مثل نيلسون مانديلا وجمال عبدالناصروتشاوشيسكو وستالين .. إذا فهذا العام بالذات شهد مولد رجال غيروا من مجرى التاريخ وغيروا من مجرى شعوبهم وأوطانهم ولكن لم يفعل أي من هؤلاء كما فعل زايد في بلده ولم يبني أي من هؤلاء كما بنى زايد !!
ولد زايد في في الجزيرة المطلة على الخليج العربي ( أبوظبي ) والتي أطلق عليها هذا الإسم كما تقول أغلب الروايات بسبب كثرة الظباء فيها ..
لم يولد الشيخ زايد بن سلطان وفي فمه ملعقة من ذهب ولم يتعود جسده ملمس ونعومة الحرير .. لقد فتح زايد عينيه على قومه وقد نالت منهم سنوات الحرمان والقهر وبدأت شخصيته كزعيم تتكون وسط هذا المجتمع الذي حرم من كل شيء إلا الكرامة والإباء فقد كان من شأن الظروف التاريخية والاجتماعية التي عاشها أبناء المنطقة قروناً عديدة أن تولد لديهم ضميراً وطنياً لا مجال للشك فيه وظلت رؤوس الآباء والأجداد الذين بنوا أكواخهم على شطآن خليج ما قبل النفط مرفوعة رغم الجوع الذي كاد أن يكون مقيماً في أحشائهم وتركوا رصيداً من التقاليد والمثل الراسخة المتكاملة .
وكان تمسك الأباء والأجداد بكرامتهم هو النبع الذي ارتوى منه الابناء ليشبوا وكلهم حرص على هذه الكرامة وكان هذا الحرص هو السياج الذي حمى التقاليد العربية والاصالة المتوارثة رغم كل الظروف حتى جاء الجيل الذي برز من بين فتيانه زايد بن سلطان والأمم تتواعد مع زعمائها كما يتواعد زعمائها مع القـــدر وبقدر قدرتها على الاحتفاظ في أعماقها بحيويتها وأصالتها فإنها تستطيع أن تبني وتشكل شخصية الزعيم الذي يجيئها دائماً في موعده .. مهما طال الزمن !!
كان لا يزال طفلاً صغيراً يمرح ويركض في رحاب قصر الحصن مقر الحكم في أبوظبي الذي بناه الشيخ شخبوط الأول عام 1793بعد انتقاله إلى ابوظبي من ليوا وقد ولد فيه الشيخ زايد بن سلطان الثاني وعاش فيه طفولته وشبابه ..
وفي السنوات المبكرة من حياة زايد كانت سورة الفاتحة هي أول ما تنامى إلى سمعه .. حتى إذا ما بدأ ينطق ويتكلم راح على الفور يردد آيات سورة الفاتحة كما يتلقنها تماماً ثم يحفظها عن ظهر قلب على ضوء مصباح خافت يشتعل بزيت الزيتون وشيئاً فشيئاً تدرج مع الآيات والسور وتعلم أن القرآن ليس كتاب دين فحسب بل تنظيم شامل لجميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأصبح له باستظهار آيات القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ولع شديد ..
بنفس هذه المعالم وهذا الجو العام أصبح زايد في العين حاكماً منذ عام 1946 ليس بينه وبين شعبه حجاب فهم جميعاً يستطيعون الذهاب إليه ويقولون ما عندهم ويأكلون مما يأكل وتتشرب نفوسهم بمعنى ان يكون الحاكم منهم ولا يعلو فوقهم غلا بقدرته على نفعهم وهو الشيء الذي تحقق لهم بالفعل عندما تحولت العين في عهده وعلى يده إلى جنة خضراء .
لقد أحس زايد منذ أن تولى أمور العين وضواحيها بحاجة الشعب إلى إصلاحات كثيرة ورغبة مواطنيه في مثل الحياة الطيبة التي بدأت تدب حولهم في بلدان الخليج الأخرى وكان زايد لا يملك سوى القليل القليل من كلشيء حتى من الماء مصدر الحياة وعمادها ولكن ندرة الماء والمال والإمكانيات لم تفت في عضد زايد أو تقوده إلى اليأس فإن النفوس الكبيرة لا تعرف اليأس مهما صادفت من الصعاب والعقبات فبدأ زايد في إصلاح الافلاج القديمة التي مضى عليها الدهر وحفر آبار جديدة للتوسع في زراعة الأرض ومنها فلج الصاروج في مدينة العين وقد بناه في ظروف صعبة كفيلة بأن تثني ذوي الهمم العالية !!
ويكبر الشاب زايد وتكبر معه أحلامه ويتولى زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966 بإجماع وموافقة من العائلة الحاكمة خلفاً لشقيقه شخبوط لتبدأ مرحلة جديدة من الإنجازات ويخرج من جزيرة أبوظبي على الخليج نور عظيم يصل إلى العالم بأكمله ... إنه نور الإمارات العربية المتحدة .. وما أجمله من نور !!
كان زايد ولا يزال الداعي نحو لم شمل الأمة العربية الممزقة والتي تتطاحنها الحروب وتتنازعها الأزمات والحوادث فلا تشتعل نيران فتنة جديدة حتى يخرج الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان داعياً إلى إنهائها بالطرق السلمية بدلاً من اللجوء إلى لغة القوة والعنف والتي توسع الخلاف وتزيد من هوة الشقاق ولسموه المواقف المشهودة في دعم الوحدة العربية وذلك من خلال دعوته لاتحاد الإمارات السبع لتتشكل دولة جديدة هي دولة الإمارات العربية المتحدة ومن ثم دعى سموه إلى تعاون خليجي يكون ثمرة لاتحاد جديد ليتشكل مجلس التعاون الخليجي وتستضيف أبوظبي القمة الأولى فيه ومن ثم كان للإمارات دور فاعل ونشط في جامعة الدول العربية وساهمت في إقامة العديد من المشاريع التنموية والاقتصادية في الكثير من الدول العربية مثل ترعة الشيخ زايد في مصر وبناء سد مأرب في اليمن وبناء مدينة الشيخ زايد في غزة .
ولا يخفى على أحد الدور الذي تلعبه الإمارات لتعميق الروابط بين مختلف الدول العربية حيث أن وطننا من المحيط إلى الخليج وهدفنا هو أمة عربية واحدة ولذلك سارعت الإمارات أولاً إلى حل مشاكلها الحدودية مع باقي جيرانها وبالطرق السلمية ومن ثم سارعت إلى إطلاق المبادرات نحو حل أمثال هذه النزاعات بين باقي الدول العربية مما كان له كبير الأثر في زرع الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.
ويذكر التاريخ بالفخر والاعتزاز الموقف الرجولي الشجاع لصاحب السمو الشيخ زايد الذي أعلنها صريحة في حرب أكتوبر 1973 عندما خرج على العالم وقال بأن البترول العربي ليس بأغلى ولا أثمن من الدم العربي وسخر كل إمكانياته وثرواته تحت تصرف الجيوش العربية في تلك الحرب ليتحقق النصر ويفرح زايد كما لو كان هو من خاض الحرب .. كيف لا والإمارات هي ابنة الأمة العربية وهي ثمرة من ثمرات أمة تدعو إلى الاتحاد والتعاون وتحارب التفرق والتشتت ولذلك يذكر التاريخ أن الإمارات بقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كانت أول دولة عربية تعيد علاقاتها مع جمهورية مصر العربية بعد المقاطعة العربية عقب اتفاقية كامب ديفيد.
ولا يخفى على أحد الدور الإنساني الذي تلعبه الإمارات عند وقع أي كارثة إنسانية في أحد الدول العربية أو عندما تعاني أحد الدول العربية من وقوع مشاكل أو أزمات فعلى سبيل المثال مازلت قوات الإمارات تساهم في نزع الألغام من الجنوب اللبناني حتى يومنا هذا بالإضافة إلى ما قامت به من دور ناجح وعظيم في الصومال وكوسوفو وكذلك في زلزال المغرب ومد يد الخير والعطاء نحو الفقراء والجوعى في الصومال والسودان كما لا ننسى الوقفة الإماراتية العظيمة في تحرير دولة الكويت من العدوان العراقي الغاشم سنة 1990عندما سارعت الإمارات إلى إدانة الغزو وحاولت بالطرق السلمية إلى إنهائه ومن ثم أرسلت قواتها مع قوات التحالف وساهمت في تحرير الكويت.
وكذلك لا بد أن يذكر التاريخ أن صدام حسين رفض المبادرة العظيمة التي أعلنها الشيخ زايد بن سلطان في الوقت العصيب وقبل الاحتلال الأمريكي للعراق والتي كانت ستحفظ العراق وأهله وجيرانه والأمة العربية والإسلامية من مصائب وويلات مازال الجميع يعاني منها حتى يومنا هذا حيث بادر الشيخ زايد إلى إعطاء صدام الأمان والحفظ والسلامة والحياة الرغيدة في الإمارات بدلاً من إزهاق أرواح الأبرياء وتدمير العراق وإذلال شعبها تحت وطأة الاحتلال ولكــن صدام حسين أعطى أذناً من طين وأخرى من عجين لهذه المبادرة الشجاعة ورفضها وقد رأيتم بأنفسكم ما صار في العراق بعدها !!
تسلم المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في عام 1985 الوثيقة الذهبية التي منحتها لسموه المنظمة الدولية للأجانب ومقرها جنيف، تقديرا منها على جهوده في المجالات الإنسانية المختلفة، ورعاية الجاليات الاجنبية العاملة في الدولة. وفي عام 1988 اختارت إحدى الهيئات الدولية التي تتخذ من باريس مقراً لها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كأبرز شخصية سياسية لذلك العام وكذلك لدور سموه في وقف الحرب العراقية الإيرانية، وإعادة العلاقات بين الدول العربية.
وفي الاستطلاع الذي أجراه مركز الشرق الاوسط للبحوث والدراسات الاعلامية في جدة في عام 1995، فاز صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بلقب الشخصية الانمائية على مستوى العالم وقد شارك في ذلك الاستطلاع أكثر من نصف مليون عربي من مختلف الجاليات العربية حول العالم.
في رحيل زايد
ألـــوذُ مِـنْـكَ بِـصبري أيّــها القــــَدَرُ ..... والمؤمنون إذا حل القضا صبـروا
يدي تلــوح يــوم الـبيــن فـي وهـــنٍ ..... والدمع خلف قناع الصبر مستـتــر
فزايـــد كان قلــب الـحب في وطني ..... والحب من بعـده للــقلــب مفتــقــر
هـول الفـجيـعـة هـذا كـاد يُـفـقــدني ..... رشدي وكاد حسام البـأس ينـكســر
ولا أُلامُ فـــمـــن أبــكـيـه كــان أبــاً ..... عليــه قلــب بـلادي اليـوم منفطــر
لولا يـقـيني بـأن الـمــوت خـاتـمــة ..... لكـل حــي وأن القبــر مـنتــظـــــر
لمـا اهـتدت لمواني الصبر أشرعتي ..... فعاصف الحزن لا يبقــى ولا يــذر
فراق من كان أغلى النـاس زلزلنـي ..... فصحت: لا كنت إلا الزيف يا خبر
غاب الزعيم العظيم اليوم عن وطني ..... كما تغـيب عــن ظلمائنا الــقـمــــر
فسـاءلتنــي طيــور الــدوح بــاكيـــة ..... ألن يعـود؟ فكــاد الصبــر ينتــحــر
هـذي الرمال التي تزهو بخـضرتـها ..... لولاه ما زانها عشــب ولا شــجــر
عرفته من قــديــم فــارســا بــطـــلا ..... بالحلم والجود مـعروف ومشـتــهر
كانت تــجــاربــه الــراء مـــدرســة ..... العلم فيها كنور الشمــس منتــشــر
يـصغــي الى قـارئ الـقـرآن يحفظه ..... ويمعن الفكر فيمــا دلــت الســـور
كان المعلـم والتـلـمــيــذ فــي زمــن ..... لم يكتسب علمه بـدو ولا حــضــر
بفـطـرة الـخيـر أعـطـى زايـد دررا ..... من المآثر لا ترقــى لهـــا الـــدرر
رأيـت فيـه أبـا يحـنــو عـلــى ولـــد ..... وعشت عمري بهذا الفضل أفتخر
أحــس باليتــم هــذا اليـوم يا وطنـي ..... لكــــن زايـــدنا أيتامــــه كــــثــــر
وحين يبكي اليتــامــى فالدمــوع دم ..... من خافق الحـب والخلاص ينفجر
ولا يلامـون إن ناحــوا فــوالــدهــم ..... بفضل حكمتـه في حكمه انتصروا
رأى الجميــع بعين الحـب محتكـمـا ..... الى العدالة فهي السمــع والبصــر
يا رب هبنا عزاء الصبر في رجــل ..... أعطى لنا سيرة تزهـو بـها السـيـر
وهــب خـليـفـتــه التــوفيــق إنّ لــه ..... قلبا كبيرا يحب الشعـب مـعـتــمــر
علــى طــريـق أبـيـه اخـتار رحلتـه ..... وفي دروب المعالي يقتـفى الأثـــر
جميع مـن عاهــدو بالامــس والــده ..... على الفـــداء إذا مــا لــوح الخـطر
أتــو اليــه وعــهـد الـحـب يسبـقـهـم ..... فهم لنصـرتــه أرواحــهــم نــذروا
وفي مـقـدمــة الـفـرســان كـــان أخٌ ..... شهم كريم وفي الشـداة مـخــتــبــر
هــذا مـحـمـد عـون الأخ نـاصـــره ..... أوفى الرجال له كـفــؤٌ ومــقــتــدر
وقام في الليلـة الـظلـمـاء يـعـضــده ..... وفي محياه بانــت للــوفــا صـــور
يا رب هــب لجـموع الشعب تعزية ..... وامنحهم الصبر حتى يرحل الكدر
واجعل نعيمك سـكـنـى زايــد فــلـه ..... أسمـى سجـل بفعـل الخير مزدخر
اليـوم يـلـقـاك يـا اللــه مـبـتـهــجــا ..... فجنـة الـخــلــد للأبــرار تنـتــظــر
إن ســال دمـعـي ولـم أمـنـع تدفـقـه ..... فلســت عــن ذرفــه للقـوم وأعتذر
رحيـل زايـــد هـذا اليـوم زلـزلـنـي ..... ولا أُلامُ فــإنــي يــا ورى بــشــــر
شعر: الدكتور مانع سعيد العتيبه
لا تزال حياً في قلوبنا .. ولا تازال يعيش بيننا .. زايد انت في كل مكان في وطني..
اللهم يا حي يا قيوم...
يا ذا الجلال والإكرام...
يا رحيم يا رحمن...
نسألك أن تغفر "لزايد بن سلطان"...
اللهم اغفر له وارحمه...
وعافه واعف عنه...
وأكرم نزله...
ووسع مدخله...
واغسله بالماء والثلج والبرد...
ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس...
اللهم وانزل على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور...
اللهم وجازه بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وغفرانا...
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة...
اللهم وما قدم للإسلام والمسلمين فاجعله في ميزان حسناته يا رب العالمين...
ولد زايد في في الجزيرة المطلة على الخليج العربي ( أبوظبي ) والتي أطلق عليها هذا الإسم كما تقول أغلب الروايات بسبب كثرة الظباء فيها ..
لم يولد الشيخ زايد بن سلطان وفي فمه ملعقة من ذهب ولم يتعود جسده ملمس ونعومة الحرير .. لقد فتح زايد عينيه على قومه وقد نالت منهم سنوات الحرمان والقهر وبدأت شخصيته كزعيم تتكون وسط هذا المجتمع الذي حرم من كل شيء إلا الكرامة والإباء فقد كان من شأن الظروف التاريخية والاجتماعية التي عاشها أبناء المنطقة قروناً عديدة أن تولد لديهم ضميراً وطنياً لا مجال للشك فيه وظلت رؤوس الآباء والأجداد الذين بنوا أكواخهم على شطآن خليج ما قبل النفط مرفوعة رغم الجوع الذي كاد أن يكون مقيماً في أحشائهم وتركوا رصيداً من التقاليد والمثل الراسخة المتكاملة .
وكان تمسك الأباء والأجداد بكرامتهم هو النبع الذي ارتوى منه الابناء ليشبوا وكلهم حرص على هذه الكرامة وكان هذا الحرص هو السياج الذي حمى التقاليد العربية والاصالة المتوارثة رغم كل الظروف حتى جاء الجيل الذي برز من بين فتيانه زايد بن سلطان والأمم تتواعد مع زعمائها كما يتواعد زعمائها مع القـــدر وبقدر قدرتها على الاحتفاظ في أعماقها بحيويتها وأصالتها فإنها تستطيع أن تبني وتشكل شخصية الزعيم الذي يجيئها دائماً في موعده .. مهما طال الزمن !!
كان لا يزال طفلاً صغيراً يمرح ويركض في رحاب قصر الحصن مقر الحكم في أبوظبي الذي بناه الشيخ شخبوط الأول عام 1793بعد انتقاله إلى ابوظبي من ليوا وقد ولد فيه الشيخ زايد بن سلطان الثاني وعاش فيه طفولته وشبابه ..
وفي السنوات المبكرة من حياة زايد كانت سورة الفاتحة هي أول ما تنامى إلى سمعه .. حتى إذا ما بدأ ينطق ويتكلم راح على الفور يردد آيات سورة الفاتحة كما يتلقنها تماماً ثم يحفظها عن ظهر قلب على ضوء مصباح خافت يشتعل بزيت الزيتون وشيئاً فشيئاً تدرج مع الآيات والسور وتعلم أن القرآن ليس كتاب دين فحسب بل تنظيم شامل لجميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأصبح له باستظهار آيات القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ولع شديد ..
بنفس هذه المعالم وهذا الجو العام أصبح زايد في العين حاكماً منذ عام 1946 ليس بينه وبين شعبه حجاب فهم جميعاً يستطيعون الذهاب إليه ويقولون ما عندهم ويأكلون مما يأكل وتتشرب نفوسهم بمعنى ان يكون الحاكم منهم ولا يعلو فوقهم غلا بقدرته على نفعهم وهو الشيء الذي تحقق لهم بالفعل عندما تحولت العين في عهده وعلى يده إلى جنة خضراء .
لقد أحس زايد منذ أن تولى أمور العين وضواحيها بحاجة الشعب إلى إصلاحات كثيرة ورغبة مواطنيه في مثل الحياة الطيبة التي بدأت تدب حولهم في بلدان الخليج الأخرى وكان زايد لا يملك سوى القليل القليل من كلشيء حتى من الماء مصدر الحياة وعمادها ولكن ندرة الماء والمال والإمكانيات لم تفت في عضد زايد أو تقوده إلى اليأس فإن النفوس الكبيرة لا تعرف اليأس مهما صادفت من الصعاب والعقبات فبدأ زايد في إصلاح الافلاج القديمة التي مضى عليها الدهر وحفر آبار جديدة للتوسع في زراعة الأرض ومنها فلج الصاروج في مدينة العين وقد بناه في ظروف صعبة كفيلة بأن تثني ذوي الهمم العالية !!
ويكبر الشاب زايد وتكبر معه أحلامه ويتولى زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966 بإجماع وموافقة من العائلة الحاكمة خلفاً لشقيقه شخبوط لتبدأ مرحلة جديدة من الإنجازات ويخرج من جزيرة أبوظبي على الخليج نور عظيم يصل إلى العالم بأكمله ... إنه نور الإمارات العربية المتحدة .. وما أجمله من نور !!
كان زايد ولا يزال الداعي نحو لم شمل الأمة العربية الممزقة والتي تتطاحنها الحروب وتتنازعها الأزمات والحوادث فلا تشتعل نيران فتنة جديدة حتى يخرج الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان داعياً إلى إنهائها بالطرق السلمية بدلاً من اللجوء إلى لغة القوة والعنف والتي توسع الخلاف وتزيد من هوة الشقاق ولسموه المواقف المشهودة في دعم الوحدة العربية وذلك من خلال دعوته لاتحاد الإمارات السبع لتتشكل دولة جديدة هي دولة الإمارات العربية المتحدة ومن ثم دعى سموه إلى تعاون خليجي يكون ثمرة لاتحاد جديد ليتشكل مجلس التعاون الخليجي وتستضيف أبوظبي القمة الأولى فيه ومن ثم كان للإمارات دور فاعل ونشط في جامعة الدول العربية وساهمت في إقامة العديد من المشاريع التنموية والاقتصادية في الكثير من الدول العربية مثل ترعة الشيخ زايد في مصر وبناء سد مأرب في اليمن وبناء مدينة الشيخ زايد في غزة .
ولا يخفى على أحد الدور الذي تلعبه الإمارات لتعميق الروابط بين مختلف الدول العربية حيث أن وطننا من المحيط إلى الخليج وهدفنا هو أمة عربية واحدة ولذلك سارعت الإمارات أولاً إلى حل مشاكلها الحدودية مع باقي جيرانها وبالطرق السلمية ومن ثم سارعت إلى إطلاق المبادرات نحو حل أمثال هذه النزاعات بين باقي الدول العربية مما كان له كبير الأثر في زرع الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.
ويذكر التاريخ بالفخر والاعتزاز الموقف الرجولي الشجاع لصاحب السمو الشيخ زايد الذي أعلنها صريحة في حرب أكتوبر 1973 عندما خرج على العالم وقال بأن البترول العربي ليس بأغلى ولا أثمن من الدم العربي وسخر كل إمكانياته وثرواته تحت تصرف الجيوش العربية في تلك الحرب ليتحقق النصر ويفرح زايد كما لو كان هو من خاض الحرب .. كيف لا والإمارات هي ابنة الأمة العربية وهي ثمرة من ثمرات أمة تدعو إلى الاتحاد والتعاون وتحارب التفرق والتشتت ولذلك يذكر التاريخ أن الإمارات بقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كانت أول دولة عربية تعيد علاقاتها مع جمهورية مصر العربية بعد المقاطعة العربية عقب اتفاقية كامب ديفيد.
ولا يخفى على أحد الدور الإنساني الذي تلعبه الإمارات عند وقع أي كارثة إنسانية في أحد الدول العربية أو عندما تعاني أحد الدول العربية من وقوع مشاكل أو أزمات فعلى سبيل المثال مازلت قوات الإمارات تساهم في نزع الألغام من الجنوب اللبناني حتى يومنا هذا بالإضافة إلى ما قامت به من دور ناجح وعظيم في الصومال وكوسوفو وكذلك في زلزال المغرب ومد يد الخير والعطاء نحو الفقراء والجوعى في الصومال والسودان كما لا ننسى الوقفة الإماراتية العظيمة في تحرير دولة الكويت من العدوان العراقي الغاشم سنة 1990عندما سارعت الإمارات إلى إدانة الغزو وحاولت بالطرق السلمية إلى إنهائه ومن ثم أرسلت قواتها مع قوات التحالف وساهمت في تحرير الكويت.
وكذلك لا بد أن يذكر التاريخ أن صدام حسين رفض المبادرة العظيمة التي أعلنها الشيخ زايد بن سلطان في الوقت العصيب وقبل الاحتلال الأمريكي للعراق والتي كانت ستحفظ العراق وأهله وجيرانه والأمة العربية والإسلامية من مصائب وويلات مازال الجميع يعاني منها حتى يومنا هذا حيث بادر الشيخ زايد إلى إعطاء صدام الأمان والحفظ والسلامة والحياة الرغيدة في الإمارات بدلاً من إزهاق أرواح الأبرياء وتدمير العراق وإذلال شعبها تحت وطأة الاحتلال ولكــن صدام حسين أعطى أذناً من طين وأخرى من عجين لهذه المبادرة الشجاعة ورفضها وقد رأيتم بأنفسكم ما صار في العراق بعدها !!
تسلم المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في عام 1985 الوثيقة الذهبية التي منحتها لسموه المنظمة الدولية للأجانب ومقرها جنيف، تقديرا منها على جهوده في المجالات الإنسانية المختلفة، ورعاية الجاليات الاجنبية العاملة في الدولة. وفي عام 1988 اختارت إحدى الهيئات الدولية التي تتخذ من باريس مقراً لها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كأبرز شخصية سياسية لذلك العام وكذلك لدور سموه في وقف الحرب العراقية الإيرانية، وإعادة العلاقات بين الدول العربية.
وفي الاستطلاع الذي أجراه مركز الشرق الاوسط للبحوث والدراسات الاعلامية في جدة في عام 1995، فاز صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بلقب الشخصية الانمائية على مستوى العالم وقد شارك في ذلك الاستطلاع أكثر من نصف مليون عربي من مختلف الجاليات العربية حول العالم.
في رحيل زايد
ألـــوذُ مِـنْـكَ بِـصبري أيّــها القــــَدَرُ ..... والمؤمنون إذا حل القضا صبـروا
يدي تلــوح يــوم الـبيــن فـي وهـــنٍ ..... والدمع خلف قناع الصبر مستـتــر
فزايـــد كان قلــب الـحب في وطني ..... والحب من بعـده للــقلــب مفتــقــر
هـول الفـجيـعـة هـذا كـاد يُـفـقــدني ..... رشدي وكاد حسام البـأس ينـكســر
ولا أُلامُ فـــمـــن أبــكـيـه كــان أبــاً ..... عليــه قلــب بـلادي اليـوم منفطــر
لولا يـقـيني بـأن الـمــوت خـاتـمــة ..... لكـل حــي وأن القبــر مـنتــظـــــر
لمـا اهـتدت لمواني الصبر أشرعتي ..... فعاصف الحزن لا يبقــى ولا يــذر
فراق من كان أغلى النـاس زلزلنـي ..... فصحت: لا كنت إلا الزيف يا خبر
غاب الزعيم العظيم اليوم عن وطني ..... كما تغـيب عــن ظلمائنا الــقـمــــر
فسـاءلتنــي طيــور الــدوح بــاكيـــة ..... ألن يعـود؟ فكــاد الصبــر ينتــحــر
هـذي الرمال التي تزهو بخـضرتـها ..... لولاه ما زانها عشــب ولا شــجــر
عرفته من قــديــم فــارســا بــطـــلا ..... بالحلم والجود مـعروف ومشـتــهر
كانت تــجــاربــه الــراء مـــدرســة ..... العلم فيها كنور الشمــس منتــشــر
يـصغــي الى قـارئ الـقـرآن يحفظه ..... ويمعن الفكر فيمــا دلــت الســـور
كان المعلـم والتـلـمــيــذ فــي زمــن ..... لم يكتسب علمه بـدو ولا حــضــر
بفـطـرة الـخيـر أعـطـى زايـد دررا ..... من المآثر لا ترقــى لهـــا الـــدرر
رأيـت فيـه أبـا يحـنــو عـلــى ولـــد ..... وعشت عمري بهذا الفضل أفتخر
أحــس باليتــم هــذا اليـوم يا وطنـي ..... لكــــن زايـــدنا أيتامــــه كــــثــــر
وحين يبكي اليتــامــى فالدمــوع دم ..... من خافق الحـب والخلاص ينفجر
ولا يلامـون إن ناحــوا فــوالــدهــم ..... بفضل حكمتـه في حكمه انتصروا
رأى الجميــع بعين الحـب محتكـمـا ..... الى العدالة فهي السمــع والبصــر
يا رب هبنا عزاء الصبر في رجــل ..... أعطى لنا سيرة تزهـو بـها السـيـر
وهــب خـليـفـتــه التــوفيــق إنّ لــه ..... قلبا كبيرا يحب الشعـب مـعـتــمــر
علــى طــريـق أبـيـه اخـتار رحلتـه ..... وفي دروب المعالي يقتـفى الأثـــر
جميع مـن عاهــدو بالامــس والــده ..... على الفـــداء إذا مــا لــوح الخـطر
أتــو اليــه وعــهـد الـحـب يسبـقـهـم ..... فهم لنصـرتــه أرواحــهــم نــذروا
وفي مـقـدمــة الـفـرســان كـــان أخٌ ..... شهم كريم وفي الشـداة مـخــتــبــر
هــذا مـحـمـد عـون الأخ نـاصـــره ..... أوفى الرجال له كـفــؤٌ ومــقــتــدر
وقام في الليلـة الـظلـمـاء يـعـضــده ..... وفي محياه بانــت للــوفــا صـــور
يا رب هــب لجـموع الشعب تعزية ..... وامنحهم الصبر حتى يرحل الكدر
واجعل نعيمك سـكـنـى زايــد فــلـه ..... أسمـى سجـل بفعـل الخير مزدخر
اليـوم يـلـقـاك يـا اللــه مـبـتـهــجــا ..... فجنـة الـخــلــد للأبــرار تنـتــظــر
إن ســال دمـعـي ولـم أمـنـع تدفـقـه ..... فلســت عــن ذرفــه للقـوم وأعتذر
رحيـل زايـــد هـذا اليـوم زلـزلـنـي ..... ولا أُلامُ فــإنــي يــا ورى بــشــــر
شعر: الدكتور مانع سعيد العتيبه
لا تزال حياً في قلوبنا .. ولا تازال يعيش بيننا .. زايد انت في كل مكان في وطني..
اللهم يا حي يا قيوم...
يا ذا الجلال والإكرام...
يا رحيم يا رحمن...
نسألك أن تغفر "لزايد بن سلطان"...
اللهم اغفر له وارحمه...
وعافه واعف عنه...
وأكرم نزله...
ووسع مدخله...
واغسله بالماء والثلج والبرد...
ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس...
اللهم وانزل على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور...
اللهم وجازه بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وغفرانا...
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة...
اللهم وما قدم للإسلام والمسلمين فاجعله في ميزان حسناته يا رب العالمين...