البومة في الغرفة البعيدة

دلبح طمطم 11-06-2002 1 رد 954 مشاهدة
د
كل صور عدد كانون الأول من المجلة الهندية "أ..." كانت رائعة، ولكن أروعها بلا شك صورة ملونة لبومة مبتلة بماء المطر... وتكمن كل روعتها في لحظة اللقطة الموفقة وفي براعة الزاوية... وأهم من هذا كله: في اصطياد النظرة الحقيقية للبومة المختبئة في ظلمة ليل بلا قمر.
كنت في غرفتي: غرفة عازب بجدران عارية تشابه إحساسه بالوحدة والعزلة...أرضها متسخة بأوراق لا يدري أحد من أين جاءت، والكتب تتكدس فوق طاولة ذات ثلاث قوائم رفيعة، أما القائمة الرابعة فلقد استعملت يدا لمكنسة ما لبثت أن ضاعت... والملابس تتكوم فوق مسمار طويل حفر عدة ثقوب بظهر الباب قبل أن يرتكز نهائيا في ثقبه الحالي.
قلت لنفسي وأنا أشد بصري إلى صورة البومة الرائعة:
- يجب أن تعلق هذه الصورة على حائط ما.. فذلك سيكسب الغرفة بلا شك شيئا من الحياة والمشاركة...
ألصقت الصورة بالفعل على الحائط المقابل للسرير وأطرتها بورقة بنية كي تنسجم مع الحائط بشكل من الأشكال، كان العمل الفني، إذن، قد أخذ سبيله إلى الغرفة، وكان لا بدّ أن أغبط نفسي على التقاط هذه الصورة.
عندما آويت لفراشي في منتصف الليل فاجأتني الصورة، كان ضوء الغرفة خفيفا بعض الشيء، وقد يكون هذا هو السبب الذي من أجله بدت لي الصورة في غاية البشاعة، كان رأس الصورة أكبر من المعتاد وكان يشبه شكلا رمزيا لقلب مفلطح بعض الشيء، أما المنقار الأسود فلقد كان معقوفا بصورة حادة حتى ليشبه منجلا عريض النصل، والعينان كانتا مستديرتين كبيرتين يختفي أعلاهما تحت انحناءة الحاجبين الغاضبين، كان في العينين غضب وحشي، وكانت النظرة - رغم ذلك – تحتوي خوفا يائسا مشوبا بتحفز بطولي وتشبه إلى حد بعيد نظرة إنسان خضع فجأة للحظة ما، عليه أن يختار فيها بين أن يموت أو أن يهرب، كان الوجه مخيفا وبدا أن العيون المستديرة اللماعة بإيماضة حية كانت تحدق عبر صمت الغرفة، وتخترق برعشتها الحية جمجمتي، وتقول بصرير حاد:
- أتذكر؟...لقد التقينا مرة قبل الآن.
أطفأت الضوء الشاحب، ودفنت رأسي في الغطاء الموسخ بعرق الصيف اللزج، ورغم ذلك، فلقد كنت أرى العينين الغاضبتين الخائفتين تخترقان الظلمة وتحدقان في، وكان وجه البومة المتحدي لضغط لحظة ليس فيها سوى الاختيار بين الموت والفرار ماثلا في رأسي كأنني لم أحول نظري عنه بعد، ملحاحا، غضوبا يتمسح باشمئزاز ساخر، وعبثا ذهبت كافة المحاولات التي بذلتها لأسلخ الصورة عن رأسي، كانت شيئا قد دخل إلى الغرفة العارية، وإلى إحساسي، وتمزق الصمت الميت تحت الصرير الحاد الذي كان ما يزال ينحدر من المنقار الأسود المعقوف:
- لقد تقابلنا مرة قبل الآن ... أتذكر؟
شعرت فجأة بأنني أعرف هذا الوجه تماما، وأنني أرتبط معه بذكرى يجب أن لا تمحى، نعم، أنا أعرف تينك العينين الحادتين الغاضبتين الصامدتين للحظة اختيار مخيفة... لكن أين تقابلنا؟ متى؟ كيف؟
لقد بدا كل شيء مغلفا بضباب متكاثف، ورغم ذلك فلقد كانت ثمة ذكرى تلتمع من بعيد، إلا أنها كانت غامضة مغرقة في البعد، هناك سد كثيف يحول دون رأسي وتلك الذكرى، وكان لا بد من التذكر. فعينا البومة الغاضبتان تبعثان دفقة إحساس حاد في نفسي بأننا قد تعارفنا قبل الآن... ولكن متى؟ وكيف؟ وأين؟
نهضت من فراشي إذ تيقنت استحالة النوم تحت تلك الوطأة وأضأت المصباح ثم وقفت أمام الصورة الملونة: العيون هي، لم تزل تطل غاضبة واسعة مغروسة في الوجه المفلطح العجيب. والمنقار المعقوف كنصل عريض لمنجل أسود، لم يزل يطبق بعنف على ضرب من الاشمئزاز الساخر، والريش الرمادي الملون بحمرة وقحة يتجمع خصلا كصوف قذر بعد أن ابتل بماء المطر.
سقطت الذكرى بعد فترة، مدوية صاخبة إلى رأسي فأورثتني دوارا مفاجئا، والتمعت خلال الضباب المتكاثف كل الأشياء التي ذكرتني بها البومة المخيفة، وبدا لي أننا فعلا نعرف بعضنا جيداً.

***

كان ذلك قبل عشر سنوات على وجه التقريب، وكنت في قريتي الصغيرة التي تتساند دورها كتفا إلى كتف فوق حاراتها الموحلة، أذكرها الآن أشباحا تتلامع منذ زمن بعبد، كنت طفلا آنذاك, وكنا نشهد دون أن نقدر على الاختيار، كيف كانت تتساقط فلسطين شبراً شبراً. كانت البنادق العتيقة في أيدي الرجال الخشنة تمر أمام أعيننا كأساطير دموية، وأصوات القذائف البعيدة تدلنا أن المعركة تقع الآن، وأن ثمة أمهات يفقدن أزواجهن، وأطفالا يفقدون آباءهم، وهم ينظرون عبر النوافذ، صامتين، إلى ساحة الموت.
لا أعرف في أي يوم وقع الحدث، حتى أبي أيضا نسي ذلك، كان اليوم المشؤوم، وكان أكبر من أن يسعه اسم أو رقم، لقد كان في حد ذاته علامة من علائم الزمن الكبيرة، من تلك التي توضع في مجرى التاريخ كي تقول الناس "حدث ذلك بعد شهر من يوم المذبحة" ...مثلاً...كان يوما من تلك الأيام لا شك، وإلا لكنا حشرناه تحت رقم أو تحت اسم أو تحت عنوان.
لقد بدأ الهجوم قبيل منتصف الليل وقال أبي الشيخ لأمي في ما هو يتنكب على بندقيته الثقيلة:
- إنه هجوم كبير هذه المرة...
ولقد عرفنا نحن الصغار، من أصوات الطلقات أن هناك أسلحة جديدة وأن هناك هجوما من ناحية أخرى لم تطرق قبل الآن... وأن قنابل حارقة قد سقطت في وسط القرية فأحرقت بيتاً وأطفالا، وحين نظرنا من خصاص النافذة الواطئة شاهدنا كمن يحلم أشباح نسوة منحنيات يسحبن جثثا إلى داخل القرية، وكان يستطيع المستمع بإمعان أن يلتقط صوت نشيج مخنوق:"إحداهن- هكذا كانت تشير أمي- فقدت زوجها وصمودها في آن معاً".
بعد ساعة من الهجوم المباغت، تراجع رجالنا. كانت جهنم قد صعدت إلى ظهر قريتنا، وبدا لنا أن النجوم أخذت تتساقط على بيوتنا، وقالت امرأة مرت تحت شباكنا تسحب جثة وتلهت.
- إنهم يقاتلون بالفؤوس...
وقتال الفؤوس لم يكن غريباً على رجال قريتنا، فلقد كان الفأس هو سلاح الواحد منهم بعد أن تتقيأ بندقيته كل ما في جوفها، فكان يحمله على كتفه زاحفا فوق الأشواك الجافة، ثم يشاهد المحاربون من خنادقهم الرطبة شبح إنسان راكع، يرفع كلتا يديه فوق رأسه ما وسعه ذلك، وبين كفيه يتصلب فأسه الثقيل، ثم يهوي الفأس، ويتصاعد صوت ارتطام عريض مخنوق، ويبتلع الظلام أنة محدودة يعقبها شخير عنيف، ثم يصمت كل شيء.
لقد بدأ قتال الفؤوس إذن, هذا يعني أن الرجال قد تلاحموا, وأن جثثا كثيرة قد ضاعت في صفوف الأعداء مطبقة أكفها بتشنج عنيد على الفأس, واضعة أنوفها براحة مطلقة على التراب الطيب، ومستلقية بهدوء.
بدأت قريتنا تنكمش، ولم يعد هناك أي عمل للشيوخ غير أن يعودوا إلى بيوتهم، ولقد شاهدنا أبي يعود منهكا، ولكنه لم يضع أية لحظة بل توجه لتوه إلى درج عتيق كان محظورا علينا الاقتراب منه وتناول مسدسا صغيرا دفعه لأمي بعد أن تأكد من حشوه، وأشار لها بعينيه تجاهنا، أنا وإخوتي، وقفل عائدا إلى الشارع.
وكانت أختي الكبيرة قد فهمت كل شيء، فأخذت تبكي دافنة رأسها في كفيها، وبينما ارتعشت أمي وهي تحمل المسدس على راحتها وتتوجه إلى النافذة، في تلك اللحظة قرع باب عتيق كان يفصل بيننا وبين جيراننا – ولم نكن نستعمل ذلك الباب على الإطلاق – وصاح صوت العجوز، جارنا, راجفا:
- افتحوا...افتحوا...
أزّ الباب أزيزا رفيعا إذ سحبته أمي فاندفع العجوز إلى الغرفة خائفا، وأجال بصره فينا، ثم توجه لأمي وهمس في أذنها كلاما أبدت استنكارها له، ثم عاد فهمس بحماس أكثر. فترددت أمي ثم هزت رأسها موافقة، وأشارت إلي أن أتبع العجوز إلى بيته...
دخلت خلف العجوز إلى غرفة دافئة مفروشة ببسط ملونة. وأخذت أراقبه فيما هو يحرك ستارة ويتناول من ورائها صندوقا صغيرا يضعه برفق بين ذراعي، شعرت بأن الصندوق أثقل مما يبدو فتساءلت برأسي، وأتاني الجواب من فمه الأدرد:
- هذه قنابل كان المرحوم ابني خبأها هنا...
وهز رأسه بأسى، وانتبهت لكلمة "المرحوم" التي لم تكن تستعمل قبل ذلك في هذه الغرفة ولا في بقية الغرف، وراودني شعور بالخوف بينما استمر الشيخ:
- يوشك اليهود أن يدخلوا القرية، وإذا وجدوا هذه عندي قامت قيامتهم.
وتباطأت كلماته وبدأ يحرك إصبعه في وجهي حركة تحذير:
- أنت صغير وتستطيع أن تخترق الحديقة...أريدك أن تدفن هذا الصندوق في آخرها...تحت شجرة التين الكبيرة...ربما احتجنا له فيما بعد...
سرني أن أشارك بعمل بطولي، فاندفعت إلى خارج الباب، وعندما وجدت نفسي في الطريق إلى الحديقة تملكني خوف رهيب، وحدثتني نفسي وهي ترتجف، أن ألقي بحملي الثقيل وأقفل عائدا أدراجي، ولكنني تنبهت إلى أن أمي لا تطل من نافذتها وتشاهدني. كانت السماء شبه مضاءة بقنابل اللهب، وكانت الشرارات تلتمع فوق الأفق راسمة خطوطا مقطعة منتهية بضوء ساطع، وفي لحظات الصمت المخيفة التي كانت تتبع كل دفقة نار كانت تسمع أصوات ما تبقى من رجالنا تغني على طريقتها في المعارك غناء يبدو كأنه يتصاعد من عالم آخر، عالم يموت فبه الإنسان وهو يعض على بقية الأغنية الحلوة، ثم يتمها هناك في السماء.
اخترقت الحديقة منحنيا، وكانت الطلقات تمس أعلى الشجر بصفير خافت وكانت التينة العجوز تنتصب في آخر الحديقة. عندما وصلتها شعرت بحماسة غامضة، وأنشأت احفر في الأرض مستعينا بعودة صلبة، وفي اللحظة التي أسقطت فيها الصندوق بالحفرة، سمعت صيحة حادة في أعلى الشجرة...وتملكني خوف أسقط ركبتيّ إلى الأرض وأخذت أحدق مرتجفا عبر الأغصان...ثم شاهدتها, على ضوء اللهب المتصاعد في سماء قريتنا، تقف هناك وتحدق إلي بعينين واسعتين غاضبتين أخفى أعلاهما انحدار الحاجب عليهما...كان منقارها معقوفا كمنجل أسود ذي نصل عريض, ورأسها كصورة قلب رمزي مفلطح يتمايل بانتظام، كان ريشها مبتلاً بماء المطر الذي انهمر في أول الليل، وكان يومض في عيونها ذلك الغضب المشوب بخوف غريب، وكانت تحدق غلي عبر الظلمة، تحديقا متواصلا لا يرتعش.
هدأ الرعب في صدري، وعدت إلى عملي، حتى إذا أتممته أنشأت أنظر إلى البومة بإمعان، كانت ما تزال على وضعها الأول وكان ضوء القنابل المباغت يعطي لعيونها ظلالا مرعبة، وبدت لي أنها مصرة على وقوفها المتحدي وأنها سوف تبقى رغم كل الرصاص والموت.
عدت أدراجي إلى البيت ببطء وهدوء فلقد زايلني كل خوف كنت أحسه قبل أن أراها...ثم لم أملك إلا أن أتوقف هنيهة وأعود إلى النظر إليها، كانت ما تزال تحرك رأسها المفلطح بتحذير إنساني عميق، وعلى إيماضة قنبلة بعيدة، شاهدت في عينيها ذلك التحدي الباسل، الخائف بعض الشيء، ولكن الصامد لضغط لحظة اختيار واحدة بين الفرار والموت.

***

أوشك الصبح أن يطلع وأنا في وقفتي أمام الصورة الملونة الملصوقة على الحائط العاري...لقد أنهكتني الذكرى ولكنني أحسست بارتياح غريب فجأة، فهاأنذا ألتقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويلة! وأين؟ في غرفة منعزلة مترامية تتنفس بوحدة مقيتة، بعيدا عن كل قريتي التي كانت تعبق برائحة البطولة والموت، وكانت البومة ما تزال ملصوقة على الحائط تحدق فيّ، عبر زمن متباعد وينحدر من منقارها المعقوف صرير حاد:
"إيه أيها المسكين...هل تذكرتني الآن؟"
ا
اخونا الكريم دلبح طمطم


ان كانت تلك المشاركه من بنان يدك فانت بلا شك كاتب متميز ؟؟؟


املين منك التواصل



اديب
X