ومن قول حسان الذي يصف فيه سير الخمرة في الجسم بقوله(
[1]):
تدبُّ في الجسم دبيباً كما ***** دبّ دبيّ وسط رقَّ هيام
أخذ شاعرنا هذا البيت وفصّل في جزئيات الصورة ، إذ شبه دبيب الخمر في العظام بدبيب النمل ، ووجه الشبه هنا البطء في السير، فالنمل يترك أثراً بعد انحداره من الرمل والخمر تترك أثراً في العظام بعدما تتمشى بها وهذا مايعرف بالتشوه حيث قال(
[2]):
تدبُ دبيباً في العظام، كأنّه ***** دبيب نمال في نقاً يتهيلُ
ومما يستشهد به الحاتمي هو اتباع الأخطل لقول أوس بن حجر(
[3]):
معازيل حلالون- بالغيب- وحدهم ***** بعمياءً حتى يُسألوا الغد ما الأمرُ
أخذه الأخطل فأحسن العبارة، واستوفى المعنى فيه، فصار أحق به من المخترع له، بقوله في الهجاء(
[4]):
مخلّفون ويقضي الناس أمرهم ***** وهم بغيبٍ وفي عمياء ماشعروا
فأخذ الأخطل هنا يقع تحت مصطلح المجدود، على مايراه الحاتمي إذ يقول عنه "هو اشتهار الأخذ بالمعنى دون المأخوذ منه، وهذا الشعر يسمى المجدود، لاشتهاره، دون الأصل"(
[5]). وعلى هذا فأوس بنحجر وان كان له السبق الى المعنى وابتكاره، إلاّ أنّ الأخطل بحسن أخذه وبراعة صياغته، التي أجاد وأبدع فيها، صار أحق بالمعنى من المخترع له.
وعرض الحاتمي في باب كشف المعنى وابرازه بزيادة تزيده نصاعةً وبراعةً في نظم المنثور. إذ عمد الى قول بعض اليونانيين "العشق شغل قلب فارغ". فنظم الأخطل معنى هذا النص شعراً قائلاً(
[6]):
وكم قتلت أروى بلا ترةٍ لها ***** وأروى لفُرّاغ الرجال قتول
وعلق الحاتمي على هذا البيت بأنه مما تقدم فيه الشاعر، واخف ىالسرقة فيه(
[7]). وللقرآن الكريم أثر واضح في اشعار الشعراء على اختلاف الاغراض والميادين إذ نجد صدى واسعاً لأثره بمعانيه والفاظه وصوره حيث انس لهذا الأثر الى لغة الشعراء لأن القرآن هو الذروة البلاغية في الكلام العربي ونتيجة لاعجابهم به وكثرة قراءتهم له دخلت الفاظه الجديدة في اساليب الشعراء والكتاب والخطباء(
[8]).والأخطل كغيره من الشعراء نهل من الثقافة الاسلامية علاوة على انه ذو ثقافة نصرانية امتزجت مع الثقافة العربية على الرغم من أننا لانجد صدى كبيراً للتعابير النصرانية في شعره (
[9])، ولكننا نتلمس اثراً في بعض عباراته والفاظه تضميناً وأقتباساً لكثير من آيات الذكر الحكيم.
لقد صاغ الأخطل بعض التعابير القرآنية بأبيات شعرية رائعة كقوله(
[10]):
أقفرتِ البُلخُ، من عيلان، فالرُّحَبُ ***** فأصبحوا لايُرى إلاّ منازلهم
فالمحلبيّات، فالخابورُ فالشُّعبُ ***** كأنّهم من بقايا أمّةٍ ذهبوا
وما صدر البيت الثاني إلاّ تضمين واضح للآية الكريمة (( فأصبحوا لايُرى إلاّ مساكنهم ))(
[11]). كما صبّ معاني بعض الآيات القرآنية في أبيات شعرية بليغة كقوله(
[12]):
فلا تُطعمن لحمي الأعادي، إنّه ***** سريعٌ اليكم كرها، ونميمها
ونلمس من معاني هذا البيت صدى لقوله تعالى (( أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ))(
[13]).
وهناك الكثير من الشواهد المبثوثة في ديوانه والتي تدل على تزوده بالزاد الاسلامي الوافر، فزاد من بلاغته وبديع صوره(
[14]).وفي هذه النماذج، دليل على أنّ الأخطل قد تأثّر بمن تقدمه أو عاصره من الشعراء. وهو أمر مألوف لدى غيره من الفحول، وليس مما يقدح في نبوغه وفحولته وتقدمه. أما ما يضعف قيمته ويقدح في شاعريته، فأن يصحّ مانسب اليه من الانتحال. فقد روي عن جرير أنه قال: "إنّه والله مايهجوني الأخطل وحده، وإنه ليهجوني معه خمسون شاعراً، كلهم غزير ليس بدون الأخطل. وذلك أنه إذا أراد هجائ يجمعهم على شراب، فيقول هذا بيتاً وهذا بيتاً، حتى يتمّوا القصيدة وينتحلها الأخطل"(
[15]).
وهذه الرواية تزعم أن الأخطل ينتحل شعر غيره ويدّعيه، فتجعل نقائضه مشاعاً بين شعراء كثر.
فربما استطاع خمسون شاعراً أن ينظموا، مشتركين، قصيدة واحدة أو أكثر، ولكن ماينظمونه لا يمكن أن يدعيه شاعر واحد، إذ لا بدّ من ان يكون هناك اختلاف وتفكك وتهافت فيفقد الوحدة لفنّه التي تمثل شخصية متميزة للشاعر.
وقال ابن قتيبة(
[16]): ومما سبق اليهالأخطل فأُخذ منه قوله(
[17]):
قرمٍ تعلّق أشناق الدّيات به ***** إذا المئون أمرّت فوقه حملا
أخذه الكميت فقال(
[18]):
كأنّ الدِّيات إذا عُلِّقت ***** مِؤُوها به الشّنق الأسفلُ
وللأخطل صور نجد أثرها في شعر غيره من الشعراء مثل ابي الهندي(ت180هـ)(
[19])منها قول الأخطل في وصف الخمر المعتقة في الدنان المختومة ثلاثة أعوام(
[20]):
كمّت ثلاثة أحوال بطينتها ***** حتى اذا صرحت من بعد تهدارِ
أخذ المعنى ابو الهندي وجعلها تثوي تسعين حجة بقوله(
[21]):
كميتا نوت في الدنّ تسعين حجة ***** مشعشعة في شربها واجب الحد
وزعم الآمدي أن بيت الأخطل(
[22]):
تدب دبيباً في العظام، كأنّه ***** دبيب نمالٍ في نقاً يتهيّلُ
أخذه ابو تمام فأفسد المعنى(
[23]) حين قال:
اذا الراخ دبّت فيه تحسب جسمه ***** لما دبّ فيه، قريةً من قرّى النّملِ
وأخذ عجز هذا البيت(
[24]):
ولقد أراك، فهل أراك بغبطةٍ ***** والعيش غضّ، والزمان غلامُ
من قول الأخطل(
[25]):
سعيت شباب الدّهر لم تستطعهم***** أفالآن لما أصبح الدهر فانيا؟
مما يثير الدهشة حقاً أنّ شاعراً مثل الأخطل عُرف بجودة شعره وروعة فنه، قد عمد لسرقة بعض ابيات سابقيه ومعاصريه ولوتفحصنا المسالة لوجدنا أن التشابه الحاصل في بعض ابياته وابيات غيره يعود إلى أن:-
ان الثقافة الفنية التي يتزود بها الشاعر عمادها الاول هو رواية الشعر وحفظه. ولا شكان حفظ الشعر يترك آثاراً في ذاكرة الانسان، من تجارب الآخرين وأساليبهم في الاستجابة والأداء. هذا إذا كان الشعر المحفوظ متوسط المنزلة أو جيدها. فإذا كان ممتازاً، رفيع الخيال والأداء فلا بد ان يصبح تأثيره أوضح في نفوس الناس ونتاجهم لذك لأنهم يؤخذون به فيردّدونه اكثر من غيره، ويهتمون به، ويتحرّون مواطن جماله ، ويتذوقون دقائق ابداعه، فتتوق أنفسهم – واعية أو غير واعية - إلى مجاراته ومحاكاته. وقد صرح غير شاعر بما يؤيد هذه الظاهرة التاريخية ويثبتها. قال بشار بن برد(
[26]): لم أزل منذ سمع تقول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد، حيث يقول:
كأنّ قلوب الطَّير، رَطباً ويابساً ***** لدى وكرها العُنّابُ، والحشفُ البالي
اعمل في نفسي في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت، حتى قلت:
كأنَّ مثار النَّقع فوق رؤوسنا ***** وأسيافنا، ليلُ تهاوى كواكبه
وهذا هو تفسير للتأثّر الواعي الذي نتلمسه لدى الشعراء ونسمّيه سرقة شعرية أو تقليداً.
أما التأثر غير الواعي فهو أبعد مدى وأوسع ميداناً، إذ ينظم الشاعر مايظنّه ابداعاً ذاتياً، ثم يتبين له أو لغيره أنه صدى لما كان في نفسه من رصيد ثقافي. فالشعر ليس موهبة فحسب، انما هو ايضاً دراسة لآثار السابقين وتمرس بها بغية الإفادة منها.
ومن ثم فإن تداول المعاني في الأجيال المختلفة من الشعراء امر طبيعي، ولكنه لا ينبغي أن يقف هذا التداول عند حدّ التقليد الأعمى والتقل الحرفي لمعاني الأخرين وصيغهم، وقد اصاب ابو هلال العسكري حين قال: “ إن من أخذ معنى بلفظة كان سارقاً، ومن أخذه ببعض لفظه كان سالخاً، ومن أخذه فكساه لفظاً من عنده، اجود من لفظ كان هو اولى به ممن تقدمه"(
[27]). فالعبرة اذاً بالصياغة، فلا تثبت السرقة الأدبية، الا بنقل الصياغة بأكملها لفظاً ومعنى، او نقل المعنى نقلاً حرفياً دون تحوير فني، وهو ما يندر وجوده في شعر الأخطل، لأنه حينما يأخذ المعنى يعمد الى صياغته صياغة جديدة ليست كصياغته الأولى، بما يضفي على نصه الشعري شيئاً من فنه، ويمنحه خصوصية معينة لذا فأننا لا نعد الأخطل سارقاً، بلمبدعاً ومثالاً يحتذى به من بعده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ديوان حسان، ص227 (شرح ديوان حسان للبرقوقي، ص437).
الروائع:190، الدبى: أصغر مايكون من الجراد والنمل، الرقاق: الأرض المستوية اللينة الترابتحته.
([2]) شعر الأخطل 1/19. "نقاً" وأنقاءُ. والأنقاء في غير هذا: العظام المُمخّة. والمخ: النقي. وانما سمي نقياً لانه في الأنقاء، وهي العظام.
([3]) ديوان أوس بن حجر، ص38.
([4]) شعر الأخطل 2/67، وينظر: شرح ديوان الاخطل، تحقيق: ايليا حاوي،ص177.
([5]) حلية المحاضرة 2/90.
([6]) شرح ديوان الاخطل، ص656. فرّاغ الرجال: أي الرجال المتفرغين للهو. تحـ وشرح ايليا حاوي.
([7]) ينظر: حلية المحاضرة 2/92.
([8]) ينظر: أثر القرآن في الأدب العربي في القرن الأول الهجري ، د. ابتسام الصفار، ص12.
([9]) في شعره اشارات واستعمالات منقولة عن عادات النصارى ومعتقداتهم، ينظر: شعراء النصرانية بعد الاسلام، ص172.
([10]) شعر الأخطل 1/84.
([11]) سورة الاحقاف: 25.
([12]) شعر الأخطل 1/319. نميمها: جمع نميمة.
([13]) سورة الحجرات 120.
([14]) وقال الشاعر: أعطاه من لذّةالدّنيا وأسكنه في جنةٍ نعمةٌ فيها وتخليد
م.ن1/98.
قالتعالى ((اسكن أنت وزوجك الجنة)) سورة الاعراف: 19. كما ضمنها معنى الخلود في الدارالآخرة. قال تعالى ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك اصحاب الجنة هم فيهاخالدون)) سورة البقرة: 82.
([15]) الموشح، ص224-225.
([16]) الشعر والشعراء 1/486-487، وينظر: اللسان 10/189. (شنق)
([17]) الأشناق: الأصناف، أو الزيادات التي تضاف الى الديات. القرم من الرجال: السيد المعظم. قالهُ أبو سعيد السكري في شرح ديوان الأخطل 143-144 والبيت في اللسان 12/57.
([18]) أشناق الديات: أصنافها من الحقاق والجذاع وأشباهها.
([19]) ابو الهندي: شاعر عربي تأثر كثيراً بشعر الأخطل، ويعد اول شاعر وصف الخمرة في الاسلام واستفرغ شعره في وصفها. ديوان أبي الهندي، ص9.
([20]) شعر الأخطل 1/168. ينظر: لسان العرب 5/258.
([21]) الديوان: 31.
([22]) شعر الاخطل 1/19.
([23]) الموازنة 1/85.
([24]) م.ن 1/116.
([25]) شعر الأخطل 1/352. كأنه يقول لجرير: أنت لم تدرك الفرزدق في شبابك، أفتدركه حين كبرت وضعفت.
([26]) ينظر: العمدة 1/196-197.
([27]) كتاب الصناعتين: 203.