[COLOR=burlywood]
طبيعة القصة القصيرة
ترى الواقعية الاشتراكية أنَّ تغير الواقع مرتد أساساً إلى البنية التحتية، غير أنَّ هناك تفاوتاً في إدراك الواقع والكيفية التي يتم فيها تغييره، فالواقعية الآلية على الرغم من تبنيها الأصول الماركسية فإنها لا تدرك من هذه الأصول إلا جانبها الآلي في التنظير والممارسة، ولذلك حكّمت حتمية التطور في الواقع ذاته، فهي ـ والحالة هذه ـ لا تدرك من الواقع إلا قشرته الخارجية، وإلا الجانب المرئي منه، وهي غير قادرة على التوغل في أعماقه، وتفتقر إلى إدراك العوامل الخفية الفاعلة فيه.
إنَّ المعرفة هي الواقع ـ في تصور الواقعية الآلية ـ وبمقدار وعي الواقع وإدراك القوانين المتحكمة فيه حتمياً، يتمكن الإنسان من تحقيق الكشف المعرفي والمساهمة في إيصاله إلى الآخرين، ولذلك تحددت جماليات القصة القصيرة بمدى مشابهتها للواقع المادي، لأنّ الواقع المادي يحدد أبعاد المعرفة، وكلما كانت الأشكال الأدبية ومنها القصة القصيرة « تعكس الواقع المادي »[425]تحققت تقدميتها، وحققت من ثم نجاحها الفني، وفي ضوء هذا يحدد الانعكاس مستويات المعرفة والفن معاً، وفي ضوء هذا يغفل الناقد الجوانب الخفية المؤثرة في تغيير الواقع، ومعطلاً إسهامات التحويل الذاتي في تأمله، فتكون النتيجة ـ حينئذ ـ قائمة على أساس الطرف الفاعل « الواقع » الذي يحدد المعرفة والفن، والطرف المنفعل « الذات » التي تنسج الواقع وتصوره، وتنقل ما يحدث فيه من تغيير، كما أنَّ وظيفة القاص ليست تشكيلاً جديداً للواقع، وإنما تحقيق هذا الانعكاس الصادق للواقع المادي فحسب[426].
ويقودنا هذا إلى مفهوم « الانعكاس » الذي تحدده الواقعية الآلية مرة بالمفردة ذاتها، ومرة أخرى باقترانه بتحديدات تقليدية كـ« التصوير » و« النقل »، كما أنَّ مصطلح « الانعكاس » يوحي بأبعاد مرآوية تتوازى ومفهوم المحاكاة، غير أنَّ إدراك مفهوم الانعكاس لا يتم دون إدراك الأساس الفلسفي للواقعية الآلية الذي يقوم على أساس تغليب الموضوع على الذات، والذي حدد أنَّ المعرفة كائنة في الواقع الاجتماعي، مع محاولة الحد من دور الذات وتعطيل دور المخيلة.
إنَّ الانعكاس له دلالته الواضحة في تحديد البعد المرآوي الذي يقتضي وجود شيء مادي مدرك وأداة مادية تعكسه، غير أنَّ هذه الأداة لها القدرة الشفافة على عكس الصور، وما دامت الأداة مادية فليس بإمكانها أن تعكس إلا الجوانب الحسية من الواقع المادي، والجوانب المرئية منها فحسب، ولذلك فإنها « مرآة » مسطحة ليست قادرة على تلوين الصور أو تغييرها، أو حتى تشويهها، وذلك لاعتقاد الناقد أنًّ المعرفة كائنة في الواقع، وأنَّ تغيير الواقع يعني بالضرورة تلوين المعرفة التي يريد توصيلها للمتلقي، إنَّ الناقد يحد من دور الذات في تشكيل الواقع، وبذلك يختفي الأديب وراء « المرآة »، ويمسك قبضتها ليحركها في الجوانب المتخيرة التي يريد تصويرها.
وفي ضوء هذا فإنَّ « المرآة » تصور القشرة الخارجية المادية المرئية للواقع، وغير قادرة على التغلغل في أعماقه، وبذلك يفتقر القاص إلى القدرة على البحث عن الدوافع الخفية التي تحرك هذه القشرة اللهم إلا في جانبها الآلي، كما أنَّ النص الأدبي للقصة القصيرة، يفتقر هو الآخر إلى العمق في تحليل الواقع وفي وعي دوافع حركة الإنسان فيه.
ويشابه « الانعكاس » « المرآة » التقليدية من حيث كونهما أداتين تعالجان الواقع المادي، وضرورة تصويره من خلال تخير جوانب معينة منه، وتكون معالجتهما للجوانب المرئية من التجربة الحسية دون تجاوزها إلى أعماق الواقع وإدراك الدوافع المؤثرة فيه والمساهمة في تغييره، ولكن الجذور الفكرية تتغاير ـ في الحقيقة ـ وتتغاير في ضوئها الكيفيات التي يتم بها تأمل الواقع، على الرغم من كون الأداة واحدة مهما تغيرت المسميات، فالناقد التقليدي لا يعنى بالواقع الاجتماعي كما هو عليه عبر المرآة التقليدية إلا بقدر من التجاوز، ولكنه يبحث في الواقع الاجتماعي عما يتلاءم وتفكيره، وتكون المرآة التقليدية أداته في تصوير الواقع الذي يتلاءم والتفكير المثالي، ويعمد ـ والحالة هذه ـ إلى تصوير الواقع في ضوء رؤيته، أما الناقد الواقعي الآلي فإنه يعنى بالواقع على أنه الحقيقة المعرفية الخاضعة للتطور والتغيير، بعيداً عن القبلْيات الفكرية، ويكون الانعكاس والحالة هذه تصويراً آلياً دقيقاً للواقع، وليس بحثاً في الواقع عما يتلاءم والفكر.
إنَّ الانعكاس الآلي في تصور الواقعية الآلية يتم عفوياً لا تكلف فيه ولا إجهاد، لأنّ الحس البصري هو الذي يوجه التجربة ويعرض مشكلاتها، وتتأتى عفوية المعالجة لافتقارها إلى المعاناة، وعدم تدخل الذات بفعاليتها في تشكيل الواقع، ولذلك يكون تحديد الواقع فضفاضاً لاشتماله الحياة، وتكون وظيفة القاص وصف الحوادث الواقعية فيها مهما كانت، ويتسم نشاط القاص بالآلية في إطاري « ربط » الحوادث وتوصيلها إلى المتلقي عبر الكلمة[427].
إنَّ القاص ـ والحالة هذه ـ حتى إذا كان يدرك التناقضات الكائنة في البنية الاجتماعية، ويعي جذورها ودوافعها الأساسية فإنَّ نقل هذه التناقضات سيقودنا حتماً إلى الانعكاس الآلي[428]، لأنّ الواقع ينطوي بطبيعته على نظامه الخاص الذي يتسم بالعشوائية، ولذلك فإنَّ القاص الذي يعمد إلى تصوير هذه العشوائية يقود إلى مماثلة الواقع ومشابهته تماماً، بحيث تتحول العلاقة إلى مجاورة الواقع، لا التفاعل معه للتأثير فيه.
و يتأمل القاص الواقع وأحداثه عبر آلية الإدراك الحسي المباشر، وعبر الوصف في تجميع الحوادث وربطها، ويأتي إتقان النص الأدبي للقصة القصيرة من خلال معالجة لغوية لا تسعى لغير المعالجة المباشرة للحادثة وعرض أبعادها الحسية، وتكون القصة القصيرة في ضوء هذا صورة للواقع الاجتماعي، ويكمن دور القاص في تدوير المرآة وتحريكها في جوانب متخيرة من الواقع، وتكون وظيفة الانعكاس تقديم التجربة المألوفة التي تقدم ـ من ثم ـ بعداً سلبياً في المعرفة، بحيث يؤدي كل بعد فيه دوره الفاعل في تشابك بنائه ودلالاته.
وتنطوي القصة القصيرة على تصوير الواقع اليومي المعتاد، وما دام الأدباء يتأملون واقعاً محدداً، فإنه من الطبيعي أنْ تتشابه النتاجات القصصية في الأقل على صعيد تصوير الحوادث المتكررة في الحياة، أما الفرق في « الروابط » التي تحدث عنها أنيس زكي[429] فإنها لا تترك آثاراً واضحة بحيث تشكل أعمالاً أدبية متغايرة.
وإذا كان الوعي المباشر للواقع يحدد الوظيفة المعرفية للواقعية الآلية فإنَّ آثار هذا الوعي تنعكس على كيفية تحليل الواقع، وتكون وظيفة الانعكاس اكتشاف الواقع المادي وتسليط الأضواء عليه، ولذلك فإنَّ تصوير الواقع لا يحقق غير تكراره، ويفتقر ـ من ثم ـ إلى تقديم كشف معرفي يثري تفكير المتلقي، ويمكنه من تغيير ذاته، وتغيير عالمه أيضاً، إنَّ الانعكاس الأدبي صورة من صور الانعكاس المعرفي، وليس تجاوراً له، ويمتاز من حيث البدء بسلبيته في رؤية الواقع القائمة على أساس مرآوي، ويعتمد فيها الناقد على نقل الحقائق المادية من الحياة دون محاولة للإضافة لها أو الحذف منها، إنها معالجة آلية للواقع وليس خلقاً جديداً له.
إنَّ الواقعية الآلية تسعى إلى جعل الانعكاس عملاً موضوعياً يقوم على أساس علمي، سعياً إلى تقنين كل ظاهرة في إطار العلم، وما دام القاص يعنى بالواقع الاجتماعي فإنَّ الانعكاس هو أداته، ويقتضي هذا ـ في ضوء هذا التصور ـ أن يكون الانعكاس قائماً على أساس آلي موضوعي معاً، وينطوي على النسخ الخارجي للواقع، كما يبرز فيه إحكام عقلي يقود الظاهرة لتحقيق أبعادها العلمية المنشودة[430]، وتعمد الواقعية الآلية من أجل تحقيق هذا كله إلى معاينة الواقع، ورصد ظواهره وأحداثه، ونقله إلى العمل الأدبي، كما حدثت في الواقع دون محاولة للتدخل الذاتي في تحويله إلى واقع جديد، فالواقعية الآلية عاجزة إذن عن تغيير الواقع حتى على صعيد العمل الفني للقصة القصيرة، كما أنها عاجزة أساساً عن تغييره فعلاً، لأنها تؤمن بتطوره الحتمي، وليس بمقدور الإنسان الفرد تحقيق التغيير، ولذلك تساوقت نظرة الناقد على صعيد الرؤية، ومن ثم من جهة الانعكاسين المعرفي والفني.
ويشترط ناظم توفيق « الصدق » في الانعكاس لتمثيل المراحل المتغايرة في الواقع،، ولذلك فالقصة تصور الجانب السوداوي من الحياة في العهد الملكي، وهذا من شأنه أن يقدم صورة حية وواقعية عنه[431]،ويبدع القاص نتاجه في ضوء مستويين : مستوى الفكرة التي تحدد له « قتامة » الحياة في المرحلة الملكية، ومستوى كيفية الإبداع التي يحددها بــ « عمق التصوير »، وتتأكد ـ هنا ـ مسئولية القاص بتصوير الواقع الاجتماعي، كما أنَّ الصدق ينحصر في دقة التصوير ليس غير.
ولا تنطوي « التجربة » في الانعكاس الآلي على أبعاد ذاتية واضحة التأثير، لأنها تعني الارتماء في الواقع الاجتماعي وفي جانب محدد منه ومحاولة الانحياز له، إنها تعني «وصف التجربة بنجاح »[432]، وما دامت التجربة تتحدد في ضوء الارتماء في الواقع فإنَّ الإدراك الحسي هو الطرف الفاعل الذي يسهم في تشكيلها عبر رصد الظاهرة الاجتماعية ووصفها، وليس في البحث عن جذورها والدوافع التي أدت إلى ظهورها.
( 2 )
ويمثل الواقع عند الواقعية المتجاوزة المادة الخام التي يتأثر بها ويؤثر فيها، [/COLOR]
بحث للاستاذ الدكتور كريم الوايلي
ا
03-11-2003 | 11:45 PM