قافية الراء
خف القطين *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحر البسيط
خَفَّ (1) القطينُ (2) ، فراحوا منكَ، أوْ بَكَروا ** وأزعجتهم نوى (3) في صرفْها (4)غيرُ(5)
كأنّني شارِبٌ، يوْمَ اسْتُبِدَّ بهمْ ***** من قرقفٍ (6) ضمنتها حمصُ أو جدرُ (7)
جادَتْ بها مِنْ ذواتِ القارِ(8) مُتْرَعة ٌ(9)*** كلْفاءُ(10)، يَنْحتُّ عنْ خُرْطومِها(11) المَدرُ(12)
لَذٌّ أصابَتْ حُميّاها(13)مقاتِلَهُ ***** فلم تكدْ تنجلي عنْ قلبهِ الخُمرُ
كأنّني ذاكَ، أوْ ذو لَوْعة ٍ خَبَلَتْ(14)***** أوْصالَهُ (15)، أوْ أصابَتْ قَلْبَهُ النُّشَرُ(16)
شَوْقاً إليهِمْ، وَوجداً يوْمَ أُتْبِعُهُمْ ***** طرْفي، ومنهم بجنبيْ كوكبٍ (17) زُمر(18)
حثّوا المطيّ، فولتنا مناكبِها ***** وفي الخدورِ(19) إذا باغمتَها (20) الصوَرُ (21)
يبرقنَ (22) بالقومِ حتى يختبِلنهُمْ (23)***** ورأيهُنَّ ضعيفٌ، حينَ يختبرُ
يا قاتلَ اللهُ وصلَ الغانياتِ، إذا ***** أيقنَّ أنكَ ممنْ قدْ زها الكبرُ
أعرضنَ، لما حنى قوسي مُوترها ***** وابْيَضَّ، بعدَ سَوادِ اللِّمّة ِ، الشّعَرُ
ما يَرْعوينَ إلى داعٍ لحاجتِهِ ***** ولا لهُنَّ، إلى ذي شَيْبَة ٍ، وَطَرُ
شرقنَ إذْ عصرَ العِيدانُ بارحُها ***** وأيْبسَتْ، غَيرَ مجْرَى السِّنّة ِ، الخُضَرُ
فالعينُ عانية ٌ بالماء تسفحهُ ***** مِنْ نِيّة ٍ، في تلاقي أهْلِها، ضَرَرُ
منقضبينَ انقضابَ الحبلِن يتبعهُم ***** مِنَ الشّقيقِ، وعينُ المَقْسَمِ الوَطَرُ
ولا الضِّبابَ إذا اخْضَرَّتْ عُيونُهُمُ ***** أرْضاً تَحُلُّ بها شَيْبانُ أوْ غُبَرُ
حتى إذا هُنَّ ورَّكْنَ القَضيمَ، وقَدْ ***** أشرقنَ، أو قلنَ هذا الخندقُ الحفرُ
إلى امرئٍ لا تعدّينا نوافلهُ ***** أظفرهُ اللهُ، فليهنا لهُ الظفرُ
ألخائضِ الغَمْرَ، والمَيْمونِ طائِرُهُ ***** خَليفَة ِ اللَّهِ يُسْتَسْقى بهِ المطَرُ
والهمُّ بعدَ نجي النفسِ يبعثه ***** بالحزْمِ، والأصمعانِ القَلْبُ والحذرُ
والمستمرُّ بهِ أمرُ الجميعِ، فما ***** يغترهُ بعدَ توكيدٍ لهُ، غررُ
وما الفراتُ إذا جاشتْ حوالبهُ ***** في حافتيهِ وفي أوساطهِ العشرُ
وذَعْذعَتْهُ رياحُ الصَّيْفِ، واضطرَبتْ ***** فوقَ الجآجئ من آذيهِ غدرُ
مسحنفرٌ من جبال الروم يسترهُ ***** مِنْها أكافيفُ فيها، دونَهُ، زَوَرُ
يوماً، بأجْودَ مِنْهُ، حينَ تَسْألُهُ ***** ولا بأجهرَ منهُ، حين يجتهرُ
ولمْ يزَلْ بكَ واشيهِمْ ومَكْرُهُمُ ***** حتى أشاطوا بغَيْبٍ لحمَ مَنْ يَسَرُوا
فلَمْ يَكُنْ طاوِياً عنّا نصِيحَتَهُ ***** وفي يدَيْه بدُنْيا دونَنا حَصَرُ
فهو فداءُ أميرِ المؤمنينَ، إذا ***** أبدى النواجذَ يومٌ باسلٌ ذكرُ
مفترشٌ كافتراشِ الليث كلكلهُ ***** لوقعة ٍ كائنٍ فيها لهُ جزرُ
مُقَدِّماً مائتيْ ألْفٍ لمنزِلِهِ ***** ما إن رأى مثلهمْ جنّ ولا بشرُ
يَغْشَى القَناطِرَ يَبْنيها ويَهْدِمُها ***** مُسَوَّمٌ، فَوْقَه الرَّاياتُ والقَتَرُ
قَوْمٌ أنابَتْ إليهِمْ كلُّ مُخْزِية ٍ***** وبالثوية ِ لم ينبضْ بها وترُ
وتَسْتَبينُ لأقوامٍ ضَلالَتُهُمْ ***** ويستقيمُ الذي في خدهِ صعرُ
ثم استقلَّ باثقال العراقِ، وقدْ ***** كانتْ لهُ نقمة ٌ فيهم ومدخرُ
في نَبْعَة ٍ مِنْ قُرَيشٍ، يَعْصِبون بها ***** ما إنْ يوازَى بأعْلى نَبْتِها الشّجَرُ
تعلو الهضابِ، وحلّوا في أرومتها ***** أهْلُ الرّياء وأهْلُ الفخْرِ، إنْ فَخَروا
حُشْدٌ على الحَقّ، عيّافو الخنى أُنُفٌ ***** إذا ألمّتْ بهِمْ مَكْروهَة ٌ، صبروا
وإن تدجتْ على الآفاقِ مظلمة ٌ***** كانَ لهُمْ مَخْرَجٌ مِنْها ومُعْتَصَرُ
أعطاهُمُ الله جداً ينصرونَ بهِ ***** لا جَدَّ إلاَّ صَغيرٌ، بَعْدُ، مُحْتقَرُ
لمْ يأشَروا فيهِ، إذْ كانوا مَوالِيَهُ ***** ولوْ يكونُ لقومٍ غيرهمْ، أشروا
شمسُ العداوة ِ، حتى يستقادَ لهم ***** وأعظمُ الناس أحلاماًن إذا قدروا
لا يستقلُّ ذوو الأضغانِ حربهمُ ***** ولا يبينُ في عيدانهمْ خورُ
هُمُ الذينَ يُبارونَ الرّياحَ، إذا ***** قَلَّ الطّعامُ على العافينَ أوْ قَتَروا
بني أميّة َ، نُعْماكُمْ مُجَلِّلَة ٌ ****** تَمّتْ فلا مِنّة ٌ فيها ولا كَدَرُ
بني أُميّة َ، قدْ ناضَلْتُ دونَكُمُ ***** أبناءَ قومٍ، همُ آووا وهُمْ نصروا
أفحمتُ عنكُم بني النجار قد علمت ***** عُلْيا مَعَدّ، وكانوا طالما هَدَرُوا
حتى استكانوا: وهُم مني على مضضٍ ***** والقولُ ينفذُ ما لا تنفذُ الإبرُ
بَني أُميّة َ، إنّي ناصِحٌ لَكُمُ ***** فَلا يَبيتَنَّ فيكُمْ آمِناً زُفَرُ
وأَتْخِذوهُ عَدُوّاً، إنَّ شاهِدَهُ ***** وما تغيبَ من أخلاقهِ دَعرُ
إن الضغينة َ تلقاها، وإن قدُمتْ ***** كالعَرّ، يَكْمُنُ حِيناً، ثمّ يَنْتشِرُ
وقَدْ نُصِرْتَ أميرَ المؤمنين بِنا ***** لمّا أتاكَ ببَطْنِ الغُوطَة ِ الخَبَرُ
يعرفونكَ رأس ابن الحُبابِ، وقدْ ***** أضحى ، وللسيفِ في خيشومهِ أثرُ
لا يَسْمَعُ الصَّوْتَ مُسْتَكّاً مسامِعُهُ ***** وليسَ ينطقُ، حتى ينطقَ الحجرُ
أمْسَتْ إلى جانبِ الحَشاكِ جيفَتُهُ ***** ورأسهُ دونهُ اليحمومُ والصُّوَرُ
يسألُهُ الصُّبْرُ مِن غسّان، إذ حضروا ***** والحزنُ كيف قراكَ الغلمة ُ الجشرُ
والحارثَ بن أبي عوفٍ لعبنَ بهِ ***** حتى تعاورَهُ العقبانُ والسبرُ
وقيس عيلان، حتى أقبلوا رقصاً ***** فبايعوكَ جهاراً بعدما كفروا
فلا هدى اللَّهُ قَيساً مِن ضَلالتِهِمْ ***** ولا لعاً لبني ذكوانَ إذا عثروا
ضجّوا من الحرب إذا عضَّت غوارَبهمْ ***** وقيسُ عيلان من أخلاقها الضجرُ
كانوا ذَوي إمة ٍ حتى إذا علقتْ ***** بهمْ حبائلُ للشيطانِ وابتهروا
صُكّوا على شارِفٍ، صَعْبٍ مَراكبُها ***** حَصَّاءَ لَيْسَ لها هُلْبٌ ولا وبَرُ
ولمْ يَزَلْ بِسُلَيْمٍ أمْرُ جاهِلِها ***** حتى تعايا بها الإيرادُ والصدرُ
إذْ يَنظُرون، وهُمْ يجْنون حَنْظَلَهُمْ ***** إلى الزوابي فقلنا بعدَ ما نظروا
كروا إلى حرتيهم يعمُرونَهُما ***** كما تكرُّ إلى أوطانها البقر
وأصْبحَتْ مِنهُمُ سِنْجارُ خالِيَة ً***** والمحلبياتُ فالخابورُ فالسرَرُ
وما يُلاقونَ فَرَّاصاً إلى نَسَبٍ ***** حتى يُلاقيَ جَدْيَ الفَرْقَدِ القَمَرُ
وما سعى فيهم ساعٍ ليدرِكنا ***** إلا تقاصرَ عنا وهوَ منبهرُ
وقد أصابتْ كلاباً، من عداوتنا ***** إحدى الدَّواهي التي تُخْشى وتُنْتَظَرُ
وقد تفاقمَ أمرٌ غير ملتئمٍ ***** ما بَيْنَنا رَحِمٌ فيهِ ولا عِذَرُ
أما كليبُ بن يربوعِ فليسَ لهمْ ***** عِنْدَ التّفارُطِ إيرادٌ ولا صدَرُ
مخلفونَ، ويقضي الناسُ أمرهمُ ***** وهُمْ بغَيْبٍ وفي عَمْياءَ ما شَعروا
مُلَطَّمونَ بأعْقارِ الحِياضِ، فما ***** ينفكّ من دارمي فيهم أثرُ
بئس الصحاة ُ وبئس الشربُ شربهُمُ ***** إذا جرى فيهمِ المزاءُ والسكرُ
قوم تناهت اليهم كل فاحشة ***** وكل مخزية سبت بها مضر
على العِياراتِ هَدّاجونَ، قدْ بلَغَتْ ***** نَجْرانَ أوْ حُدّثتْ سوءاتِهم هَجَرُ
الآكلون خبيثَ الزادِ، وحدهُمُ ***** والسائلون بظهرِ الغيبِ ما الخبرُ
واذكرْ غدانة ً عداناً مزنمة ً***** مِن الحَبَلَّقِ تُبْنى حوْلها الصِّيَرُ
تُمْذي، إذا سَخَنَتْ في قُبلِ أذْرُعِها ***** وتزرئِمُّ إذا ما بلها المطرُ
وما غُدانَة ُ في شيء مكانَهُمُ ***** الحابسو الشاءَ، حتى يفضلَ السؤرُ
يتصلونَ بيربوعِ ورفدهمُ ***** عِنْدَ التّرافُدِ، مغْمورٌ ومُحْتَقَرُ
صُفْرُ اللِّحى مِن وَقودِ الأدخِنات، إذا ***** ردّ الرفادَ وكفَّ الحالبِ القررُ
وأقسمَ المجدُ حقاً لا يحالفهمْ ***** حتى يحالفَ بطنَ الراحة ِالشعرُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في مدح عبدالملك بن مروان . زعم الأخطل أنه أفنى في نظم هذه القصيدة حولاً وما بلغ كل ما أراد . ( المرجع كتاب الأغاني الجزء السابع ص 164 ) .
1) خف : أسرع .
2) القطين : القوم الذين يسكنون الجوار .
3) النوى : البعد والجهة التي يقصدون .
4) الصرف : التغير والتغلب .
5) الغير : المتاعب . روي أن الأخطل لما أنشد " خف القطين فراحوا منك " تطير عبد الملك بن مروان فقال : لا بل منك ، لا بل منك ، فجعله الأخطل " خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا ، ( المرجع : الهفوات النادرة ص 31 ) .
6) القرقف : الخمرة التي تذهب عقل صاحبها .
7) جُدر : قرية اشتهرت بصنع الخمر ، وحمص معروفة .
8) ذوات القار : الخوابي المطلية بالزفت .
9) المترعة : الملآنة .
10) الكلفاء : التي خالط لونها الحمار المائل إلى السواد .
11) الخرطوم : فم الخابية .
12) المدر : العين الموجود على باب الخابية .
13) الحميا : الحدة ـ يقول أن لهذه الخمرة ولدت في رأسه صداعاً لا ينتهي .
14) خبلت : اضطربت .
15) الأوصال : أعضاء الجسد .
16) النشر : الرقى والتعاويذ والشاعر في هذا البيت يقول ان الدوار والمرض الذي اصابه من جراء الخمرة .
17) كوكب : رابية بالخابور .
18) الزمر : العصابات .
19) الخدور : المخابئ .
20) البغام : صوت الضباء استعارة للمطي .
21) الصور : الدمى .
22) يبرقن : يلوحن .
23) يختبلنهم : يفسدن قلوبهم .