على صدقى عبد القادر

سمرسمار 14-08-2012 51 رد 7,634 مشاهدة
س
على صدقى عبدالقادر


تاريخ الميلاد: 6/11/1924

مكان الميلاد: الظهرة-زنقة الخلوة-طرابلس/ليبيا

مجالات الكتاب: الشعر – الكتابة النثرية

- ولد بطرابلس عام 1924 إفرنجي تحصَّلَ على دبلوم المعلمين، ثُم إجازةٍ في القانونْ ثم إجازةٍ في المحاماة. وهو يمارس المحاماة منذ 40 عاماً.
- درس في بداية حياتهِ بكليةِ أحمدْ باشا ثُمَ التحق بجامعة نابولي الشرقية كمنتسبٍ لمدة سنتين.
- نُشر إنتاجهُ الشعرى في العديد من الصحفِ والمجلاتِ المحليةِ والعربيةِ وهو من المؤسسين لنادي العمالْ بطرابلس. وأيضاً يعتبر أقد أعضاء مهرجان المربد بالعراق، وكرم في ذلك.
- من أكبر الشعراء الليبيين والذين تمتد تجربتهم لأكثر من 50 عاماً والشعر، بداية من الشعر التقليدي حتى النص الحديث، معروف بشاعر الشباب، وتعتبر مجموعته الشعرية (أحلام وثورة) رفقة مجموعة الشاعر "علي الرقيعي" (الحنين الظامئ)، المجموعتان الشعريتان اللتان دشنتا تجربة الشعر الحديث في ليبيا.
- اشترك في العديد من الندواتِ والمؤتمرات الأدبيةِ كما اخُتير عضواً في لجنةِ التعليمِ والعلومِ والثقافيةِ والإعلام الخاصةِ بالوحدةِ الاندماجية بين مصر وليبيا.
- من المناضلين الذين اعتقلوا بسبب ما كانوا ينشرونه من قصائد، ومن المؤسسين لكثير من الأنشطة كـ(النادي الأدبي بطرابلس)، و(نادي العمال بطرابلس).
- ترجم شعره إلى العديد من اللغات، الإنجليزية،الفرنسية، الصينية...
- أصدرت مجلة الفصول الأربعة، مجلة الرابطة العامة للأدباء والكتاب عدداً خاصاً عن الشاعر (العدد:60/ السنة:12/ مايو-الماء 1992).

- كما يكتب للإذاعة برنامجاً بعنوان (حفنة من قوس قزح)، وهو برنامج مرئي، يقدم في رمضان من العام 1998، وهو مجموعة أفكار حول الحياة والحب والوطن.
على صدقي عبد القادر –المحامي-
ترك على أشعاره شخصيته، وأكثر من بصمة حب، موسق الحرف وهو صبي، يعطيه حرارة ذات لسع، ولكنه لذيذ.
إن كنت تنشد الكلمات الرتيبة، ذات الطبول والضجيج، فلا تقرأه، وإن كنت تبحث عن أشيائك الصغيرة، وأنت طفل، عن مكانك، عن حريتك كإنسان، فاقرأه، لترى الحياة تبتدئ أمامك، بفاكهة تفاح، ليجعلك ولو لمرة واحدة: (آدم الجديد)، بين شفتيك التفاح، وعلى أصابعك شوق غامض.
إنه شاعر الحياة، والحب، والشباب، والحرية، يفلق الحرف نصفين: نصف يختصر به العالم، ونصف، يعلقه على صدر الحياة، صدر المرأة، تستطيع أن تصافح شعره بأهداب العين، فيزهر ألف ربيع: بلا ميعاد، وتعود أسراب الطيور المهاجرة، حاملة على مناقيرها، أغاني لم تتم.
هو شاعر ثائر.
ولو لم يكن شاعراً، لكان شاعراً.


إصدارات:
· أحلام وثورة – شعر/57

· صرخة – شعر/65 · زغاريد ومطر بالفجر – شعر/66
· الكلمة لها عينان – شعر/70
· ضفائر أمي – شعر/97
· اشتهاء مع وقف التنفيذ – شعر/79
· المجموعة الشعرية الكاملة /85.

س
حوار مع الشاعر



الشاعر الذي لا يحلم بعيون مفتوحة لا يستطيع كتابة الشعر.. والشاعر الذي لا يكون عاشقاً حد الجنون لا يستطيع أن يكتب كلمة شعرية واحدة.. والشاعر غير المصاب بفيروس الهوس والخيال والحب قد يكتب قصيدة تتفق مع العروض ولكنها لا تتفق مع الشعر.. هذا الكائن الذي به جنون وبه هوس وبه أكثر منهما.. هكذا هي رؤية الشاعر علي صدقي عبدالقادر، أو شاعر الشباب كما يصفه النقاد.

ويكتسب الحديث مع الشاعر علي صدقي نكهة خاصة، ذلك أن شاعرنا هذا لا يؤمن بالأطر المحددة والقوالب الجاهزة في الحوار، لذا فقد جاء هذا الحديث مشوقاً وممتعاً ومفعماً بالأفكار والتأملات والإجابات غير النمطية التي تفرز توجهه الرافض لكل ما هو تقليدي وجامد ورتيب.

والشاعر علي صدقي هو من الشعراء البارزين في ليبيا والوطن العربي، حيث استحق مكانته المتميزة عن جدارة، نظراً لقدرته الشعرية الفائقة وقريحته الباذخة وتجدده الدائم وحضوره المتواصل في كافة المناشط الأدبية والثقافية، وهو يدفعك إلى أن تعشق شعره كونه ذلك الكائن الرقيق والمرهف والشفاف، والعاشق الأبدي الذي لا ينفصل عن ذاته.

إن الشاعر علي صدقي هو طراز نادر من الشعراء، فحب الأرض والوطن والعروبة يسري في دمه، وهو عاشق لكل المدن والقرى الليبية، فطرابلس في شعره هي عروس البحر، وبنغازي هي العطاء والثقافة والإبداع.

ولتسليط الضوء على المسيرة الشعرية لهذا الشاعر، كان لنا هذا اللقاء، حيث دار الحوار التالي:

بداية الرحلة الطويلة:


- رحلتك الطويلة في عالم الشعر، كيف كانت بدايتها ؟

- منذ طفولتي وأنا أحب الحياة والجمال، وكنت متفائلاً جداً وكانت أمي عندما تعاقبني أحياناً، أقف بجانب الجدار وأضع ذراعي فوقه وأحاول أن أبدو وكأني أبكي منتظراً إياها أن ترضيني، ولا أتوقف عن ذلك حتى تأتي وترضيني ,, فمن خلال الكلمات الجميلة التي أسمعها من أمي، والحكايات التي كانت تزودني بها في الليالي الشتائية والليالي الرمضانية والتي ما تزال عالقة بذاكرتي.. تلك الحكايات كانت هي الشرارة التي أشعلت في نفسي محبة الكلمة الجميلة، محبة القصة.. لهذا بدأت كما يبدأ الطفل بالخطوة الأولى، وكنت أتمنى أن أكون ذلك الفارس الذي أخذ حبيبته فوق حصانه وذهب مع الريح ليعيش حياة سعيدة ؟


- وما هي أول قصيدة نظمتها ؟

- محاولتي الأولى كانت مع حبّي للحياة ولأمي وللأشياء الجميلة،حيث بدأت معي يقول الكلمات الجميلة التي حسيتها شعراً وهي لا أدري إن كانت شعراً أو غير شعر، ولكنها كانت جميلة، فأنا أول ما كتبت ليس عن الفلسفة أو عن علم الحياة أو عن قانون الجاذبية وغيرها، ولكني أول ما كتبت عن الحب فذلك هو البداية، وبداية كل شاعر كما أظن واعتقد تكون عن الحب والحياة، فالحب شيء مقدس، وليس هناك من يقدر على الإبداع إلا إذا كان عاشقاً ومحباً، كما أن حب الإنسان للآخر هو شيء رائع وجميل يدفعنا إلى الكتابة، فلذلك أنا كتبت عن الحياة الجميلة عن الأمل المنتظر، عن الفتاة التي أحُبها، ذلك أن الأشياء الجميلة تكون في فنجان الصباح كالسكر في حياتنا، والحياة بدون أمل وحب وابتسام لا تساوي شيئاً، فهي تكون كأنها أوراق يابسة من أوراق الخريف.


قصيدة علي صدقي عبدالقادر


- متى يكتب الشاعر علي صدقي عبد القادر ؟

- إن الزمن هو مثقوب دائماً، وقد جربت أن أضع فيه الماء فتسرب منه الماء، وجربت أن أضع فيه حلم الليل فلم أجد الحلم في الصباح، هذا الزمن الذي يكون حاوياً وفي الوقت نفسه غير أمين لما يحويه، فهو يبدد ويبعثر كثيراً مما نأتمنه عليه.

لذلك فأنا لا أحدد ميعاداً مع القصيدة، ولكن القصيدة بالنسبة لي هي تلك المرأة التي تبتسم، وعندما تبتسم أعرف أنها في حالة انفتاح، حينها أقترب منها وأستمع إليها وتستمع لي.

والقصيدة لا تأتي قطعة واحدة، ولكنها تأتي فكرة، وقد تكون جملة أو كلمة واحدة فقط، ولكنها تأتي وتطلب أن اسمعها بإلحاح وإذا لم أفعل فهي تنصرف ولن أجدها بعد ذلك.

لهذا حينما أقود سيارتي في الطريق، كثيراً ما تلح علي كلمة تقول: اكتبني وإلا غادرتك، عندها أقول لها: يا سيدتي الكلمة لا تغادريني وأنا أكتبك، وحين أكون واضعاً رأسي على وسادتي غالباً ما يكون القلم والورقة بجانبي، منديل فاطمة تحت وسادتي... من يدري قد تأتي الكلمة، وقد يأتي طيف فاطمة، لذلك يكون القلم والورقة على استعداد.


- وماذا عن بناء القصيدة لديك ؟

- القصيدة لدي هي ليست مجموعة من الكلمات والحروف، ولكنها تعني كائناً حياً، قد يكون أحياناً طائراً، وقد يكون ظلي، وفي أحيان أخرى قهوة أشربها في الصباح.

لقد كتبت القصيدة وأنا صغير، هذا إذا كانت تلك المكتوبة يومئذٍ قصيدة، ولكن إذا كانت هذه القصيدة يمكن أن توضع في القالب ونحدد ملامحها مسبقاً، فإننا لا نحتاج إلى كتابة القصيدة، إذ يمكننا أن نعين مقاساً وتحديداً معيناً ونطلب القصيدة الجاهزة.

لذلك فأنا لا أكتب القصيدة الجاهزة، إنما تكتبني القصيدة، وعند نهايتها لا تقول لي وداعاً... بل تعين لي ميعاداً آخر للقاء، فالقصيدة هي مرأة.. فهل حبيبتي عندما التقي بها تقول لي وداعاً.. لا وإنما نتبادل كلمة واحدة يقولها فمانا دفعة واحدة.. إلى اللقاء.

إن الشعر لا يحمل في ذاته قيداً ولا ميسما ولا اسماً محددا، ولكنه يضوع مثل الزهرة ويتلون مثل الوردة ويرفرف مثل الحمامة.. ذلك هو الشعر.

لهذا فأنا كتبت الشعر، واكتبه الآن، ولازلت أنتظر القصيدة التي أشتاق إليها، وهي آتية مستقبلاً بالتأكيد، ولم أيأس من حضورها، ولو يئست من حضورها لما كتبت الشعر.

ومن هنا فأنا أكتب الشعر.. وأكتبه ثم يكتبني ويكتبني، ولا أعلم بالضبط من يكتب الآخر، فالشعر كائن جميل علينا أن نقبله كما هو دون تحديد ودون قيد لأنه كائن حر.


نصيب المرأة


- المرأة في أشعارك نصيب وأفر وحضور متميز، فما هو تعليقك على ذلك ؟

- للمرأة لم تكن مجرد أنثي فقط، ولكن المرأة واهبة الحياة.. المرأة أعطتنا الفرح.. المرأة أمي التي لو لم تكن تربت على كتفي وأنا صغير لما تعلمت الابتسام، ومن يومها عرفت أن الطريق إلى العيد.. الطريق إلى الوطن يؤدي بالضرورة إلى الأم حيث هناك تكون المرأة صديقة... تكون المرأة هي التي تقول أ، ب، ت حب وطن وشعر.

إنني لا أستطيع أن أنام قبل أن أتأكد أن صورة أمي فوق سريري.. إنني لا أستطيع أن أحلم إلا إذا كان منديل فاطمة الذي أهدته لي ونقشت عليه حرف (ف) وحرف (ع).. إلا إذا كان هذا المنديل تحت وسادتي.

إذن فلولا المرأة لفقدت الأشياء جماليتها، فهي رمز العذوبة والحب، وكما أن الأشياء الجميلة كلها مؤنثة، فالشمس مؤنثة، والحياة مؤنثة. والمرأة كائن جميل فهي من يعطينا الكلمة الجميلة، ويدفعنا للتضحية والعمل والإبداع، ولولا المرأة في حياتي لكنت مزقت دفاتري وأوراقي وذهبت لأصنع مثلاً أوعية الحديد أو الفخار أو أعمل شيئاً آخر، ولكن المرأة لها الفضل على المبدع كونها كائناً جميلاً في حد ذاته، فليس هناك امرأة ليست جميلة، فقيس عندما أحب ليلى لم تكن ليلى أجمل فتيات قبيلته، فالجمال لا يكون بالقاعدة العامة التي تشترطها مسابقات الجمال التي نراها في الفضائيات، ولو قدر أن نرى ليلى التي مات من أجلها قيس، فربما لا تكون امرأة بذلك الجمال المتفجر الأنوثة، ولكنها في عينيه جميلة ونحن في عيوننا ذلك الشغاف الذي لا يفسر.


- ولمن تكتب الشعر أيضاً ؟

- أكتب الشعر للحياة وهي مؤنثة.. أكتب الشعر لصديقتي لتبتسم لي.. أكتب الشعر لنخلة الوطن لتظللني عندما أمر بها في يوم شديد الحرارة وتمنحني التمر.. أكتب الشعر لأولئك الأطفال الذين أمر بهم في زقاق مدينة طرابلس القديمة وهم يلعبون فأتفرس في وجوهم عساني أرى وجهي حين كنت طفلاً ألعب بين أزقة مدينة طرابلس القديمة في زنقة الجمل.

لهذا فالشعر يكتب للحب، للوطن، للمرأة، للحياة، وماعدا ذلك لا يكون شعراً.


روح التفاؤل


- هل تعتقد بأن الحب يساهم في تحقيق الإبداع لدى الشاعر ؟

- أنا لا أعتقد أن إنساناً يستطيع أن ينام وأن يحلم وأن يبدع في الحياة إذا لم يكن عاشقاً، فالإنسان الذي لا يحب لا يمكن أن يبدع، والإنسان العاشق هو الذي يعطي للحياة ما يجعلها تغني وتزغرد في عيون المحبين، لذلك فأنا لا أؤمن بالموت (موت الشعر عند الشاعر) ولا بالنهاية، فالتجديد والبداية من جديد هما شعاري في الحياة.


- ومن هو الشاعر بنظرك ؟

- الشاعر ليس ذلك الإنسان الذي يرتدي ثيابه في الصباح ويخرج إلى الشارع ليشتري أو يبيع.. الشاعر هو ذلك الكائن العجائبي الذي يخرج من بيته ولا يخرج، الذي يعبر الطريق ولا يعبرها، ذلك لأنه يبحث عن بقايا أحلام الليل التي تعثرت في الطريق ولم تدخل بيوت أصحابها.. الشاعر هو الذي يسأل المارة، هل مرت مرأة الريح العجائية وهي ترتدي ثوبها الوردي.. الشاعر هو الذي يمر على حنفية الشاعر ويملأ كفيه بالماء ويمدهما إلى حمائم الجامع لتشرب.. والشاعر لا يفتح القاموس ليكتب الكلمة القاموسية فقط، ولكنه يفتح قلبه الأحمر ويجلس على مصطبة جامع الناقة بطرابلس ليقرأ الكلمات الحمر ثم ينثرها لحمائم الجامع لتقرأها هي بدورها مرة أخرى.


- هناك روح تفاؤلية تكاد تطغى على معظم نتاجاتك الشعرية، فما هو قولك في ذلك ؟

- لقد ألغيت الموت والشيخوخة في أشعاري، فالزهرة التي تظن أنها سقطت ويبست أوراقها، هي لم تسقط ولم تيبس أوراقها، عليها أن تنتظر وقتاً آخر وإذا بها تخرج من جديد في الربيع القادم.. والحياة دائرة لا تنتهي، ولأنني أحب الحياة فسأظل ضد اليأس والتشاؤم، فأنا مع الحياة والحب والمرح والتفاؤل، وليس هناك في قلبي ولو ذرة واحدة من التشاؤم، ذلك أنني أؤمن بأنني سأعيش ليس في هذا العصر، بل سوف أراكم بعد عشرات السنين، وتذكروا هذا الموعد...

كذلك فإن لي القدرة أن أكون في ليالي الشتاء والمطر ينهمر والرعد يصم الآذان، ومع ذلك أحس أن الربيع في بيتي، وأن الحياة جميلة فأنا بطبيعتي أفلسف الأمور إذ لا أقول أن هذا النهار غائم بدون شمس، بل أقول بأن الشمس في هذه الحالة تستعد وراء خبائها.. إنها تتزين وتنتظر أن تخرج بشكل أجمل، فلماذا لا ننتظرها...

لهذا فإننا عندما نكون متفائلين نستطيع أن نرى عرجون الفل ونحن في ليلة شتائية ممطرة.. ونكون قادرين على تغيير الفصول ودورة الزمن وكل الأشياء الرمادية لنجعلها مشرقة.. لذلك فأنا دائماً متفائل ولو كان الدمع يملأ عيني، فلقد ألغيت النهايات من حياتي وصرت أبدأ من جديد كل يوم، لا آسف على ما مر لأن الطبيعة تدور وتعيد إليّ ما فات مرة أخرى.


التقليدي والحر


- ما بين الشعر التقليدي والشعر الحر (الحديث)، أين يجد الشاعر علي صدقي نفسه، ولماذا ؟

- أنا لا أفرق بين الشعر العمودي وشعر العصر، لأن كلا اللونين له جمالية، وله المبرر لوجوده.

فكيف يمكن أن أقبل من يضع على زنده إشارة ويقول: أنا أنظّم مرور الشعر.. الشعر لا تنظمه خرقة مربوطة على زند مدّعي التنظيم لأنه شعر، ولو كان قابلاً للتنظيم لكان ذلك مدعي التنظيم أعظم الشعراء.

الشعر هو ابن زمنه وابن حالته، لهذا فأنا مع الشعر الحر الذي يظهر كما تظهر الزهور، هذه زهرة حمراء، تلك زهرة برتقالية، وأخرى زهرة بنفسجية.. وأنا مع الشعر الذي هو يفرز قواعده الخاصة ويستحدث شكله الذي يريد..

لذلك فأنا لست مع من يقول بأن الشعر الحديث خارج عن القاعدة بل أقول بأن الشعر الأجمل هو الخارج عن القاعدة، لأن القاعدة القديمة لا تستطيع أن تؤكد أن هذا شعر.

كما أن الشعر الحقيقي هو الذي تخرج قاعدته من بين ثناياه.. من بين خفقاته، فخفقات قلوبنا، ورمش عيوننا، وحركات أصابعنا، وخطانا بالطريق، لها حركاتها ووزنها ولها نبضها الخاص، وهي لا تحتاج إلى من ينظم لها تلك النبضات.

لقد بدأت الكتابة بالشعر التقليدي، وفي ديواني الأول كان هناك شعر تقليدي وكذلك شعر حديث، فأنا مغرم دائماً بالتجديد، لهذا يقول النقاد (إنك تكتب شعر ما بعد الحداثة أيضاً) ومن هنا فإنك تجدني دائماً حتى عندما ألقي كلمة لا أقولها كالعادة، فأنا لا أريد أن أقرأ ما هو مكتوب بورقة الكاربون، بل أريد أن أكون أنا، فالكلمات الجميلة ليست موجودة على طبق بحيث يقرؤها أو يستفيد منها الجميع، ذلك أنه لا يمكن أن يقبض على الفرح من يستطيع أن يزن كلمة صباح الخير، فهذه الأشياء لا توزن ولا يقبض عليها ولا تلمس، لهذا فنحن سعداء بهذه الأشياء المسحورة العجائبية الغرائبية التي نحس بها، ولا نعرف ماهيتها ولا وزنها ولا شكلها ولا لونها.


- هل تعد نفسك من رواد حركة التجديد الشعري في ليبيا؟

- لو كنت أنا أعلم بأن قصيدتي في أحد دواويني مثلاً هي المثل الأعلى لكنت كتبت نسخاً أخرى منها، ولكنني دائما أنظر إلى الشمس من أين تطلع وأسمعها، فالشمس حين تطلع من المشرق تقول لنا عليكم أن تكونوا مع التجديد، مع الحياة، لأنني أعتقد أن الشمس في كل يوم هي جديدة وليست شمس الأمس، لهذا فأنا مع التفكير، مع التجديد، مع التمرد، وحتى في مقابلتي هذه فأنا لا أقول شيئاً مألوفاً، ولكنني أقول شيئاً خارجاً عن الأشياء التي تقال عادة في مثل هذه المواضيع، لأنني لا أصعد النخلة من جذورها فقط، ولكنني أصعد النخلة عن طريق آخر، قد يكون عن طريق الريح، وقد يكون عن طريق جناح أصنعه لنفسي وأطير به.

ويمكنني القول بأنني من أوائل الذين كتبوا الشعر الحديث في ليبيا في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وصدر لي بعد هذه الفترة عدد من الدواوين مثل ديوان (أحلام وثورة) و(مطر وزغاريد بالفجر) و(الكلمة لها عينان) وغيرها. لذلك فأنا أضع نفسي بين ورق خضرته وورق ضوئه وزهره، ذلك أن الشعر الحديث هو ظاهرة طبيعية تدل على أن الحياة في أدبنا متجددة وليس هناك توقف أمام الأبواب المغلقة.


- مدينة طرابلس، وما هي ملامحها أو صورتها في أشعارك؟

- لقد كتبت الكثير عن مدينة طرابلس، وآخر ما كتبته عنها (طرابلس نصفها حب ونصفها وطن).. وأستطيع القول بأنه خلال مسيرة حياتي الطويلة زرت الكثير من المدن العربية والأوروبية، ولكنني لم أسمع في أي مدينة زرتها في الخارج أن جدرانها تتكلم إلا طرابلس، فطرابلس جدرانها تتكلم في الليل، وشرفاتها تتكلم، ولنسائها بسمة وملامح خاصة، لذلك فأنا أضع طرابلس بين جفوني وأذهب في الشوارع وأغني وأقول " طرابلس الحب ".


الثقافة والشعر


- إلى أي مدى تسهم الثقافة في إثراء التجربة الإبداعية للشاعر ؟

- الثقافية مهمة في كل عصر ولكل جيل، فأنا أحلم دائماً بالثقافة حلما جميلا، فالذي ليست له معرفة بالأشياء وبالحياة فإنه يعيش حياة محدودة كأنه في صندوق، ذلك الصندوق ليس به مساحة يستطيع أن يمتد بها.


- وبمن تأثرت من الشعراء العرب والأجانب ؟

- أود أن أقول بأن التأثر شيء والإعجاب شيء آخر، فإذا كان المقصود من التأثر هو النسج على منوال هذا الشاعر أو ذلك الكاتب، فهذا ما لا أفعله، ذلك لأن لي لوني الخاص وذاتي الخاصة، ولي أسلوبي المميز، فأنا من أساليبي التي استعملتها قد تخرج أحياناً عن الواقع، منها مثلا أشعاري يحيا الحب، لا موت بعد الآن، لا شيخوخة.

وبشكل عام ليس هناك شاعر محدد تأثرت به، ولكنني أحببت الكثير منهم، وبشكل خاص الذين كانوا يعبرون عن أنفسهم وعن الحياة وعن العواطف الجميلة، فمثلاً من الشعراء العرب القدامى امرؤ القيس لأنه شاعر عاشق استطاع أن يكون أمير الشعراء حيث تميزت معلقته بالعواطف والحب، والشاعر الشريف الرضي، ومن المهجر إيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران، ومن الأجانب رامبو وبترارك.


- لو لم تكن شاعرا، فماذا كنت تتمنى أن تكون ؟

- لو لم أكن شاعرا، لكنت حاملا للزهور أقف في مفترق الطريق، تمر فتاة أشبك بشعرها وردة حمراء، يمر عاشق أقدم له قرنفلة، يمر طفل في طريقه إلى المدرسة أهديه زهرة، يمر ضائع يسأل عن الدرب الذي فقده أقدم له زهرة وأقول له هذه تدلك على الدرب المنشود.

لو لم أكن شاعرا، لكنت حامل ماء أقف بالطريق وأقدم الماء للعطاشى الذين فقدوا الماء.

لو لم أكن شاعرا، لكنت مغنيا لأجعل المحزونين والبؤساء واليائسين يستعيدون ثقتهم بالحياة ليبدءوا الحب من جديد.

لو لم أكن شاعرا، لكنت حاملا للحلوى أنثرها للعصافير وأقدمها للأطفال ليستعيدوا فرحهم ويغنوا.. الحياة.. الحب.. الوطن.

الحركة الشعرية


- كيف تنظر إلى واقع الحركة الشعرية في ليبيا والوطن العربي ؟

- الزهرة التي تنبت في ليبيا هي نفس الزهرة التي تنبت في بلد آخر، والربيع عندما يأتي هنا فهو لا يأتي بوجه يختلف عن الوجه الذي يأتي فيه ببلد آخر، والشمس التي تشرق على قصر السلطان هي نفسها التي تسقط بأشعتها على كوخ الإنسان العادي..

فالشمس هي الشمس، والشعر هو الشعر، ولكن المذاق هو الأهم، فالشعر يجب أن يتوفر فيه شرطان، أولهما أن يكون الشاعر الذي يلقي قصيدته مقتدرا، وأن يضع يده على النقطة السحرية، وثانيهما أن يكون المتلقي بنفس المستوى، فالشعر والمتلقي كلاهما يشكلان الشعر.


- وماذا عن أبرز دواوينك الشعرية ؟

- إن لي سبعة دواوين مطبوعة، ولي أكثر من هذا ينتظر الطبع، والشعر مثل رائحة الوردة ورائحة أي زهرة أخرى مثل القرنفل أو البنفسج.. من يستطيع أن يقول إن لون قوس قزح الأزرق أفضل من الورد، أو أن الورد أفضل من قوس قزح، هذه الأشياء لا تفاضل بينها ولا يمكن أن نجعلها أولى وثانية...


- المهرجانان الشعرية، كيف تنظر إلى أهميتها ومستواها ؟

- بالنسبة للمهرجانات التي عقدت على الصعيد العربي، فإني قد شاركت في العديد منها إذا لم تكن جميعها، أما في البلاد الأوروبية فقد شاركت في مهرجانات شعرية في يوغسلافيا وأسبانيا وبلغاريا وإيطاليا، لهذا فأنا لا أستطيع أن أكون حكما فاصلا في تقييم هذه المهرجانات ودرجة مستواها، فالأشياء الجملية لا تحدد.


- وما هي الجوائز والتكريمات التي حصلت عليها؟

- لقد تحصلت على العديد من الجوائز والتكريمات سواء كان في داخل ليبيا أو خارجها أي في العالم العربي، كما ترجمت دواويني إلى العديد من اللغات الأوروبية، وأشعاري متداولة في كثير من البلدان العربية مثل مصر وسوريا والسودان، وهناك فتاة يوغسلافية كتبت أطروحة عن شاعر الشباب علي صدقي عبد القادر، واسمها (ياسمين بوشكسفي).


- كلمة أخيرة تود قولها ؟

- أجل كلمتي الأخيرة هي يحيا الحب.

س

صرخة
علي صدقي عبد القادر
الطبعة الأولى
في لبنان 1965م

الإهـــداء


إلى أبي، وصديقي، في آن واحد.

كان يقول لي بقية ما في قلبه الكبير، عندما عاجله الرحيل فذهب بلا توديع، بعيداً، بعيداً، وتركني.

ومن يومها وقفت في قرص الشمس وحدي، بلا ظل، أذوب ملح الدنيا، وأذرع عمري، وأحمل على كتفي جرة من لهب، وعسل وزهر.

ولم تفرغ أذني من صوته، ولم أقم بعمل يتطلب شجاعة، إلا وصوته يملأ ذاتي، ليسمح حبات العرق، المدببة، كالمسامير فوق جبيني، ويضيء دمائي قطرة، قطرة، ليقول لي، ويقول، وعطاء المزن على أهدابه، فتتساقط النجوم المذنبة، أمامي، وأعرف طريقي.

إلى أبي،

إلى الآباء، كل الآباء، الذين يتخذون من أبنائهم أصدقاء يعيشون معهم في رفة عين، في خفقة قلب، في بسمة، في دمعة، أهدي هذه الأشعار، علها تكون فصوص مطر، لتبرعم هذه الصداقة، وتتفتح ربيعا دائما.

ليظل صوت أبي أخضر كما عرفته، يضيء دمي، قطرة قطرة.

لك يا.... أبي لأشعاري.

علي صدقي عبد القادر
س
لك... يا أمي





رأيتها فحسبتها أمي خرجت من القبر، لأنها تشبهها وجها وشكلا فناديت: يا أمي...



تعالي.. أنت.. يا أمي

ولم تسمع

ولم تنظر إلى صوتي

ولو نظرت

رأته حاملاً أوراق زيتونة

وعش حمامة بيضاء

ولو نظرت

رأت في نظرتي شيئاً

رأت أشياءها الحلوة

على فستانها أزرع

وأحصد غلة الموسم

* * *

ولو نظرت

رأتني طفلها الأول

وفي عيني ألعابي

بها ألهو، وأصحابي

وتنظر عبر وجهي، باب غرفتنا

وقوس زقاقنا، الضيق

وقطة بيتنا، (سعده)

وأربطة القماط البيض مغسولة

بحبل البيت منشورة

قماطي وأنا طفل

رأت كلماتي الأولى

على شفتي تتعثر

أنادي يومها (ماما)

فتغمرني بألف ربيع

* * *

ولكن هي لم تذكر

ولم تسمع نداءاتي

وتمضي في زحام الساحة الكبرى

ركضت وراءها، ناديت.. يا أمي

على منعطف الشارع

وكل الناس سمعتني

ولكن هي لم تسمع

وصحت بها، يا.. أنت.. يا أمي

أنا ابنك

* * *

وكانت مرأة في وجهها أشياء من أمي

وفوق جبينها خصلة

وأقسم إنها من شعر والدتي

عليها مطر أسود

وددت لو أنني أستطيع أن أحضن

مواطئ خطوها.. بالساحة الكبرى

وحتى الشارع المكتظ بالناس

بما فيه لأحضنها

لأحضن من في وجهها أمي

لأغسل صدرها كالطفل، بالدمع

كطفل خائف أبكي على صدرك

لأني بعد لم أكبر

أنا طفلك

س
[COLOR=MediumTurquoise]رسالة إلى مؤتمر القمة العربي[/COLOR]



إليكم كبار بلادي
تحمل أمي يدي رسالة
بها دفقة من حليب الرضاعة
ودمعة
بليل طويل، وتهويم شمعه
بها قصة الشعب، تاريخنا، تختصر
وتسألكم عن مجيء الربيع
وعن حارس أسمر خلف أسلاكه الشائكة
وأصبح يمناه فوق الزناد
متى تضغط الإصبع الجائعة؟؟؟
لأكل الزناد
لأجل نداء الحدود
وتسأل عن ساعة الصفر، تصلب فيها الظلال
وتطلق فيها الرياح الحبيسة
* * *
وتسألكم بنت أمي، عن الدرب، عن بيتنا
وراء التخوم
فهل لا تزال به الدالية
وقفص الحمام
وعن قطة البيت، تدعى سعيده
وعن ساعة بالجدار تدق
وتذكر وقع خطا الصبية اللاعبين
على بابنا الخضر
ودقات جارتنا خلف حائطنا المشترك
تريد إناء، وملحاً، وعود ثقاب
وتذكر كل (فلسطين)، حتى الأزقة
وحتى مصابيحها الراعفة
وتطلب شق الطريق
* * *
وتسألكم ابنتي
متى يا كبار بلادي نعود؟؟؟
إلى دارنا
ففيها تركت العرائس، واللعب الضاحكة
لأني سأرجع
عليها روائح عهد الطفولة
فمن مرجعي لثياب الطفولة؟؟
متى يا كبار بلادي نعود؟؟
فهلا سمعتم نداء التراب؟؟
وصرخة شباك بيتي يسام العذاب؟؟
وهلا رأيتم مآذننا عند كل مساء؟؟
هناك، تطل عليكم
تطاول، تغمس في قرص شمس الأصيل
أهلتها، وهي بالدم تقطر
تعيش على أمل العودة
وترقب عبر الأفق
ولادة أعلام يوم الخلاص
وأذرع قافلة العائدين
س
الباب.. وطـرق الكلمات




قافلة الكلمات على بابي

تطرق عمري وشبابي

جاءت لتصب الضوء بعنقود العنب

بدالية البيت العذراء، النهمة

تفتح فاها حبة، حبة

جاءت تحمل لهثه نجم عاشق

سافر يضرب في الأبعاد إلى نجمه

مهاجرة، بسماء الشرق، إلى نجمه

بحثاً عن حبه

* * *

وعيون الناس تنام

حتى آخر سائق عربات الليل

عاد يجر حصان العربة

ويردد أغنية شعبية

لا يعرف أحد قائلها

يحفظها جيل عن جيل

والشارع نام

ومصراع الباب يغط ويحلم

لم يبق سوى طير بحري ليلي

والقطط الشاردة الجوعى

تبحث بزقاق عن لقمه

وتموء هنالك في العتمة

* * *

وأنا والقلم وأوراقي

والشعر ونقر الكلمات

والناس نيام

وأنا والليل أغوص بذاتي

وأتوه بعمقي

لا أعرف سطحي

والحرف على عمري يطفو

* * *

وأصير كمخطوطة أشعار الماضي

بغلاف أثري، وقديم، مفتوح

بثناياه خصلة شعر

ورسائل، تحمل ختم شفاه

وشؤون قلوب

* * *

الشعر وصفحات الكلمات

بصمات إله

تجعل ذهب خزانة قيصر

يخنقه الزيف، يصير حديداً

وصليب اللعنة

لا يصلح لشراء الخبز، ونقطة زيت

ترفضه بائعة البيض، بسوق القرية

لا يقبله الطفل هدية عيد

يغسل يده منه الشاعر

س
فـرنـسـيـة




ألا تفهم ما معنى فرنسية؟؟؟

تحب النار، والإعصار، والألبان مسكوبة

وأشياء، هناك، هناك مقلوبة

والأضراس مخلوعة

تحب الليل في قبو، به النظرات وحشية

تحب، تحب حتى العنف... يوقظ نصفها الغافي

يزلزل عمقها الدافئ

ويشعل في حناياها، حرائق من لذاذات

يحرك غولها الممتد في مدها

لتصنع كل ما تهواه من... عبث، حماقات

تمزق لحمها، طعماً لصقر أسمر عات

تحقق رغبة الذات

* * *

فرنسية

لها تحت الوسادة أغنية

وعتها من فتاة الغجر السمراء، في ليله

رأتها وهي تخلع عن حصان الأسرة العربة

تغنيها قبيل النوم، تلثغ راءها العاري

وتبني الحلم الممنوع، من لحن

تبيت وحلمها الممنوع يأكلها

وتصبح تبحث عنه بالشارع، بالمقهى

لدى أول من تلقاه بالمقهى

تردد لحن غجرية

وترقب حلمها الممنوع، في نظره

وفي رنة كأسين، وفي بسمة

تقول جميع ما في القلب، في لحظة

تعيش حكاية المرأة، والتفاح في لحظة

* * *

فرنسية

ألا تفهم، يا أنت، الفرنسية..؟؟؟

تجدد نفسها، في كل نفثة (سيجارة)

وتلغى أمسها الدابر

وتغسل قلبها صبحاً مساءً، مرة مرة

لتشعر أنها بكراً، لأول مرة مرأة

إذا ما أنت أحياناً تناديها

وعينك عبر عينيها

ولم تسمع

فلا تغضب

لأن غيابها في رحلة، في قاعها الأدنى

لتبنى كيفما تهوى لياليها

تحدد طولها، فالشمس لا تطلع

إلا إذا ما أنهت الليلة

فتأذن عندها للشمس، أن تطلع

س
[COLOR=Magenta]أوراق المطر... والمظلة المفتوحة

[/COLOR]


أوراق المطر البيضاء

ببلاد الغيم، شمال الدنيا

تتناثر في فصل الصيف

تتبعثر في خصلة شعر حمراء

تتأرجح قرطاً بالأذن

تنداح تلوب على نحر عامر

بعطاء خصوبة أجيال

وتذوب على الفستان الراعش

فتهب بعينيها الأنواء

وتغيم بشفتيها الأجواء

أرض وسماء

وأعاني من محل الصيف

وبقلبي زوبعة وجفاف

وأجوع لعشرين شتاء

وأتوه بحبة مطر الصيف

لا أعرف لي فيها أفقاً

أبحث عن ذاتي

أبحث عن قدري

عن يوم (خميس) في عمري

عن ليلة (أحد) بالمطر

ومنديل وداع فوق رصيف

والدرب المغسول (بلندن)

يعكس ضوء المصباح الساهر

أضناه السهر، فنام بإحدى عينيه

وتظل الأخرى مفتوحة

تحرس أشباح شباب الليل

اثنين، اثنين، على الطرقات

ليتموا الأشياء المنقوصة

ليقول الواحد للآخر

قرب البيت على المنعطف: مساء الخير

* * *

بالصيف وأوراق الأمطار

بيضاء كأنفاس الأشعار

كأفكار الأطفال

من تحت مظلتها المفتوحة

شاهدت العالم يولد في ساعة

وفصول السنة على ميعاد

تتجمع في لحظة

على بعد الخطوة

أخشى أن يتجاوز خطوى العالم

ولمست سقوف الدنيا

وكتبت عليها اسمينا

كي لا تنسى

وركضت كطفل خلف روائح زينتها

وبريق العينين

تندلق على صفحات الريح

تنثرها أشياء صغيره

مفاتنها أشياء صغيره

ألهث خلف بريق العين وعطر الزينة

آخذها زادي

إن جاء الجل بميعادي

س

كـــان




على قبرك

زرعت ثلاث حبات، على قبرك

من القمح

وحبة دمعة زرقاء، مصلوبة

ليلقى الطير إما جاء جوعانا

وعطشاناً

على قبرك، جنات، وشطئانا

ليسمعك الحكايات، التي في فم أحبابك

تردد في ليالي الصيف منقوصة

لأنك لم تتممها، فظلت بعد منقوصة

وراحت أعين حمراء، دوماً، ترتجي عودك

وترقب في ليالي الصيف، همساً من حكاياتك

وخيطاً من كتاباتك

ويمضي الصيف، بل والعمر، ليلة ليلة

ولن ترجع

وتفتح كل أبواب المدينة، من أجلك

طوال الليل، من أجلك

عساك تعود، في نسمة

في نجمة

مع الصيف الذي يأتي

مع البدر الذي يولد

فتخضر الشبابيك، التي يبست

ولكن أنت، لن ترجع

لأن آلهة البحر التي تسبح، عريانة

ربطت بشعرها قدرك

رأيت بعينيها، دربك

صببت بقرطها، الماضي الذي ولى

وعبر جزائر المرجان، خلف شواطئ الدنيا

وجدت خلالها، عمرك

تركت هناك مجدافك

طويت قلاعك المطلول، حيث نهاية الدنيا

على طرف الحياة، الأبعد، القاصي

وعند نهاية الدنيا

هنالك تنتهي الرحلة

هنالك وأجد نفسك

أيا عبد السلام هنالك تنتهي الرحلة
س
الشـاعر والسـجان




رفع الكلمات على الأبعاد

أزهاراً، وفراشات

مفاتيح المدن المقفولة

وسنابل قمح

مطراً يغسل بقعات الدم

* * *

اسمك يا (ناظم حكمت)

حفظته حتى حلقات الأبواب

وأقواس أزقتنا الشعبية

شعرك لون في بلدي التفاح

وفصوص التوت

كم سهرت أحلام الأطفال على بوابة سجنك

تأكل أقفال الزنزانة

لترفرف حولك

وتحيل السجن مدينة حب كبرى

لتذيب الأسوار (باستانبول)

وتحيل السجان إلى قشة

في عين الريح الرمداء

* * *

من أجلك، من أجل جبين (محمد)

من أجل حبيبك

تهتز أراجيح الأطفال

يثمر ظل الزيتون

ويعود الطير لنا في كل ربيع

* * *

وفي ذات صباح

لم يقو السجان على فتح جفونه

فالشمس بباب السجن رغيف أحمر

وانفتحت أقفال الزنزانة

وابتسمت شرفات (استانبول)

وأطلت فتيات ينشرن غسيل الصابون

حيين الشاعر بأنامل مبتلة

بمياه غسيل الصابون

والشاعر يحمل زاداً، قبضة رمل

من بيت شهد ولادته منذ زمان

وعذابات الحرف الحر

وبعروة سترته وردة

وبعينيه، اليمنى بسمة

وبأهداب اليسرى دمعة

للعمال المصطفين على الميناء

وهو يسير إلى منفاه

يلتقطون دموع الشاعر

كي يهدوها للزوجات، عقود لآلئ

* * *

من لم يعرفك؟؟؟ يقلا أنا ذا

في (آسيا) في (أفريقيا) في (أمريكا اللاتينية)

من لم يعرف (ناظم) يجهل نفسه

يجهل قرص الخبز وملحه

يجهل حتى الحب، ووجه بلاده

من يجهل (ناظم)؟؟؟ غير السجان

سجانك (يا تركيا) الأحمق

صلوا من أجل السجان الأحمق

فالشاعر يرقد بالمنفى في قبره

لا يكره أحداً، حتى السجان

سجان الوطن المسكين
س
أشياء صغيرة...+ فينيس...= العمر


عشية
وقرعة ناقوس دير قديم
وسرب حمام
و(قندول) (فينيس) بين الأزقة يحلم
ويجري، يدغدغ بالماء خد جميع البيوت
ومجدافه يعصر الأغنيات
لنافذة نصف مفتوحة، تشرب الأغنيات
وملاحه ينحني تحت كل جسور المدينة
وفانوس (قندوله) يجرح الخلوة الهامسة
ووهم مراود كحل الصبايا
تساوي العمر!!!
تساوي الحياة!!!
* * *
ورنة قيثارة تحت ضوء القمر
ووشوشة في الظلام
وقرط به عطش لشؤون، لأشياء حلوة
ونحر يعض، يعض الحياة
وسرب من السائحات سراويلهن قصيرة
بألوانها الصارخة
جلسن على عتبات الجسور
عشقن المحال
يلكن الغاني الرخيصة
يراقصن كل الذي مر عبر الطريق
تساوي العمر!!!
تساوي الحياة!!!
* * *
ونافورة بالمدينة!!!
بحلم، بريح، بأشواقها تغتسل
ومزلاج قلعة عهد قديم يبوح
بقصة قلب، لذات سوار قضت ذات ليلة
على صوته ألف وجه يطل
خلال دخان مباخر صندل
بأبهائه أمس كانت تفوح
وتمثال ساحة
يفرك عينيه في كل ليلة
قبيل السحر
وفي غفلة من عيون البشر
تمنى لأجفانه الباردات الكرى
تساوي العمر!!!
تساوي الحياة!!!
* * *
ووقع خطى من بعيد بليل!!!
بمنعرجات المدينة
وأوراق ضوء لفانوس ذاك الطريق
تبطن تلك الخطى، تلونها بالعقيق
وآهة حلى رقيق
كأنفاس زهرة
ورنة ضحكات ليل كسلة نجم تناثر
كخيط لقوس قزح
وخصلة شعر بها تستحم الحياة
ويبني عليها العمر
تساوي العمر!!!
تساوي الحياة!!!
* * *
وفلقة خوخ وراء الستائر!!!
وأعين مرآة غرفة نوم، تحدق فجأة
وقطرة عطر بها حبست رغبة جائعة
تذيب الثلوج
وأوجه غادات ذاك الزقاق
تطل من النافذات
ليلقطن إيماءة من بعيد
يضفن بها لمعة للعيون
وللصدر شهقة
ليجمعن أزهار شمس الغروب
يعالجن أزرار ثوب بإبرة
ويفتحن عروته في كسل
ويروين كل حكايتهن الصغيرة
إلى كل جارة
تساند بالكف رأساً كأرجوحة الأمنيات
تعيش حكايتهن: برعشاتها، بأبعادها
تساوي العمر!!!
تساوي الحياة!!!
* * *
وأطيار بحر (بسان مارك) تلقط حب الغناء!!!
وبرج لقصر قديم، أفاق ليغسل بالبحر ظله
ليسرق من جعبة الدهر، بعض القرون
تضاف لعمره
وجمع من العازفين بليل، يجوب المدينة
يطوف (بكبرى التنهد)
يغني لأستار شرفه
لبوح وسادة
لضوء ضعيف وراء الزجاج
لعين بها بركة من فصوص الدوالي
بلون البنفسج
تساوي العمر!!!
تساوي الحياة!!!

س
.. وبحـر البلطـيق




على مياه (بحر بلطيق) البعيد
سفينة ركبتها، للشوق، للمحال
عبر السحاب، والغيوم والمطر
أعيش كل عمري، في دفعة واحدة من غير حد
وددت لو أطير
للمرة الأولى، وددت لو أطير
في قلب نسمة عذراء، نسمة الشمال
في عين طير (بحر بلطيق) المليء بالمحار
وسفن السياح، والتجار
لأرقب الليل يعانق النهار
فأكتب الأشعار
* * *
أحسست (بالبلطيق) خاتمي بإصبعي يدور
يود ضم السائحات، والطيور، (والبلطيق) والجزر
ويشتهي عروس البحر، عند القاع تستحم
يكون في إصبعها رسالة تفوح
بأحرف أبعادها، الحياة، والحنين، والأبد
ألقيته، وهو امتداد لي، في لجة البلطيق
من يومها، أصبحت بحراً، لكن لا يسيل
بداخلي بواخر، بحارة، أعشاش طير، شاقها الرحيل
بداخلي ميلاد بيت شعر، يعصر المجهول
* * *
على السفين ذات قرط تطعم الطيور في الهواء
رأيت فوق وجهها دائناً، لم يرها سواي
أحسست أنها تعرفني، من قبل أن تلدني والدتي
تعرفني، أعرفها ونحن حبتا طين يرف
يعجبنا الإله
نصفين في رغيف
أضأت شمعداناً حول شعرها المليء بالثمار
فتيله يصب في منديلها أشواقي العطاش
يحيك جو ليلة من قصر هرون الرشيد
بما به من الحريم، والغناء، والمجامر المعلقة
بعينها ركبت فرساً، ركضت حتى استضحك اللجام
لهثت ألف عام
وضعت في الزحام
واجتزت حد دنيا الناس، والزمان
شممت من شفتها السفلى، حليب ثدي أمها
قرأت فوقها: ديوان شعر
على احمرارها شاهدت موطني، طفولتي، ولعبي الصغيرة
وثوبي الجديد في الأعياد، والحلواء
* * *
غرست فوق ثوبها المنشق من أمامه نجوم بلدتي
لتضحك الأزرار
وتهطل المطار
ملأت كل فتحة فيه برمان وتوت
غلال موطني، الذي تذوب الشمس في هواه
وتعشق المزمار، والموال في ذراه
ومنشداً يقول: (يا ليلى ويا عيناه)
تحب عشقنا العذري، والغزل
تشوقها الوجوه السمر، والنخيل
ووشمة الصبايا، تحت شفة تسيل
من أجلها تظل الشمس عندنا مدى الحياة
ترضعنا كل صباح
لأننا أبناؤها
أبناء هذي الشمس أمنا، ترضعنا كل صباح
غسلنا فوق قرصها أوجهنا الثانية، الظلال
فلم تعد ذواتنا لها ظلال

س

أمـي والـكلـمة



من أجل الكلمة

تضحك مزن بالأمطار

والنخلة تعطي الثمر طوال العام

بكل فصول السنة، طوال العام

والناس تعمر ألف حياة

في اليوم الواحد

والشعب يسير إلى التاريخ

يعطيه لسانه

* * *

الشاعر في الدنيا كلمة

للناس، جميع الناس

حتى للمختلفين لغات، جنساً

تخصب بضمير الأمة

أشياء، وأشياء كبيرة

تتحدث عنها الأجيال

تتحول أغنية شعبية

تسمع في عين الأطفال

تغدو قصة سمر، في ليل شتاء

تضحى ميراثاً، ملكاً للأمة

للأحفاد، عن الأجداد

* * *

فالكلمة

إن كانت حية

تحمل جزءاً من قائلها

تحمل بصمة ختم الله

تطلع فجراً قبل الموعد

ليست تابوتاً للآثار

وصدى مصلوباً بالأسفار

ليست مخلب بوم مات

أو أشواكاً للصبار

ليست لطخة ظلمة سجن

أم همهمة بجنازة

ليست كالكلمات الممسوخة

أو القرش الزائف

فتزييف الكلمات جريمة

يا ويل الكافر بالكلمة

* * *

مدي لي يا أم ذراعك

أزرع كلمة

في كفك تلمع بالظلمة

تصبح فصاً في خاتمك الأخضر

حيث الشمس به تشرق

على الدنيا

من خاتمك الأخضر يا أمي، تشرق

و به تغتسل عشايا الصيف

تبترد، وتتضاحك

فإذا برذاذ الماء، زهور الشفق

تتناثر

أوراقاً من ماء، من شفق، تتناثر

* * *

فالحرف له عندي محراب قدسي

باسمك يا أمي، أركع فيه

أسكب سهري، حبات العين، على فيه

لأعانق بالمحراب الكلمة

وأعانق أمي، والإنسانية، في الكلمة

س
حقائب بلا سفر




حقائبي، حقائب السفر
تظل طول الليل لا تنام، تشرب القمر
لأنها مثلي يشوقها السفر
والليل والسهر
تحلم بالفنادق البعيدة
بأوبتي أواخر الليل، إلى الفنادق البعيدة
تظل تستعيد
صفير القاطرات
تجتر حتى خفقة التذاكر الممزقة
تئن تحت مثقب المفتش الكبير للقطار
سمعتها تلوك أغنيات
بحارة في سفن السياح
أذكرها من زمن بعيد
تود تطير
لكل ميناء وبلدة تود لو تطير
إلى الشمال حيث الصيف يهمي بالمطر
وبالعيون الزرق في محطة السفر
بالثلج، بالغيوم، بمظلات المطر
* * *
حقائبي في الليل تزرع الأحلام!!!
على وسادتي، بالليل، بالظلام
وتعصر الأنغام
وتبتني لي غرفة، هناك في الشمال
هناك حيث الحب، والثلوج، والمطر
والرقص في السحر
والشمس في العيون الزرق تستحم
هناك في الشمال
مراقص لليل، للمحار، للآل
يبعنني السلال والغلال.....
بقصة شرقية عن (شهرزاد)
عن مخدع الحريم
بدورق من شعر (قيسنا المجنون)
هناك حيث أذلق الأشعار
والشوق والأوهام
أرى بعيني مولدي الجديد
تلدني أمي، الحياة، من جديد
عند اعتناق الليل والنهار
وألتقي برغبتي التي تنام من أجيال
فتكسر الثلوج
ويزهر الربيع
ويسقط المطر
حباته من رغبتي صور
أواه من حبات رغبتي، من المطر
س

الشعـب والصوت المزهـر




سيزهر فيك يا (بنزرت) صوت أخضر نام

أجل يزهر

فصوت الشعب دوماً أخضر نام

ولن تجدي مسيح الزيف صلبانه

وحرق بخور أعوانه

ولن يستطيع خنق ندائنا المزهر

فقلب إله (أوروبا) شققناه

وجدنا فيه صباراً

وجدنا مخلباً للبوم، منقاراً

وجدنا الحقد والنار

* * *

وفي إحدى العشيات

يصب المطر الأسود في (بنزرت) جرذانا

وجنداً شعرهم أشقر

فيمشي الشعب في (بنزرت) طوفانا

ليغرق في ثرى الخضراء، حب المطر الأسود

وشعر الجرذ الأشقر

وتهمي عين (ديجول)، الصديد، الشوك، والقار

بجبهته دم القتلى، كقرش زائف أسود

يظن طريقه المرصوف بالآهات، والعتمة

طريق المجد والعظمة

* * *

فيمعن في ارتشاف الجرح، والدمعة

* * *

على أبواب (بنزرت) استراحت قصة خضراء

عن الشعب المحب لأرضه، لرغيفه، للماء

لبيض قبابه، لمنارة المسجد

عن الشعب الذي في حقله، تاريخهم يصلب

لأن الخبز أقمار، بأيدي شعبنا تولد
س

رحــيـل




في مساء

نشر الشاعر بالأفق قلاعه

حاملاً في يده شعراً وحبات من الرمل، وحبه

وعناقيد أغان وكروم

وحكايات بلادي، وأساطير صغيرة

رحل الشاعر والزيتون يعطيه فصوصاً، وخواتم

وعلى الشاطئ أطفال، مناديل حمائم

لوداعه

ليروا خفق قلاعه

* * *

خلف الشاعر حرفاً من قصيدة

قبل أن تشربه الريح البعيدة

تلهث الشمس على حافته صبحاً عشية

عبثاً تفعل، لن تبلغ في يوم مداه

* * *

كان يعطي شعره الأرض الخصوبة

والزهور الطل، والنخل النماء

والصبايا الكحل، واللون، وأنفاس الربيع

مثلما أعطى الوطن

قوة تصلب ظل المعتدين

عندما كنا بأشعار (رفيق)

نطلق النار، نقاتل

نهدم المشنقة، الباردة الحبل، نناضل

وبأشعار (رفيق)

تغزل الأصواف بالليل الأرامل

وصغار الوطن السمر ينامون على شعر رفيق

لا ينامون إذا لم يسمعوا شعر رفيق

كل شيء يشتهي أشعاره، حتى الشبابيك، فوانيس الطريق

كان بالأمس يغني الشمس، والناس، ومحراث بلادي

ويحب الأرض والحرف، و(ليبيا)، والسلام

ورؤى (غيث الصغير)

شعره يختصر الشعب، الوطن

تلتقي فيه الفصول الأربعة

عاش للشعب، وكان الشعب في أشعاره الخضر معه

* * *

رحل الشاعر في ذات عشية

حاملاً في حضنه، عش حمامة

وغديراُ، وغمامة

حاملاً جبهة (ليبيا) فوقها تزهر شامة

تاركاً أشعاره تعرش فوق الشرفات

تطلق الأطيار، من صدر الصبايا الخفرات

خلف مقصوراتهن الظامئات

تغزل الحب لأبناء الحياة

* * *

سيعود الشاعر المعطاء في بيدر قمح كل عام

في أغاني الحاصدات

إنه وجه بلادي

وجه أجيال سيحيون غداً في أرضنا

وسيأتون من الغيب بأشعار (رفيق)

وجههم وجه (رفيق)
س
أغـنـيـات ثـلاث




تفاح الأحد

رأيتها عشية الأحد

سمعتها، سمعت أياماً بحلقة الزمان

تقول لي من حلقة الزمان

تجرها الأعوام

تقول لي: تعال

إليك حزمة من ذكريات الأمس

وجرة من العشايا الماضية

ولمحة من قوس بيت الأسرة القديم

يصب في زقاقنا عربدة الأطفال

والدهر في مركبة خيولها الأيام

رأيتها عشية الأحد

فأنبتت خطواتها الورود

وخلقت ضحكتها الوعود

فاستيقظ الربيع في مزهرتي الطروب

وابتسمت نافذتي العبوس من زمان

وارتشفت ستائري ألوان ثوبها المنداح

عن سلة التفاح


الوسادة والرؤى

وابتسمت تقول: هل تذكرني، تقول:

أتذكر الرسالة الزرقاء

حروفها أجنحة الخطاف في السماء

ألفاظها صغيرة كلعب الأطفال

بسيطة كلعب الأطفال

بالمس كانت في حياتي الكلمات المرسلة

يضمها خطاب

بوابة تفضي إلى الربيع

إلى (نهاوند) يحطم الصقيع

بالأمس كنت أكتفي بأحرف مكتوبة على خطاب

مثقلة بالتين والرمان

أعصره حكاية مضيئة

لقطتي، لغرفتي بالليلة المطيرة

بالأمس كان الحرف في حياتي كل شيء

يحشو وسادتي، سريري بالرؤى

يزورني في حلمي عشر ليال كاملة

والآن لم تعد تشبعني دغدغة الحروف

مذ أسقطت داليتي أوراقها

مذ صرت أماً لم تعد تشبعني

لأنني أريد الدفء لا الثلوج


مدينة الحياة

حاولت لو أستطيع ملء عينها هدايا

لكن عينها كبيرة، كبيرة

تذوب بين هدبها الهدايا

عالية الأسوار

يصب فيها الليل والنهار

أغاني الشموس والأقمار

وجئتها بالدر، والياقوت

فأعرضت، وأسبلت أجفانها محتشمة

وأمطرت دموع الكبرياء

لأنها تحتقر الياقوت، والمحار

وجئتها بقارب أعواده تضوع بالبخور

شراعه من ريشة الشحرور

وأسبلت أجفانها وأطرقت محتشمة

لأنها لا تشتهي الرياح والبحار

وجئتها بفلة من نبت بلدتي

بيضاء مثل الوشوشات الناعمة

فأسبلت أجفانها والتفتت محتشمة

لأن الفل عمره ساعات

من ليلة، ويلفظ الأنفاس بالصباح

ولا يكون غير جثة محنطة

وجئتها بهذه القصيدة الزرقاء

حروفها أذبتها بدورق الغناء

أذبتها عند المساء

وفتحت أجفانها فاخضرت المروج

وانفتحت في عينها مدينة الحياة

أجفانها مدينة الحياة
س
دافـئـة العـين




كانت لوحات زيتية

بالمعرض لوحات زيتية

تهمس في أذن الرواد

بأشياء صغيرة

تتمطى في حضن جدار

كفتاة كسلى، تتثاءب في صبح ممطر

وامرأة واسعة العينين

بهما الليل يذوب

من وطن (الراين) الألماني

عقدت ساقيها

لتثيرا بالعين الجوع

جوعاً يلتهم ظلال الساق

وحواشي الفستان الأزرق،

* * *

كانت لوحات زيتية

وامرأة في ركن المعرض

تبني بدخان (السيجارة)

غرفاً بستائر وردية

وحدائق، قصوراً خلوية

ٍوغسلت بعينيها قلبي

حيث قوارب صيد الشعر

ومواكب أطياف الشوق

الله... العين الواسعة الحبلى

ولدت لي أشعاراً بخدود وشفاه

ولدت شلال حروف وفواصل

لا يفهمها أحد غيري

أقرأها بشميم، بدمائي، يزهر

أشياء مضيئة

هلا أمسكت حماماً طار إلي

من عينك طار إلي

وحبست هوى أزرارك عني

وقوافل كحلك.. وعطورك

وغناء زوارق (نهر الراين)

* * *

وجهك يا دافئة العينين

ما بين قصائد ديواني يحلم

حيث خيوط الفل تنام

ووريقات الورد الأحمر

وخصيلة شعر فواحة

في شكل الخاتم مقصوصة

وبقايا منديل جمدت فيه الأنفاس

وشريطاً أحمر للذكرى

تلك دفائن ماض، غال، بين الأوراق

* * *

وجهك يا دافئة العين

يغفو، في ديواني، يحلم

وجهك أجمل أشعاري فيه

يكسبها ألوان الفجر

ورنين حلى الأعراس

وبريق شجيرة عيد الميلاد
س
وجـه.. وخـيط مـطـر




لأنك يا أرض (إفريقيا)

بصدرك دفء، وكرم ومنجم

لأن ذراعيك مفتوحتان لنا

تشيعان خصباً بأحراجنا، ونماء

لأنك أم لنا

تجيء وترسو بواخر مملوءة باللصوص

وصلبانهم تخذوها الفؤوس

لشج الرؤوس

لهدم مقابر أجدادنا النائمين

لتحطيم وجه القمر لأن القمر

يغادر أفلاكه كل ليلة

ويهبط في أرضنا

يلاعب من لم ينم من بيننا الصغار

ويملأ عين الصبايا بحلو الرؤى

يلون أوراق أزهارنا

ويرقص في حفل أعراسنا

ويرشف أجمل أشعارنا

* * *

وتطرق شمس الحياة نوافذنا بالصباح

وتطرق نافذة نافذة

وتدخل حتى مضارب أكواخ قش بعيدة

وتنهض (إفريقيا)، تستفيق

لتزرع خطواتها السمر، عبر الطريق

وتجلد وجه اللصوص الرياح

وتهطل (إفريقيا) بالمطر

ويظهر وجه بلادي بخيط المطر

كسنبلة القمح أسمر

عزيزاً كوجه القمر

ويهطل، يهطل سلك المطر

بحبات ماء كبيرة

لتصفع بطن بواخر مثقلة باللصوص

لتصفع حتى صليب اللصوص

وتهطل حبات ماء كبيرة

لتمسخ كل صليب عدو الحياة

يمزق قلب (لومومبا)

لأن الربيع تنفس بين يديه

(لومومبا) الذي ارتقبته الصبايا بأغرودة وبزهرة

لتلقيهما فوق موكبة الصاعد المندفع

قضي بين أيك لغاب أحبه

بخنجر أعداء (إفريقيا)

ولكن، سيرجع للشعب، للغاب عند هبوب الرياح

سيرجع في كل وجه لطفل وليد

سيرجع في كل فجر (لومومبا) الجديد
س

وأمـطـرت دمـــاً




الشعب يصنع الحياة (بالجزائر)

والموت والطاعون، والمرتزقة

وجند فرقة الأجانب المرتزقة

من مجرمين، سكيرين، قتلة

تود خدش الحائط الكبير

الحائط الشعبي الشامخ الكبير

وحفنة من الوطواط سدت أفقنا بالأجنحة

تدعى (بحلف لأطلسي) اللعين

لأنها تخاف الضوء، والزهور، والنهار

والشعب والحياة

وسقط الآباء، في صعيد واحد مع الأبناء

فدى لبسمة الأطفال (بالجزائر)

* * *

وفي (وهران) أمطرت سماؤها الدماء والدموع

وأنبتت حقولها الجباه السمر شامخة

وأذرعاً مشرعة، قبضاتها تهتز في الهواء

وفاض من (أوراس) سيل من رايات

يقتلع الأشواك من دروبنا البيضاء

ويجرف الحصون، والمعاقل المكهربة

* * *

غداً مآذن (الجزائر) الطويلة

هلالها المغموس في مجرة السماء

تلقي ضياء، عندما الطاعون والجنود يرحلون

وتنحني تصب في صدور الشعب أغنيات

عن الكفاح والدموع والدماء

وتغرس النجوم حيث يرقد الشهيد

بقبره المجهول، والمملوء بالصقيع

وعندها يلمسه الربيع

فينبت النسرين والبنفسج الوديع

ويبعث الشهيد

في زهرة النسرين والبنفسج الوديع

بالفجر يغدو طائراً يشع ريشه بالنور

يلون المحراث، والأحراج، بالرواء

وفي خدود التين يسكب النماء

وبالمساء يغدو غيمة تطوف عبر المدخنات

من قرية لقرية، إلى المدائن المكافحة

تزور كل أسرة باليوم مرتين

وفي ليالي البدر يغدو بسمتين

إحداهما تعطر الأحلام حول مخدع الأطفال

وتنضج الأخرى عيون اليتم بالضياء

وتملأ المصباح زيتاً بالشتاء

وتؤنس الدروب

ويبعث الشهيد في النسرين والبنفسج الوديع
X