جواهر في حرائر السامر _ عبد محمد
نقد العذول
في كل حكاية حب ثمة عذول يحاول جاهدا ً قطع حبل المحبة بين المتاحبين لغاية دنيئة في نفسه ، و ذلك يتبدى جليا ص في قصائد الشعراء الوجدانية .
و في الأبيات التالية يرفض سمو الأمير عبد العزيز الدور السلبي و الطفيلي للعواذل قائلا ً :
تحترق نظراتهم بينك و بيني
العواذل ما لهم معنا حقوق
و المحبة عين و الأشواق موق
قل لعذال الهوى وينك و ويني
سقت نفسي للهوى و الحب سوق
و للعذول أسماء متعددة منها ( اللائم ) و (أهل الهرج ) ، كما يوضح ذلك سمو الأمير عبد العزيز في البيت التالي :
سعو بيني و بينك أهل الهرج بالتنكيد
و أنا فيك ما طاوعت يا زين هرجه
و لا ينساق سموه و هو السامي كصقر في عليائه إلى أهل الهرج من العواذل لأن هدفهم وأد الحب الجميل في مهده .
و رغم كل هذا الحذر الكبير من العواذل إلا أن أحدهم ينجح في جعل الحبيبة تصد عن حبيبها ، الأمر الذي يدفع سموه لأن يقول :
و عذول حبي لك عسى الله حسيبه
خلاك تجفاني و أنا مثلك أجفاك
و أول جروحي في ضميري صعيبه
و الثانية أضنت بها الروح يمناك
و تكثر شكوى السامر من العواذل الذين لا يرحمون أحدا ً ، يقول في قصيدته ( مجروح العيون ) :
و العواذل ....كلهم ما يرحمون
و لو يصيح المبتلي ما له مجيب
رؤوسنا بالحب فوق ..و ما تهون
و ما لقيت اللي يقول إني مصيب
و إزاء هذا الحضور الطاغي و الكبير و المشؤوم لعواذل الحب يحرص سموه دائما ً على تحذير حبيبه من العواذل ، يقول :
و احذر حكي عذالة الحب يغويك
عساك تصحي للحكي ما يطوفك
اللهفة و الشوق و الوصل و الفراق
شعر سمو الأمير عبد العزيز بن سعود بن محمد الوجداني شعر تكتمل فيه المواصفات المتعددة لقصيدة الحب من حيث المضامين و الأساليب الفنية و الحساسية التعبيرية و المفردات و التراكيب و الرؤى ، وبالتالي فهو شعر يحتشد باللهفة و الشوق للحبيب و الحلم الأزلي بوصال ٍ لا يعكره غياب أو فراق .
و غالبا ً ما يستهل السامر قصائده الوجدانية بالتعبير عن لهفته العارمة لشخص الحبيب . يقول مستهلا ً قصيدته \" كل ما ناظرتني \" :
ودي أشبع منك شوف و ما حصل لي
كل ما ناظرتني ضاعت علومي
و مثلما يستهل السامر قصائده الوجدانية باللهفة إلى شخص الحبيب يستهلها أحياناً بالشوق الذي يزلزل كيان
الحبيب و الحبيبة معا ً ، يقول سموه مستهلا ً قصيدته \"خمر الأرياق \" \"
أشتاق لك و كلمك كل ما اشتاق
عنك الثواني كنها شهور و سنين
عليك قلبي من ضنا الشوق خفاق
أبيك لكن وين دارك و أنا وين
أي و الله أحبك و حبك فا الأعماق
و قصايدي بك للمفارق عناوين
و لنمعن النظر مستمتعين بفخامة صور الحب السامرية ، يضيف السامري قائلا ً :
في حضن عيني صورتك كل ماراق
طيف يجيبك من خفا الروح للعين
طيف يونس وحشتني كل ما ضاق
صدري من الفرقا و بعد المحبين
و يكون الوصل تتويجا ً للشوق و نتيجة طبيعية له ن فهو الذي يبرد مكابداته لهيب الأشواق كلها ، يقول السامر :
يا جرح قلبي ويا غاية مطامعنا
متى تبرد لهيب الشوق بعناقك
الهجر يا مجدد الأشواق لا يعنا
و ظلام يأسي يزيحه نور برّاقك
و يلعب غياب الحبيب دورا ً تصعيديا ً كبيرا ً للأشواق الأمر الذي يضرم نيران الوجد ، يقول سمو الأمير عبد العزيز :
عشت بنعيم الحب لا شك مادام
تقطع أسباب الوصل منه تالي
الله على غيب الليالي و الأيام
لا فرقت غالي من عيون غالي
يمكن تلاقيني و ألاقيك قدام
و تصفي مشارب ظالمات الليالي
و يقدم سموه وصفاً دقيقا ًلآلام الفراق ، يقول مخاطبا ً الحبيب :
ليتك تجرب من الفرقا معاناتي
مره بعمرك و تعرف قدر حبيلك
حبيس كثر الشجون وهم الآهاتي
و أسرار دمع تبلل منه منديلك
ولا يمكن مجابهة الأثر الفادح لغياب الحبيب إلا بطلب الوصل ، يقول سموه :
عسى الله يمدد بالوصل يمكم و يعيد
على شان نفسي منك للوصل محتاجه
وهكذا تكتمل رباعية اللهفة و الشوق و الفراق و الوصل و تتناغم على نحو وثيق ليبدع السامر أجما قصائده الوجدانية .
التوسل للحبيب و كبرياء العاشق
التوسل للحبيب و كبرياء العاشق ثنائية العشق الأزلية يجسدها سمو الأمير عبد العزيز في شعره الوجداني :
و يتسامى سموه بخطاب التوسل مضفيا ً غليه سمو روحه النبيلة بامتياز فيغدو أقرب ما يكون للرجاء.
يقول سموه :
كيف ما تمنع الللي من جروحك مريب
خف من الله لا تقسى و تأخذ سلاحه
في عيونك سجين الحب ما له مجيب
ليت رمش العيون السود يطلق سراحه
و يقول أيضا ً :
و لأمرك سمعنا يا حبيبي و طعنا
خذ ما تبي بس أصدق الحب هاته
و لكن عاطفة السامري المتدفقة نحو الحبيب رقة و عذوبة و لينا ً لا تمنعه من المباهاة بكبريائه و شممه و شموخه ، إذ ما فائدة الحب دون العز و رفع الرأس.
يقول السامر مباهيا ً و مفاخرا ً رفعة و سموا ً:
علمني الوقت رفع الرأس و الهامه
لا ...ما أشرب الحب ذل و ينحني رأسي
نفسي على العز عزاقه و جزامه
لا خير بالعشره اللي ما لها ساسي .
و هكذا يحفل شعر السامر الوجداني بكبرياء العاشق الذي يزيد الحب تألقا ً و جمالا ً و نبلا ً و يرتقي به نحو المعاني السامية و المقاصد النبيلة .
الغزل العفيف
يعتبر الغزل من أهم أغراض الشعر العربي قديمه و حديثه . و لسمو الأمير عبد العزيز بن سعود بن محمد باع طويل في هذا المجال ، حيث نلحظ بوضوح طغيان الحالة الوجدانية في شعره عموما ً . يقول الأديب و الباحث عبد الله الزازان في مقدمة ديوان السامر :
(( برع الأمير عبد العزيز في الغزل و أدخل عليه أساليب و طرائق جديدة ن و قد عده النقاد أول من طور الغزل الوصفي و قد وظف الاستعارة و التشبيه توظيفا ً حسنا ً كشاعر فتن بالخيال فأضاف التشبيه على القصيدة جمالا ً و إبداعا ً )) .
و يقدم الباحث الزازان شواهد رائعة على ذلك ، منها قول السامر :
قلت الله الله ميت فيك بالحيل
مختال شوفي حار بيني و بينك
و بين الرموش اللي وقف عدلها ميل
و عبث ٍ تنثر فوق صافي جبينك
تلقاني أكتب لك قصيدي من الويل
يبحث خفى قلبي على الناس زينك
أرسمك ضي يقهر الجدي و سهيل
و أسلمك كل النجوم بيمينك
أنواع غزل السامر
يعتمد غزل الأمير عبد العزيز اعتمادا ً كبيرا ً على وصف الحالة الحسية لما يكون عليه شكل المرأة الحبيبة و بذا يكون للغزل الوصفي حضورا ً كبيرا ً في شعره الوجداني ، دون أن يقلل ذلك من حضور الغزل المعنوي ببعديه الجمالي المعنوي و العذري :
1- الغزل الوصفي :
يتركز الغزل الوصفي على وصف محاسن المرأة الحبيبة و كثيرا ً ما يفصل سمو الأمير عبد العزيز تفصيلا ً شاملا ً في وصف مختلف معالم المرأة الحبيبة ، يقول سموه :
شفت السواد ينادي بعينك الليل
هي من سواد الليل و الليل منها
و بين الرموش و بين عينك تعاليل
الشمس من جيدك قليلة محاصيل
ما هيب و امنته و هو ما و منها
و الروض من خدك شكى الظلم و الويل
مقهور من ورد ٍ خدودك زبنها
و يقول في قصيدته ( [COLOR=magenta]عاصي الشوق ) حيث تظهر بوضوح انسيابية الغزل الوصفي :[/COLOR]
الشعر فزع رموش العيون الوساع
و ادمعت عين ٍ و عين ٍ تسمي عليه
بين خدك و بينه مثل وهج الشعاع
كلما داعب الورد الحمر ذاب فيه
وقتها شفت حالات الغلا و الضياع
كن عينك تبيه و رمشها ما يبيه
عاصي الشوق شاف الجيد فارغ و طاع
سوبه من عذاب الحب ما تشتهيه
و يتميز الغزل الوصفي السامري برشاقته و تلقائيته و عذوبته و ترابطهو كثافته و شفافيته ، و لننظر إلى براعة سموه الفائقة في تكثيف الوصف الغزلي في هذيت البيتين دون أن يخل ذلك بجمال الشعر و قوة بنائه ، يقول سموه :
ضيف العين شوفي لك يطيب المقام
بين جيدك و خدك للخلي الجريح
لأجلك العام الأول صرت أحب اللثام
حدر رمش ٍ ظليل ٍ و فوق خد ٍ مليح
و يظهر سموه في غزله الوصف الشامل تواترا ً أخاذا ً يتراءى لعين النتلقي كلوحات متتابعة متناسقة ، و لمنعن النظر إلى هذا الاسترسال المتقن و الجميل :
يا عين ما ترحمين المجاريح
و يا شعرها لا تنثني لي مع الريح
صورتك طول فراقنا ما مسحها
و يا جيدها المنتوق لا تغري مريح
عينه قبل شوفتك صد و نصحها
و يا قدها خفف تثنيك لا أصيح
رمشك يلمح لي بالآمال تلميح
و اليأس نفسي قبل أشوفك ذبحها
2- الغزل المعنوي ( العذري ) :
درج الشعراء العرب و منذ عصر شعراء بني عذرة على غزل عذري عفيف المقاصد ، شفيف الإيحاء ، يلبي اندفاعات الحب العذري و يشكل مظهرا ً تعبيريا ً و وصفيا ً له .
يقول سمو الأمير عبد العزيز :
اجمع الغرّه و رجّعها جميع
لأجل نور الخد فيها عيّا لا يطيع
يا عيون ٍ ما خذتني للضياع
كيف نشري بالهوى العف و نبيع
و الغلا مثل الضماير ما يباع
و عبر الغزل العذري يفصح سمو الأمير عبد العزيز و بجلاء عن صفات الحبيب المعنوية و الروحية و الجمالية وفق إطار عذري صوفي .
إن الغزل العذري يكرس جماليات أخرى للحبيبة غير ظاهرة لحاسة البصر و لكن الروح تلتقطها و يحتفل بها القلب و يتغنى بها الشعر ، يقول سموه في مناجاة صوفية :
عظيم من عظم الحسن في جمالك
سبحان من صورك زاهي و فتان
غيرك عصاه الحسن و أنت اهتدى لك
أصبح لك أطوع من هو قلب و لسان
الأوله يوم ابتدأ الخلق جالك
نفح ٍ من العنبر و روح ٍ و ريحان
و يتوج سمو الأمير عبد العزيز غزله العذري باستلهام سير و قصص الحب العذري ، يقول في نفس ٍ عذري يذكرنا بشجوات جميل بثينة و كثير عزة :
خدها مثل القمر يجلي الظلام
عقبها عيني جفت حلو المنام
صوبتني و اعدمت روحي عدام
ليتكم عن ظلمها تنهونها
سمات و خصائص قصيدة الغزل السامرية
تختص قصيدة الغزل السامرية بعدد من السمات و الخصائص منها :
1- وصف الجمال العربي التقليدي :
يعتبر وصف معالم جمال المرأة العربية التقليدية سمة هامة من سمات غزل السامر و من ذلك تشبيهه المرأة بالمهرة ، يقول سموه :
مثل غصن البان ثنية قدها
و تشبيهه عيون المرأة بعيون المهاة و هو تشبيه كلاسيكي دَرَجَ عليه الشعراء العرب منذ أمد بعيد ، يقول سموه :
و عشت منها يا محمد في كبد
اندوشت و قلت يا الله الثبات
يا الله إنك ترزق السامر جلد
كذلك فقد تغزل سمو الأمير عبد العزيز بالرمش على عادة الشعراء العرب القدامى ، و لننظر إلى هذه الصور البديعة التي تصور الرمش على ورد الوجن يكتب حروفا ً عندما تستلهم العين :
رمشه على ورد الوجن يكتب حروف
لا سلهم بحور العيون الفتونه
و كذلك يؤثر السامر العيون السوداء ، يقول سموه :
طحت في حب العيون السود كلي
و من عثر في رمش عينك ما يقومي
و يشبه السامر إطلالة المرأة بطلعة القمر أو البدر استلهاما ً للتراث الشعري و القاموس الجمالي العربي ن يقول سموه :
طلعة البدر عيني غلقت في بهاك
يا عيوني ويا مناي و هواي
و يقول أيضا ً :
لا توريني القمر و إنت القمر
نور خدك مثل نوره في الظلام
2- شفافية الغزل و فخامته :
يقول الأديب و الباحث عبد الله الزازان : ( ينظر نقاد الشعر إلى أدب الأمير عبد العزيز على أنه البداية الحقيقية لظهور الوصف الجمالي ، و لعل ظهور هذا الفن الجديد يعود إلى تفانيه في خلق الأفكار الجمالية ، و لذلك فإنه يعد مجددا ً للبناء الجمالي في الشعر ).
يقول سموه في شفافية آسره تفيض روعة و جمالا ً :
الله عطاني و كثر ما بها منه
حورية الحور نور الروح و عيوني
ما أحلا دلاله و ما أحلا بالغلا فنه
إن راح عني على ما راح و دوني
و يقول أيضاً :
إن رفعت الشوف عود ما قوى
و يمزج السامر مزجا ً متقنا ً بين دقة التصوير و الوصف و فخامة المفردات الغزلية التي يختارها بحرفية مهندس بارع ليشيد منها غزلا ً فخما ً و شفيفا ً و ساحرا ً ، يقول سموه :
خذيت الحسن كله ما بقى للغانيات أقسام
عليك الله أكبر حقهم ما فضلت يمناك
أشوف الحسن بك يختال في عيني و قلبي هام
أهيم برمشك الفتان و نور الجيد يا فتاك
على عرش الهوى و الملح ربي كملك بوسام
وسام المنطق الباهي على كل الحكي يزهاك
أبفرش لك حرير الشوق أبيك تسير الأقدام
على دربي و بأفرش لك ورود الحب في دنياك
و تنطوي القصيدة الغزلية السامرية على سمات فنية و مضمونية و أخلاقية و جمالية كثيرة لا حصر لها
