الكرامات المزعومة
لقد اختلط الأمر على كثير من الناس اختلاطاً عجيباً جعلهم يجهلون حقيقة المعجزات والكرامات، فلم يفهموها على وجهها الصحيح، ليفرقوا بين المعجزات والكرامات الحقيقية التي تأتي من الله وحده إتماماً لرسالته إلى الناس، وتأييداً لرسله أو إكراماً لبعض أوليائه الصالحين الحقيقيين، لم يفرقوا بينها وبين الخرافات والأباطيل التي يخترعها الدجالون ويسمونها معجزات وكرامات ليضحكوا بها على عقول الناس وليأكلوا أموالهم بالباطل، ولقد ظن الجهلة من الناس أن المعجزات والكرامات من من الأمور الكسبية والأفعال الاختيارية التي تدخل في استطاعة البشر، بحيث يفعلونها من تلقاء أنفسهم وبمحض إرادتهم، وبهذا الجهل اعتقدوا أن الأولياء والصالحين يملكون القدرة على فعل المعجزات والكرامات في أي وقت يشاءون، وما ذلك إلا لجهل الناس بربهم وبحقيقة دينهم.
ونقول لهؤلاء إن تصوير ما يحدث من هؤلاء الدجالين على أنها معجزة أو كرامة لهذا الولي أو ذاك: إن ذلك كله كذب، وإنما هذه الحوادث كلها من عبث الشياطين أو من اختراع عقلية ماكرة اصطنعت تلك الحوادث الوهمية وسمتها كرامات ومعجزات لتضفي على أصحاب هذه القبور مهابة وإجلالاً فتجعل لهم بركات ليعظمهم الناس، ولتجذب الجماهير الساذجة لزيارة هذه القبور والتبرك بها وطلب الحاجات من أصحابها فتأتي لهم بالنذور من أموال وهدايا، وفي هذا عيش وكسب حرام لكل عاطل لا يريد العمل وإنما يريد الضحك على الناس وأكل أموالهم بالباطل.
ولا يمكن لأي عاقل يحتفظ بفطرته السليمة أن يصدق أن الميت يمكنه القيام بأي عمل بعد أن خرجت روحه من بدنه وبطلت حركته وأكل الدود جسمه وأصبح عظاماً بالية، من الذي يصدق مثل هذه المزاعم المفضوحة إلا إنسان جاهل ساذج، لأن هذه المزاعم التي يزعمونها مما يستحيل أن يفعلها الأحياء فضلاً عن الأموات. فهل نلغي عقولنا التي منحنا الله لنصدق مثل هذه الخرافات؟ إن العقول المستنيرة والفطر السليمة ترفض بشدة تصديق مثل هذه الخرافات لما في ذلك من مخالفة لسنن الله الشرعية والكونية.
المشركون قديماً وحديثاً
إن الكثيرين من الناس من مرتادي القبور والمزارات يقولون إن المشركين في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، أما نحن فلا أصنام عندنا نعبدها، بل لدينا قبور لبعض المشايخ والصالحين لا نعبدها ولكننا فقط نسأل الله أن يقضي حاجتنا إكراماً لهم، والعبادة غير الدعاء.
ونقول لهؤلاء إن طلب المدد والبركة من الميت هو في الحقيقة دعاء، كما كانت الجاهلية تدعو أصنامها تماماً ولا فرق بين الصنم الذي يعبده المشركون قديماً وبين القبر الذي يعيد الناس ساكنه حديثاً فالصنم والقر والطاغوت كلها أسماء تحمل معنى واحداً وتطلق على كل عبد من دون الله سواء كان إنساناً حياً أو ميتاً أو جماداً أو حيواناً أو غير ذلك، ولما سئل المشركون قديما عن سبب توسلهم بالأصنام ودعائهم لها كان جوابهم كما في قوله تعالى: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] أي وسطاء بيننا وبين الله لقضاء حاجاتنا، ومن ذلك يتبين أنه لا فرق بين دعوى الجاهلية الأولى وبين عباد القبور الذين ينتسبون إلى الإسلام اليوم فغاية الجمع واحدة وهي الشرك بالله ودعاء غير الله.
شرك المحبة
إن مجرد انصراف القلب والمشاعر كلها إلى مخلوق بالحب والتعظيم فيما لا يجوز إلا لله يعتبر عبادة له، فالذين يزعمون أنهم يحبون الموتى من الأولياء والصالحين لكنهم يعظمونهم ويقدسونهم بما يزيد عن الحد الشرعي هم في الحقيقة يعبدونهم لأنهم من فرط حبهم لهم انصرفوا إليهم فجعلوا لهم الموالد والنذور وطافوا حول قبورهم كما يطوفون حول الكعبة واستغاثوا بهم وطلبوا المدد والعون منهم، ولولا التقديس والغلو فيهم ما فعلوا كل ذلك من أجل الموتى، ومن غلوهم فيهم أيضاً أنهم يحرصون على أن يحلفوا بهم صادقين، بينما لا يتحرجون من أن يحلفوا بالله كاذبين هازلين، والبعض منهم قد يسمع من يسب الله تعالى فلا يغضب لذلك ولا يتأثر بينما لو سمع من يسب شيخه لغضب غضباً شديداً، أليس في ذلك غلو في أوليائهم ومشايخهم أكثر من تعظيمهم لله؟ وأن محبتهم لهم غلبت محبة الله، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ [البقرة:165]. وهذا النوع من الشرك هو شرك المحبة.
الله قريب من عباده
إن الله تعالى قريب من عباده، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]. فليس بين الله وبين عباده ما يمنع من مناجاته واللجوء إليه وطلب الحاجة منه مباشرة حتى يلجأ الإنسان إلى قبور الموتى يتوسل بهم ويدعوهم ليشفعوا له عند الله ويسألهم ما لا يملكون ويطلب منهم ما لا يقدرون عليه. بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى ربه مباشرة وأن يسأله بلسانه هو، ويتوسل إليه التوسل المشروع وذلك بالتقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأن يكون معتقداً تمام الإعتقاد أن الله تعالى هو المعز المحيي المميت الرازق النافع المدبر لشؤون الحياة كلها وأن بيده وحده النفع والضر، وأن يعتقد أنه لا يستطيع أي إنسان مهما عظم شأنه عند الله وعند الناس أن يضر أحداً أو ينفعه بشيء لم يكتبه الله له قال : { واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك } فإذا كانت الأمة كلها لو اجتمعت على أن تنفع الإنسان أو تضره لم تستطع ذلك إلا بشيء قد كتبه الله، فالفرد سواءً كان حياً أو ميتاً من باب أولى، إنه لن ينفع ولن يضر أحداً إلا بشيء قد كتبه الله. إذاً فما الداعي لدعاء من لا ينفع ولا يضر؟ أليس ذلك هو غاية الجهل والضلال؟ بلى والله.
لذا فيجب على كل من ابتلي بمثل هذه الشركيات وهذه البدع والخرافات من طواف على القبور وتعظيمها وسؤال أصحابها الحاجات وتفريج الكربات، يجب عليه أن يتوب إلى الله من هذا العمل الفاسد الذي هو في الحقيقة شرك بالله تعالى وصاحبه مخلد في النار والعياذ بالله. قال تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]. وأن يخلص العبادة لله وحده لا شريك له في كل شأن من شؤون حياته إن كان صادقاً في إسلامه، وأن لا يلتفت لأحد من الخلق كائناً من كان لا في دعاء ولا غيره مما لا يقدر عليه إلا الله. وأن يلتزم كتاب الله وسنة رسوله وأن لا يخالط أهل البدع وأهل الشرك لئلا يتأثر بهم ويقلدهم فيهلك معهم ويخسر الدنيا والآخرة. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين