
ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها، وعاد بوجهكوجه الصخرة الملساء تحتالليلة الماطرة، وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر، وعاد بقلب ملفق مدخول لا يفارقه السخط علىالأرض وساكنها، والنقمة على السماء وخالقها، وذهب بنفس غضّة خاشعة ترى كل نفس فوقها.. وعاد بنفسذهابة نزاعة لا ترى شيئأفوقها، ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها، وذهب برأس مملوءة حكماًورأيا،وعاد برأس كرأس التمثالالمثقب لا يملأها إلا الهواء المتردد، وذهب وما على وجه الأرض أحب إليه من دينه ووطنه، وعاد وما على وجههاأصغر في عينيه منهما.

وكنتأرى أن هذه الصورة الغريبة التي يتراءى فيها هؤلاءالضعفاء من الفتيان العائدين من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على أجسامهم إفراغا لاتلبث أن تطلع عليها شمس المشرقحتى تَنْصَل وتتطاير ذراتها في أجواء السماء، وأن مكان المدينة الغربية من نفوسهم مكان الوجه من المرآة، إذاانحرف عنها زال خياله منها، فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق، ولبسته على علاته وفاء بعهده السابق، ورجاءلغده المنتظر،محتملا في سبيلذلك من حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره، ما لا طاقةلمثلي باحتمال مثله، حتى جاءنيذات ليلة بداهية الدواهي.. ومصيبة المصائب، فكانت آخر عهدي به. دخلت عليهفرأيته واجماً مكتئباً، فحييته فأومأ إلي بالتحية إيماء، فسألته ما باله؟!

فقال: مازلت منذ الليلة من هذهالمرأة في عناء لا أعرف السبيلإلى الخلاص منه، ولا أدري مصير أمري فيه.
قلت: وأي امرأة تريد؟
قال: تلك التي يسميها الناسزوجتي،وأسميها الصخرة العاتيةفي طريق مطالبي وآمالي.
قلت: إنك كثير الآمال يا سيدي، فعن أي آمالك تتحدث؟
قال: ليس لي في الحياة إلا أملواحد هو أن أغمض عيني ثم أفتحهما فلا أرى برقعاً على وجه امرأة في هذا البلد.
قلت: ذلك ما لاتملكه ولا رأي لك فيه.
قال: إن كثيراًمن الناس يرون في الحجاب رأيي،ويتمنون في أمره ما أتمنى، ولا يحول بينهم وبين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كمايجلس بعضهن إلى بعض إلا العجز والضعف والهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاول الإقدام على أمرجديد، فرأيت أن أكون أول هادملهذا البناء العاديّ القديم الذي وقف سداً دون سعادة الأمةوارتقائها دهراً طويلاً، وأنيتم على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من دعاة الحرية وأشياعها، فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرَته وأعظمته وخيّلإليها أنني جئتها بإحدى النكبات العظام، والرزايا الجسام، وزعمَتْ أنها إن برزت إلى الرجال فإنها لاتستطيع أن تبرزإلى النساء بعدذلك حياء منهن وخجلاً، ولا خجل هناك ولا حياء، ولكنه الموتوالجمود والذل الذي ضربه اللهعلى هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن وخمرهن حتى يأتيهن الموت فينتقلن من مقبرةالدنيا إلى مقبرة الآخرة، فلا بدلي أن أبلغ أمنيتي، وأن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجاًينتهي بإحدى الحسنيين إمابكسره أو بشفائه!

فورد علي من حديثه ما ملأ نفسي هماً وحزناً،ونظرت إليه نظرة الراحمالراثي، وقلت: أعالمٌأنت أيها الصديق ماتقول؟
قال: نعم أقولالحقيقة التي أعتقدها وأديننفسي بها واقعة من نفسك ونفوس الناس جميعاً حيث وقعت!.. قلت: هل تأذن لي أن أقول لك إنكعشتَ فترة طويلة في ديار قوملا حجاب بين رجالهم ونسائهم، فهل تذكر أن نفسك حدثتك يوماً من الأيام وأنت فيهم بالطمع في شيء مما لا تملك يمينكمن أعراض نسائهم فنلتَ ما تطمح فيه من حيث لايشعر مالكه؟
قال: ربما وقعلي شيء من ذلك فماذاتريد؟
قلت: أريد أن أقوللك إني أخاف على عرضك أن يلمّبه من الناس ما ألم بأعراض الناس منك.قال: إن المرأة الشريفة تستطيع أنتعيش بين الرجال من شرفها وعفتها في حصن حصين لا تمتد إليه المطامع,

فتداخلني ما لم أملك معهوقلت له: تلك هي الخدعة التييخدعكم بها الشيطان أيها الضعفاء، والثلمة التي يعثر بها فيزوايا رؤوسكم فينحدر منها إلىعقولكم، ومدارككم فيفسدها عليكم، فالشرف كلمة لا وجود لها إلا في قواميس اللغة ومعاجمها، فإن أردنا أن نفتشعنها في قلوب الناس وأفئدتهم قلما نجدها، والنفس الإنسانية كالغدير الراكد لا يزال صافياً رائقاً حتىيسقط فيه حجرفإذا هو مستنقعٌكَدِر. والعفة لون من ألوان النفس لا جوهر من جواهرها، وقلّماتثبت الألوان على أشعة الشمسالمتساقطة.
قال: أتنكروجود العفة بين الناس؟
قلت: لا أنكرهالأني أعلم أنها موجودة بينالبله الضعفاء والمتكلّفين ، ولكني أنكر وجودها عند الرجل القادر المختلب والمرأة الحاذقة المترفقة إذا سقطبينهما الحجاب وخلا وجه كل منهما لصاحبه. في أي جو منأجواء هذا البلد تريدون أن تبرز نساؤكم لرجالكم؟ أفي جوالمتعلمين، وفيهم من سئل مرة: لِم لَمْ يتزوج؟ فأجاب: نساء البلدجميعاً نسائي. أم في جوالطلبة، وفيهم من يتوارى عن أعين خلانه وأترابه خجلا إن خلتم حفظته يوماً من الأيام من صور عشيقاته وخليلاته،أو أقفرت من رسائل الحب والغرام؟ وبعد، فما هذا الولع بقصة المرأة، والتمطّق بحديثها،والقيام والقعود بأمرها وأمر حجابهاوسفورها، وحريتها وأسرها، كأنماقد قمتم بكل واجب للأمة عليكم في أنفسكم، فلم يبق إلا أن تفيضوا من تلك النعم علىغيركم؟!.. هذبوارجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم،فإن عجزتم عن الرجال، فأنتم عن النساء أعجز.

أبوابالفخر أمامكم كثيرة، فاطرقواأيها شئتم، ودعوا هذا الباب موصداً، فإنكم إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم ويلاً عظيماً.. وشقاءطويلا. أروني رجلا واحدا منكم يستطيع أنيزعم في نفسه أنه يمتلك هواهبين يدي امرأة يرضاها، فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه. إنكم تكلفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه وتطلبونعندها ما لا تعرفونه عندأنفسكم، فأنتم تخاطرون بها في معركة أحسبكم إلا خاسرين. ماشكت المرأةإليكم ظلما، ولا تقدمت إليكم في أن تحلوا قيدها وتطلقوها من أسرها،فمادخولكم بينها وبين نفسها؟وما تمضغكم ليلكم ونهاركم بقصصها وأحاديثها؟
إنها لا تشكوإلا فضولكم وإسفافكم ومضايقتكم لها ووقوفكم في وجهها حيثما سارتوأينما حلت، حتى ضاق بها وجهالفضاء فلم تجد لها سبيلا إلا أن تسجن نفسها بنفسها في بيتها فوق ما سجنها أهلها، فأوصدت من دونها بابها،وأسبلت أستارها، تبرماً بكم وفرارا من فضولكم، فواعجباً لكم تسجنونها بأيديكم، ثم تقفون على باب سجنهاتبكونها وتندبون شقاءها !..
إنكم لا ترثون لها، بلترثون لأنفسكم، ولا تبكون عليها، بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرّجاً وسفورا، ويتدفق خلاعةواستهتارا، وتودون بجدع الأنفلو ظفرتم هنا بذلك العيش الذي خلفتموه هناك. لقد كنا،وكانت العفة في سقاء من الحجابموكوء ، فما زلتم به تثقبون في جوانبه، كل يوم ثقبا، والعفة تتسللمنه قطرة قطرة حتى تقبض وتكرّش، ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن تحلّوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرةواحدة.

عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها مطمئنةفي بيتها، راضية عن نفسها وعنعيشها، ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها علىولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها ، وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف فيخضوعها لأبيها وائتمارها بأمرزوجها، ونزولها عند رضاهما. وكانت تفهممعنى الحب، وتجهل معنى الغرام،فتحب زوجها لأنه زوجها، كما تحب ولدها لأنه ولدها، فإن رأى غيرها منالنساء أن الحب أساس الزواج،رأت هي أن الزواج أساس الحب. فقلتم لها إنَّ هؤلاء الذين يستبدون بأمرك من أهلك، ليسوا بأوفر منك عقلاً ولاأفضل رأياً ، ولا أقدر على النظرلك من نظرك لنفسك، فلاحق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهمعليك، فازدرت أباها، وتمرّدتعلى زوجها، وأصبح البيت الذي كان بالأمس عرساً من الأعراسالضاحكة، مناحة قائمة، لا تهدأنارها، ولا يخبو أوارها.

وقلتم لها لا بد لك أنتختاري زوجك بنفسك حتى لايخدعك أهلك عن سعادة مستقبلك، فاختارت لنفسها أسوأ مما اختارلها أهلها، فلم يزد عمرسعادتها على يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل بعد ذلك، والعذاب الأليم. قلتم لها إنالحب أساس الزواج فما زالت تقلب عينيها في وجوه الرجال مصعدة مصوبة، حتى شغلها الحب عن الزواج فعنيت بهعنه.
وقلتم لها إن سعادة المرأة في حياتها أن يكون زوجها عشيقها ، وما كانت تعرفإلا أن الزواج غير العشيق، فأصبحت تطلب في كل يوم زوجاً جديداً يحيي من لوعة الحب ما أمات الزوجالقديم.. فلا قديما استبقت ولاجديداً أفادت .
وقلتم لها لا بد أنتتعلمي لتحسني تربية ولدك،والقيام على شؤون بيتك، فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها، والقيام علىشؤون بيتها.

وقلتم لها نحن لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها، ويلائم ذوقُها ذوقَنا، وشعورُها شعورَنا، فرأت أن لا بد لها أن تعرف مواقع أهوائكم، ومباهج أنظاركم، لتتجمل لكم بما تحبون، فراجعت فهرس حياتكم، صفحة صفحة، فلم تر فيه غيرأسماء الخليعات المستهترات، والضاحكات اللاعبات، والإعجاب بهن والثناء على ذكائهن وفطنتهن، فتخلعت، واستهترت لتبلغ رضاكم، وتنزل عند محبتكم، ثم مشت إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف، تعرض نفسها عليكم عرضاً، كما تُعرض الأَمَةُ في سوق الرقيق ،فأعرضتم عنها ونَبَوتُم بها، وقلتم لها: إنا لا نتزوج النساء العاهرات، كأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعاً ساقطات، إذا سلمت لكم نساؤكم، فرجعت أدراجها خائبة منكسرة، وقد أباها الخليع ، وتَرَفَّع عنها المحتشم ، فلم تجد بين يديها غيرباب السقوط فسقطت.
وكذلكانتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعاً وتمشّت الظنون بين رجالها ونسائها، فتعاجز الفريقان، وأظلم الفضاءبينهما، وأصبحت البيوت كالأديرة لايرى فيها الرائي إلا رجالاً مترهبين، ونساءًعانسات. ذلك بكاؤكم على المرأة أيها الراحمون.. وهذا رثاؤكم لها وعطفكمعليها!..

نحن نعلم كما تعلمون أن المرأةفي حاجة إلى العلم، فليهذبهاأبوها أو أخوها، فالتهذيب أنفع لها من العلم، وإلى اختيارالزوج العادل الرحيم، فليحسن الآباء اختيارالأزواج لبناتهم وليجمل الأزواج عِشرَةَ نسائهم. وإلى النور والهواء تبرز إليهما، وتتمتع فيهما بنعمةالحياة، فليأذن لها أولياؤهابذلك، وليرافقها رفيق منهم في غدواتها وروحاتها، كما يرافق الشاةَراعيها، خوفاً عليها منالذئاب، فإن عجزنا عن أن نأخذ الآباء والأخوة والأزواج بذلك،فلننفض أيدينا من الأمّةجميعها نسائها ورجالها، فليست المرأة بأقدر على إصلاح نفسها من الرجل على إصلاحها.
أعجب ما أعجب له في شؤونكم أنكم تعلمتم كل شيء، إلاشيئاً واحداً هو أدنى إلىمدارككم أن تعلموه قبل كل شيء، وهو أن لكل تربة نباتاً ينبت فيها، ولكل نبات زمناً ينموفيه. رأيتم العلماء في أوروبا يشتغلونبكماليات العلوم بين أمم قدفرغت من ضرورياتها، فاشتغلتم بها مثلهم في أمة لا يزال سوادها الأعظم في حاجة إلى معرفة حروفالهجاء. ورأيتم الفلاسفة فيها ينشرون فلسفةالكفربين شعوب ملحدة، لها منعقولها وآدابها ما يغنيها بعض الغناء عن إيمانها، فاشتغلتم بنشرها بين أمة ضعيفة ساذجة لا يغنيها عن إيمانهاشيء، إن كان هناك ما يغني عنه. ورأيتمالرجل الأوروبي حراً مطلقاً يفعل ما يشاء ويعيش كما يريد، لأنه يستطيع أن يملك نفسه وخطواته في الساعة التي يعلمفيها أنه قد وصل إلى حدود الحرية التي رسمها لنفسه فلا يتخطاها، فأردتم أن تمنحوا هذه الحرية نفسهارجلاً ضعيف الإرادة والعزيمة،يعيش من حياته الأدبية في رأس مُنحدرٍ زَلقٍ إن زلّت به قدمُه مرة تدهور من حيث لا يستطيع أن يستمسك، حتى يبلغالهوّة ويتردى في قرارتها.

ورأيتم الزوج الأوروبي الذي أطفأت البيئة غيرته.. وأزالت خشونة نفسه وحُرْشَتَهَا ، يستطيع أن يرى زوجته تخاصر منتشاء، وتصاحب من تشاء، وتخلو بمن تشاء، فيقف أمام ذلك المشهد موقف الجامد المتلبد. فأردتم الرجلالشرقي الغيورالملتهب أن يقفموقفه، ويستمسك استمساكه!..
ورأيتم المرأة الأوروبيةالجريئة المتفتية في كثير منمواقفها من الرجال أن تحتفظ بنفسها وكرامتها، فأردتم من المرأة المصرية الضعيفة الساذجة أن تبرز للرجال بروزها،وتحتفظ بنفسها احتفاظها. وكل نبات يزرع في أرض غير أرضه، أو في ساعة غير ساعته، إما أن تأباه الأرضفتلفظه، وإما أن ينشب فيهافيفسدها.

إنا نضرع إليكم باسم الشرف الوطني ، والحرمةالدينية، أن تتركوا تلك البقيةالباقية من نساء الأمة مطمئنات في بيوتهن، ولا تزعجوهن بأحلامكم وآمالكم كما أزعجتم من قبلهن، فكل جرح من جروحالأمة له دواء، إلا جرح الشرف، فإن أبيتم إلا أن تفعلوا، فانتظروا بأنفسكم قليلاً ريثما تنتزع الأياممن صدوركم هذه الغيرة التيورثتموها عن آبائكم وأجدادكم لتستطيعوا أن تعيشوا في حياتكم الجديدة سعداء آمنين.











