حـــدث هـــُزت لـــه مـــكـــة .......

Amasy 02-10-2002 1 رد 860 مشاهدة
A
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

الإسراء والمعراج :

حدث من أحداث التاريخ , تواترت به الأخبار , وأجمع عليه أهل الإسلام , حدث هزت له
مكة بأرجائها ,وزادت به قريش في عتوها ,من هول سماعه إرتد أناس ، حير العقول وأحزن
الرسول، حتى قال عليه الصلاة والسلام " لما كان ليلة أسري بي , وأصبحت بمكة فظعت
بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فقعدت معتزلا حزينا "
وفي رواية " فكربت كربا ما كربت مثله قط " .

قال تعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله
للنريه من آياتنا "، أسري به عليه والصلاة والسلام يقظة لا مناما من مكة الى بيت المقدس ,
بصحبة جبريل ,راكبا البراق - وهو دابة أبيض طويل يشبه الفرس , يضع حافره عند منتهى طرفه -
فسار عليه حتى أتى بيت المقدس فربطه بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء ثم دخل فصلى في قبلته
ركعتين تحية المسجد ثم أُتي صلى الله عليه وسلم بالمعراج ,فصعد فيه الى السماء الدنيا ,
فاستفتح له جبريل ففتح له, وتلقاه من كل سماء مقربوها ورأى في السماء الدنيا آدم أبا البشر
فسلم عليه , فرحب به ورد عليه السلام ثم عرج به الى السماء الثانية فرأى فيها يحيى وعيسى
ابن مريم ثم الى الثالثة فرأى فيها يوسف , ثم عرج به الى الرابعة فرأى فيها إدريس ثم عرج
به الى الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران ثم عرج به الى السادسة فرأى موسى بن عمران
ثم رفع الى السماء السابعة فرأى أباه إبراهيم الخليل مسندا ظهره الى البيت المعمور الذي في
السماء السابعة, يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه ثم لا يعودون اليه الى يوم القيامة ,
ثم جاوز عليه أفضل الصلاة وأتم السلام منزلة الأنبياء فرفع حتى انتهى الى مستوى يسمع فيه
صريف الأقلام التي يكتب بها القدر, ثم عرج به الى الجبار جل جلاله فأوحى الى عبده ما أوحى
وفرض عليه خمسين صلاة في اليوم والليلة ثم خففها الى خمس في عدد وخمسين في الأجر, ثم
ذُهب به الى سدرة المنتهى , قال صلى الله عليه وسلم "فإذا ورقها كآذان الفيلة تكاد الورقة تغطي
هذه الأمة, وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت, ما أحد من خلق الله تعالى
يستطيع أن يصفها من حسنها ثم أدخلت الجنة, فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ, وإذا ترابها المسك ورأيت النار ".

ثم هبط صلى الله عليه وسلم الى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم في بيت المقدس -
فدل أنه هو الإمام المقدم - ثم رجع صلى الله عليه وسلم الى قومه فلما أصبح أخبرهم بما أراه
الله عزوجل من آياته الكبرى فاشتد تكذيبهم له وأذاهم وضراوتهم عليه وسألوه أن يصف لهم
بيت المقدس فجلاه الله تعالى حتى عاينه فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه
شيئا, وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه وأخبرهم عن وقت قدومهما وأخبرهم عن البعير
الذي يقدمها, وكان الأمر كما قال , فلم يزدهم ذلك إلا نفورا " وأبى الظالمون إلا كفورا "

وقفات مع الإسراء والمعراج :

الوقفة الأولى :

متى كان الإسراء ؟ أحقا كان في رجب و بالتحديد في السابع والعشرين منه ؟ ثم هل يخص
الإسراء باحتفال وذكرى ؟؟

يقول الإمام ابن أبي العز رحمه الله: " الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة

بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة " شرح الطحاوية 1/272.

وقال الإمام ابن رجب :
" وروي أنه كان في رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك, وروي بإسناد

لايصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في السابع

والعشرين من رجب وأنكر ذلك الحربي وغيره " اللطائف 233.

وقال الإمام ابن دحية الكلبي الأندلسي المتوفى سنة 633هــ
" وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح
عين الكذب " كتاب أداء ماوجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ص110.

وقال العلامة النقاد الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب , قال : وذلك كذب " تبيين العجب (23).

قال العلامة الألباني رحمه الله :
" ومن ذلك يعلم أن الإحتفال بليلة الإسراء في رجب إنما هو معتمد على الكذب
بشهادة هاذين الحافظين الجليلين فلا يغتر أحد بما اشتهر في العصور المتأخرة
أنه كان في السابع والعشرين من رجب ".

فالحق : أن وقت الإسراء والمعراج لا يعرف, لا يومه ولا شهره , بل لا يترتب
على ذلك فائدة دينية إذ لو كان فائدة لبينها الله والرسول صلى الله عليه وسلم "وما
من خير إلا ودلنا عليه " بل لو ثبت لم يجز للمسلمين أن يخصوه بشيء لأن الرسول
صلى الله عليه وسلم المقتدى به والصحابة المتبعون لم يخصوه بشيء وهم أحرص
الناس على الخير والرسول صلى الله عليه وسلم أنصح الناس للناس وقد بلغ الرسالة
غاية البلاغ فلو كان تعظيم هذه الليلة من دين الإسلام لم يغفله الرسول صلى الله عليه وسلم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" ولايعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة
على غيرها, ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص لليلة الإسراء
بأمر من الأمور ولا يذكرونها, ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت, وإن كان الإسراء من
أعظم فضائله صلى الله عليه وسلم. ومع هذا لم يشرع تخصيص ذلك الزمان ولا ذلك
المكان بعبادة شرعية بل غار حراء الذي كان ابتدئ فيه نزول الوحي وكان يتحراه قبل
النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة, ولا خص اليوم الذي
أنزل عليه الوحي بعبادة ولاغيرها , ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل
هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات
كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله " زاد المعاد 1/58ـ59.

الوقفة الثانية :

هل لرجب فضيلة على غيره من الشهور ؟

يقول الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله :
" لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء معين منه ,ولا
في قيام ليلة مخصوصة منه حديث صحيح يصلح للحجة " وقال : "الأحاديث
الواردة في فضل شهر رجب على قسمين : ضعيفة وموضوعة " تبيين العجب ص23.

وقال ابن دحية رحمه الله :
وفي هذا الشهر أحاديث كثيرة من رواية جماعة من الوضاعين وكان شيخ الإسلام
أبو إسماعيل الهروي لا يصوم رجبا وينهى عن ذلك ويقول : " ما صح في فضل
رجب ولا في صيامه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء " أداء ماوجب ص 104-112.

وبناء على هذه الأحاديث الموضوعة ابتدعت صلوات مخصوصة في أول ليلة
من رجب وفي ليلة أول جمعة منه وهي تسمى بصلاة الرغائب وفي النصف
منه وليلة سبع وعشرين .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 23/134:

" صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولا أحد من خلفائه ولا استحبها أحد من أئمة الدين كمالك والشافعي وأحمد وأبي
حنيفة والثوري والأوزاعي والليث وغيرهم, والحديث المروي فيها كذب بإجماع
أهل المعرفة بالحديث, وكذلك الصلاة التي تذكر أول ليلة جمعة من رجب وفي ليلة
المعراج, وألفية نصف شعبان , والصلاة يوم الأحد والإثنين وغير هذا من أيام
الأسبوع وإن كان قد ذكرها طائفة من المصنفين في الرقائق فلا نزاع بين أهل
المعرفة بالحديث أن أحاديثه كلها موضوعة ولم يستحبها أحد من أئمة الدين.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ولا يوم الجمعة بصيام " والأحاديث التي تذكر
في صيام يوم الجمعة وليلة العيدين كذب على النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم .

خلاصة القول ما قاله الإمام ابن دحية رحمه الله في كتابه الفذ " أداء ما وجب "
ص( 127): " والكذب وإن كان حراما فهو على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أعظم إثما وأشد جرما وإنما كانت الجاهلية تعظم شهر رجب , وينزعون فيه الأسنة
من الرماح توقيّا من القتال, حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه لم يهجه، ويسمونه
شهرا حراما . وقد بقيت حرمته في الإسلام لأنه أحد الأربعة الحرم , لا على
معنى اختصاصه بشيء دونها "

الوقفة الثالثة :

من لطائف الإسراء والمعراج صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إماما بالأنبياء
فإذا كان الأنبياء يقتدون بنبينا صلى الله عليه وسلم فما بال كثير من الأمة لا
يقتدي به ،ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا
فهو رد ) ؟ ! كما رواه مسلم في صحيحه , ألم يقل ( من يعش منكم فسيرى
اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها
بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ).

هل احتفل الرسول بذكرى مولده وإسرائه وهجرته ؟
هل احتفل بعده الصحابة والتابعون ؟ يسعنا والله ما وسع خير القرون .

يقول الإمام ابراهيم النخعي رحمه الله:
" لو لم يغسلوا إلا الظفر ما جاوزناههم كفى إزراء بقوم أن تخالف أعمالهم "

وقال سعيد بن جبير رحمه الله :
" مالم يعرفه البدريون فليس من الدين "وقال الأوزاعي رحمه الله : " يا
معشر الفقهاء اتقو الله واسلكوا سبيل سلفكم الصالح وقولوا بما قالوا
وقفوا حيث وقفوا " وقال : " عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس
وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول فإن الأمر ينجلي وأنت
على صراط مستقيم ".

الوقفة الأخيرة :

قال الإمام ابن أبي العز :
" وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى من وجوه
لمن تدبره وبالله التوفيق " الطحاوية 1/277 وأوضح دليل على ذلك
ماثبت في الصحيحين في حديث المعراج من حديث أنس وفيه : " ثم رفع
الى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم ثم رفع الى سدرة المنتهى ,ثم رفع
الى البيت المعمور ثم عرج به الى الجبار جل جلاله ..وفرض عليه
خمسين صلاة فرجع فمر على موسى في السماء السادسة فأشار اليه
أن ارجع الى ربك فاسأله التخفيف فعلى به جبريل حتى أتى به الجبار
.. " فالله فوق السماوات على العرش والأدلة على ذلك لاتحصى وعلى
ذلك إجماع العلماء.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " حتى قال بعض كبارأصحاب الشافعي
في القرآن ألف دليل أوأزيد تدل على أن الله عال على الخلق وأنه فوق
عباده " الفتاوي 5/266.

وقال إسحاق بن راهويه : " إجماع أهل العلم أنه تعالى على العرش
استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة " .

وقال إمام الأئمة ابن خزيمة :
" من لم يقل أن الله تعالى فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه
وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة
لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة ".

وقال المزي رحمه الله : " لا يصح لأحد توحيد حتى يعلم أن الله
على العرش بصفاته ".

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

منقول من موقع العصر لطلب العلم الكاتب الشيخ محمد بن غيث بن جاسم جزاه الله خيرا
ا
الغاليهamasy
جزاكِ الله خيرا وثبتك،
وسبحان العلي الأعلى،
(l)
X