الشاعر / أمل دنقل

Anfas Elfajer 17-06-2012 56 رد 42,823 مشاهدة
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]



الملهى الصغير
___________



لم يعد يذكرنا حتّى المكان !
كيف هنّا عنده ؟
و الأمس هان؟
قد دخلنا ..
لم تنشر مائدة نحونا !
لم يستضفنا المقعدان !!
الجليسان غريبان
فما بيننا إلاّ . ظلال الشمعدان !
أنظري ؛
قهوتنا باردة
ويدانا - حولها – ترتعشان
وجهك الغارق في أصباغه
رسما
( ما ابتسما ! )
في لوحة خانت الرسّام فيها ..
لمستان !
تسدل الأستار في المسرح
فلنضيء الأنوار
إنّ الوقت حان
أمن الحكمة أن نبقى ؟
سدة !!
قد خسرنا فرسينا في الرهان !
قد خسرنا فرسينا في الرهان
مالنا شوط مع الأحلام
ثان !!
نحن كنّا ها هنا يوما
و كان وهج النور علينا مهرجان
يوم أن كنّا صغارا
نمتطي صهوة الموج
إلى شطّ الأمان
كنت طفلا لا يعي معنى الهوى
و أحاسيسك مرخاه العنان
قطّة مغمضة العينين
في دمك البكر لهيب الفوران
عامنا السادس عشر :
رغبة في الشرايين
و أعواد لدان
ها هنا كلّ صباح نلتقي
بيننا مائدة
تندي .. حنان
قدمان تحتها تعتنقان
و يدانا فوقها تشتبكان
إن تكلّمت :
ترنّمت بما همسته الشفتان الحلوتان
و إذا ما قلت :
أصغت طلعة حلوة
وابتسمت غمّازتان !
أكتب الشعر لنجواك
( و إن كان شعرا ببغائيّ البيان )
كان جمهوري عيناك ! إذا قلته : صفّقتا تبتسمان
و لكن ينصحنا الأهل
فلا نصحهم عزّ
و لا الموعد هان
لم نكن نخشى إذا ما نلتقي
غير ألاّ نلتقي في كلّ آن
ليس ينهانى تأنيب أبي
ليس تنهاك عصا من خيزران !!
الجنون البكر ولّى
و انتهت سنة من عمرنا
أو .. سنتان
و كما يهدأ عنف النهر
إنّ قارب البحر
وقارا .. واتّزان
هدأ العاصف في أعماقنا
حين أفرغنا من الخمر الدنان
قد بلغنا قمّة القمّة
هل بعدها إلاّ ... هبوط العنفوان
افترقنا ..
( دون أن نغضب )
لا يغضب الحكمة صوت الهذيان
ما الذي جاء بنا الآن ؟
سوى لحظة الجبن من العمر الجبان
لحظة الطفل الذي في دمنا
لم يزل يحبو ..
و يبكو ..
فيعان !
لحظة فيها تناهيد الصبا
و الصبا عهد إذا عاهد : خان
أمن الحكمة أن نبقى ؟
سدى
قد خسرنا فرسينا في الرهان
***
قبلنا يا أخت في هذا المكان
كم تناجى ، و تناغى عاشقان
ذهبا
ثمّ ذهبا
و غدا ..
يتساقى الحبّ فيه آخران !
فلندعه لهما
ساقيه ..
دار فيها الماء
مادار الزمان !!


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]



الأرض .. و الجرح الذي لا ينفتح
______________________



الأرض ما زالت ، بأذنيها دم من قرطها المنزوع ،
قهقهة اللّصوص تسوق هودجها .. و تتركها بلا زاد ،
تشدّ أصابع العطش المميت على الرمال
تضيع صرختها بحمحمة الخيول .
الأرض ملقاة على الصحراء ... ظامئه ،
و تلقي الدلو مرّات .. و تخرجه بلا ماء !
و تزحف في لهيب القيظ ..
تسأل سمّمه المغول
و عيونها تخبو من الاعياء ، تستسقي جذور الشوك ،
تنتظر المصير المرّ .. يطحنها الذبول
***
من أنت يا حارس ؟
إنّي أنا الحجّاج ..
عصبّني بالتاج ..
تشرينها القارس !
***
الأرض تطوى في بساط " النفط " ،
تحملها السفائن نحو " قيصر " كي تكون إذا تفتّحت
اللّفائف :
رقصة .. و هديّة للنار في أرض الخطاه .
دينارها القصدير مصهور على وجناتها .
زنّارها المحلول يسأل عن زناة الترك ،
و السيّاف يجلدها ! و ماذا ؟ بعد أن فقدت بكارتها ..
و صارت حاملا في عامها الألفيّ من ألفين من عشّاقها !
لا النيل يغسل عارها القاسي .. و لا ماء الفرات !
حتّى لزوجة نهرها الدموي ،
و الأموي يقعى في طريق النبع :
" .. دون الماء رأسك يا حسين .. "
و بعدها يتملّكون ، يضاجعون أرامل الشهداء ،
و لا يتورّعون ، يؤذنّون الفجر .. لم يتطهّروا من رجسهم ،
فالحقّ مات !
***
هل ثبّت الثّقفيّ
قناعة المهزوز ؟
فقد مضى تموز ..
بوجه العربيّ !
***
أحببت فيك المجد و الشعراء
لكنّ الذي سرواله من عنكبوت الوهم :
يمشي في مدائنك المليئة بالذباب
يسقي القلوب عصارة الخدر المنمّق ،
و الطواويس التي نزعت تقاويم الحوائط ،
أوقفت ساعاتها ،
و تجشّأت بموائد السّفراء ..
تنتظر النياشين التي يسخو بها السّلطان ..
فوق أكابر الأغواث منهم !
يا سماء :
أكلّ عام : نجمة عربيّة تهوى ..
و تدخل نجمة برج البرامك ! ؟
ما تزال موعظ الخصيان باسم الجالسين على الحراب ؟
و أراك .. و " ابن سلول " بين المؤمنين بوجهه القزحيّ ..
يسري بالوقيعة فيك ،
و الأنصار واجمة ..
و كلّ قريش واجمة ..
فمن يهديك للرأي الصواب ؟ !
***
ملثّما يخطو ..
قد شوّهته النار !
هل يصلح العطار
ما أفسد النفط ؟
***
لم يبق من شيء يقال .
يا أرض :
هل يلد الرجال ؟


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]



لا تصالح
______



(1 )
لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!
(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!
(4)
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف
(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!
(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!
(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضلعين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
(9)
لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!
(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]

دراسة نقدية لقصيدة ( لا تصالح )
_________________________


اكتسبت قصيدة مقتل كليب أو "لا تصالح" المكتوبة في نوفمبر "تشرين الثاني 1976م" شهرتها قبل اتفاقيات كامب ديفيد وبعدها، وعلى وجه التحديد بعد توقيع اتفاقيات فضّ الاشتباك بعد حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر 1973م - المجيدة.

لذا فإننا نرى أن الفعل "لا تصالح" تكرر عشرين مرة في المقاطع العشرة أو الوصايا العشر لهذه القصيدة.

تكرر هذا الفعل مرتين في كل وصية، عدا الوصية الخامسة التي تكرر فيها ثلاث مرات في السطر الأول، والسطر السابع والسطر السادس عشر؛ لذا فإننا نراه يجيّء مرة واحدة في الوصية السابعة في أول سطر فقط، بينما احتوت الوصية العاشرة أو الأخيرة على هذا الفعل فقط مكررا مرتين.

لا تصالح

لا تصالح

وكأن الشاعر مع نهاية القصيدة يريد أن يؤكد تأكيدًا نهائيًّا - مع إسدال الستار على وصاياه - على هذا الفعل الذي كان محور القصيدة منذ أول حروفها وحتى نهايتها.

والمتأمل لتكرار هذا الفعل المسبوق بـ "لا" الناهية سيكتشف أن الشاعر استخدمه بكل أبعاد أو طاقات فعل الأمر الموجود في لغتنا العربية، فهو يستخدمه مرة بغرض التوسُّل، ومرة بغرض الأمر الفعلي أو الحقيقي، ومرة بغرض الرجاء أو النصح، ومرة تُحِسُّ أن الشاعر مجرد طفل صغير يتوسل لأخيه الكبير أو لأبيه، أو يستعطفه كي لا يُقْدِم على هذا الأمر الجلل وهو الصلح مع العدو، ومرة تحس بأنه هو الكبير والمدرك للأمور كلها، أو هو الراوي العليم الذي لديه حاسة الرؤية المستقبلية؛ لذا فإنه يملك الأمر والنهي في قوله "لا تصالح"، ومرة تحس بأنه نِدُّ لمن يأمره وبأنه يتساوى معه في الرتبة أو في المقام؛ لذا فإنه يقدم الرأي الواثق، ومرة تحس بأنه رجل عجوز خبر العراك وخبر النفوس البشرية؛ لذا فإنه يقدم نصيحته للطرف الآخر بأن لا يصالح.

والشاعر في استخدامه في كل مرة لهذا الفعل "لا تصالح" يأتي بمبررات عدم الصلح حتى تكون مسألة الإقناع أكثر إفادة وأكثر تأثيرًا على الطرف الآخر.

-1-

في المقطع الأول أو في الوصية الأولى يأتي الشاعر بصورة منطقية يقبلها كل إنسان عاقل، هذه الصورة عبارة عن معادلة رياضية طرفها الأول يقول:

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما .. ..

وطرفها الثاني يقول: هل ترى ؟؟؟؟

وهو لا يذكر لنا النتيجة المترتبة على هذه المعادلة أو إجابة هذا السؤال - ولكننا نعرفها من خلال خبرتنا بالحياة، ومن خلال تعاملنا مع البشر ومع الأحياء، ومن خلال ملاحظاتنا لما حولنا، تلك النتيجة - أو الإجابة - التي ستكون بالنفي قطعًا - لأن الجوهرة التي ستثبت مكان العين لن تعطينا الرؤية على الإطلاق رغم قيمتها المادية الكبيرة.

إنه بهذه المعادلة التي ترك لنا مهمة استخراج نتيجتها، يضع الطرف الآخر الذي يقول له "لا تصالح" أمام حالة منطقية عقلانية بحتة لعله يعي ما سوف يترتب من آثار على هذا الصلح.

وكأن الشاعر يعرف أن الطرف الآخر لن يستجيب له أو لن يعي نتيجة المعادلة أو إجابة السؤال الذي طرحه على هيئة معادلة؛ لذا فإنه يلجأ إلى وسيلة أخرى للتأثير وهي الرجوع إلى الوراء (فلاش باك) حيث الذكريات، إنه يذكر الطرف الآخر بأيام الطفولة.

ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك

حسُّكما - فجأة - بالرجولة،

هذا الحياء الذي يكبت الشوق .. حين تعانقه

الصمت .. - مبتسمين - لتأنيب أمكما ..

وكأنكما

ما تزالان طفلين !

لعل هذا الطرف يتذكر أحلى أيام العمر، أيام الطفولة والنقاء والطهارة والصدق، لعله يتذكر ويتراجع عن قراره الذي اتخذه بشأن الصلح مع العدو، وحينما يحس أيضًا أن ليست هناك استجابة من قِبَلِ هذا الطرف، يلجأ إلى استخدام طريقة أخرى للتأثير وهي طريقة ربما تكون أيضًا عقلانية، ولكنها تمس وترًا من نوع آخر وهي الاستهانة بهذا الطرف الذي يعتقد أنه وصي على الأبناء:

إنك إن مت:

للبيت رب

وللطفل أب

ثم يلجأ لوسيلة أخرى، هي استثارة النخوة العربية عن طريق توظيف الأمثلة العربية أو الشعبية في هذا التساؤل الاستنكاري أيضًا:

أتنسى ردائي الملطخ .. ..

تلبس - فوق دمائي - ثيابًا مطرزة بالقصب ؟؟

ثم ينهي الشاعر هذه الوصية الأولى بسطور أشبه ما تكون بالتحذير لهذا الطرف أو لهذا "الآخر" الذي لا يريد أن ينصت إليه رغم كل التوسلات، ورغم كل الأساليب التي لجأ إليها في السطور السابقة بهدف التأثير:

إنها الحرب !

قد تثقل القلبَ .. ..

لكن خلفك عار العرب

لا تصالح .. ..

ولا تتوخَّ الهرب !

ويتضح منذ البداية أن الشاعر يستخدم تفعيلة بحر المتدارك "فاعلن" الخماسية، وأحيانًا يستخدم مخبونها فَعِلُن (بتحريك العين) وهي التفعيلة التي أكثر الشاعر من استخدامها في مراحله الشعرية الأخيرة، وديوانه أوراق الغرفة (8) خير شاهد على ذلك.

ويلاحظ على المقطع الأول - أو الوصية الأولى - أن الشاعر تحلل في كثير من الأحيان من التقفية، ومن المعروف أن أمل دنقل من أكثر الشعراء المعاصرين (المحدثين) لعبًا بالقافية التي كثيرًا ما يجيد استخدامها في الشعر التفعيلي، إلا أنه بقليل من التدقيق سنجد أنه في السطور الأخيرة يستخدم قافية الباء الساكنة مع فتح الحرفين السابقين لها (القصب -* العرب - الهرب)، وقد كانت هناك إرهاصة لهذه القافية في السطر الثاني من القصيدة في كلمة الذهب في قوله (ولو منحوك الذهب)، ويطلق على هذا النوع من القافية اسم (المتدارك)، أيضًا يلاحظ أن هذه القافية تكررت في السطر الثامن عشر في قول الشاعر (وللطفل أب)، مما يدل على أن الشاعر حاول أن يقيم هذا البناء الموسيقي الخارجي في بعض سطور هذه الوصية ونجح في ذلك خمس مرات، بالإضافة إلى تنويعه الداخلي لهذا النوع من الموسيقى مثل (هل ترى - لا تشترى) و(كأنكما - بينكما)، وربما هذه الموسيقى تستخدم كنوع من التأثير على الطرف الآخر، بالإضافة إلى الوسائل الأخرى التي ذكرناها من قبل.

-2-

أما المقطع الثاني أو الوصية الثانية فقد وقعت في عشرين سطرًا استخدم فيها الشاعر الفعل "لا تصالح"، كما ذكرنا من قبل مرتين في السطرين الأول والثاني فقط:

لا تصالح على الدم.. حتى بدم !

لا تصالح ولو قيل رأس برأس،

وهنا يلجأ الشاعر إلى صيغة السؤال، تلك الصيغة التي استخدمها أربع مرات تمثلت في السطور:

أقلب الغريب كقلب أخيك ؟؟؟

أعيناه عينا أخيك ؟؟!

وهل تتساوى يد.. سيفها كان لك

بِيَدٍ سيفها أَثْكَلك ؟؟؟

وصيغة السؤال هنا - أيضا - تفيد الاستنكار، خاصة أن ثلاثة أسئلة من الأسئلة الأربعة بدأت بالهمزة.

إن السؤال هنا يحمل في طياته إجابته، ويحس بأن مثل هذه الأسئلة السابقة تلقي بظلال من التوبيخ فضلاً عن الاستنكار.

وإذا كان الشاعر في وصيته الأولى استخدم ذكريات الطفولة - عن طريق التركيز على الماضي كنوع من أنواع التأثير - فإنه في وصيته الثانية يستخدم الصيغة المستقبلية عن طريق تكرار "سيقولون" مرتين.

سيقولون:

جئناك كي تحقن الدم

جئناكْ .. كن - يا أمير - الحكم

سيقولون:

ها نحن أبناء عم

وهذا نوع جديد من التأثير، أي إنه يقول للآخر: إنه أعلم منه بالعدو وبخباياه النفسية وبطواياه وبطرائقه في التعامل وبمنطقه في الإقناع، فلا يغرنك هذا كله، لأنه ما هو إلا أساليب وحيل مكشوفة ومعروفة ومفهومة.

وهنا يبرز فعلاً أمران جديدان غير "لا تصالح" وهما: قل لهم - اغرس، في قوله:

قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

واغرس السيف في جبهة الصحراء ..

إلى أن يجيب العدم

وبقدر ما تفيد أفعال الأمر في النصح والإرشاد، بقدر ما تدلنا على أن الشاعر كان أكثر حكمة وأكثر إدراكًا وأكثر فهمًا لما يجري من حولنا ويتعلق بمصيرنا، إنه يقدم نصحه وإرشاده للآخر الذي يوجه إليه الأمر منذ مطلع القصيدة، والذي يوجه إليه الفعل المسبوق ب "لا تصالح" خلال القصيدة ككل.

ونلاحظ في هذه الوصية الثانية أن الشاعر يعزف على نوعين من القافية، الأولى رويها الميم الساكنة في (بدم - الحكم - عم - العدم) والثانية رويها الكاف الساكنة في (كان لك - أثكلك - فيمن هلك - كنت لك - وملك) مع ملاحظة أن الكاف الساكنة تغلبت - في العدد - على الميم الساكنة.

ومن الصور الشعرية البارزة جدًا في هذا المقطع قول الشاعر:

واغرس السيفَ في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

وهي من الصور الشعرية التي من الممكن أن يقال عنها إنها "مستحيلة" لأن العدم من المستحيل أن يجيب، ومن هنا يظل السيف مغروسًا في جبهة الصحراء استعدادًا للنزال والحرب التي ستظل إلى أن يجيب العدم.

وأعتقد أن سر بروز هذه الصورة في هذا المقطع، أنه جاء مفرغًا من أية صورة شعرية عدا هذه الصورة الجميلة المستحيلة.

-3-

أما الوصية الثالثة فقد وقعت في تسعة وعشرين سطرًا رجع الشاعر خلالها مرتين إلى استدعاء صور وذكريات للطفولة عله يستطيع التأثير بهذه الطريقة على الآخر وذلك في قوله:

وتذكرْ .. .. .. .. ..

(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن

الذين تخاصمهم الابتسامة)

أن بنت أخيك "اليمامة"

زهرة تتسربل - في سنوات الصبا -

بثياب الحداد

كنت، إن عدتُ:

تعدو على درج القصر،

تمسك ساقيَّ عند نزولي .. ..

فأرفعها - وهي ضاحكة - ..

فوق ظهر الجواد

ها هي الآن صامتة

حرمتها يد الغدر:

من كلمات أبيها،

ارتداء الثياب الجديدة

من أن يكون لها - ذات يوم - أخ

من أب يتبسَّم في عرسها

وتعود إليه إذا الزوج أغضبها

وإذا زارها .. يتسابق أحفاده نحو أحضانه،

لينالوا الهدايا .. ..

ويلهوا بلحيته (وهو مستسلم)

ويشدُّوا العمامة

إلا أننا نقول: إن الشاعر استخدم أسلوب النصح في مطلع هذه الوصية في قوله:

لا تصالح .. .. ..

ولو حرمتك الرقاد

صرخات الندامة

ولأول مرة يستخدم الشاعر فعل الأمر (تذكر) صراحة في القصيدة والمعطوف على الفعل لا تصالح.. وهنا نلاحظ أن الشاعر يستخدم (إذا) التي تفيد عدم التأكد من وقوع هذا الأمر، وأنه ما زال في شك من أمر الآخر.

يلاحظ في هذا المقطع أن الشاعر يعتمد في موسيقاه على نوعين من القافية مثلما لاحظنا في المقطع السابق، النوع الأول رويه الدال الساكنة في قوله: (الرقاد - السواد - الحداد - الجواد - الرماد)، أما النوع الثاني الميم المفتوحة فالهاء الساكنة في قوله: (الندامة - ابتسامة - اليمامة - العمامة - اليمامة "مرة أخرى").

ويلاحظ أن عدد كل من القافيتين جاء متساويًا في هذه الوصية.

-4-

وفي الوصية الرابعة يعود الشاعر مرة أخرى لاستخدام صيغة السؤال ثلاث مرات، في هذا المقطع الذي وقع في سبعة عشر سطرًا، حيث يقول الشاعر:

كيف تخطو على جثة ابن أبيك ؟

وكيف تصير المليك .. .. ..

على أوجه البهجة المستعارة ؟

كيف تنظر في يد من صافحوك .. ..

فلا تبصر الدم .. .. ..

في كل كف .. .. ؟

إن هذه الأسئلة تفيد الاستنكار وتؤكد على استحالة أن يحدث مثل هذا، وبمثل هذه الكيفية، التي جاء ذكرها في الأسئلة؛ لذا نرى الشاعر يبدأ أسئلته الثلاثة بـ "كيف".

في هذه الوصية يلاحظ كثرة استخدام القافية، وكثرة تنوعها:

1- (الأمارة - المستعارة - شارة - الأمارة "مرة أخرى").

2- (أبيك - المليك - صافحوك).

3- (كل كف - من الخلف - ألف خلف).

4- (سيف - زيف).

5- (الشرف - الترف).

وكما لوحظ فإن النوع الأول من القافية كان أكثر انتشارًا وأكثر توزيعًا بين سطور هذه الوصية، حيث انتشرت هذه القافية في أواخر السطور (الثاني - الخامس - الحادي عشر - الثالث عشر).

-5-

في الوصية الخامسة - كما سبق أن أوضحنا - يستخدم الشاعر "لا تصالح" ثلاث مرات في السطر الأول - السطر السابع - السطر السادس عشر، في حين أن هذه الوصية تكونت من واحد وعشرين سطرًا.

وهو يستخدم الصيغة (ولو قال - ولو قيل) مرتين في هذا المقطع في قوله:

لا تصالح

ولو قال من مال عند الصدام

".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."

لا تصالح

ولو قيل ما قيل من كلمات السلام

إن الغائب يصبح حاضرًا في هذا الجزء من الوصية؛ لأننا سنعرف - أو أننا نعرف بالفعل - من هو الذي يمكن أن يقول ما بنا طاقة لامتشاق الحسام، ومن الذي يداعبنا بكلمات عن السلام أو بكلمات من السلام.

إن القافية في هذا الجزء تتراوح بين الميم الساكنة المسبوقة بألف المد والسين الساكنة، وذلك في قوله (الصدام - الحسام - السلام - الغرام - ينام - الطعام - الفطام) و (تتنفس - بخرس - المدنس - منكس - المقدس).

كما يلاحظ أن الشاعر يعود إلى استخدام صيغة التساؤل في هذه الوصية بالإضافة إلى صيغة الأمر، فعلى حين تجد أن الشاعر يستخدم التساؤل خمس مرات في قوله:

1- كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنس ؟

2- كيف تنظر في عيني امرأة أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟

3- كيف تصبح فارسها في الغرام ؟

4- كيف ترجو غدًا .. لوليد ينام ؟

5- كيف تحلم أو تتغنى بمستقبل لغلام وهو يكبر بين يديك - بقلب منكس ؟

نجد أنه يستخدم النهي في: لا تقتسم، والأمر في: ارو (تكررت ثلاث مرات) خلافًا للنهي في: لا تصالح الذي تكرر ثلاث مرات أيضًا، أي أن الشاعر استخدم صيغة الأمر سبع مرات في هذه الوصية.

وربما يكون هذا الجزء هو أكثر الأجزاء استخدامًا لصيغة التساؤل وفعل الأمر معًا، إن التساؤلات السابقة التي تفيد الاستنكار والتعجب تفيد أيضًا معرفة الشاعر لخصوصية الشخصية التي يخاطبها، بل معرفة الخصائص النفسية، وهنا يلاحظ على هذه التساؤلات:

إن الشاعر يستخدم الصيغة التي تبدأ بـ "كيف" التي ربما تفيد التعجب، ولكن طرحها خمس مرات على هذا النحو يدل على أن الشاعر يريد الوصول إلى الكيفية التي يفكر بها هذا الآخر الذي يخاطبه أو يوجه إليه التساؤلات، إنه يريد أن يتخطى الطريقة التي يفكر بها الآخر نظريًّا إلى الطريقة العملية، عن طريق تكرار هذه الصيغة التي بدأت بـ "كيف"، وربما أنه يستنكر على هذا الآخر أن يفعل مثل هذه الأفعال، فإنه بطريقة غير مباشرة يقول لنا إنه عرف أو يعرف خصائص شخصيته، بل إنه في التساؤل:

كيف تنظر في عين امرأة

أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟

يضع الآخر في مواجهة مع النفس، وتكون المواجهة عنيفة جدًا أو أعنف ما يكون؛ لأنه يطعنه في رجولته، ويطعنه فيما يتعارف عليه الرجل الشرقي من حمايته للضعيف، خاصة إذا كان هذا التساؤل على هذا النحو، إنه يأتي كصفعة قوية لعلَّ الآخر يفيق من غفوته ويعمل بنصيحة الشاعر في قوله "لا تصالح" التي هي سر كتابة هذه الوصايا، أيضًا يأتي التساؤل الثاني:

كيف تصبح فارسها في الغرام ؟؟؟

مؤكدًا على هذا المعنى.

وإذا كان الشاعر قد لجأ إلى ما أسميناه بالصورة الشعرية المستحيلة في قوله:

واغرس السيف في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

وذلك في الوصية الثانية، فإنه يلجأ مرة أخرى إلى مثل هذه الصورة الشعرية المستحيلة في هذه الوصية الخامسة في قوله - في نهايتها:

واروِ قلبك بالدم .. ..

واروِ التراب المقدس .. ..

واروِ أسلافك الراقدين .. ..

إلى أن ترد عليك العظام !

وتكمن الاستحالة في هذه الصورة في السطر الأخير "إلى أن ترد عليك العظام"، وكما قلنا إنه من المستحيل أن يجيب العدم في الوصية الثانية، فإننا نؤكد أيضًا على استحالة أن ترد العظام، ومن هنا يظل الآخر عاكفًا على إرواء قلبه بالدم وعاكفًا على إرواء التراب المقدس من هذا الدم، وعاكفًا على إرواء الأسلاف الراقدين إلى أن ترد عليه العظام، أي إلى أن تحدث معجزة وترد العظام أو إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

-6-

الوصية السادسة تتكون من خمسة وعشرين سطرًا، وهنا نلاحظ أن الشاعر يلجأ إلى الحكمة في قوله:

إنه الثأر

تبهت شعلته في الضلوع .. ..

إذا ما توالت عليه الفصول

وتأتي الحكمة من نفس بيئة القصيدة، ومن نفس البناء المعماري والبناء النفسي الذي اعتمدت عليه القصيدة كلها.

ويلاحظ أيضًا أن صيغ التساؤل التي تكررت في الوصايا السابقة تنعدم في هذه الوصية، وأن فعل الأمر الذي تعودنا على أن نراه في الوصايا السابقة ينخفض عدده ليصبح فعلاً واحدًا هو "خذ" في قوله:

فخذ - الآن - ما تستطيع

هذا خلافًا للفعل "لا تصالح" الذي تكرر مرتين في السطر الأول، والسطر التاسع عشر، ويلاحظ على هذا الجزء السادس أن الشاعر يلجأ إلى نوعين من القافية تراوحت بين اللام فالهاء الساكنة في قوله: (القبيلة - الجليلة - القليلة - حيلة - الذليلة)، وقافية الواو أو الياء فاللام الساكنة في قوله: (القبول - يطول - جيل - المستحيل - الفصول).

-7-

أما في الوصية السابعة فإن الشاعر يستخدم الفعل "لا تصالح" مرة واحدة فقط في السطر الأول من الوصية، وهنا يلجأ الشاعر مرة أخرى إلى أسلوب النصيحة في قوله:

لا تصالح، ولو حذَّرتك النجوم

ويلاحظ استخدامه لصورة من حياة الأقدمين في قراءاتهم للنجوم واستشارتهم للكهان، وهذه الوصية تتكون من 23 سطرًا، كما يلاحظ أيضًا على هذه الوصية أن عنصر الحكي أو القص واضح فيها، بالرغم من أنها بدأت بالفعل "لا تصالح":

لم يصح قاتلي انتبه

كان يمشي معي

ثم صافحني

ثم سار قليلاً

ولكنه في الغصون اختبأ

فجأة

ثقبتني قشعريرة بين ضلعين ..

واهتز قلبي كفقاعة - وانْفَثَأ !

وتحاملت حتى احتملت على ساعدي

فرأيت: ابن عمي الزنيم

واقفًا يتشفى بوجهٍ لئيم

لم يكن في يدي حربة

أو سلاح قديم

لم يكن غير غيظي الذي يشتكي الظمأ !

ويلاحظ في هذه الوصية أن الفعل الماضي نسبته قد ارتفعت كثيرًا؛ لأن هذا الفعل يتناسب مع عملية الحكي أو القص أو السرد، ومن هذه الأفعال الماضية التي لاحظنا وجودها (حذرتك – رمى – صافحني – سار –* اختبأ – ثقبتني – اهتز – انفثأ – تحاملت – احتملت – رأيت)، هذا بالإضافة إلى الصيغ أو التعبيرات المركبة التي تدل على الزمن الماضي مثل: (لم أمد – لم يصح – كان يمشي - لم أكن).

أما عن القافية فقد تراوحت بين استخدام الهمزة الساكنة مع فتح ما قبلها والتي تكررت ست مرات (النبأ - الخطأ - لم أطأ - اختبأ - انفثأ - الظمأ) واستخدام الياء أو الواو فالميم الساكنة، والتي تكررت أيضًا ست مرات في قوله: (النجوم - التخوم - الكروم - الزنيم - لئيم - قديم).

-8-

الوصية الثامنة تتكون من 23 سطرًا، أيضًا استخدم الشاعر فيها الفعل "لا تصالح" مرتين كعادته، كما أتى بكلمة "الصلح" مرة واحدة منفردة في قوله:

فما الصلح إلا معاهدة بين ندين

وهو في هذه الوصية ينصح الآخر بأن لا يصالح حتى تستقيم الأشياء وتستقر ويعود كل شيء إلى موضعه الطبيعي، ذلك أن كل شيء تحطم في لحظة عابرة، كل شيء تحطم في نزوة فاجرة:

لا تصالح

إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة

النجوم .. .. .. .. . لميقاتها

والطيور .. .. .. .. لأصواتها

والرمال .. .. .. .. لذراتها

والقتيل لطفلته الناظرة

كل شيء تحطم في لحظة عابرة

إن الأشياء التي تحطمت في لحظة عابرة وفي نزوة فاجرة هي:

1- الصبا

2- بهجة الأهل

3- صوت الحصان

4- التعرف بالضيف

5- همهمة القلب حين يرى برعمًا في الحديقة يذوي

6- الصلاة لكي ينزل المطر الموسمي

7- مراوغة القلب حين يرى طائر الموت وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة.

إنه عالم من الطفولة والبهجة والأصالة والكرم والحب والنقاء والطهر قد افتقدناه، فكيف تأتي عملية المصالحة وكل هذه الأشياء غائبة عنا؟ إن الموجود حاليًا في عالمنا هو نقيض هذه الأشياء، الموجود هو (الشيخوخة - الحزن - الخديعة والمكر والقشور - الشح والتقتير - الكراهية والنجاسة - والبغضاء والشَّحناء ..).

كيف تأتي مسألة الصلح والطرف الآخر (العدو) الذي سأتصالح معه ليس أنبل وليس أمهر مني، بل إنه محض لص، كيف يسرقني ويسلبني وأذهب إليه وأتفاوض معه من أجل الصلح؟

لا تصالح

فما الصلح إلا معاهدة بين ندين ..

(في شرف القلب)

لا تنتقص

والذي اغتالني محض لص

سرق الأرض من بين عيني

والصمت يطلق ضحكته الساخرة !

أما عن استعمال الشاعر للقافية فقد تكررت الراء فالهاء الساكنة سبع مرات في قوله: (الدائرة - الناظرة - عابرة - الكاسرة - الماكرة - فاجرة - الساخرة)، مع إدخال بعض القوافي الأخرى لكسر رتابة هذه القافية مثل التاء فالهاء الممدودة (ميقاتها - أصواتها - ذراتها)، والتاء فالهاء المكسورة (بمشيئتهِ - بسكينتهِ)، والصاد الساكنة (لا تنتقص - محض لص).

-9-

تتكون الوصية التاسعة من 11 سطرًا استخدم الشاعر فيها الفعل "لا تصالح" مرتين في السطر الأول والسطر الثامن، وهنا يستخدم هذا الفعل بغرض التحذير:

لا تصالح

ولو وقفت ضد سيفك كلُّ الشيوخ

والرجال التي ملأتها الشروخ

إنه يحذره من أبناء قبيلته فربما يجد هذا التصالح هوى في نفوسهم؛ لذا فإن الشاعر يكشف له الحقيقة في هذه الوصية لأن مثل هؤلاء ما هم إلا رجال ملأتهم الشروخ:

هؤلاء الذين يحبون طعم الثريد

وامتطاء العبيد

هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم

وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ

إن الشاعر يلجأ إلى أسلوب جديد في هذه الوصية يعزف عليه، وهو أسلوب الترغيب والمدح، فربما يستطيع بواسطة هذا الطريق التأثير على الآخر، إنه يقول له:

لا تصالح

أنت فارس هذا الزمان الوحيد

وسواك .. .. .. المسوخ

إنها المرة الأولى التي يستخدم فيها الشاعر هذا الأسلوب في الإقناع والتأثير وربما يكون قد لجأ إليه لإحساسه بأنه استنفد كل وسائله من النصح والإرشاد والأمر والاستعطاف والرجاء والتوسل … إلخ؛ لذا فإنه يلجأ أخيرًا إلى أسلوب المدح فربما يستطيع الوصول إلى منطقة نفسية لم يطرقها من قبل عن طريق المدح والثناء على غرار ما كان يفعل شعراؤنا الأقدمون.

ويلاحظ على هذا المقطع أن الشاعر استخدم قافية الواو فالخاء الساكنة في قوله: (الشيوخ - الشروخ - الشموخ - المسوخ)، وأيضًا استخدم قافية الياء فالدال الساكنة في قوله: (الثريد - العبيد - أن تريد - الوحيد).

-10-

أما في الوصية الأخيرة فإن الشاعر مع إسدال الستار على كل وصاياه لا يملك إلا أن يكرر الفعل "لا تصالح" مرتين:

لا تصالح

لا تصالح

ليؤكد على أهمية هذا الفعل المحوري الذي جاءت من أجله كل القصيدة، إنه لا يملك إلا ترديد لا تصالح مرتين بكل ما في هذا الفعل من طاقة وتأثير وإيحاء ومقدرة على الفعل سبق للشاعر أن نثرها في كل الوصايا السابقة؛ لذا فإنه لا يستطيع أن يقول في النهاية شيئًا أكثر من:

لا تصالح

لا تصالح




*****

* الوثبة الفنية في قصيدة "لا تصالح":

يقول د. مصطفى سويف في مقال له بعنوان "النقد الأدبي ماذا يمكن أن يفيد في العلوم النفسية الحديثة" - (مجلة فصول - المجلد الرابع - العدد الأول - أكتوبر/ نوفمبر/ ديسمبر 1983م): "لقد كشفت النتائج التي أمكن الوصول إليها من دراسة العمليات النفسية في إبداع الشعر عن أن الوحدة الأولية للقصيدة هي "الوثبة"، وهذا بناء مغاير للوحدة الفنية المعتادة التي هي البيت، والوثبة مجموعة من الأبيات تليها دفقة واحدة من دفقات النشاط الفكري الإنتاجي، وبالتالي فإن التفكير الإبداعي في الشعر يتقدم في خطوات تتخذ شكل وثبات، أي أن فكر الشاعر لا يتقدم من بيت إلى بيت ولكن من وثبة إلى وثبة، وليس للوثبة طول ثابت، فقد تكون ثلاثة أبيات وقد تكون سبعة أو أكثر أو أقل ....".

ونحن إذا قمنا بتطبيق هذا المفهوم النقدي النظري على القصيدة التي نحن بصدد دراستها فسنجد أن هذه القصيدة تحتوي على عدد هائل من "الوثبات"، وعلى سبيل المثال سنجد أن الوصية الأولى التي تكونت من 26 سطرًا قد احتوت على تسع وثبات يمكننا طرحها على النحو التالي بغرض تقريب هذا المفهوم النقدي من الأذهان:

1- لا تصالح !

ولو منحوك الذهب

2ـ أترى حين أفقأ عينيك،

ثم أثبت جوهرتين مكانهما ..

هل ترى .. .. ؟

3ـ هي أشياء لا تشترى

4ـ ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،

حسكما - فجأة - بالرجولة،

هذا الحياء الذي يكبت الشوقَ ,, حين تعانقه،

الصمت - مبتسمين - لتأنيب أمكما ..

وكأنكما

ما تزالان طفلين !

تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:

أن سيفان سيفك ..

صوتان صوتك

5ـ أنك إن مت:

للبيت رب

وللطفل أب

6- هل يصير دمي - بين عينيك - ماء ؟؟؟

7- أتنسى ردائي الملطخ .. ..

تلبس - فوق - دمائي - ثيابًا مطرزة بالقصب ؟؟؟

8- إنها الحرب !

قد تثقل القلب .. ..

لكن خلفك عار العرب

9- لا تصالح .. .. ..

ولا تتوخَّ الهرب !

وبهذا المفهوم التطبيقي سيتضح أن كل وصية تحتوي على عدد من الوثبات، وقد رأينا بالفعل أنه ليس للوثبة طول ثابت فقد تكون سطرًا أو أكثر.

وما من شك في أن هذا المفهوم النقدي الجديد نحن في حاجة إليه، وفي حاجة إلى مفاهيم نقدية مماثلة تمكننا من الاقتراب أكثر من مفاهيم وجماليات الشعر العربي المعاصر، وهذا لن يتأتَّى إلا بمعانقة المفهوم النظري للمفهوم التطبيقي للشعر بعامة.

كتابة : أحمد فضل شبلول / المصدر : منتدى نورماندي


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]




الفارس
_____


لا تنتظري أن يبتسم العابس
فالفارس ليس الفارس
مدي بإنائكِ
عبر السلك الشائكِ
مدي طرف ردائكِ
حتى يصنع منه للقلب ضمادا
ويسد شقوق البرد القارس
تتوالى كل فصول العام على القلب الباكي
لم يستر روحه عبر الأشواك سوى رؤياكِ
فعيناكِ الفردوسان: هما الفصل الخامس
عيناكِ هما
آخرنهر ٍ يسقيه
آخر بيت يأويه
آخر زاد في التيه
آخر عراف يستفتيه
فأريحيه
أريحيه على الحجر البارد
ليرتاح قليلا
فلقد سار طويلا
وقفي كملاك الحب الحارس
حتى لا يفجئه الموت
قفي كملاك الحب الحارس


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]
كتب / جابر عصفور

لم تنس الصلة بالجماهير قصيدة أمل دنقل ما عليها من حق للشعر في تقنيات شعريته. أن الصنعة تتجاور مع العفوية، والأصالة تقترن بالمعاصرة، والحرص على النغمة الإيقاعية يتناغم مع الحرص على التجديد، وعين الشاعر التي لا تمل من النظر إلى عالم المدينة تتضافر مع إذنه التي لا تمل من الاستماع إلى النغمات والأصوات في هذا العالم.
ولذلك فإننا نستطيع أن نلمح في شعر أمل دنقل تجاورا لافتا بين الحداثة والتقاليد، خصوصية الرؤية الشعرية الفردية وجماعية الوجدان الجماهيري، الاستغراق في التقنية والعفوية التي تخفي هذه التقنية.
ومن المؤكد أن شعر أمل دنقل لا يدخل في باب المناسبات بالمعنى الذي تنتهي به القصيدة بانتهاء المناسبة أن غوص هذا الشعر في تجاربه، وتجسيده اللحظات الجوهرية في الواقع، وصياغته الأقنعة النموذجية التي تتحول إلى موازيات رمزية، وخلقه شخصيات إبداعية لا يمكن نسيانها، على نحو ما نجد في (يوميات كهل صغير السن)و( سفر ألف دال) وقدرة هذا الشعر على صياغة جداريات بالغة الحيوية لمشاهد المدينة ومفردات عالمها، وأناسها الهامشيين، ولغة هذا الشعر المنسوجة باقتدار، والأحكام البنائي الذي يخلف لذة عقلية في ذهن المتلقي، كلها خصائص تتجاوز المناسبة أو المناسبات، وتضع أمل دنقل في مصاف الشعراء الكبار الذين يتجاوز شعرهم اللحظة التاريخية التي أوجدته لأنه عثر على العناصر الباقية في هذه اللحظة.
وأضيف إلى ذلك عذوبة التعبير عن المشاعر الفردية ورهافتها.وذلك بعد يستحق الإشارة إليه في شعر أمل دنقل على الأقل لأنه بعد يختفي هونا نتيجة غلبة الشعر السياسي والقضايا القومية على شعر أمل دنقل والواقع أن الوجه القومي العام مسئول عن تهميش الوجه الخاص من شعر أمل دنقل. ولذلك لمن أستغرب عندما سألني الشاعر عبد المنعم رمضان ذات مرة، بوصفي صديق أمل دنقل، قائلا : هل توجد في شعر أمل دنقل صور امرأة أحبها؟ وكان السؤال يعني : أين الجانب الخاص من شعر أمل دنقل الفرد؟ وتحدثت طويلا عن الجوانب الخاصة الفردية من شعر أمل دنقل، سواء في قصائد العامة التي يتسلل إليها الخاص وسط العام، أو قصائده التي هي أقرب إلى السيرة الذاتية، وعلى رأسها قصيدة (يوميات كهل صغير السن) التي هي نوع من الموازاة لقصيدة الشاعر تي. اس. اليوت (أغنية العاشق الفريد بروفروك). ولكن قصيدة أمل كانت أكثر تعبيرا عن همومه الفردية في مصريتها الخالصة من ناحية، وفي انتمائه إلى الشريحة الصغرى من البرجوازية الصغيرة من ناحية مقابلة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك عند دنقل، فقد كان صوته الخاص يتخذ نبرة تدل عليه من وراء أقنعة الشعراء الذين أختارهم لقربهم من نفسه، وأخص بذلك قناع المتنبي وقناع أبي نواس، وكان الصوت الخاص للشاعر المعاصر المتخفي وراء قناع للشاعر قديم يسعى إلى التعبير المباشر عن نفسه، وهو الأمر الذي حدث في سفر (ألف. دال) وهما الرمزان الدالان على أمل دنقل نفسه، في موازاة الانحدار العام لوطنه. والطريف أن قراء هذه القصيدة لفتهم الجانب العام، ولم ينتبهوا إلى أنها سيرة ذاتية تستبطن مشاعر فرد يرى من خلال مأساته الشخصية مأساة وطنه. والعكس صحيح بالقدر نفسه.
ولكن الجانب الخاص لا يختلط بالعام على هذا النحو، في كل الأحوال، فهناك أحوال التوحد الذاتي وأحوال الحب على السواء، في الأحوال الأولى، كان أمل يستدعى من الذاكرة مخزونها الوجداني الحميم، حيث تغدو الشهور زهورا تنمو على حافة القلب : زهرة في إناء تتوهج في أول الحب بين محبوبين، وزهرة من غناء تتورد فوق كمنجات صوت المحبوبة حين تفاجئها القبلة الدافئة، وزهرة من بكاء تتجمد فوق شجيرة العينين في لحظات الشجار الأخيرة وقد تنقلب الشهور الزهور إلى أصوات، منها صوت الكمان الذي أحبه أمل دنقل كثيرا ومنحه مكانة خاصة في وجدانه، مكانة دفعته إلى أن يقول :
لماذا يتبعني أينما سرت صوتُ الكمان ؟ أسافر في القاطرات العتيقة ـــ
أرفع صوتي ليطغى على ضجَة العجلات وأغفو على نبضات القطار الحديدية القلب
لكنها بغتة. تتباعد شيئا فشيئا ويصحو نداء الكمان .

أما في الأحوال الثانية فكان شعر أمل يقترن دائما بتوهج لحظات الحب القليلة التي مر بها، والتي جعلته يدرك أهمية المرأة في حياته، ويخلص لها ويغفر لها زلاتها، ما ظل مقتنعا بطيب عنصرها، ومؤمنا بالامكانات الخلاقة التي تنطوي عليها. ولذلك كانت المرأة التي أحبها - بعيدا عن تحولاتها الرامزة إلى مجالات غير ذاتية - هي الحضور الدائم الذي يمنح الحياة بهجتها، رغم كل عذاب
الحياة، وكل إخفاقات الحب في الوقت نفسه :
دائما أنت في المنتصف أنت بيني وبين كتابي
وبيني وبين فراشي وبيني وبين هدوئي
وبيني وبين الكلام ذكريات سجني، وصوتك يجلدني ودمي قطرة ـ بين عينيك ـ ليست تجف فامنحيني السلام فامنحيني السلام نضيف إلى الخصائص السابقة ما تميز به شعر أمل دنقل من تراكيب حدية، وعوالم تجمع بين المتقابلات في صياغات لافتة. وذلك هو السبب في أن المفارقة والتضاد خاصيتان أثيرتان في هذا الشعر. أقصد إلى التضاد الذي يضع الأشياء في علاقات متدابرة : تدابر الأنا.
والآخر تنافر الشرق والغرب، الحاضر والماضي تناقض السلطة والمحكومين، التمرد والخنوع، الشرف والخيانة وكلها متقابلات تؤسس لنزعة حدية لم تفارق شعر أمل دنقل، ونطقتها قصائد المؤسسة على التضاد الرأسي أو الأفقي من مثل قصيدة ( الخيول ) التي تجسد التقابل بين الماضي العربي المجيد والحاضر العربي المهين، كما نطقتها قصائده المبنية على التضاد المكاني، وذلك من مثل قصيدة ( إسكندرية ) التي تجسد التقابل بين الجنوب والشمال الأنا والآخر العرب وأوروبا.
أما المفارقة فإنها - مثل التضاد - تستقطر السخرية من التقابلات المفاجئة، خصوصا حين تتجاور الأشياء، بغتة ويبرز التقابل بين العناصر على نحو ساخر، موجع، نقرأ معه سخريته الشهرية من رمز السلطة، وذلك في قصيدته عن مذكرات المتنبي في مصر، حيث يتحول الحاكم إلى صورة أخرى من كافور الإخشيدي الذي سخر منه المتنبي قديما ويتحول الشاعر المعاصر إلى صورة أخرى من المتنبي القديم خصوصا في دائرة السخرية التي لا يكف فيها عن الاستهزاء بالحاكم الذي لا يعرف واجباته، ولا يؤدي دوره. وتصل الذروة إلى الحوار بين المتنبي وجاريته على النحو التالي :
تسألني جاريتي أن أكتري للبيت حراّسا فقد طغى اللصوصُ في مصر. بلا رادعْ
فقلتُ : هذا سيفيَ القاطع ، ضعيه خلف الباب متراسا ! ما حاجتي للسيف مشهورا
مادمت قد جاورت كافورا ؟ ودلالة الحوار الساخر أبرز من أن نلفت الانتباه إليها وهي تمثيل لأشكال أخرى من الحوار، أبرزها الحوار الذي يدور بين النيل العجوز والحاكم المستبد، وذلك في قصيدة يتكئ فيها أمل اتكاءة كبيرة على محمد الماغوط الشاعر السوري الكبير. وإذا تركنا سخرية الحوارات ومفارقاتها، فإننا نلحظ بقاء السخرية ممتدا في شعر أمل، وذلك على نحو لم يخل منه ديوانه كما نجد في ديوان "العهد الآتي " على سبيل المثال. وهو الديوان الذي نقرأ فيه ما يلي: لا تسألي النيل أن يعطي وأن يلدا لا تسألي.. أبدا أني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدا لقد كان شعر أمل، بهذه اللغة التي تؤكد السخرية من خلال المفارقة، والمفارقة التي تعمل في موازاة التقابل الحدًي، يجسًد بموازيات رمزية أنواع التضاد الذي تنبني عليه علاقات واقع مختل، لم يتردد الشاعر في الكشف عن اختلاله، ولا في تعرية علاقات فساده، مؤمنا كل الإيمان بأن دوره بوصفه شاعرا لا يمكن أن يدفعه إلى المهادنة، وأن أداء حق الشعر يبدأ من أداء واجب الالتزام السياسي والاجتماعي بوصفه التزاما بالفن الشعري في معناه القومي.



بيان الثقافة-الأحد 16 يونيو 2002
المصدر : تشكيل الشعر



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]

أمل دنقل.. شاعر الرفض العربي يعود في ذكراه
_____________________________


إنه "ليس بحاجة إلى أن نمدحه فالجميع مسلٌمون بعبقريته"، هكذا تكلّم الشاعر المصري عبد المعطي حجازي عن أمل دنقل شاعر المقاومة والتمرّد، خلال الحفل الذي أقامته مكتبة الاسكندرية احتفاء بالذكرى السبعين لميلاد صاحب الروائع الوطنية المصرية العربية.

لفيف من الشعراء والمثقفين شهدوا هذا الحفل اعترافا منهم بمكانة هذا الشاعر الذي غادر دنيا العرب ولم يكد يتمّ عقده الرابع بعد، تاركا وراءه ثروة شعرية ملتزمة لا تقدّر بثمن، وقد خصص منظمو الحفل أمسية شعرية ضمت القصائد المغناة من شعر أمل دنقل، بمصاحبة أوركسترا مكتبة الإسكندرية إضافة إلى عرض فيلم تسجيلي مدته 30 دقيقة يتضمن لقطات عن حياة الشاعر وذكرياته عن بداياته وتقبله للمرض ورؤيته للشعر وللعالم من حوله.

وتحدث رئيس مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية شريف محيي الدين عن أهمية دنقل شاعرا حتى بعد رحيله في صياغة وجدان الشعراء الشباب جيلا بعد جيل، وعن التعبير بحيوية لافتة عن تحديات الإنسان وآلامه. وأشار إلى قيامه "بتلحين بعض قصائده التي لم يمنعها عمقها الفكري ولا رصانة لغتها من أن تكون بلغة موسيقية، الأمر الذي أدهش الفنانين في إمكانية إخضاع هذا الجبروت الشعري بصرامة لغته وعنفوان صوره وحواره العميق مع التاريخ للتلحين والغناء".

فيما انتقد أنس دنقل إهمال النقاد للعديد من الجوانب المضيئة في حياة شقيقة وعدم تناولها بالتحليل والدراسة، "حيث تقطع كل الدراسات جذوره في الصعيد، معتبرين أن مواقف أمل السياسية مختلفة عن مواقفه الاجتماعية والشخصية، رغم أن تعبيره عن الواقع السياسي هو تعبير عن ذاته وشخصيته ألمتمردة على كل أشكال السلطة والقمع". أما الكاتب علاء خالد فقال "تعرفت على قصائد أمل دنقل في المرحلة الجامعية وكنت أرى في شعره مرجعا تاريخيا عربيا لما فيه من موهبة خاصة، وقدرة على الارتجال الشعري"، مشيرا إلى أنه "شاعر عصي على التصنيف، فقد جمع في مشروعه كل المتناقضات وجعلها كلاً متماسكاً، وهو الشاعر الذي كان صوت المشروع القومي".

وأحيا اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في مقره بالشارقة ذكرى ميلاد دنقل بندوة عربية شارك فيها الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق والناقد عمر عبد العزيز، من اليمن، والشاعرة السورية غالية خوجة والشاعر أيمن فرماوي، من مصر، وأدار الندوة الدكتور إبراهيم الوحش.

وأشار الدكتور عمر عبد العزيز في ورقته إلى أن شعرية أمل دنقل تنطوي على حداثة بنيوية لا منطقية فضلا عن التدوير الملحمي في قصائده التي أسست لاستشرافه للتاريخ وهذا الذي استدعاه ليمنح القصيدة زمنا وإبداعا بلغة شعرية رشيقة وانسيابية.. وقال ان شعر أمل دنقل قد مد جسرا بين الحقيقة والشعر. من جانبه قال الدكتور علي جعفر العلاق في ورقته التي قدمها تحت العنوان "ماذا تبقى لنا من أمل دنقل" إن شعره ما زال متوهجا وحار العاطفة ويقترب من المباشرة في المعنى أحيانا إلا أننا في حاجة اليوم إلى شاعر بموهبة أمل دنقل إزاء الكثير من الادعاء وفي حاجة إلى انفعاله العميق وفروسيته الصلبة في مقابل التدجين وجمود الذات وضمورها الوجداني في هذه الايام وكذلك ارتباطه بالتراث في مقابل إحداث القطيعة معه. وأضاف الدكتور العلاق أن الصدق العالي في شعر أمل دنقل جعلنا نؤجل مطالبنا الجمالية مدللا علىذلك بالمقارنة بين قصيدة له وأخرى للشاعر محمد مهدي الجواهري وتتعلق بتوظيف التراث وتحديدا معركة مؤتة.

ولا يختلف اثنان في موهبة أمل دنقل الشعرية ولا في قوة كلماته وصوره المعبرة، وتتفق كلّ الآراء على ما جاء في مداخلة الشاعر أيمن فرماوي عن أمل دنقل الإنسان حيث تتطابق صورته مع صورته كشاعر فلا فرق بينهما؛ لقد جاء أمل دنقل من الشعب وعاش بين الناس ومعهم ولد فقيرا مثلهم وعاش فقيرا بينهم، فأحس بمعاناتهم وتجرّع من نفس كأسهم التي زادتها مرارة خيبات عربية متواصلة لم تستحملها نفسية الشاعر الرقيقة فحوّل هزيمة السلاح إلى "نصر" بالكلمات، إلا أن المرض "رحمه" من أن يعيش لزمن حتى الكلمات لم تعد تشفي الغليل.

وعن تجربته الشعرية تحدّثت الشاعرة غالية خوجة من خلال بحث بعنوان "صمتيات اللون النشوان" فقالت إن ذاكرة دنقل تتفتح على هيئة صمت جدلي يمحو ما كتب ليتغلغل في ماهية الأشياء علّه إن فعل ووصل إلى ما بعد حافة الحلم المشرفة على الهاوية من جهة وعلى الغامض من جهات كثيرة. وأضافت أن تجربة أمل دنقل تتسم بشعرية تغلّف الحدث بانسياب تنتجه علائق اللغة العذبة وبالتشويش الذي يفارق ميول العلائق حين يفاجئها برغبتها المتناسجة مع اللامتوقع وهنا يتحول الحدث الشعري إلى مجازات تحتكر حيزا ناطقا في قاع النص يغير حناجره مع كل ذبذبة تتراكم كمرايا لوجوه الحياة والمعيش اليومي بين دلالات متنوعة لمفرداته.

ولد أمل دنقل في العام 1940 في قرية القلعة في محافظة قنا في صعيد مصر، وبدأ يشتهر في المشهد الشعري المصري بعد نشر احد قصائده للمرة الأولى في مجلة "سنابل" التي كان يصدرها الشاعر محمد عفيفي مطر من محافظة كفر الشيخ. وقبل أن يبلغ الثلاثين من عمره اصدر ديوانه "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" وتلته دواوين "تعليق على ما حدث" و"مقتل القمر" و"العهد الآتي" ليختتم حياته الشعرية بعد إصابته بمرض السرطان العام 1979 بإصدار ديوانه الأخير "غرفة رقم 8" الذي بثّ فيه آخر لحظاته ومعاناة نفس الشاعر الرقيقة مع هذا المرض الذي نخر جسمه لمدة ثلاث سنوات، و"الغرفة رقم 8" هو رقم غرفته في المعهد القومي للأورام، وكان آخر ما كتب في "الغرفة رقم 8" قصيدة "الجنوبي"التي أهداها لصديقه القاص يحيى الطاهر عبد الله والتي يقول فيها:

وجه

كان يسكن غرفتي

وأسكن غرفته

نتقاسم نصف السرير

ونصف الرغيف

ونصف اللفافه

والكتب المستعاره

هجرته حبيبته في الصباح

فمزق شريانه في المساء

ولكنه بعد يومين

مزق صورتها

واندهش

خاض حربين بين جنود المظلات

لم ينخدش

واستراح من الحرب

عاد ليسكن بيتا جديدا

ويكسب قوتا جديدا

يدخن علبة تبغ بكاملها

ويجادل أصحابه حول أبخرة الشاي

لكنه لا يطيل الزياره

**

عندما احتقنت لوزتاه

استشار الطبيب

وفى غرفة العمليات

لم يصطحب أحدا غير خف

وأنبوبه لقياس الحراره

فجأة مات!

لم يحتمل قلبه سريان المخدر

وانسحبت من على وجهه

سنوات العذاب

عاد كما كان طفلا

يشاركنى في سريري

وفى كسرة الخبز

والتبغ

لكنه لايشاركني

في المراره!

عاصر دنقل الثورة المصرية وتشرّب من مناهل القومية والعروبة وصُدِم ككل المصريين بانكسار مصر في 1967 وعبر عن صدمته في قصيدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" ومجموعته "تعليق على ما حدث". كما عرف عنه معارضته الشديدة لاتفاقية" كامب ديفيد" ولاقت قصائده التي هاجم من خلالها الرئيس الراحل أنور السادات مباركة كبيرة من قبل الشارع العربي التي أحس أنها لسان حاله الذي نطق بكل ما يختلج صدره وعجز عن قوله، وقد كان موقفه هذا المعادي لـ"اتفاقية السلام" سببا في اصطدامه مع السلطات المصرية بعد أن أصبحت أشعاره يردّها آلاف الطلبة والمتظاهرون. وقد فجّرت هذه المعاهدة رائعته الشعرية الخالدة "لا تصالح":

لا تصالحْ !

.. ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك،

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى .........!

***

.....

لا تصالح على الدم .. حتى بدم!

لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواء.... أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

أعيناه عينا أخيك؟!

وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها ......... أثْكَلك؟..

***

....

لا تصالح

ولو توَّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟

وكيف تصير المليكَ.

على أوجهِ البهجة المستعارة؟

كيف تنظر في يد من صافحوك..

فلا تبصر الدم..

في كل كف؟

إن سهمًا أتاني من الخلف..

سوف يجيئك من ألف خلف

فالدم - الآن - صار وسامًا وشارة

لا تصالح،

ولو توَّجوك بتاج الإمارة...

***

...

لا تصالحْ

فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ

)في شرف القلب(

لا تُنتقَصْ

والذي اغتالني مَحضُ لصْ

سرق الأرض من بين عينيَّ

والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة !

رحل أمل دنقل عن دنيانا في 21 مايو?آيار عام 1983 عن عمر 43 عاما بعد صراع مرير مع مرض السرطان، ودفن بمسقط رأسه في "قفط" في مقابر أسرته وأقيمت له جنازة بسيطة بحسب وصيته القصيرة جدا: "لا حزن ولا بكاء فقد حزنت وبكيت في حياتي ما يكفى.. أوصيكم بأن تكتبوا على قبري هذا قبر فلان ابن فلانة بن فلان وكل من عليها فان"، وعلى الرغم من مرور سبعة وعشرين سنة على رحيل أمير شعراء التمرد الشاعر أمل دنقل لاتزال قصائده حية لملكتها الفنية ولمعانيها الشعرية العميقة وأيضا لأن الوضع العربي لا يزال على حاله تلك التي انتقدها أمل دنقل في قصائده


المصدر : المتوسط أون لاين

[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]

جديد الوثائقية: بصمات.. الشاعر أمل دنقل
فيلم تسجيلي عن الشاعر
_______________________________






"لا تصالح".. قصيدة ارتسمت في ذاكرة الشعب المصري والعربي وأصبحت عنوانا لموقف وقضية ومسار.. ولكنها صرخة شاعر طبع بكلماته ثقافة مرحلة بأكملها..أمل دنقل.. ذلك الرجل النحيل ، الحاد الطبع إلا مع من يحب، وغير الوسيم كما ينبغي لكنه جعل من وسامة اللغة رداء له يتجلل به في حياته ويخلد به بعد مماته.
ضمن سلسلة بصمات التي أطلقتها قناة الجزيرة الوثائقية هذه السنة، للتعريف بالعظماء في ميادينهم، يأتي هذا الفيلم عن الشاعر المصري الكبير أمل دنقل.


يغوص الفيلم في تفاصيل الحياة التي عاشها الشاعر ويروي سيرته في شكل ملحمة شعبية مصحوبة بصوت الربابة وشدو المنشد الحزين. ينشد المنشد سيرة أمل مثلما ينشد صاحب السيرة الهلالية بطولة الزناتي خليفة.
نتعرف من خلال الفيلم على الأصول الاجتماعية لأمل دنقل القادم من الصعيد ونستمع إلى رفقاء دربه ومنهم عبد الرحمان الأبنودي الذي يروي بطريقته الجميلة تفاصيل حميمية من شخصية رفيقه وجاره في قرى الصعيد الهادئة والمنسية. ينجح الفيلم في تقديم التحولات الكبرى في حياة الرجل في وقت وجيز وصورة معبرة وموسيقى أخاذة.

لقد توفق مخرج الفيلم أيمن الجازوي وزوجته كريستينا بوكيليني في كتابة سيرة أمل دنقل بلغة سينمائية رائعة وبحس توثيقي خفيف على المتلقي فجمع الفيلم بين الشعر والغناء والسيرة الشعبية وخيال الظل والفن التشكيلي فتشعر بأن الكاميرا لم تتحمل وحدها عبء التصوير والتعبير بل تقاطعت مع فنون أخرى متداخلة تعكس شخصية الشاعر وتقلباته وثراء شعره وتجربته.




المصدر : الجزيرة الوثائقية



[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]

أمل دنقل ينتصر على الموت بقصائد "الغرفة 8"
____________________________


القارئ لديوان أمل دنقل أوراق "الغرفة 8"، سيلاحظ هيمنة وطغيان ثيمة الموت، وتتكرر مفردة الموت ومشتقاتها كالرصاص، الدم، السكين، التراب… في القصيدة الواحدة أكثر من مرة، وهذا يعزى إلى الظروف النفسية للشاعر، وهو ينتظر الموت كخلاص من عذابات السرطان الذي نخر جسده النحيل، أمّا كشاعر فقد انتصر على المرض الخبيث، وترك للأجيال هذا الديوان الخالد في القلوب، والغرفة "8" أقام فيها أمل دنقل أكثر من عام ونصف العام بمعهد السرطان، وفي قصائده ذلك الوعي الشقيّ والحادّ لدى المبدع مرهف الإحساس، الذي يدرك بحدسه أنّ أيّامه في الدنيا صارت معدودة، وقد ألفيتني مشدوها أمام صوره الشعرية النابضة:

هل أنا كنت طفلا…
أم أن الذي كان طفلا سواي؟

وهو الجنوبي الذي يخشى قنينة الخمر والآلة الحاسبة، ويشتهي أن يلاقي “الحقيقة والأوجه الغائبة”، ولعلّ قصيدة “الجنوبي” عكس بقية قصائد الغرفة “8″ موغلة في الأسى والانهزامية، كأنما الشاعر يرفع الراية البيضاء، وينتظر مصيره المحتوم.

في قصيدة "ضد من": يقف حائرا أمام البياض : "كل هذا البيّاض يذكرني بالكفن"، نقاب الأطباء، لون المعاطف، تاج الحكيمات وأردية الراهبات، أربطة الشاش، القطن، قرص المنوم، أنبوب المصل، كوب اللبن"الحليب". كل هذا البياض، حتى لو كان رمزا للنقاء والبراءة والطهر، يشيع في قلبه الوهن.

بيد أن ما يثير الدهشة، أنه في مقابل هذا البياض الرهيب، يأتي المعزون متشحين بالسواد!، فهل السواد/ لون الحداد لون النجاة من الموت، تميمة ضد الزمن؟ أم ضد من؟ يتساءل الشاعر، وبين اللونين يستقبل أصدقاءه، الذين يرون في سريره قبرا، وحياته دهرا، وفي العيون العميقة لون الحقيقة، ولون تراب الوطن.
ورغم ما قيل عن أمل دنقل، ونعته بالشاعر الصعلوك، فقد بقي وفيّا لقضية شعبه، للبسطاء الذين كان واحدا منهم، عميق الارتباط بوعي القارئ ووجدانه، كما تشي بذلك قصائده اللاذعة، وعفوية التعبير، دون الاختباء خلف بهرجة الألفاظ، وتزييف الحقائق، كما يفعل الكتبة والمتشاعرون.

في "زهور": كتب برهافة الشاعر الذي يلتقط كل ما هو منسيّ ومهمّش في الحياة اليومية، ولا يهتم به الآخر. كتب عن الزهور التي تجود بأنفاسها الأخيرة، ما "بين إغفاءة وإفاقة"، يستحضر رحلة الموت، التي تبدأ بقطفها، وانتزاعها من عرش جمالها، و تحويلها إلى مجرد شيء للزينة، يخضع لمنطق البيع والشراء، في زمن تعليب و تسليع كل شيء!

"السرير": رغم أن هذا الجماد/ السرير جرّده من إنسانيته، من هويته وصار شاعرنا مجرد رقم، وبيانات على ورق صقيل معلّق على واجهة السرير، فإن أمل دنقل يؤنسن هذا السرير، إنه كبقية الأسرّة، لا يستريح لجسد حتى يألفه، إذ سرعان ما يغادر من ينام فوقه، بالانغماس في نهر الحياة، وصخب اليوميّ أو ينحدر جهة القبر، هما طريقان لا ثالث لهما.

"ديسمبر": يشبّه الشاعر الموت بطائر الرخ، الذي تهديه الراهبات التوابيت و"المبادلة الخائبة"، يحبّ ظلمة العدم الآسنة، يتلقى النفايات تلو النفايات دون كلل، ولا يحب المطر، ولا أن يتطهر بـ "الرقة الفاتنة".

ديسمبر، إنه شهر الوداع والرحيل، ويثير في النفس شجنا وأسى غامضا لدى الأسوياء، بالأحرى شاعر عليل يترقب لحظاته الأخيرة. هذا الموت الذي لا يحبّ البساتين، ولا فصل الربيع.. هو صديق للخريف والنهايات وذبول الأوراق والغبار وتعفن الثمار والجدران المتآكلة.. إنه مثل فصل الخريف، الذي لا يحبه أحد، لأنه مرادف للموت.

ومن قصائد الديوان الجارحة بمتقابلاتها وأضدادها "الطيور"، حيث يقارن بين الطيور التي لا تغادر علياءها، ولا تستكين للناس، بعكس الدواجن التي تقأقئ حول الطعام المتاح، وتنتظر "سكينة الذبح" من اليد الآدمية التي تهب القمح، و" تعرف كيف تسن السلاح " أيضا.

الطيور الأولى لا تحتوي الأرض جثمانها إلا عند الاستقرار النهائي، مع السقوط الأخير، وكأن الدواجن علمت سلفا بأن "عمر الجناح قصير..".

هي رؤية للموت من خلال التحليق/ الحياة/ الاندفاع ، وكأن الشاعر تلبسته روح المعري في هذا النص.

"الخيول": كانت برية طليقة، وصارت للرهان، السباقات، المركبات السياحية، و التقاط الصور…
و"في بكائية لصقر قريش" يتساءل أمل:

فمتى يقبل موتي…
قبل أن أصبح – مثل الصقر-
صقرا مستباحا؟!

في"قالت امرأة في المدينة": كتب عن جيل الإحباط والخيبة، والقدس التي لم تُرَ إلا في الصور، والمعتقلين السياسيين الذين يحفرون أسماءهم بأظافرهم على جدران الزنازن المعتمة، و"الصور المنزلية للشهداء" التي يعلوها الغبار، ولا أحد يلبي نداء القدس السليبة غير صورة الجد وسيفه الصدئ المعلقين على الجدار، وهو نفس المشهد الذي استهلّ به القصيدة.

وفي قصيدته "إلى محمود حسن إسماعيل" يستحضر وجوه الغائبين، وألفة الوطن التي ترحل من العين، والاغتراب:

نتغرب في الأرض. نصبح أغربة في التآبينِ ننعي
زهور البساتين.

لــ / هشام بن الشاوي
المصدر





[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]


د / جابر عصفور لجريدة البيان

___________________

أمل دنقل (1940 - 1983) واحد من أبرز الشعراء العرب في عالم مابعد كارثة العالم السابع والستين. ولا تحتسب المكانة، في هذا السياق، بالكم الشعري الذي كتبه الشاعر، أو الدواوين التي أصدرها، فأعمال أمل دنقل قليلة مثل عمره القصير، ولكنها أعمال متميزة بماتنطوي عليه من انجاز ودلالة، ابتداء من ديوان (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) الذي لفت اليه أنظار الأمة العربية عام 1969، وكان بمثابة احتجاج وإدانة للعالم الذي أدى الى هزيمة يونية 1967، مرورا بديوان (تعليق على ماحدث) عام 1971 الذي كان استمرارا لاتجاه الديوان الأول،

وكذلك ديوان (العهد الآتي) الذي صدر عام 1975 والذي وصلت فيه تقنية الشاعر الى ذروة اكتمالها. وأخيرا ديوان (أوراق الغرفة 8) في عام 1983 وقد أصدره أصدقاء الشاعر بعد وفاته بشهور، وأشرفت على طباعته بنفسي في (هيئة الكتاب) مع تقديمي له، وصدر بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته، وتولت عبلة الرويني الاشراف على طباعة ماأتمه من (أقوال جديدة عن حرب البسوس) الذي صدر عن دار المستقبل العربي في القاهرة عام 1984، قبيل نشر الأعمال الكاملة التي أشرفت عبلة الرويني على أكثر من طبعة لها.
هذه الأعمال القليلة، نسبيا، تنطوي على عالم توازى خصوصيته وأهميته في تاريخ الشعر العربي المعاصر، فهي أعمال شاعر وصل بالمحتوى السياسي للشعر الى درجة عالية من التقنية الفنية والقيمة الفكرية، وذلك الى الحد الذي يمكن أن نقول معه أن شعر أمل دنقل هو المجلى الحداثي للتمرد السياسي في الشعر العربي المعاصر. هذا التمرد قرين رؤية قومية دفعته الى اختيار رموزه من التراث العربي، والتعبير بها عن هموم العرب المحدثين، وذلك بما يجعل من هذه الرموز مرايا ينعكس عليها التاريخ الحديث بما يبين عن هزائمه خصوصا من الزاوية التي تبرز تضاده مع أمجاد الزمن العربي القديم، أو من الزاوية التي تبرز المشابهة بين انكسارات الحاضر وانهيارات الماضي وفجائعه. وقد اقترنت هذه العودة الى الرموز التراثية بصياغة أقنعته من الشخصيات التاريخية ذات الدلالات المضيئة في هذا التراث القادرة على اثارة الشعور واللاشعور القومي لجماهير القراء العرب.
ويتميز شعر أمل دنقل بخاصية بارزة تتصل بمحتواه القومي من هذا المنظور، فهو شعر يتحدث - في جوانبه الحاسمة - عن الصراع العربي الإسرائيلي، الأمر الذي يجعله شعرا صالحا لهذه الأيام التي نعيشها في ظل الهيمنة الأمريكية والغطرسة الإسرائيلية، كما يجعل منه شعرا جديرا بأن نسترجعه ونستعيده مع شعورنا الغالب بالوجع الفلسطيني، ومع احساسنا بالعجز عن الدفاع عن حقوقنا العربية واسترداد ماسلب منها. والحق أن شعر أمل دنقل تتكشف قيمته على نحو اضافي مع مانعانيه، ومع كل مايؤكد لنا صدق هذا الشعر في تعبيره عن الهزائم المتلاحقة التي يمر بها العرب، خصوصا بعد أن استغلت اسرائيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وأقنعت أمريكا بمساعدتها في محاربة الارهابيين الفلسطينيين. وأقبلت أمريكا على مساعدتها، غير عائبة بالتفرقة بين الارهاب الذي يقوم على دعاوي باطلة، وينتهي بتدمير كل شيء، والكفاح الوطني من أجل الاستقلال. وكانت النتيجة أن أصبح الفلسطينيون الذين يقاتلون من أجل استقلال وطنهم، ومن أجل استعادة حقوقهم السليبة، ارهابيين مطاردين من إسرائيل ومن راعيتها الكبرى أميركا.

هكذا، نعاني نحن العرب في هذه الأيام حالاً أشبه بحال الهزيمة، فإسرائيل تعربد في الاراضي المحتلة، وترتكب من المذابح مايندى له جبين الإنسانية، وما من قوة عربية تستطيع أن تواجهها، أو ترد على عدوانها، الأمر الذي ترك مرارة الهزيمة العربية على كل الألسنة. ولذلك لا يملك المرء سوى تذكر قصائد أمل دنقل عن الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا أن ذكراه التاسعة عشرة تلح في هذه الأيام، فقد توفى في الحادي والعشرين من مايو سنة 1983.

وأتصور أن القصيدة الأولى التي ترد على الذهن من شعر أمل، في هذا السياق هي قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) وهي قصيدة دالة في ادانتها للأنظمة التي أوقعت الهزيمة بشعوبها، ودالة على أن الهزيمة تتخلق في الداخل قبل أن تأتي كالعاصفة الجائعة من الخارج، ودالة على أن الشعوب المحكومة لا تملك سوى البكاء عندما تشعر بهوان وضعها، ولكن من الزاوية التي تجعل من بكائها تمردا على كل من تسببوا في هزيمتها.

والواقع أن قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) أهم قصائد أمل بعد هزيمة العام السابع والستين. جذبت الأنظار إليها والى شاعرها، وذلك عندما أعادت الى الاذهان مأساة (زرقاء اليمامة) التي حذرت قومها من الخطر القادم فلم يصدقوها، كأنها صوت الابداع الذي كان يحذر من الخطر القادم في العام السابع والستين فلم يصدقه أحد الا بعد أن حدثت الكارثة. واذ أكد (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) التشابه بين الماضي والحاضر، فإنه أكد الهوية القومية لشعر أمل دنقل من حيث وصل الرموز بجذورها في التراث العربي الذي يصل بين المبدع والقارئ، ومن حيث ربط هذه الهوية برؤية لا ترى امكانا للمستقبل الا بنهضة قومية تستعيد أعظم ما في الماضي من خبرات وتتجاوز مافي الحاضر من ثغرات.

ولا شك أن جانبا لافتا من التأثير الذي تركته هذه القصيدة يرجع الى طبيعة الصوت الذي ينطقه القناع بها، فهو صوت المواطن العربي البسيط الذي يقف أعزل بين السيف والجدار، يصمت كي ينال فضلة الأمان، كأنه عبد من عبيد عبس يظل يحرس القطعان، يصل الليل بالنهار في خدمة السادة، طعامه الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة. وحين تقع الواقعة لا يملك هذا العبد سوى التوجه الى (زرقاء اليمامة) التي هي مثله بمعنى من المعاني، كي ينفجر في حضرتها بالكلمات التي تقول:

أيتها العرافة المقدسة
جئت إليك.. مثخنا بالطعنات والدماء
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة
منكسر السيف، مغبر الجبين والاعضاء
اسأل يازرقاء
... ...
كيف حملت العار
ثم مشيت، دون أن أقتل نفسي، دون أن أنهار
ودون أن يسقط لحمي من غبار التربة المدنسة.

هذا العبد الذي ينطق في القصيدة كان يجسد صوت الشاعر من ناحية، وصوت المواطن العربي المسكين الذي مزقته الهزيمة من ناحية ثانية. ولذلك اتحدت جماهير القراء بصوت هذا العبد العبسي البائس الذي دعى الى الميدان والذي لا حول له ولا شأن، فانهزم وخرج من جحيم هزيمته عاجزا، عاريا، مهانا، صارخا، كأنه صدى يجسد ما في داخل كل قارئ عربي للقصيدة في الوقت الذي كتبت فيه. وإذا كان صوت هذا العبد العبسي شاهدا على الهزيمة فإن بكاءه في حضرة زرقاء اليمامة، العرافة المقدسة،
شاهد على مايمكن أن يفعله الشعر في زمن الهزيمة، خصوصا من حيث هي صورة أخرى من هذه العرافة: يرى ما لا يراه الآخرون ويرهص بالكارثة قبل وقوعها، وينطق شهادته عليها وقوعها، ويتولى تعرية الأسباب التي أدت إليها، غير مقتصر على الإدانة السلبية في سعيه الى استشراف أفق الوعد بالمستقبل الذي يأتي بالخلاص.
ولذلك كان بكاء هذا العبد في حضرة زرقاء اليمامة، مثل شهادته، علامة على أسباب الهزيمة التي ترتبت على غياب الحرية والديموقراطية عن قبائل (عبس) العربية، من العصر الجاهلي الى العام السابع والستين، حين كتبت هذه القصيدة، كما كان هذا البكاء تأبينا لزمن مضى، وإدانة لأخطاء زمن لم يخلف سوى الكارثة، وبحثا عن زمن يأتي بخلاص من هذه الكارثة.
وأعترف أنني كلما طالعت شاشات التليفزيون الأجنبية والعربية، ورأيت المذابح البشعة التي ارتكبها الإسرائيليون في حق الشعب العربي الفلسطيني، في رام الله أو نابلس أو جنين أو طولكرم وغيرها من الأماكن الفلسطينية العزيزة، شعرت بالهزيمة والانكسار والعجز ووجدت نفسي استعيد الصوت الصارخ في قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) من عجزه ومحنته، ومضيت مثله أسأل عن السواعد المقطوعة التي ظلت ممسكة بالرايات العربية المنكسة، وعن جثث الأطفال ملقاه بين الخيام، وعن وقفة المرأة الفلسطينية بينما الدبابات الإسرائيلية تمضي فوق حطام منازلهم التي هدمتها القذائف الغادرة، فأقول لنفسي الى متى نحمل - نحن العرب - هذا العار؟ الى متى؟!

المصدر : موقع الدي في دي العربي




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]

أمل دنقل.. وميض تغتاله العتمة

____________________


خيري حسين - باحث مصري


محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل من مواليد قرية "القلعة" إحدى قرى مديرية "قنا" أقصى جنوب مصر، ولد في 1941 لأب يعمل مدرسًا للغة العربية متخرجًا في الأزهر.
كان والده في تنقل ما بين قرية "القلعة" وإحدى مدن "قنا"؛ فهو في فترة الدراسة يقيم بالمدينة، يعمل بالتدريس، وحين تنتهي الدراسة يعود أدراجه بأسرته المكونة من ولدين وبنت، أكبرهم أمل وأصغرهم أنس.. وهذا التنقل قد أثّر في طبيعة أمل كثيرا فيما بعد.
وكأن الألم هو الحضانة الأولى للعظماء، فلم يكد أمل يتم العاشرة من عمره حتى مات والده. وحرصت أمه الشابة الصغيرة التي لم تكن قد جاوزت النصف الثاني من عقدها الثالث على أن يظل شمل أسرتها الصغيرة ملتئمًا، مع عناية خاصة توليها لمستوى الأولاد الاجتماعي من حيث حسن المظهر والتربية وعلاقاتهم وأصدقائهم.
ساعدهم على العيش "مستورين" أن الأب قد ترك لأولاده بيتًا صغيرا في المدينة يقطنون في طابق منه ويؤجّرون طابقًا آخر، كما عاون الأم في تربية أولادها أحد أقرباء زوجها كان بمنزلة عم "أمل".
حين التحق أمل بمدرسة ابتدائية حكومية أنهى بها دراسته سنة 1952 عُرف بين أقرانه بالنباهة والذكاء والجد تجاه دراسته، كما عُرف عنه التزامه بتماسك أسرته واحترامه لقيمها ومبادئها؛ فقد ورث عن أمه الاعتداد بذاته، وعن أبيه شخصية قوية ومنظمة.

[COLOR=Blue]آثار الطفولة [/COLOR]
والمفارقة أنه حين وصل للمرحلة الثانوية بدت ميوله العلمية، وهيأ نفسه للالتحاق بالشعبة "العلمي" تمهيدًا لخوض غمار الدراسة الأكاديمية في تخصص علمي كالهندسة أو الكيمياء، لكن العجيب أن أصدقاءه قد أثروا كثيرا في تحوله المعاكس إلى الأدب والفن في هذه الفترة ؛ فقد كان من أقرب أصدقائه إلى نفسه "عبد الرحمن الأبنودي" –شاعر عاميه مصري- وقد تعرف عليه أمل بالمرحلة الثانوية، و"سلامة آدم" –أحد المثقفين البارزين- فيما بعد، وكان يمت له بصلة قرابة وكان رفيقه الأول في مرحلة الطفولة، وبعد اتفاقهما الدائم على الالتحاق بالقسم العلمي وجدهما قد فاجآه والتحقا بالقسم الأدبي، فوجد "الصغير" نفسه في حيرة شديدة، سرعان ما حُسمت إلى اللحاق بأصدقائه.

إلا أن ذلك لا يعني أنه كان بعيدا عن مجال الأدب، فضلا عن الثقافة العربية؛ فقد نشأ في بيت أشبه بالصالونات الأدبية، فلم يكن والد أمل مدرسًا للعربية فحسب، ولكنه كان أديبًا شاعرًا فقيهًا ومثقفًا جمع من صنوف الكتب الكثير في سائر مجالات المعرفة؛ لذا فقد تفتحت عينا الصغير على أرفف المكتبة المزدحمة بألوان الكتب، وتأمل في طفولته الأولى أباه وهو يقرأ حينا ويكتب الشعر حينا.
لهذا كله ولموهبته الشعرية الباسقة لم يكد أمل ينهي دراسته بالسنة الأولى الثانوية إلا وكان ينظم القصائد الطوال يلقيها في احتفالات المدرسة بالأعياد الوطنية والاجتماعية والدينية.
وهذه المطولات أثارت أحاديث زملائه ومناوشاتهم بل وأحقادهم الصغيرة أحيانا، فبين قائل بأن ما يقوله "أمل" من شعر ليس له، بل هو لشعراء كبار مشهورين استولى على أعمالهم من مكتبة أبيه التي لم يتح مثلها لهم، أما العارفون بـ"أمل" والقريبون منه فيأملون – من فرط حبهم لأمل- أن يكون الشعر لوالد أمل دنقل، عثر عليه في أوراق أبيه ونحله لنفسه شفقة على أمل اليتيم المدلل الذي أفسدته أمه بما زرعته في نفسه من ثقة بالنفس جرأته –في نظرهم- على السرقة من أبيه.
ولما أحسّ أمل من زملائه بالشك؛ تفتق ذهنه عن فكرة مراهقة جريئة وهي وإن كانت لا تتسق مع شخصيته الرقيقة إلا أنها فاصلة.. أطلق موهبته بهجاء مقذع لمن تسول له نفسه أن يشكك في أمل أو يتهمه، ولم يمض كثير حتى استطاع أمل دنقل بموهبته أن يدفع عن نفسه ظنون من حوله. ولما تفرغ أمل من الدفاع عن نفسه داخل المدرسة تاقت نفسه لمعرفة من هو أفضل منه شعرا في محافظته، فلم يسمع بأحد يقول بالشعر في قنا كلها إلا ارتحل له وألقى عليه من شعره ما يثبت تفوقه عليه، وكأنه ينتزع إعجاب الناس منهم أنفسهم.
أحلام وطموحات
ولما لم يكن هناك من يجده أمل مكافئا تاقت نفسه أن يلتقي بالشعراء الذين يرى أسماءهم على الدواوين الراسخة في مكتبته، وانصرف أمل عن أحلامه الدراسية وطموحاته العلمية إلى شيء آخر هو الشعر.
ومما نُشر لأمل دنقل وهو طالب في الثانوية أبيات شعرية نشرتها مجلة مدرسة قنا الثانوية سنة 1956، وكتب تحتها: الطالب أمل دنقل يقول فيها:

[COLOR=Blue]يا معقـلا ذابت على أسـواره كل الجنود [/COLOR]
حشـد العـدو جيوشه بالنار والدم والحديد
ظمئ الحديد فراح ينهل من دم الباغي العنيد
قصص البطولة والكفاح عرفتها يا بورسعيد

وفي العدد التالي أفردت المجلة صفحة كاملة لقصيدة بعنوان: "عيد الأمومة"، وكتبت تحت العنوان: للشاعر أمل دنقل، وليس للطالب كسابقتها، جاء فيها:
أريج من الخلد .. عذب عطر
وصوت من القلب فيه الظفر

وعيد لـه يهتف الشـاطئان
وإكليله من عيون الزهر...

ومصر العلا .. أم كل طموح..
إلى المجد شدت رحال السفر

وأمي فلسطين بنت الجـراح
ونبت دماء الشهيد الخضـر

يؤجـج تحنانهـا في القلوب
ضرامًا على ثائرها المستمر

وأمي كل بـلاد.... تثـور
أضالعـها باللظى المستطـر

تمج القيود.... وتبني الخلود
تعيـد الشباب لمجـد غبـر

فإن الدمـاء تزف الدخيـل
إلى القبر.. رغم صروف القدر

وتنسج للشعب نور العـلاء
[COLOR=Blue] بحـرية الوطـن المنتصـر [/COLOR]


حصل على الثانوية العامة عام 1957، والتحق بكلية الآداب 1958. وقد ساعده ذلك على الإقامة في القاهرة لتتاح له فرصة جديدة ونقلة حقيقية في مجال القصيدة الدنقلية كما يقول عنه "قاسم حداد" في مقاله: "سيف في الصدر" في مجلة "الدوحة" أغسطس 1983: "دون ضجيج جاء إلى الشعر العربي من صعيد مصر، وكتب قصيدته المختلفة، وكسر جدران قلعة القصيد كما لم يعهد الشعر العربي القصائد ولم يعهد الكسور".

وهذه قضية أمل الكبرى التي عاش من أجلها كالمحارب تماما، وهو يعبر عن ذلك حين يقول:

كنت لا أحمل إلا قلما بين ضلوعي
كنت لا أحمل إلا قلمي
في يدي: خمس مرايا
تعكس الضوء الذي يسري من دمي
افتحوا الباب
فما رد الحرس
افتحوا الباب ….. أنا أطلب ظلا
قيل: كلا

وانفجر أمل في الشعر بهدوئه العجيب.. فلم يمكث في القاهرة سوى عام واحد؛ إذ رحل عنها 1959 إلى قنا ثانية حيث عمل موظفا بمحكمة قنا، لكن تهويمات الشعر وخيالاته لم تكن تدع مبدعا كأمل لوظيفة رتيبة مملة.. ترك العمل لانشغاله بالشعر والحياة، واستمر شعره هادفا ثائرا على الواقع، وأحيانا ساخرا منه بأسلوب يحيل هذه السخرية إلى إبداع شعري غاية في الشفافية تطلق في ذهن القارئ العديد من المعاني الشعرية.

[COLOR=Blue]أمل الثورة [/COLOR]

ورغم شعارات ثورة يوليو وانجذاب الكثيرين لها؛ حيث كانت الثورة أمل جموع الشعب الكادح، ومنهم أمل دنقل الفقير ابن أقصى الصعيد.. فإن ذلك لم يخدعه كآخرين، حيث كان متنبها لأخطائها وخطاياها؛ فقد سجل رفضها بعين الباحث عن الحرية الحية لا شعارها؛ ففتح نار سخريته عليها، فهو يرفض الحرية المزعومة التي فتحت أبواب السجون على مصراعيها.. يقول أمل:

[COLOR=Blue]أبانا الذي في المباحث، نحن رعاياك [/COLOR]
باق لك الجبروت، باق لك الملكوت
وباق لمن تحرس الرهبوت
تفرّدت وحدك باليسر
إن اليمين لفي خسر
أما اليسار ففي عسر
إلا الذين يماشون
إلا الذين يعيشون..
يحشون بالصحف المشتراة العيون فيعيشون
إلا الذين يوشُون
إلا الذين يوشون ياقات قمصانهم برباط السكوت
الصمت وشمك..
والصمت وسمك
والصمت أنى التفتّ
يرون ويسمك
والصمت بين خيوط يديك المشبكتين المصمغتين
يلف الفراشة والعنكبوت

لم يستقر أمل دنقل في وظيفة أبدا فها هو يعمل موظفا في مصلحة الجمارك بالسويس ثم الإسكندرية، ويترك الوظيفة، لقد اعتاد أمل دنقل الترحال، وربما ورثها من طفولته حال حياة والده، ولكن انغماسه في الشعر قوّى ذلك في نفسه، وجعله يتحلل من قيود المكان وقيود الوظيفة، فقد ترك دراسته في السنة الأولى الجامعية، وترك عمله بقنا، وها هو يترك السويس إلى الإسكندرية، بل يترك العمل الوظيفي ليعلن لنا بنفسه في أخريات حياته أنه لا يصلح إلا للشعر فيقول: "أنا لم أعرف عملا لي غير الشعر، لم أصلح في وظيفة، لم أنفع في عمل آخر…" توصل أمل دنقل إلى ذلك قبل أفول نجمه بثلاثة أيام فقط.
وفي 1969 يصدر الديوان الأول لأمل دنقل بعنوان: "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" تأثرا بالنكسة، وبعده بعامين ينشر أمل دنقل ديوانه الثاني: "تعليق على ما حدث"، ثم يأتي نصر 1973 وعجب الناس من موقف أمل دنقل؛ إذ هو لم يكتب شعرا يمجد هذا النصر حيث يصدر ديوانه الثالث: "مقتل القمر" 1974 دونما قصيدة واحدة تحدثنا عن النصر، وفي 1975 يصدر ديوانه: "العهد الآتي".

[COLOR=Blue]عشق الترحال والحياة [/COLOR]

وفي أحد أيام سنة 1976 يلتقي أمل دنقل بالصحفية "عبلة الرويني" التي كانت تعمل بجريدة "الأخبار" فتنشأ بينهما علاقة إنسانية حميمة، تتوج بالزواج 1978، ولأن "أمل" كان كثير التنقل والترحال فقد اتخذ مقرًا دائما بمقهى "ريش"، وإذا بالصحفية "عبلة الرويني" زوجة الشاعر الذي لا يملك مسكنا، ولا يملك مالا يعدّ به السكن تقبل أن تعيش معه في غرفة بفندق، وتنتقل مع زوجها من فندق لآخر، ومن غرفة مفروشة لأخرى.
ويستمر أمل دنقل يصارع الواقع العربي بإنتاج شعري مميز فيكتب: "لا تصالح"، رافضا فيها كل أصناف المساومات، متخذا من الأسطورة رمزا كما عودنا من ذي قبل، ولكن أمل دنقل كُتب عليه صراع الواقع العربي الذي ما برح يكتب فيه حتى واجه بنفس قوية وإرادة عالية صراعه مع المرض، ودخل أمل المستشفى للعلاج، وكان لا يملك مالا للعلاج الباهظ الذي يحتاجه في مرضه.
وبدأت حملة لعون الشاعر من قبل الأصدقاء والمعجبين، وكان أولهم "يوسف إدريس" -أديب مصري- الذي طالب الدولة بعلاج أمل على نفقتها.
وطلب أمل من أصدقائه التوقف عن حملة المساعدة. كان أمل لا يريد أن ينشغل أحد بمرضه، وظل أمل دنقل يكتب الشعر في مرقده بالمستشفى على علب الثقاب وهوامش الجرائد.. ولم يهمل الشعر لحظة حتى آخر أيامه، حتى إنه يتم ديوانا كاملا باسم: "أوراق الغرفة 8".
يموت الألم في أمل دنقل مع صعود روحه لبارئها، لكنه يترك تاريخا مضيئا بالشعر وآرائه السياسية التي كانت تصدر عنه بروح القادر ونفس الحر دون أن ينجرف إلى تيار معين يفسد عليه انتماءه للشعر.. ودون أن يترك حدثا بلا قول وخطر، بل وسخرية موجهة.


المصدر : موقع الدي في دي العربي




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]

عن كتاب
"الجنوبي": سيرة دنقل بقلم زوجته
____________________

هيا صالح


رغم أن كتاب "الجنوبي.. أمل دنقل" يبدو للوهلة الأولى سيرة غيرية، إلا أن القارئ، بعد سبر أغواره، ومطالعة صفحاته التي تجاوزت 220 صفحة، يكتشف أنه، بالإضافة إلى ذلك، سيرة ذاتية لعبلة الرويني تحكي فيها تجربتها الشخصية في إطار حديثها عن تجربة أمل دنقل. تلك التجربة الواحدة التي امتزج فيها الاثنان معاً، بحياة تشكلت وفق إيقاعات متنوعة؛ صداقة، حب، زواج، عشق، تكوين عائلة. ولعل هذا الارتباط العميق الذي جمع الاثنين معاً، هو ما جعل نفسيهما نفساً واحدة، ومسيرتيهما مسيرةً واحدة أيضاً.
تتجلى القدرية في السيرة، من خلال حديث الرويني عن مجريات اللقاء الأول الذي جمعها بالشاعر الراحل أمل دنقل في أكتوبر العام 1975، في مقهى "ريش"، حيث كانت عبلة تنوي في بداية عملها بجريدة "الأخبار" إجراء حوار مع أمل، رغم معرفتها مسبقاً بصعوبة نشر هذا الحوار. كان دنقل شاعراً يسارياً، وهو ما أوضحه لعبلة أحد المحررين السياسيين في الجريدة قائلاً: "ربما يمكنهم نشره في طبعة (أخبار اليوم) العربية، فمن الممكن تصدير أمل دنقل عربياً، لكنه غير مسموح باستهلاكه داخل مصر". وقد زادت تلك العبارة من عزم عبلة وتصميمها على حوار أمل وتحدّي سياسة الجريدة: "فلماذا تأخذ الجريدة موقفاً من شاعر؟ بل كيف تأخذ الجريدة موقفاً من عقل الصحفي؟".
وبعد بحثها عن أمل في المقاهي الشعبية، وهي المكان المفضّل لدى الكتّاب والشعراء . تلتقي عبلة به، ويجري الحوار بينهما إنسانياً أولاً قبل أن يكون أدبياً: "قلت: كنت أظنك أكبر قليلاً. ضحك بصوت مرتفع: يبدو أن عندك عقدة ألكترا! ولم أُسْتَفز أيضاً، بل ابتسمت: اطمئن لن أحبك".
وتضيف عبلة: "كان الانطباع الأول الذي كوّنته سريعاً؛ أن هذا الشخص مختلف عن الآخرين، يتكلم لغة أخرى، يسلك سلوكاً آخر، بل ويحسّ أحاسيس أخرى. فمنذ اللحظة الأولى سقطت كل المسافات والادعاءات والأقنعة، وبدا لي وجهُ صديق أعرفه من زمن".
تكمل عبلة حوارها الصحفي مع دنقل، الذي هو أول حوار وآخر حوار يُنشر معه في جريدة "الأخبار". وتتعمق العلاقة بين الاثنين، وتتوالى اللقاءات، ورغم محاولة دنقل ترك مسافة بينه وبينها، إلا أن عبلة تدرك أن هذه المحاولات ما هي إلا اعتراف صريح منه بدفق من العواطف التي تضطرب في قلبه تجاهها. وتكتشف في لحظة تأمل إنسانية أنها هي أيضاً تبادله تلك المشاعر: "قال لي في المرة الرابعة التي التقيت فيها معه، ومن دون أدنى مقدمات: يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة! حرّك هذا التحذير الاستفزازي انفعالاتي، فبدت عارية: أولاً أنا لست صديقتك، كما أنني لا أسمح لأحد بتحديد مشاعري متى تتزايد أو تتناقص، إنني وحدي صاحبة القرار في علاقاتي بأصدقائي"، وتضيف: "من المؤكد أن أمل أحبني ، وأن غضبي لعبارته يعني أيضاً أنني أحمل له نفس المشاعر".
ووفقاً لمقولة "قل لي من صديقك أقل لك من أنت"، تشير الرويني في "الجنوبي" إلى العلاقات المركّبة التي جمعت أمل بأصدقائه، متوقفةً عند المنظور الإشكالي الذي كان دنقل يرى المحيطين به من خلاله: "إن الضعيف لا أصدقاء له، بينما القوي يتزاحم من حوله الأصدقاء".
فقد احتوت صداقات دنقل، كما توضح الرويني، على كثير من الأشكال المركبة. وكثير من أقنعة الحدّة، والمنازلات الملتهبة، والمشاحنات الكلامية، والمداعبات الشديدة. وقد "ظلت هذه العلاقات شديدة التركيب، حيث تبدو المداعبة حادة بينما يبحث أمل من خلالها عن نوع من الاطمئنان الكامل لا يجده دائماً، أو نوع من الفهم والحب له لم يوفره الآخرون، وربما لم توفره الأيام له شخصياً. ولهذا اتسمت علاقاته دائماً بمزاج ساخر، ومزاج حاد لا يحتوي شراً، بقدر ما يحتوي مرارة الأيام الطويلة". ومن أصدقاء دنقل المقربين، كما توضح الرويني، يحيى الطاهر عبد الله الذي وافته المنية إثر حادث سير ولم يشترك دنقل في مراسم غيابه وكان يقول: "إن يحيى خاص بي وحدي". والدكتور يوسف إدريس الذي جمعت دنقل به علاقة صعلكة، والشاعر نجيب سرور، وجابر عصفور، والكاتبة صافيناز كاظم التي كان دنقل دائم الاستفزاز لها.
أصبح مقهى "ريش" مكانَ اللقاء الدائم، وربما المفضّل، بين العاشقَين؛ أمل وعبلة. رغم ما كانت تبديه عبلة من تحفّظٍ تجاهه في البداية: "أقنعني أمل بالتخلي عن منطقي البرجوازي، وتلك الوثنية التي أمارسها تجاه الأماكن، فلا يوجد مكان نحبه، وآخر نكرهه، هناك فقط شخص يسعدنا الجلوس معه أو لا يسعدنا، وكانت كلماته منطقية وعادلة، فبدا (ريش) معه أجمل وأرقّ الأماكن التي تصلح للقاء عاشقَين".
كانت البرجوازية طريقةً تعيش عبلة في إطارها، لكنها أبداً لم تستحوذ على تفكيرها أو عالمها بالكامل. وهي لذلك كانت مستعدة، كما تقول، لأن تبيع العالم كله من أجل شاعر لم يكن يمتلك غير بنطلون واحد أسود ممزق. "كأن هذا الثقب الناتج من احتراق سيجارة يطل من فوق الركبة، وكان أمل يحاول مداراته دائماً عن عيوني البرجوازية، بينما كنت أبحث دائماً عنه، وأنا أكاد أعتذر عن ملابسي الأنيقة".
لم تكن العلاقة التي جمعت عبلة بأمل، والتي راهن الكثيرون على فشلها، علاقة عادية أو عابرة، ولذا لم يكن من الغريب أن تتّخذ هذه العلاقة فيما بعد، شكلَ الرباط الزوجي المتين، رغم ما كانا يواجهانه من معيقات مادية. يقول أمل: "إنني أتكلم عن راتب شهري يمكن أن يعول أسرة لا بدّ لها أن تأكل وتنام على الأقل. إن اختياراتي ليس عليكِ أن تتحملي تبعاتها وعذاباتها". فترد عبلة: "أمل.. إننا سنتزوج ليس فقط انتصاراً للحب، ولكن، انتصاراً لاختياراتك".
بعد زواجهما، باتا صديقَين لا زوجين، وخرجا على أشكال الزواج التقليدية، حيث أصبح الشارع بيتهما الذي يقضيان فيه جلّ وقتهما. وتصف عبلة علاقتهما الزوجية قائلة: "كان الحب في داخله، وكان التصاقي الشديد به يُشعره كثيراً بالقيد والتوتر والعبء النفسي أحياناً، ولعل مرد ذلك إلى إحساسه العميق الدائم بأنه لم يمنحني راحة، أو أن الحياة ذاتها لم تمنحنا استقراراً".
لم تكن هناك طقوس معينة تلازم دنقل أثناء كتابته للقصيدة، كما توضح عبلة التي رافقته في مشواره الإبداعي والحياتي، سوى توفر السجائر التي ظلت صديقة أمل المقرّبة حتى وفاته. كان مرض السرطان قد بدأ يغزو رئته: "قال له الطبيب: كفّ عن السجائر، قال: إن الكفّ عن السجائر لن يعوق السرطان الهادر في صدري، دعها فهي متعتي الأخيرة".
بدأ السرطان يأخذ من جسد أمل الناحل، فتزداد روحه تألقاً وجبروتاً. وكان يصارع الموت بعناد لا يلين. وكانت مأساة أمل، كما توضح عبلة: "أنه ظل قادراً على حمل البحر، بينما البحر لم يستطع أن يحمله.. أجمل سمكة نادرة في مياهه.. ظل دائماً يبحث عن التوازن الصعب داخل هذا العالم المتواتر والمرفوض حوله، وداخل هذا التناثر الحاد في كيانه حتى انفجر كل شيء.. وتمدد السرطان".
لقد بدأت معاناة أمل مع السرطان بعد مضي تسعة أشهر على زواجه بعبلة، وظل المرض يتمدد، لأن أمل وعبلة لم يكونا يمتلكان "ملّيماً" واحداً من أجرة الطبيب التي بلغت 300 جنيه. وفي ظل الحاجة المادية الملحّة، شعر الاثنان، بجبروت الفقر: "إنها المرة الأولى التي نعرف فيها قسوة الفقر.. المرض هو الحالة الوحيدة على هذه الأرض التي تحول الفقير إلى بائس حين يواجه قدره عاجزاً".
وتروي عبلة قصة علاج دنقل في معهد السرطان، حيث امتدت فترة العلاج لأكثر من سنة ونصف السنة، أعلن الأطباء بعدها، عن حتمية موت أمل. وتسرد عبلة هذه التجربة، بكثير من الحزن، قائلة: "نظر طبيب معهد السرطان إلى تحليل الدم الأخير، ودون أن يدري شيئاً عمّا نعرفه قال: للأسف الشديد لقد أكدت التحاليل إصابتك بالتراتوما، وهو أمر صعب، لم نكن نريده، لكننا سنبذل ما لدينا من أحدث طرق للعلاج". كانت ردة فعل عبلة على كلام الطبيب قوية جداً، ما اضطر الأطباء إلى إخراجها من الغرفة. بينما واصل أمل حديثه مع الطبيب: "لماذا كنتَ قاسياً معها إلى هذا الحد. كان يمكن أن تخبرني وحدي". لقد كان أكثر ما يخشاه دنقل ليس الموت، وإنما بكاء أمه وعبلة عليه.
كان أمل مريضاً استثنائياً، فقد تمت في جسده تجربة علاج إشعاعي هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، حصل فيها على أكبر نسبة إشعاع ذري مكثف تُعطى لمريض في جرعة واحدة. وخرج من تلك التجربة منتصراً، غير أن الأمر لم يدم طويلاً، إذ أصيب أمل في النهاية بغيبوبة: "هكذا أعلن أمل الموت، لكنه كطبيعته ما زال حتى النفس الأخير، يحلم بالمقاومة. في منتصف الليل، قبيل وفاته بساعات قليلة، زاره ناصر الخطيب مدير مكتب جريدة (الرياض) بالقاهرة. أيقظ أمل من غيبوبته، وهمس في أذنه باكياً: أمل قاوِمْ. فتح أمل عينيه، وبصعوبة في النطق أجاب: لا أملك سوى المقاومة. ثم راح في غيبوبة".
كثير من الأحداث اليومية والتفاصيل الحميمة، في علاقتها بأمل دنقل ضمّنتها عبلة في "الجنوبي"، كما تحدثت عن مشاكلهما وخلافاتهما التي كانت تزيد علاقتهما الزوجية والإنسانية متانة وصلابة. كما ضمَّنت عبلة في "الجنوبي" قصائد ألقاها أمل في مناسبات مختلفة، كانت تتوقف أحياناً لتنقدها أو تعلّق عليها، أو تشرح الموقف أو المناسبة التي قيلت فيها.
وأخيراً، فإن "الجنوبي" هو بمثلبة هدية حب ووفاء من عبلة الرويني إلى رفيق دربها أمل دنقل الذي لم ينجح الموت في تغييبه، وإنما حوّله إلى صوت قوي صافٍ تصدح الأجيال بشعره.

[COLOR=RoyalBlue]المصدر : موقع الدي في دي العربي[/COLOR]




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339949724.jpg"]

تتـــــــمة
______


هذه مجموعة قصائد الشاعر أمل دنقل وحياته وبعض المقالات عنه

لم تتم إضافة بعض القصائد لاحتوائها على ألفاظ غير مناسبة أو بسبب أن الترميز فيها نوعا غير مقبول

مصدر كل القصائد

الموسوعة العالمية للشعر العربي

تجميع و إعداد / [COLOR=#0066FF]Anfas Elfajer[/COLOR]




[/BACKGROUND]
م
مشكورة غاليتي على الجهد وألف مبروك الفوز
n
الف مبروك اختي الغالية وتستاهلين الفوز
y
أشكرك غاليتي
على الطرح المبدع ..
أبدعتِ الطرح والتنظيم
وألف مبارك الفوز تستحقين ذلك
تم التقيم

:032::f:
A
الله يبارك فيكم حبيباتي
ومشكورات على التواجد العطر
X