الشاعرة / غادة السمان

Anfas Elfajer 17-06-2012 291 رد 63,088 مشاهدة
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تخاف سمكة
_____________




ويكسرني الحنين: بلا لبنان، المنفي في كل مكان..
ولكن، ماذا أقول لبائع الذرة على رصيف البحر
إذا عدت إلى بيروت، ولم يجدك معي؟
ماذا أقول لعربته الصدئة بالملوحة الرطبة الحارة،
وهي التي احتفظت باسمينا
منذ حفرناهما على جسدها العتيق
في ليلة توهّج لامنسية على شاطئ "المنارة"؟
ماذا أقول للسمكة والنورس والأزهار الصفر البرية،
واشتعال الأشواق في الأشواك الليلكية؟
وكيف تصدِّق رمال بيروت،
أننا لم نعد نجيد القراءة في دفتر الحب،
وأن مدرسة الحنان
طردتنا إلى الفتور، وأغلقت أبوابها على البكاء؟




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تمتطي حصان الحرية
__________________




من أي الأبواب أخطو إليك
ونحن أوصدناها بإتقان فيما بيننا،
وفخّخناها؟
كيف نسفنا الجسور ذات ليلة جنون
وزرعنا الألغام في الوادي، وأضرمنا الحرائق
وعاد كلّ منا إلى قواعده.. غير سالم؟
منذ افترقنا يا سيدي
وأنا أسقط في تلك البئر المعتمة داخلي..
أهوي وأتضرع كي ألامس القاع أخيراً..
***
حُبُكَ بعيد المدى
عابر للقارات الليلية والسنوات الضوئية للفراق..
ركبت طائرة الغربة هاربة منك،
فاكتشفت أنك ربانها..
هربت إلى فندق النسيان،
فاكتشفت أنك اشتريته في الليلة السابقة..
هربت في باخرة سياحية،
فوجدتها تحمل اسمك وبصماتك..
مضيت إلى جزر آكلي اللوتس،
فلقيت بناتها يهذين باسمك
وأشرق وجهك في غروب الشمس..
لا خلاص من حبك يا سيدي لبنان، إلا بالاستسلام..
***
أتذكّر غابة، تركض عبرها نار شفافة:
كنا عاشقين!
أتذكّر تفاحة بنفسجية، رمالاً بنفسجية
ثم تمتد يدك خضراء،
وعليها تركض أفراس العالم الجميلة..
وأتعلم الصهيل وخبب الليل وأحبو حتى عنقك..
أريد أن أتذكّر أنني أحببتك مرة حقاً
كي أضمك إلى السلك الديبلوماسي للذكريات
خارج حلبة حياتي الحاضرة.. وأتحدث عنك
ببرود قفاز أبيض، ووقار سفير، وحياد مشرط..
وأكرّسك ذكرى جميلة في حرم الماضي..
لا أجرؤ على الاعتراف أنك مشروع إعصار آت...
ولستَ حباً مات وفات
***
من يعاقب هذا السيد الحزن
لأن أهله رضوا ذات يوم
بمقاسمة الآخرين خبزهم وشمس حريتهم؟
أما زال الليل ينتظرنا عند منعطف التنهّدات
في تلك الجبال القمرية اللامنسية؟
أعترف بحزن أطفال المياتم: لقد أحببتك مرة
ثم قررت أنني نسيتك..
وأنا أصلي منذ ذلك الزمان الغابر
كي أكون قد نسيتك حقاً!!..
عيناك شاسعتان في المسافة بين الأرز والتبغ
والكرمة والياسمين والكرز والحرائق والمذابح
على طول الشواطئ والجبال حتى حافة جرح قلبي..
أتذكر كيف ركبت حصان الجنون إليك مرة،
وقفزت به من فوق أطفالك وأصدقائك ومجدك،
كأرعن في سباق عمى الحواجز..
ثم حدث خلل بسيط:
لقد أشرقت الشمس صباح اليوم التالي!
***
كنت أعرف أن أيامي معك
حبة سكر في فنجان شاي الصباح..
لكنني عاملت قطعة السكر كجزيرة. أقمت فوقها..
حملت جواز سفرها. نشرت راياتي. نثرت أوراقي..
دققت أوتاد خيامي. زرعت الصنوبر ودويكات الجبل...
ثم ذابت قطعة السكر، وخلّفتني في قعر الفنجان..
مرة، حفرت بئراً، فلم أجد النفط ولا الماء..
ووجدت الحبر!.. واكتشفت الحرية..
هذا قدري معك، أن لا نعيش حكايتنا
وأن أكتبها...
***
ضالة معك، تائهة، قلقة،
وضالة بدونك
مثل قطة أليفة أودعوها كيساً،
تمهيداً لرميها بعيداً في حقول فظة تجهلها..
وحين يداهمني أحد وأنا أستحضرك وأكتبك
أخاف أن تطل من نافذة عيني
فأخفيك جيداً بين أوراقي يا سيدي
وأغطيك بأسنان الضحكات القسرية الهزلية،
لكن اسمك يعلو بهدوء كمنطاد، ويتصدر الصفحات..
وأظل أكتب لك جرحي كل عام
ومن قطارات الغربة أمد لك رأسي
وأصرخ في وجه عالم متوحش
يقتلك أو لا يبالي بموتك:
كل عام وحبك سيدي يا لبنان.




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة من أول لدغة
_____________




منذ ألف عام وأنا أحبك!
مثلك أنا، لا أؤمن بالحب من اللدغة الأولى
لكنني أعرف أننا التقينا من قبل
منذ عصور، داخل الخرافي الحقيقي.
وتعانقنا صورتين على صفحة مياه الأبدية
ولا يزال ظلك يلاحق ظلي عبر العصور
داخل المرايا الأزلية الغامضة للحب
ولا أزال ممتلئة بك في خواء القرون المتتابعة..
وثمة غجري، يضيء مصابيح الحنين
وهو ينشد على غيتاره
ما تخطّه لي فوق أوراق الريح من أشعار..
وثمة غجرية ضالة في غابات العصور
تطارد فتات خبز ذكرياتها الآتية معك
كي لا تضلّ الطريق إلى "الكوما" الروحية...


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة الكتابة بالأزرق.. فوق البحر!
______________________




ليس صحيحاً، أن أقصر الطرق بين نقطتين هو الخط المستقيم!!
هكذا علمني تاريخي معك!
الحوار؟ إنه أطول الطرق بين القلب والشفتين
وبين موجاتي الصوتية وموجاتك الصمتية.
الحدس وحده قادني إليك..
وهو الذي صرخ ذات ليلة بلا صوت
إن شموعنا خمدت وانتهينا.
والفراق دس السم في قهوتنا..
مرة، منحتك قلبي عارياً كورقة بيضاء
فحرّرت عليها خطة اغتيالي.. وشهادة وفاتي!!
ولم تغفر لي، لأنني غادرت موتي بك،
وذهبت مع النوارس إلى البحر..
***
من يدلني على مدينة لم تعرف القصف،
لأذهب وأعيش فيها؟؟..
من يدلني على حقول، لم يُدفن فيها خلسة
قتيل عذبوه قبل موته؟
من يدلني على أشجار،
لم تسمع انتحاب امرأة على حبيبها المخطوف؟
من يدلني على سماء
لم تشهد زرقتها ظلماً أو قسوة
أو فكراً يُغتصب عنوة؟
لقد تعبت من حبك وزمنك
ومن رجال مثلك يتباهون بحرفة القسوة..
حبهم كتابة بالأزرق فوق البحر..
من قال: حب الرجال ليس كالماء في الغربال؟
***
افترقنا، وها هو البياض الأخير.. يتسخ
كثلج المحطات حين تدوسه القطارات .. بهبابها..
مرة، كانت يدي عصفوراً يرتعش داخل يدك
ويرجوك ألا تطلق سراحه..
ولكن يدك كانت مشغولة بإطلاق الرصاص وحياكة الشعارات..
وها أنا ممتلئة بالوطن، والموت معاً..
يركض الصدى في كهوفي كالأرواح الضالة..
أكرس نفسي لرعاية فراقنا..
أحرس العنكبوت الذي يغزل بهدوء
خيوطه فوق صورتك في عيني..
والغبار يتراكم على شفتيك..
ومن سواد عينيك يتدلى الخفاش..
وداخل ثيابك، ينهمر الثلج حتى قاعك..
والنباتات التي شهدت زمننا معاً
تركض هاربة إلى الشارع
وتتسلق الشرفات المجاورة.
***
كيف تركنا الفراق يتناسل أعواماً..
في براري العنف المكهربة؟
وتركنا الرياء يرتدينا في ليل السهرات الاجتماعية؟
كيف ارتكبنا خيانة المطر؟
كيف تنصلنا من الصفاء في حانات الملذات اللزجة؟
كيف غدرنا بالرياح، وانحزنا إلى الستائر
وادعينا أنها أنجبت العاصفة؟..
ها هي الأطلال تقف على حاضرنا، وتضحك ساخرة
ولا تجدنا نستحق حتى البكاء!!.. ثم تهطل مطراً
كأم تغسل طفليها الملطخين بالوحل..
***
ها هي المدينة تهبط على المساء
ونساء سمينات يعلفن أطفالهن
ويبكين في زوايا المطبخ المعتمة
خيانات رجال يقامرون بالحب والوطن معاً..
نساء، يحكن خيوط الشيب بالمرارة البيضاء..
.. وها أنا أركض وحيدة تحت المطر، بلا رجل ولا وطن
وآلاف النوافذ ترمقني بعيونها المشتعلة العدوانية..
وكأية نعجة سوداء متمردة
أحيك خيوط حريتي بعيداً عن دروب القطيع..
وأحاول عبثاً اختراع مصير ثالث
لامرأة آتية من العالم الثالث..
"هل تريد أن تعرف سر قوتي؟
لا أحد أحبني حقاً قط"...
ها أنا أسقط،
لكنني مصرّة على ترك آثار أقدامي وآثار أقلامي
فوق عتمة الهاوية.. وبياض الورقة!!..


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة تطارحها بيروت الحزن
__________________



أعدو إلى النسيان،
فيجمح بي حصان الذاكرة...
أمشي وحيدة على محيط الكرة الأرضية،
ويركض خلفي ذلك الماضي كله كطفل يبكي...
بيروت، سرقت عتباتك مني خطواتي وأنا أغادرك. فكيف أمضي
بعيداً؟
في كوابيسي، لا أزال أقف كل ليلة أمام أسوارك المزينة بجثث آلاف
القتلى والمخطوفين،
ووجوه الشبان تتدلى فوق أبوابك كالمصابيح المطفأة..
أقف وأستجدي النسيان،
وأقايضه بعمري الآتي، فهلا أطلقت سراحي من حبك،
كي أتزوج من الفتور؟
***
نمت خمسة عشر عاماً، نمت طويلاً..
وحين استيقظت،
كان المذياع يتابع نشرة الأخبار ذاتها..
والصحف تنشر صورة المذابح نفسها..
وحين حاولت أن أطل من النافذة،
فوجئت بأنهم سوّروها بالقضبان الحديدية..
وشاهدت رجالاً يعمِّرون الأقفاص الإسمنتية،
وهم يهتفون باسم الحرية..
أتذكر زمن الأفق حتى القمر،
يوم لم يكن التنفس خطيئة مميتة..
( ولم تكن عدّادت الهستيريا المسلحة تحصي الأنفاس وتكمّم
الحناجر. أتذكر زمن الصحو، بعيداً عن التنويم المغناطيسي لأكاذيب
تنتعل الرصانة.. قبل أن يأتي آخر الزمان حين تصنع العمامةُ
شيخاً، ويصنع الرداءُ الكاهنَ، وقبل أن ينصب اللامعقول مسرحه
في شوارعنا، وقبل سقوطنا في السوريالية السياسية بين يمين الدمار
ويسار الكافيار، وقبل ذبح الضعفاء باسم "المستضعفين"، وقتل
الثورة على يدي "الثوار"، وقبل أن تسود السوريالية السياسية ونصرخ
"كلنا للوطن" ونذبح الوطن بالتكافل والتراضي.. وقبل..
وقبل... وبعد... وبعد... وقبل أن نفقد ذاكرتنا.. وماذا كنت
أقول؟... نسيت...)
***
لقد غدروا بنا..
منحناهم رقعة القلب وحلم التوحيد والوحدة
فقايضوا بنا على رقعة شطرنج الأمم..
وملأوا بدمنا برك سباحتهم المترفة
وشحنوا جثننا إلى المنافي..
وقلنا: غداً نعود..
ورمل الزمن يتابع تدفقه فوق رؤوسنا..
والآن، وحبات الرمل تكاد تملأ حناجرنا
ما زلنا نؤكد بلا صوت كالمجانين: غداً نعود..
***
ذكراك يا بيروت مزيج من الدمع والتبغ
ورائحة زهر الليمون والبارود،
ومواكب العطور والغنج والجنازات،
وخضرة الأرز الداكنة ولهيب الحرائق،
وملوحة البحر الشهية وعويل سيارات الإسعاف التي عبثاً تكنس
الموتى كلهم.
ذكراك مزيج سوريالي من الموت والحياة والجنون والعقل والإغماء
والصحو..
بيروت، شيء من الجنون على حافة المستحيل،
فراقك..


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة مطعونة بالذاكرة
_______________



* ما الذي تفعليه الليلة؟
- أهبّ على رياحك، وأتساءل:
هل في قلبك متسع لأحزاني؟
وهل في الليل متسع لجنوني؟
وهل في وطني متسع لتمردي؟
وهل في الموت متسع لموتي؟
وهل في الهذيان متسع لرفضي؟
وهل في الأفق متسع لصهيل رحيلي؟
وهل في الورقة متسع لحبي وبوحي
ولحرية ألعابي النارية؟...
***
* أنتِ متهمة باغتيال روبنسن كروزو...
- أحيط نفسي بحقل سليط الهدوء،
وأسوّر هاتفي بصمت فظ،
أكهرب المياه المحيطة بجزيرتي،
وأعمّر من الموج أسواراً شاهقة،
وأعلن نفسي "جمعة"...
وأقتل روبنسن كروزو مع مطلع كل صباح..
لأنفرد بصوت روحي، وأنتحب
بينما الأبجدية تكتب نفسها بين أصابعي...
فأنا مواطنة ملدوغة بالوطن،
مطعونة بالذاكرة، مضرجة بالهزائم
مغدورة بالالتباس بين "الثورة" و"الثروة"،
وقد شبت النار في أطراف قلبي
وخلّفته مثل ورقة تسلى طفل عابث بإحراقها...
وعبثاً أروض حياتي على حبال ذلك السيرك العربي الكبير،
وعبثاً تقنعني سياط المروض،
بأداء "نمرة" الرقص على الحبال معصوبة العينين...
***
* لماذا تحبين غرف الفنادق؟
- لأن غرفة الفندق مكان بلا ماضٍ
ولا تعذبنا فيها فلول "النوستالجيا" وجند الذكريات..
غرفة الفندق منطقة حرة، بين الطعنة والطعنة...
* ولماذا ترحلين وحيدة حتى من صديقة؟
- تدّعي أنها صديقتي،
وهي تتحسس عمري بإعجاب لا زيف فيه،
كما تتحسس نجمة المجتمع
فراء فقمة حيّة تشتهيها معطفاً بعد ذبحها!...
***
* لماذا تسخرين من كل شيء؟
- لا أسخر من حبك،
فقد مررتَ بغرفتي،
وكتبتَ على ستائري الرمادية
خضرة الحقول وأفراح السنابل،
ورسمتَ على الملاءة البيضاء لسريري
براءة البراري لحظة الفجر
وها أنا أطارد حصاناً برياً تحت وسادتي...
***
* ماذا علّمك حبي؟
- علمني أن الغول والعنقاء والخلّ الوفي،
حقائق مؤكدة،
فقد عايشتها جميعاً حين خطوت داخل مرآتك..
فراقك الغول
وجنوني بك العنقاء
والموت وحده هو الخلّ الوفي
الذي لم يخلف يوماً موعده مع أحد..
وأنا متّ مرات بك ومعك.. وبدونك...
***
* ماذا تتمنين؟
- أن يصدق وعد الضوء في آخر النفق..
وتمتلئ بيروت بزينة ميلاد السلام والمحبة،
شجرة ترقص ضوءاً داخل كل قلب..
أريد أن أتمشى معك على الشاطئ
دون أن تصطك أسنان الأسماك ذعراً..
أريد أن نراود بيروت عن نفسها بالمحبة،
دون أن تغلق البيوت أجفانها ونوافذها المعتمة..
ويهبط أطفالها إلى الملاجئ على حبال الخوف...
***
* متى تكتبين حكاية حبك معنا، بيروت وأنا؟
- حبك من أمامي
حبك من ورائي
فأين المفر؟
وكيف أتحول إلى سحابة
تحلّق فوق معاركها وقتلاها
لتخطّ بهدوء بارد كمشرط، محايد كمصباح،
تاريخها مع حصان طروادة...


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]
[CENTER]


عاشقة السرّ
________




رجل ممحاة
أصابعه تمسح ضوضاء الذاكرة
وتعيد القلب سبورة نظيفة
لطباشير الأطفال الملوّنة.
رجل زئبق، تخسرينه إذا حاولت الإمساك به.
عصفور مستحيل يحترف إضرام النار في الأقفاص.
رجل مجرّة،
لا يطيق سجن البحر الشاسع
راحلاً أبداً إلى ما وراء جدار الأفق.
رجل كالخرافة يعبر النساء كالظل
في مواكب أمومة تنجب الدهشة.
رجل كاللغم الشهي فوق أرائك الانفجار الضوئي الملوّن
رجل الحضور الخفي،
الحاضر ولكن تحت جلدي، كالضوء داخل المصباح.
***
متأججة بحبك، مشتعلة بحرائق جنوني
ولكن داخل صَدَفة العقل المتكلسة
المتسترة حتى على دخان نيرانها السرّية..
وأصابع حبك تهزني من كتفي
كلما ذهبت لأنام، وتوقظني خلية بعد أخرى.
آه متى يتنهد الكسل ملاءاته البيض لسريري،
متى يهديني الكسلُ التثاؤب ووسائد الفتور؟




[/BACKGROUND][/CENTER]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة الأوهام الحقيقية
________________



كثير من الأصباغ والأقنعة والقهقهات البكائية
كثير من ثرثرة دخان السجائر والأحلام الرثّة
كثير من القلّة والقحط..
وها أنا وسط ذلك الجنون الهذياني الموسمي
وحيدة في الركن، نملة على طاولة الكؤوس الثملة
أخط هذه السطور إليك
لأقص في ورقتي البيضاء نافذة
أقفز عبرها إلى الغابة
وأركض صوب ضوء كوخك.
شاسع هو الأفق الذي أعرفه،
شاسعة هي الآفاق التي أجهلها..
قلبي يحدثني: لا شيء هنا
لا شيء هناك
وحبك الوهمي
حقيقتي الوحيدة في هذا الخواء المريع..
ولولاك، لعمّرت هرماً من .. خيباتي!




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة منتصف الليل
______________




عبثاً أطلق سراح نزواتي الغجرية
من حضورك المهيمن اللاملموس
عبثاً أنهال بفأسي على ظلك فوق جدار عمري
فينهدم الجدار، ويبقى الظل!...
لست من اللواتي يحوّلن الحب
إلى مروحة صدئة
لا تتقن غير الدوران في سقف الانتظار
وحبك يطلق سراحي حتى من حبك
لكنني كنت أشتهي أن يكون وجهك
أول وجه يطالعني مع زفرات أنفاس العام الجديد!




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة الفراق
_________




وسوسني الحب،
وسوّل لي أنني غابة شاسعة تحت القمر..
فلم ألحظ تلك الليلة،
أنني لستُ أكثر من شجرة أحرقها الإعصار،
ولم أسمع أصوات الحطّابين
وهم ينهالون بفؤوسهم على جذعي...
يا صديقي،
تبادلنا الأدوار
مرة أنت المطرقة،
ومرة أن المسمار...
ويضحك في سره الجدار...
***
كأية مجنونة حرف،
تعشق الحب وتكره الحبيب
لا أريد أن أتعرّى من حبك
كي لا أفقد ذاكرتي
ولا أستطيع أن أرتدي حبك
كي لا أفقد ذاتي..
أريد أن أتلاشى في حبك
كما يتلاشى جسدي في النوم،
وأريد أن أنهض من حبك
صباح اليوم التالي، كمن ينهض من حلمه،
كأن شيئاً لم يكن..
ولكن كيف؟ ومن يستطيع أن يؤكد
أن ما نراه في أحلامنا
لا يحدث لنا حقاً؟..
ولماذا كلما أهديتني وردة في الحلم
أجدها على وسادتي فجر اليوم التالي؟




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة نسيها النسيان
_______________



* أيتها الغريبة،
أما زال في قلبك متسع لحبّي؟
- حبك لا يتسع له النسيان يا سيدي...
* ولكنك تحاولين مسح توقيعي عن جلد زمنك
بممحاة الزمن...
- أقتلك عند منتصف الليل،
وأتركك في الحي اللاتيني تتخبط بدمائك،
وحين أعود منهكة لأنام،
أجد شبحك متربعاً فوق وسادتي..
وعلى فمه ابتسامة انتصار.. وأنهار..
* وحينما أرحل، هل تفلحين في إلغائي؟
- ليل نهار، حضورك مهيمن في كل لحظة،
وإن كنت أعجز عن لقائك ورؤيتك
عجز العين عن رؤية الحاجب...
ما هو النسيان يا سيدي،
وأنت حين تزورني في كهفي الباريسي وتمضي،
تنمو شجرة ياسمين قرب مقعدك الخاوي،
وتفوح رائحة البحر البيروتي من آثار أقدامك...
***
* ولكنك متمردة حتى على حبّي...
- وهل عليّ أن أقيد الغجرية التي تقطنني
بالسلاسل، إلى حجارة سجنها..
وأجلدها بسياط الرياء لتتعلم الطاعة للتثاؤب؟
أم أعلن على الملأ
أن حياتي تزوجت من موتي، على قارعة التمرد،
فأنجبا طوفاناً من الحبر
راكضاً كالنمل على أوراق الدهشة والفضول...
متمردة؟ ربما، على المنطق اللامنطقي للأشياء...
ولأنني أصدق حبنا،
أقسم بالتحليق أن بساط الريح حقيقة واقعية،
حينما تمسك بيدي،
ونقلع معاً على شواطئ لبنان المقمرة، إلى القمر نفسه...
* متمردة مثلك، كيف تحب حرفي "التراثي" الصياغة؟
- عشق النجوم، رغم أنها "كلاسيكية"!...
هكذا أحب رياحك التي تتقن عربية أجدادي
وتعيدني في كل سطر
حبة رمل مطيعة في صحارى بلادي..
***
* ترحلين كثيراً، فهل نسيت لبنان؟
- أرحل وأنا أخبئ في قلبي
قرى متوّجة بالقرميد الأحمر،
تقطنها عصافير الذكريات وفراشاتها الذهبية..
أرحل بدروب جبلية لهثنا معاً
ونحن نتسلق أشواقنا وجموحنا فيها،
وشطآن اخترعت أبجدية الأفق...
أرحل ببيوت خضر احتوتنا معاً،
أغلق عليها ضلوعي بعد أن أقفل أبوابها جيداً
بمفاتيح صمت يشبه البكاء المتعجرف بكبريائه..
أرحل وأنا أخبئ في قلبي وجوهك وأصواتك
ويدهشني كيف لا تصفّر الماكينات الأمنية في المطارات
حين أعبر مضائقها ووطني في شراييني،
وكيف لا ترتسم صورتك في قاع ذاكرتي
على شاشات أجهزة كشف الخفايا والدواخل...
لا أريد أن أنفش الحروف كالقطن
حين أتحدث عنك وعن وطني،
ولكن حين تهرول أحصنة الليل السود فوق رأسي،
ماذا أقول لك، وأنا أتناول ذكرياتي
كالخبز المسموم على موائد الفراق؟
***
* وبيروت؟
- آه كيف يتكوم البكاء في حضن الليل ويبكي
ويرتجف كقط صغير مذعور،
كلما نسي نسياني بيروت...
وأنا أتابع عبثاً مشيتي المتعجرفة على الذكريات
في مدن جديدة، أصرّ على أن أتعلم حبها
كلما تعلمت لغاتها، وعبثاً أحاول،
فالمرء لا يملي على نفسه أحلامه وكوابيسه!...
بيروت؟ ثمة ضوء في آخر النفق،
فلنصلّ من أجله ليلة رأس السنة بخشوع،
بدلاً من هستيريا سيمفونية "الزمامير" والبالونات المفقوءة..
* وكيف ترين ما حولك؟
- أراه مصحاً عقلياً للسوريالية السياسية...
من رسم هذا الشطرنج الجهنمي وخلط أوراق اللعب
ولم نعد نميز بين "الثوار" ويسار الكافيار والدولار؟
لماذا تقيم نفرتيتي في برلين،
وما الذي أفعله أنا في الحي اللاتيني الباريسي،
وكيف تناثرنا هكذا بين القارّات غربة مغتربة؟
* ماذا تخبئ الأيام لحبنا؟
- لك أن تختار،
بين أن تظل هكذا، نجماً بعيداً يضيء حياتي بهدوء
وبين أن تهوي مرتطماً بأيامي كشهاب مجنون
لنحترق معاً...
لك أن تختار، بين مباهج البعد والشفافية والأبحدية
وبين محرقة العابر المشتعل الشهي كمذاق الفطر الشيطاني...
* وأنت ماذا تقولين؟
أقول كجدي الشاعر: "أمران أحلاهما مر" فراقك ولقاؤك...




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة الأسرار العلنية
______________




* أيتها المرأة، ماذا تريدين؟
- أريد المزيد من الأصابع
لأشير بها كلها إليك،
وأصرخ: هذا حبيبي.
* أيتها المرأة، كيف بدأت؟
- ولدت طبعة غير منقحة
لكتاب أحرقه جدي مرات ومرات...
ثم دفن بقاياه في الرمال والرماد..
ومنذ ألف عام وأنا أقضي عمري،
في إصدار طبعات جديدة له،
وأحاول تصحيح بعض الأخطاء..
التي اقترفوها ضد حياتي.. لضرورة الشعر!..
***
* أيتها المرأة، أين تعيشين؟
- في جمهورية العنكبوت، حيث يحكمون
على العاشقة ، بالإقامة الجبرية في ثقب الباب...
محرّم علينا الإقامة داخل المهرجان
لنشارك أهل البيت تقرير مصير الأسوار
ومحرّم علينا الرحيل بعيداً خارج سماعة الهاتف..
لقد غادرت أوكار الهمس،
وأعلنت أجنحتي ضد خفاش الخرائب...
وعلى خرائط اللعنات طرت إليك
وبوصلتي الصدق المتأجج تحت الشمس...
وعلى جبيني كتبت عنوانك
وألصقت رسمك طابع بريد..
***
* أيتها المرأة هل تحلمين؟
- حلمت أننا سمكتان شفافتان
تسبحان معاً في بحر أزرق شاسع..
وعيناك ترمقانني بنظرة كالموسيقي الحنون..
وحين استيقظت، لم يدهشني أن ماء البحر
كان لا يزال يقطر من شعري..
من يقنعني بأن ما أراه في أحلامي
لا يحدث لي حقاً؟
* أيتها المرأة، ما هو شعارك؟
- في العجلة السلامة، وفي التأني الندامة!
هكذا علّمني حبك...
***
* أيتها المرأة، علامَ تشهدين؟
- أشهد على مكتبة الجنون..
وأراها طردت صاحبها وتوّجت جرذانها وعناكبها..
وها هو خشب رفوفها،
يتحول ثانية إلى أشجار..
وها هي كتبها تقرأ جيداً وجوه القراء..
وتطرد معظمهم!
وثمة كتاب يلتهمني عند نافذة الحديقة...
* أيتها المرأة، هل تذكرين؟
- أعجز عن استحضار حكاية حبنا وتأملها
والتحديق فيها حريقاً بعد آخر
كما أعجز عن التحديق في الشمس..
* أيتها المرأة، ماذا يخيفك؟
- أخاف من الأشباح، وأحزن لأنني بعد موتي
سأتحوّل إلى شبح،
وسأخيف امرأة أخرى وحيدة مثلي!...


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



عاشقة يروادها البكاء عن نفسها
______________________



... ولم يعد المطر يهطل على الورقة
حينما أخطّ اسمك عليها.. ولم تعد العصافير
تقطن أعشاش حروفه ونقاطه...
ولم يعد قلمي يغرورق بالحنين، ويحاول الانتحار
حينما أسطّر به عبارة "وداعاً" لزمنك..
ولم تعد محبرتي
تستحيل بحراً شاسع الزرقة والضوء
وهي تسيل حباً في رسائل تمجيد لعينيك..
وها أنت تتحوّل في برادات النسيان،
إلى ذكرى مثلجة وبغيضة،
كجثث المجرمين الذين لا يتعرف عليهم أحد...
كم كنت أكره تعليب حبنا في قصائد..
تمهيداً لدفنه في تابوت له دفتا كتاب...
بعدما كان طليقاً في الغابات والبراري والشواطئ..
بين صور وبعلبك وبرمانا والأرز.. و..و..
ولكنك أضرمت النار في دفتر الأشجار..
وكان حبك عيداً من الصفاء والأمل،
فصار كرنفالاً في مصحّ عقلي
أطباؤه أعنف مجانينه!..
***
لا أستطيع أن أتملقك كما يفعلون..
ولا الادعاء بأن مسدسك أنيق وشفاف،
ورصاصك موهوب، ومدافعك كمنجات الفرح
ومتاريس رملك تحف معمارية..
ومجازرك "تكتيك" بارع لإستراتيجية "إنسانية"..
وأنت تستحم بلعنات المشردين والمعاقين والثكالى..
وتذبح عيد الأطفال،
وتشنقهم من شعرهم إلى الأراجيح
وتصنع من جلودهم المسلوخة أحذية لمرتزقتك..
وتطرب لجوقة قراصنتك، وناهبي سفن الأبجدية
وهم ينشدون "فعولن مفاعيلن" لمجدك..
والأفاعي تشاركهم الفحيح..
والأيدي المقطوعة تصفّق في فراغ الوطن،
ونحن نحتضر في الملاجئ لحكمةٍ نجهلها!...
***
لأن وهج الشعارات ليس خبزاً وحرية وأمناً
لم يعد بوسعي اختراع التبريرات لجنونك الموسمي..
... ولم يعدْ جلدي يرحّب ببصماتك..
فمكانها في متحف المجرمين السفاحين الكبار...
وأنا أنتمي إلى قافلة الشعراء "الحمقى"،
الذين يجهلون مزايا التغزل بالجزرة والعصا معاً،
فابحث عن مؤرخ سواء..
يُزيّف تاريخك مع الخنجر والدم والعيون المفقوءة،
على طول خمسة عشر عاماً من الظلمات،
واختطاف العيد رهينة في أقبية غرورك...
***
بكاء يركض في الشوارع عاري القدمين
كالأطفال المذعورين من القنابل والألغام معاً..
.. كان حبك كقبعة الحاوي المشعوذ،
خاوياً، ومليئاً بالأوهام الجميلة الملوّنة...
وصرت حينما تلمسني
أتحول من أميرة إلى ضفدع
وأكون مستيقظة، فأنام دهراً من الكوابيس...
تعبت منك، ومن أقنعتك وألسنتك وببغائياتك..
تعبت من سفاحي ملصقاتك، طواويس الغطرسة..
"شهداء" النهب في شتاءات الدم واللعنة..
تعبت من الخرائب المعلّقة والأوبئة في ركابك...
والحرائق تشتعل في موطئ قدميك..
تعبت من محاضراتك عن "الكادحين"
في فنادق "الباهامس" ومنتجعات "هاواي"...
وتعبت من بياناتك عن "المسحوقين"
تسطّرها في طائرتك الخاصة
وأنت تغط قلمك في سواد الكافيار الإيراني..
سئمت محاضراتك عن التُقى،
ورائحة الشمبانيا تهب من فمك،
وبالرغم من عبير عطرك الفرنسي الثمين،
تظل تفوح منك روائح أدوية تحنيطك..
وفي ظل هذيانك "النضالي" المزور و "رفاقك"
صار العيد يطارحنا البكاء
والهجرة تراودنا عن أنفسنا..
والموت يغتصبنا في الملاجى..
***
لم تترك لنا من العيد غير زيارة المقابر...
أركض في مقبرة لبنان الشاسعة..
أقرع شواهد قبور أحبائي بطرف قلمي
يطلعون منها ودمهم ما زال ينزف
ويسألونني : لماذا استدعيتنا! هل تبدّل شيء؟
هل عادت أميرة الحرية من غيبوبتها
وانتهت مهرجانات مصاصي الدماء؟
وهل صار العيد ضيفاً مكرماً
في شوارع العويل والكراهية العمياء؟
وأدفن نفسي في أكفان خجلي منهم،
وأهمس بعار تلميذ كسول: لا... لم...
ويعاتبني الأموات: إذاً لماذا استدعيتنا؟
وأنهمر أشواقاً وحزناً وبكاءً: لقد افتقدتكم!...


[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]

مقدمة
_____


لم ولن يكون الرجل مبدع الحضارة الوحيد، وإنما تقوم جدلية الحضارة على امتزاج لحنين وتفاعلهما في إنتاج هذه الحضارة، والواقع أن أي تأزم بين هذين اللحنين ينعكس سلباً على مجمل الحضارة وعلى توازنها، والحال أن لحناً مميزاً يصدر عن إبداع الرجل وعمله الخلاق، ولحناً مميزاً آخر يصدر عن إبداع المرأة وعملها الخلاق أيضاً، وكل لحن يعكس صورة ما، هذه الصورة تشتاق للصورة الأخرى، لأنه بها ومن خلالها يتمخض الوجود ويتحقق.



لعلّ الأديبة غادة السمان وقفت إلى جانب الرجل، بقلب ووجدان إمرأة، تشاركه معاناة الوجود، وتغوص في أغوار النفس بعيداً عن الأقنعة، بحثاً عن أسرارها وحقائقها، وفي معاناتها هي بدورها في البحث عن الحقيقة، بعيداً عن التعصّب، والمسلمات، وضيق الأفق، والأحكام المسبقة، يتبلور وعيها أكثر فأكثر، وموقفها من الوجود، فتأخذ على عاتقها النضال جنباً إلى جنب الرجل، تريد تغيير وجه المجتمع البائس، فتثور، وهي بدورها تبرهن أنها قادرة أيضاً أن تحمل هموم المجتمع، والجيل القادم، والشباب، فيتدفق من أعماقها نهر هادر من إبداع حي نراه بين قصة قصيرة، وشعر، ورواية، ومقالات.

المصدر : اكتشف سورية




[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]

سيرة حياتها
_________


مولدها وطفولتها
____________

وُلِدَت غادة أحمد السمان في دمشق عام 1942، والدها الدكتور «أحمد السمان» الذي نشأ فقيراً، وكان في حياته عصامياً، وعمل مؤذناً في الجامع أثناء دراسته الجامعية، إلى أن أصبح أستاذاً جامعياً، فعميداً لكلية الحقوق بدمشق، وذلك طوال عقدين من الزمن، ثم رئيساً للجامعة فوزيراً للتربية والتعليم.

والدتها الأديبة «سلمى رويحة» كانت مدرسة للغة الفرنسية، توفيت وغادة ما تزال طفلة قبل أن تعيها، فتربت غادة في كنف جدتها لأبيها، وهكذا فهي لا تذكر عن أمها شيئاً سوى زيارتها لقبرها كل عام باللاذقية.

إذاً كان للدكتور «أحمد السمان» الدور الكبير في تربيتها، حيث خصها باهتمامه وعنايته، وعلّمها قوة الإرادة، معتبراً الإرادة عضواً كسائر الأعضاء في الجسم، إن لم يعمل الإنسان على تدريبها وتنميتها فإنها تضمر وتصير غير ذات فاعلية. وعلّمها منذ صغرها اللغة الفرنسية، ودرّبها على قراءة القرآن، وأدخلها في عالمه الثقافي والاجتماعي.

تعليمها
______

وتروي غادة السمان عن سنوات المراهقة الأولى التي قضت فترات منها في بيتها المتواضع بقرية «الشامية» حيث بدأت تعشق الحرية، وبدأ حب المغامرة يفعل في حياتها. وتلقت علومها في مدرسة البعثة العلمانية الفرنسية بدمشق، وفي مدرسة التجهيز الرسمية.

إلا أن موهبتها على الكتابة بدأت تتفتح حين كانت في المدرسة الثانوية، حيث نشرت أول قصة لها في مجلة المدرسة تحت عنوان «من وحي الرياضيات»، ولاقت تشجيعاً من مدرّسة اللغة العربية فكتبت عدداً من القصص القصيرة للمجلة الأدبية الخاصة بالمدرسة.

وتذكر غادة السمان أن والدها كان يرغب أن تصير طبيبة، إلا أنها بعد حصولها على شهادة البكالوريا العلمية، وذلك بناء على رغبة والدها في دراسة «الفرع العلمي»، فقد عزمت على دراسة الأدب الإنكليزي، وهكذا كان.

كانت أول مقالة كتبتها عن تحرير المرأة عام 1961. وفي عام 1962 نشرت مجموعة من القصص القصيرة بعنوان «عيناك قدري».

عملها
_____

وأثناء دراستها الجامعية عملت أمينة مكتبة، ومدرّسة لغة إنكليزية في مدرسة ثانوية في دمشق، كما أنها قامت بتقديم برنامج إذاعي شعري من الأدب العالمي كانت تترجمه بنفسها عن الإنكليزية، إلى أن تخرّجت من الجامعة السورية عام 1963، حاصلة على شهادة الدراسة العليا في الأدب الإنكليزي، وباشرت حياتها العلمية كأستاذة محاضرة في جامعة دمشق وذلك لمدة عامين.

سفرها
______

إلا أن معالم تمايزها وتفرّدها، قد بدأت تلوح في الأفق حين انتقلت إلى بيروت عام 1964، لكي تحصل على الماجستير في الأدب الإنكليزي في الجامعة الأميركية، وقد ضمنت لنفسها وظيفة مدرِّسة في إحدى الثانويات، إلا أنها لم تستمر أكثر من شهر حتى تحولت إلى النشاط الصحافي الذي اتخذت منه مهنة دائمة. وكانت أطروحة الماجستير «مسرح اللامعقول»، وهو تيار أدبي سنتلمسه كثيراً في أعملها المقبلة.

وأثناء ذلك بزغ إلى الوجود عملها «لا بحر في بيروت» عام 1965، ثم «ليل الغرباء» عام 1966، وأظهرت هذه الرواية نضجاً كبيراً في مسيرتها الأدبية، وجعلت كبار النقاد مثل محمود أمين يعترفون بها وبتميزها.

إلا أن تصميم غادة على أن تكون ذاتها وتحققها على أكمل وجه دفع بها للسفر عام 1966 إلى لندن للإعداد للدكتوراه في الأدب الإنكليزي، إلا أنها لم تستطع الحصول عليها، وفقدت بالتالي الرغبة في متابعة الحياة الأكاديمية.

الفترة العصيبة في حياتها
__________________

تأثرت غادة السمان بجملة من الأحداث ذات الوقع العنيف في تلك الفترة، وبدأت هذه الأحداث في صيف العام نفسه حين توفي والدها، تلاه صدور حكم عليها بالسجن غيابياً لمدة ثلاثة أشهر بسبب مغادرتها سورية بلا إذن من الحكومة وهي من حملة الشهادات العليا، وكانت آنذاك ما تزال في لندن، وأتت ضربة جديدة، إذ فقدت عملها الذي كانت تعيش منه كمراسلة لإحدى المجلات اللبنانية، تلتها ضربة أخرى، وهي وقوع القطيعة مع عائلتها، وبالتالي انقطع عنها أي مصدر تمويل، وقد ظن مجتمعها البورجوازي آنذاك أنها امرأة هالكة لا محالة، لكن سمو روحها لم يتركها تنزلق وتستسلم، بل جعلت من الضربات والصعوبات والتجارب المرّة ذلك الرحم الذي تتكوّن فيه شخصيتها المبدعة وتولد من جديد إلى العالم، بعد أن اختبرت معنى الألم في حياتها.

ودفعها هذا الاختبار لتتعلم الكثير عن طبقات شعبية لم تكن تعرف شيئاً عنها، فإذا بها تشاركها معاناتها، وتفهمها، وإذا بها تبدأ بالحياة كامرأة، وتزداد وعياً كفنانة، ولاشك أنها أثناء مرورها في هذه الفترة العصيبة من حياتها، والتي ساهمت إلى حد كبير في تكوينها الروحي والنفسي لا بل والجسدي أيضاً، فقد ظهر بعض المخلصين ليقفوا إلى جانبها، ويمدوها بدعمهم المعنوي والملموس، ومن أبرزهم كان الأديب الشهيد غسان كنفاني.

امتدت هذه الفترة بين عامي 1966-1969، قضتها متنقلة بين لبنان ومختلف البلدان الأوروبية، وتعتبر غادة أن هذه الفترة هي التي صنعت غادة الثمانينيات، إلى درجة أنها تعتبر أن من لم يعايشها في تلك الفترة، فإنه لا يعرف عنها شيئاً.

زواجها
______

وفي أوائل السبعينات تزوجت غادة السمان في لبنان من الدكتور «بشير الداعوق» وهو أستاذ جامعي، وصاحب «دار الطليعة» للنشر، وأنجبت منه ابنها «حازم» الذي أسمته تيمناً باسم أحد أبطالها في مجموعة «ليل الغرباء»، وكان قد صدر عفوٌ في السبعينات في سورية «عن جرائم ترك العمل لحملة الشهادات العالية والسفر بلا إذن»، وقد شملها.

[COLOR=DarkOrchid]المصدر : [/COLOR][COLOR=DarkOrchid]اكتشف سورية


[/COLOR]

[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]



منشورات غادة السمان
__________________________


وفي عام 1977 أسست دار نشر خاصة بها سمتها «منشورات غادة السمان» مقرّها بيروت، ونشرت فيها مؤلفاتها التي صدرت منها طبعات كثيرة.

في أواخر السبعينات جمعت غادة السمان آثارها الأدبية والفكرية والصحفية، غير المنشورة سابقاً، في سلسلة من المجلدات تحت عنوان «الأعمال غير الكاملة»، وأعطت لكل مجلد عنواناً خاصاً به يوحي بشيء من موضوعات الكتاب، وحاولت أن تخلق توافقاً بين مواد الكتاب، خصوصاً أن أغلبها نُشِر في المجلات الأسبوعية في فترات مختلفة، وقد أسمتها بالغير الكاملة، لأن إنتاجها لم يتوقف.



إقامتها
_________


تعيش غادة السمان في باريس منذ أواسط الثمانينات. ولا تزال تكتب أسبوعياً في إحدى المجلات العربية الصادرة في لندن.


أعمالها
_________

مجموعات قصصية قصيرة
________________________________


1) عيناك قدري، 1962.
2) لا بحر في بيروت، 1965.

3) ليل الغرباء، 1966.

4) رحيل المرافئ القديمة، 1973.
5) زمن الحب الآخر، 1978.
6) القمر المربع: قصص غرائبية، 1994.

مجموعات شعرية
_____________________

1) حب، 1973.
2) أعلنت عليك الحب، 1976.
3) اعتقال لحظة هاربة، 1979.
4) الحب من الوريد إلى الوريد، 1981.
5) أشهد عكس الريح، 1987.
6) عاشقة في محبرة، 1995.
7) رسائل الحنين إلى الياسمين، 1996.

8) الأبدية لحظة حب، 1999.
9) الرقص مع البوم، 2003.

الروايات
___________


1) بيروت 75، 1975.
2) كوابيس بيروت، 1976.
3) ليلة المليار، 1986.
4) الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية، 1997.
5) سهرة تنكرية للموتى، 2002.

أدب الرحلات (مقالات أدبية)
__________________________________

1) الجسد حقيبة سفر، 1979.
2) شهوة الأجنحة، 1995.
3) القلب نورس وحيد، 1998.
4) رعشة الحرية، 2003.

مقالات صحفية ودراسات
______________________________


1) السباحة في بحيرة الشيطان، 1979.
2) ختم الذاكرة بالشمع الأحمر، 1979.
3) مواطنة متلبسة بالقراءة، 1979.
4) الرغيف ينبض كالقلب، 1979.
5) ع-غ تتفرس، 1980.
6) صفارة إنذار داخل رأسي، 1980.
7) كتابات غير ملتزمة، 1980.
8) القبيلة تستجوب القتيلة، 1981.
9) قراءات لحفل تأبيني، 1984.
10) البحر يحاكم سمكة، 1986.
11) غربة تحت الصفر، 1987.
12) الأعماق المحتلة، 1987.
13) تسكع داخل جرح، 1988.
14) رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، 1992.
15) إسرائيليات بأقلام عربية – الدس الصهيوني، 2001.

ترجمة

1) الشعوب والبلدان، 1959.

[COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]المصدر : [/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]اكتشف سورية


[/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR]

[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]

أدبها وتأثيرها على مسيرة الأدب
___________________

الأدب الإنساني
__________

تؤمن غادة بوجود «الأدب الإنساني» وترفض التصنيفات التي تقول بأدب رجال وأدب نسائي، كما أنها تعتبر نفسها أديبة «تجريبية»، فها نحن نسمعها تقول: «نعم، أنا تجريبية حتى لحظتي الأخيرة، وهاوية لا محترفة، لأنني أنمو داخل الكتابة لا خارجها».

الأسلوب التجريبي في القصة القصيرة
______________________

وفي هذا السياق تعبّر الدكتورة ماجدة حمود حول أسلوب الحداثة في القصة القصيرة فتقول: «أسلوب الحداثة أسلوب تجريبي، يمتلك كل كاتب طريقة خاصة، تنأى به عن التقليد، دون أن يعني هذا القول وجود حاجز حديدي، في كثير من القصص، يفصل بين الطريقة التقليدية، التي تقدم فضاء القصة بشكل منتظم عبر لغة واقعية، وبين الطريقة الحديثة التي تجسد صوت الأعماق، عبر لغة الشعر».

«أخيراً نعتقد أن الشكل التجريبي قد ساعد الكاتبة في تقديم رؤاها، وفي التعبير عن همومنا بشكل أعمق وأجمل مما كان سائداً في القصة التقليدية، خاصة حين امتلكت الكاتبة المقدرة اللغوية والعمق الفكري والوجداني».

ولاشك أن أطروحة غادة السمان في الماجستير التي كانت حول «مسرح اللامعقول»، تعكس تياراً أدبياً تردد صداه في بعض قصصها وأعمالها الروائية، كما سيمر معنا في الفقرة التالية حول علاقة الحلم بالواقع في العمل الإبداعي عند غادة، وفي ملخص أعمالها الروائية.

الرواية
______

تقول غادة السمان حول تجربتها في الرواية: «هذا هو إحساسي دائماً عندما أكتب، وعلى الرغم من ذعري وشجاعتي في آن واحد، وعملي الطويل المسبق على الرواية، تأتي لحظة الدفق جديدة ومشحونة بحب الاكتشاف».

يشير الدارسون إلى أن أبسط مفهوم للرواية من حيث هي نوع أدبي راقٍ هو أنها «فن نثري تخييلي طويل نسبياً بالقياس إلى فن القصة القصيرة – مثلاً – وهو فن – بسبب طوله- يعكس تماماً عالماً من الأحداث والعلاقات الواسعة والمغامرات المثيرة والغامضة أيضاً»، وعناصر الرواية هي الزمان والمكان والشخصية واللغة والحدث.

تيار الوعي
________

ويجمع الباحثون والنقاد على أن رواياتها يغلب عليها «تيار الوعي»، «وهو تقنية تقدم عالماً مختلطاً في فضاءاته المكانية والزمانية وفي أصوات شخصياته».

هذا باستثناء الأستاذ إحسان صادق سعيد في رسالته للماجستير التي تحمل عنوان «إشكالية التجاوز في أدب غادة السمان القصصي» فهو يرفض تغليب «تيار الوعي» على أعمالها القصصية والروائية.

ويعتبر الأستاذ سعيد أن عناصر الرواية بدءاً بالزمان والمكان تكتسب دلالات جديدة منعتقة من إسار الدلالات المباشرة ومتجاوزة لها، فتظهر لها أبعاد جديدة كالرمزية والنفسية والتبادل، أي ما يسمى بالزمكان (ارتباط الزمان بالمكان وتأثيرهما المتبادل)، أما العنصر الثالث من الرواية وهو الشخصية فثمة ملامح تنطوي عليها شخوص غادة السمان، يذكر الأستاذ إحسان صادق سعيد أهمها:

1 – التماهي: يشعر قارئ أدب غادة السمان القصصي بأن هناك إلغاء متعمداً للمسافة الفاصلة بينها وبين العديد من أبطالها وبطلاتها، وسعياً للتماهي معهم بنحو يشعر معه القارئ بأنهم لا «يملكون وجوداً فردياً، بل هم نماذج عن مبدعتهم نفسها».

2 – التحميل: يترتب على التماهي المذكور أن تنسى غادة أحياناً، أو تتناسى أن شخوصها هم الذين يتكلمون ويتحركون في قصصها ورواياتها، لا هي، وأن كل ما يفعلونه لابد أن يكون منبثقاً، بصورة تلقائية طبيعية، من قابلياتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية، ولذلك نجدهم أحياناً يأتون بما لا يتناسب مع هذه القابليات، فيفقدون بذلك حيواتهم المستقلة عن الكاتبة، ويتحولون إلى دمى تحركها بيديها كيفما تشاء وتستعير حناجرها لتنطق من خلالها بما تريد.

إن غادة السمان تتجاوز بهذا ما هو مألوف ومطلوب من موقف يقفه المؤلف إزاء شخوصه، وإزاء سائر أجزاء بنية عمله الفني، إذ أن المؤلف كما قال فلوبير: «يجب أن يكون، شأن الله في الكون، موجوداً في كل مكان، لكنه لا يُبْصَر في أي مكان». ويؤدي تجاوزها هذا إلى أن يفقد شخوصها حتميتهم الناتجة عن قابلياتهم وخلفياتهم، «وعندها نميل إلى الاعتقاد بجنوح الرواية عن الواقعية».

3 – النمذجة: إن غادة تتعامل مع نوع من الشخصيات التي تمثل القيم السلبية كما لو كانت تتعامل مع القيم السلبية التي تمثلها، ولذلك فهي في الغالب، لا تعرض لنا منها إلا جانبها القاتم المرفوض، كأن ليس للشخصية إلا هذا الجانب، ولا تحاول أن تقترب منه اقتراباً حقيقياً – كما تفعل مع النوع الأول من الشخصيات – لتطلعنا على مبررات مواقفها ودوافعها، ولو من منظور الشخصية نفسها.

«لكن الإنصاف يقتضي أن يشار هنا إلى أن غادة قد حالفها التوفيق، بدرجات متفاوتة في التعامل مع مجموعة من الشخصيات السلبية في قصصها ورواياتها، بحيث يشعر القارئ بأنه أمام نفوس حية – وليس أمام نماذج جامدة – لها سقطاتها، ولديها أيضاً ما تبرر به هذه السقطات، وقبل كل شيء لها مشاعرها الإنسانية».

قد يكون الأستاذ إحسان صادق سعيد مصيباً فيما ذكره في نقده حول عنصر الشخصية في أدب غادة السمان الروائي، وذلك من بعض النواحي، ولكن ليس على الإطلاق، لأننا إذا تفحّصنا عن كثب تجربة الكاتبة الروائية ندرك بعداً آخر في شخوصها، من حيث استقلالها عن الكاتبة. فها نحن نسمعها تقول: «العلاقة بين الواقع الخام والإبداع الفني هي علاقة تكامل وتداخل، وأحياناً يحدث العكس، أي آتي ببعض الشخصيات لأقول فكرة، وأترك تلك الشخصيات تحيا وتتحرك وتنطق هي نفسها على الورق (لست أنا التي أنطق من حنجرتها) وإنما أحاول قدر الإمكان أن أتركها تكوّن نفسها، وإذا بها أحياناً ترتد على الفكرة الأصلية التي جئت بها أصلاً لأجلها، فتحورها أو تنسفها وتناقضها. وهكذا فإنني لا أستطيع أبداً التنبؤ بما ستكون عليه خاتمة القصة، وقلما استطعت التخطيط النهائي لعمل من أعمالي وجاء العمل مطابقاً لخططي. ولذا فإنني لم أقبل أبداً (رغم كل إغراءات النشر) بدفع الأجزاء الأولى من رواية غير منتهية لتنشر مسلسلة فيما أتم أنا كتابتها، بينما تكون حلقاتها الأولى قد نشرت، فعند آخر كلمة في الرواية يقولها أحد أبطالها مثلاً، قد أجدني مضطرة لإعادة كتابة الرواية بأكملها وقد انفتحت لعيني دهاليز وعي جديدة».

هذا عن عنصر الشخصية، أما عنصرا اللغة والحدث في عملها الروائي فهما يعكسان العنصر الجمالي للرواية الذي برعت فيه غادة السمان. وفي هذا السياق يقول الدكتور غالي شكري: «التجربة ومعاناة الجيل هما جناحا الموقف الجمالي من العالم في محاولة غادة السمان الروائية».

هنا، نصل إلى نقطة حاسمة قبل أن نعبر إلى فكرة تالية من حيث تأثيرها على مسيرة الأدب التي سنأتي عليها، حيث أنها ظهرت أول ما ظهرت من باب الرواية النسوية التي تعكس خصوصية المعاناة النسوية وخصوصية الصورة النسوية، وبالمجمل الخطاب النسوي، وقد رفعته من دائرة الأدب النسائي الذي احتكرته الجنسانية، إلى دائرة الأدب الإنساني حيث تأخذ المرأة قامتها الإنسانية وتتحرر من اختزالها إلى الجنسانية، وتنطلق إلى دائرة أوسع تشارك الإنسانية الجريحة معاناتها وألمها في سعيها نحو العدالة والحرية والحقيقة.

عالمية أدبها
________

أما تأثرها بتقانات تيار الوعي، والحداثة، والتجريبية من جهة، وتيارات فلسفية كوجودية سارتر وسيمون دي بوفوار وكامو وغيرهم، فلم يمنع أدبها أن يدخل لغات عالمية كالإنكليزية والألمانية والإسبانية والروسية والفارسية والبولندية والرومانية، وإن كان أغلب هذه الترجمات «نماذج من القصة القصيرة ضمن مختارات تنشرها الجامعات أو معاهد الشرق الأوسط أو دوائر المستشرقين، باستثناء رواية كوابيس بيروت التي طبعت منها 20 ألف نسخة في بولندا ووزعت على نطاق تجاري».

كما أن روايتها «ليلة المليار» المكونة من 500 صفحة، قد تُرجِمَت مؤخراً إلى الإنكليزية، وذلك بعدما تُرْجِمَت إلى الإيطالية، رغم عدد صفحاتها الكبير.

وفي هذا السياق تقول غادة السمان: «من الخطأ أن نضع أمامنا حين نكتب مواصفات معينة للعمل الأدبي، طلباً لبركة الترجمة ولعقاً لأحذية المستشرقين، لسنا مضطرين لشتم أوطاننا ونشر غسيلنا العائلي الوسخ والوطني استجداءً للترجمة، ولا للمباهاة في كبرنا بما كنا نخجل منه في صغرنا من أجل التهريج في سيرك الغرب ونيل البركة في حقل الترجمة».

أدب الرحلات
_________

كما أن غادة السمان قد تركت أثراً واضحاً فيما يُسَمّى بأدب الرحلات، فالسفر بشكل أو بآخر هو خروج من قوقعة الأنا، ومن دائرة الأعراف والتقاليد البالية، ولقاء مع الآخر الإنساني، وبالتالي فالسفر يعكس خبرة الحرية، ومن هنا كان مؤلفها الأخير في أدب الرحلات يُدْعَى «رعشة الحرية».

أدب الحرب
_______

ويبقى ثمة نقطة أخيرة يجدر الإشارة إليها في أدب غادة السمان وقد تركت بصمة كبيرة في أدبها، وهي الحروب التي حاقت بالمنطقة منذ 1948 حين كانت طفلة، وحرب السويس 1956 حين كانت مراهقة، ثم كانت معاناتها كبيرة أثر هزيمة 1967 شأنها شأن الأدباء العرب الكبار الذين تأثروا بدورهم في هذه الهزيمة. وقد عبّرت غادة السمان عن أبعاد الهزيمة في نفس وروح وجسد الأنثى بمنظور أنثوي أخّاذ، كما خبرتها في قصة «الدانوب الرمادي» من مجموعة «رحيل المرافئ القديمة» التي تتألف من ست قصص قصيرة بينها ثلاث عن حرب وهزيمة 1967. أما في قصة «حريق ذلك الصيف» فهي تعالج في الدرجة الأولى وقع الهزيمة على المثقفين العرب.

ثم أتت على التوالي حرب 1973 ثم 1975 وفي هذا تقول الدكتورة إلهام غالي: «في أواخر عام 1974، وقبيل بداية الحرب اللبنانية (نيسان، 1975) فاجأت غادة السمان القراء بأول رواية في حياتها الأدبية، والرواية العربية الوحيدة التي سجلت البدايات غير المرئية للحرب، فتنبأت بها على نحو من الأنحاء».

وأثناء الحرب أنجزت غادة السمان روايتها الطويلة الثانية «كوابيس بيروت». إذن، غادة السمان عايشت الحرب وذاقت طعمها المر، وفي جوفها، في عمق روحها، عرفت كيف تحول الألم إلى إبداع، فهي لم تقف سلبية، متفرّجة على هامش الحدث، ولم تهرب مذعورة، بل شاركت في الحرب على طريقتها ومن خلال قلمها وصدق روحها.


[COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]المصدر : [/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]اكتشف سورية


[/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR]

[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]

الشعر
______

أما عن شعر غادة السمان وهو يحتاج إلى بحث خاص، لكن بإيجاز سريع نستطيع أن نقول أنه يعبر عن شفافية رائعة، وقد أتى معظمه وهو يعكس موقف الشاعرة الوجودي من العالم والآخر، وهو الحب، الذي تردد كثيراً في عناوينها مثل «حب»، «أعلنت عليك الحب»، «الحب من الوريد إلى الوريد»، «الأبدية لحظة حب»، أما مجموعتها الأخيرة فقد كانت متميزة بعنوان «الرقص مع البوم».

إن معظم شعر غادة السمان أتى نثراً إلا أن دارسين لأعمالها، مثل الأستاذة حنان عواد تقول عن شعرها: «يصعب أحياناً أن يفرق القارئ بين نظمها ونثرها، ولاسيما في كتبها "حب" و"أعلنت عليك الحب" و"اعتقال لحظة هاربة"». وتقول الباحثة هنادي الحصري في دراستها عن «الرقص مع البوم»: «لابد من التنويه إلى قصيدة النثر لدى الكاتبة والتي لا تتجاوز الأسطر وقد تمتد إلى صفحة أو أقل بقليل، تتضمن الكثير من الخيال المبدع وجدَّة الفكر وطرافته».

أولاً - علاقة الحلم بالواقع في العمل الإبداعي عند غادة السمان
________________________________

تقول غادة: «إنني أومن بضرورة الزواج بين الحلم والواقع في محراب العقل والوعي، حيث تتحد النفس بذاتها بدون أقنعة، ويصير العقل اللاواعي قوة متضامنة مع الإرادة لا مشتتة لها.

"إن النفس يزداد توازنها بنسبة ما يزداد اتجاهها للعمل. ويزداد ترنحها بنسبة ما تزداد ارتخاء كما لو كانت تحلم. وإن بين هذين المستويين الأقصيين، مستوى العمل، ومستوى الحلم، مستويات وسيطة هي درجات هابطة من "الانتباه إلى الحياة والتلاؤم مع الواقع". برغسون».

«والإبداع الفني في نظري ليس من تلك الدرجات الوسيطة الهابطة من "الانتباه إلى الحياة"، بل هو محاولة لاتحاد مستوى العمل ومستوى الحلم من أجل مزيد من الاقتراب إلى حقائق النفس الإنسانية وأسرارها».

«الفنان باستمرار، بحاجة إلى القدرة على إنشاء توازنه الخاص بين حالة الحلم وحالة اليقظة. فالحلم هو "مادة" حياتنا السليمة، وليس مجرد شيء يضاف إلى اليقظة. "الإدراك والذاكرة اللذان يعملان في الحلم طبيعيان أكثر من الإدراك والذاكرة اللذان يعملان في اليقظة. فالشعور في الحلم يدرك من أجل الإدراك، ويتذكر من أجل التعرف، من غير أن يعنى بالحياة – أي بالعمل الذي يجب أن يتحقق – أما اليقظة فلا تكون إلا بحذف وانتخاب الأشياء حول مسألة مطروحة. اليقظة معناها الإرادة، الحلم يحاكي الجنون العقلي من كل الجهات. برغسون».

«وأنا أومن بذلك كله، بل أعتقد أن جوهر لقاء الحلم والجنون في أن كليهما تعبير عن الصدق المطلق. ولذا فإن الأحلام تعلب دوراً هاماً في أعمالي، لكنه دور إرادي بمعنى أنني أعي ذلك الخزان المذهل من الرموز والصدق المسمى "الحلم"، ولا أهمل طاقاته الإيحائية والكاشفة أحياناً عما قد يهمله "الوعي" المشغول غالباً بتفاصيل الأحداث اليومية. الحلم عندي امتداد طبيعي لرقعة العطاء، إنه موجود ومقبول لكن مدى قبوله خاضع عندي لسلطان العقل الذي ينظم في النهاية كل شيء. والحلم يحاكي الجنون، ولا أعتقد أن هنالك عملاً عبقرياً دون لمسة جنون، وهي قد لا تتأتى بالضرورة عن حلم نوم أو حلم يقظة، لكن الحلم رافد يجب عدم الاستخفاف بشأنه لمجرد أنه ليس مسجلاً في دائرة الاختراعات، أو أنه لا يحمل تذكرة هوية وأوراقاً ثبوتية‍!. ومما لاشك فيه أن "آلية اليقظة"، هي أكثر تعقيداً ودقة وفاعلية من "آلية الحلم" ولكن الحلم يستطيع أن يلقي على اليقظة أضواء أو (ظلالاً) تمنحها مزيداً من البعد الإنساني والصدق الداخلي. وبهذا المعنى، فللأحلام باستمرار دور في بلورة فكرتي الفنية، وفي حالات قصوى تتبلور فكرتي الفنية عبر الحلم».

وهي تستشهد على هذا الكلام بقصة «فزاع طيور آخر» من مجموعتها «ليل الغرباء» وهي حكاية قاضٍ لا يؤمن بالحقيقة أو العدالة وإنما يؤمن بالصدفة، يعتقد أن الصدفة هي إله العالم. ولذا فإنه لم يكن يصدر الأحكام انطلاقاً من حيثيات المحاكمة، وإنما كان يختلي بنفسه ليلقي بقطعة نقود في الهواء، على أحد وجهيها، كُتِبَ «بريء» وعلى الوجه الآخر «مذنب». والصدفة تقرر مصير أي متهم. زوجته تكشف سره وتحبه بخشية ذليلة سلبية عدوانية (كما يحب بعض الناس الآلهة)، ثم تكتشف المرأة أنها عاقر. هكذا بالصدفة هي عاقر وخادمتها حامل في الشهر التاسع، والقطة في البيت وضعت سبع قطط دفعة واحدة. وترمي بقطط القطة من النافذة، وقد حكمت عليهم بالإعدام، وحين تبدأ الخادمة بالمخاض، تقرر: هل تتركها تموت أم تحضر لها الطبيب؟ وتجد نفسها وقد فهمت للمرة الأولى وجهة نظر زوجها، وها هي تمسك القطعة النقدية وترمي بها في الهواء. الصدفة تحكم: لا طبيب. وبهدوء تترك الخادمة تموت وتغادر البيت لتذهب إلى لعب البريدج.

وتقول غادة أن هذه القصة أكثر من أية قصة أخرى لديها تبلورت عبر الحلم. فهي كانت قد بدأت بحوار عادي بينها وبين صديقة لها هي الصحفية فاطمة السردوك، كانت تخبرها أن أحد القضاة مظلوم، وأن الشائعة التي تقول أنه يحكم «بالصدفة» لا «بالعدل» كاذبة، وأنهم يتهمونه بالحكم انطلاقاً من رمي العملة في الهواء والصدفة المطلقة في انقلاب أحد وجهيها. وفكرت: إذا لم يكن الله موجوداً أو مبالياً، فالصدفة تحكم العالم، وكل ما يفعله هذا المسكين هو أنه يمارس جزئياً اللاعدالة المروعة التي تتفجر من كل الأشياء حولنا، والعالم قاحل والبشر دمى، وهكذا استولت عليها الفكرة عدة أيام. وتقول أنها صارت تحلم بأنها تسير في صحراء قاحلة، وترى شبح إنسان بعيد وتركض إليه وتركض ثم تكتشف حينما تضمه أنه «فزاعة طيور» (أي الدمية المحشوة بالقش التي ينصبها المزارعون لتخويف الطيور)، وهي تهرب باكية ثم تعود إليه لأنه لا أحد سواهما في الكرة الأرضية. وهكذا تكرر الحلم، ولعب دوراً رئيسياً في تكوين الخيال في القصة وأسلوبها المتوتر المشحون بالرعب والخيبة وحتى في تكوين نسيجها اللغوي، ومن يقرأ مناخها الكابوسي السريع القصير الغامض الأجواء يدرك ذلك تماماً.

وتقول أن هذا المثال نادر جداً في قصصها، أي يندر أن تكون علاقة الحلم بالقصة بهذا الوضوح، ولكنها باستمرار موجودة في بقية القصص.

وتذكر أنه سبقت فترة كتابتها «رحيل المرافئ القديمة» مجموعة من الأحلام «الإرهابية»، فهي كانت تحلم بأنها تركض مذعورة مع الناس الهاربين من قصف القنابل، حيث يترصدهم الموت والخوف، وعبثاً تصرخ ليتجمعوا ويتفاهموا على أسلوب للعمل ولهب الحريق يكوي كل شيء. فالواقع الخام يمر عندها بمنخل «الموهبة والحس النقدي» فلا تدري كيف تتم الغربلة، فهي كانت في بداية عملها الأدبي تبذل جهداً واعياً للغربلة بين ما يهزها من الشخصيات – على الصعيد الشخصي – وبين ما يصلح منها للتعبير عن فكرة تريد أن تقولها، كان هنالك في البداية شعور بالجهد، ولكنه من طول الألفة صار جزءاً طبيعياً وبديهياً من عملية الخلق.

وهي تقول عن ذلك: «في البداية يقوم في ذهني تصور هيولي لفكرة تريد أن تقبض عليها بشبكة اللغة، هذا التصور الهيولي يريد أن ينتشر وأن يتجسد في شخصيات حية – بصفتي كاتبة قصة – (والحلم من روافد هذه العملية بصورة خاصة في مراحلها الأولى)». وهي تذكر ما يعبّر عنه بولان في سيكولوجية الوعي «الخلق الأدبي يمضي من المجرد إلى العياني، من الكل إلى الأجزاء، ومن المخطط إلى الصورة».

ثانياً - تحرر المرأة في أدب غادة السمان
_________________________

إن موضوع تحرر المرأة بشكل خاص موضوع شائك يتناول تحرر الرجل أيضاً، لأنه إن كانت المرأة مقيدة أو محرومة من حقوقها أو مضطهدة فالرجل هو الآخر يفقد توازنه ويصبح عبداً يرسف بأغلال الجهل واللاوعي، فالمرأة هي نفس الرجل والرجل هو جسدها.

والحال أن وضع المرأة قد تناولته العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع، والأنتروبولوجيا، والتاريخ، كما تشير الدراسات الحديثة إلى أن بدايات التاريخ الإنساني كان يتصف بما يسمى بالمجتمع الأمومي حيث كانت السلطة للأم والنَّسَب يعود للأم والآلهة كانت أنثوية، ثم حدث انقلاب ما، وبدأ يظهر المجتمع الأبوي البطريركي الذي أخذ يهيمن فيه الرجل على المرأة، فالرجل يسيطر، ويريد أن يكون غنياً وذا نفوذ لامتلاك المرأة، إلا أن مأساة الإنسان في المجتمع الذكوري ذهبت إلى حد اضطهاد المرأة، فبعض المجتمعات تخشى شيئاً من أنوثة المرأة، والرجل يخشى نفسه ذاتها، ويزدوج في أفعاله من جهة ومثله ومعاييره من جهة أخرى، وإذ لا يفهم نفسه ويخشاها يُسْقِط هذا الخوف على المرأة، فيحاول أن يضيّق الخناق عليها ويحرمها حريتها واستقلالها، ويجعلها تابعة له، لا بل كما لو كانت أداة يملكها له الحق في التصرّف فيها كيفما يشاء، فيستعبدها ويحرمها إنسانيتها وبالتالي كرامتها، ناسياً أنها إنسان له حرية الاختيار وتقرير المصير.

[COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]المصدر : [/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]اكتشف سورية

[/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR]

[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]

ملخص لأعمالها الروائية
____________________

لقد وجدتُ أفضل ملخص لأعمالها الروائية هو ما قامت به الأستاذة ماجدة محناية في رسالتها للماجستير بعنوان «التقانات السردية في روايات غادة السمان»، وها أنا ذا أورد هذه الملخصات بحسب التسلسل الزمني لظهور هذه الأعمال الروائية.

«بيروت 75»
_________

تتألف هذه الرواية من خمس قصص نلمح فيها وجه بيروت قبيل الحرب الأهلية، حيث تدور مجموعة من الشخصيات حول حدث مشترك وهو البحث عن الخلاص من دائرة القهر الاجتماعي والسياسي.

يكشف عنوان الرواية (بيروت 75) عن رغبة الكاتبة في عرض الفضاءين الزماني والمكاني لبيروت، فهي تقدم لنا عالم بيروت المجنون في علاقاته الإنسانية المتردية، من خلال معالجتها لثنائية الحلم والواقع التي انتهت إلى كوابيس سادية في النهاية.

تبدأ الرواية برحيل البطل فرح عن دمشق بصحبة ياسمينه وثلاث نسوة محجبات إلى بيروت الحلم كما تصورها فرح: «كلهن وكلهم يحلم ببيروت، لست وحدي، لكنني وحدي ذاهب لاقتحامها».

وفي الطريق ينضم إليهم أبو الملا وأبو مصطفى السمّاك وطعّان، وهي شخصيات بيروتية مقهورة تسكنها المخاوف والأحزان، حيث نسمع أوجاعها ونلمس معاناتها من خلال أصواتها الداخلية، وعند الوصول إلى مدخل بيروت تستقل كل شخصية لتتحرك بمعزل عن الشخصيات الأخرى.

أول ما تطالعنا من الشخصيات ياسمينه وهي فتاة دمشقية، مدرّسة في مدرسة الراهبات تمتلك موهبة شعرية، تحلم بالمجد والشهرة والثراء، وترى بيروت المناخ الخصب لتحقيق أحلامها، وفي بيروت نعيش معها لحظات الحب والحرية من خلال علاقتها بنمر السكيني الشاب الثري الذي تتلاشى أمام عالمه، وترى فيه كل أحلامها لتنتهي بها هذه العلاقة إلى حزن ويأس بعد أن تحول نمر عنها، وقدمها إلى رفيقه نيشان، وما إن صَحَت وعادت إلى رشدها حتى كان الموت بانتظارها على يد أخيها الذي قتلها بحجة الدفاع عن الشرف.

ثم يأتي دور فرح الشاب القروي الموظف في المكتبة الوطنية بدمشق، فهو يمتلك صوتاً جميلاً، ويحلم أن يكون مطرباً مشهوراً، وهذا لن يتحقق له إلا في بيروت، وهناك تبدأ رحلة ضياعه في اللحظة التي يبيع فيها نفسه للشيطان نيشان قريبه الثري مقابل أن يصبح مطرباً مشهوراً، الأمر الذي يضطره للتخلي عن رجولته وكرامته في سبيل تلك الشهرة.

وقد كان في داخله رافضاً لهذا الواقع، وتمثّل رفضه بانتقاله إلى عالم اللاوعي، إلى عالم الكوابيس وأحلام اليقظة، ثم دخوله إلى مشفى المجانين وهروبه منه، لتنتهي رحلته بموت حلمه وعودته إلى أمه دمشق مهزوماً مكسوراً.

وعندما أرادت الكاتبة أن تتحدث عن الفئة الاجتماعية المسحوقة وما تعانيه من قهر واستلاب وحلم بالخلاص يقودها في النهاية إلى الموت الأسطوري، جاءت بشخصية الصياد أبي مصطفى الذي عاش حياته وهو يحلم في العثور على المصباح السحري، ظناً منه أنه حبل النجاة والخلاص من الفقر والقهر له ولأسرته المؤلفة من اثني عشر شخصاً.

فهو يخرج كل ليلة ليبحث في أعماق البحر عن ذلك المصباح لعله يعلق في شباكه، وفي إحدى الليالي يعتزم على اصطياد المصباح فيشعل حزمة ديناميت ويرميها، ويرمي بنفسه معها لتتفجر ويتمزق معها جسده، ويكون بهذا قد أنهى رحلة عذابه وشقائه.

وتظهر شخصية أبي الملا حارس الآثار الذي سرق تمثالاً لم يُنقَلْ بعد إلى المتحف ليبيعه ويفتدي بثمنه بناته الثلاث الخادمات في قصور الأغنياء، وينهي به رحلة فقره، ليتحول هذا التمثال الصغير بوهمه إلى رجل عملاق يخنقه، والحقيقة أنه مات بالذبحة القلبية فقد كان مريض القلب.

ثم تظهر شخصية طعّان الصيدلاني المذعور الهارب من الثأر، فقد قتل إنساناً خطأً، متوهماً أنه يطارده ليكون السبب في إعدامه، وهو الذي كان يتحرق للعودة إلى الوطن ليفتح صيدلية في بعلبك، على حين يفاجأ أنه مطلوب دون غيره للثأر لأنه يحمل شهادة، إنه القانون العشائري الذي يقضي أن يثور الثأر لقتيل متعلم بقتيل متعلم.

«كوابيس بيروت»
______________

اعتمدت الكاتبة في روايتها «بيروت 75» أسلوب تيار التداعي الحر، وقد وسّعت هذا الأسلوب في روايتها «كوابيس بيروت» فعالم بيروت المشبع بالجنون والدمار والمشرف على الانهيار انهار في هذه الرواية وتحققت النبوءة، كما أن الأحداث الدامية التي عصفت بهذا العالم هي التي اختارت أسلوب الكوابيس للتعبير عن لا معقوليتها وغرابتها.

والرواية مؤلفة من مجموعة من الكوابيس وتبلغ 197 كابوساً وحلماً واحداً اختتمت به الرواية، ويبدو أن هذا الحلم «انفتاح لا متناه للاحتمالات كافة» يبدو لقارئ هذه الرواية أنه أمام مذكّرات يومية لكاتبة مناضلة أشهرت قلمها سلاحاً في وجه هذا العالم المتناقض المشبع بشاعة ومرارة، وإذ به أمام كوابيس تصلح لأن تكون قصصاً قصيرة ولوحات تصويرية، تنوعت وتعددت فيها الشخصيات، واختلفت وتباينت الموضوعات والمحور واحد هو الحرب.

قامت الكاتبة بتسجيل فني وموضوعي لجنون الحرب الأهلية في بيروت، وما أحدثته هذه الحرب من تشويه لما هو إنساني، فمنذ السطور الأولى وضعتنا في قلب الأحداث حيث الانفجارات والقذائف والموت المزروع في كل مكان، وحيث أصبح الخوف «سيد المواقف» يطبع كل ما حوله بالجنون «ما يجري في هذه المدينة له طعم الجنون، لهذا القتال لذعة السادية».

وقد فرضت عليها هذه الحرب الإقامة الجبرية في بيتها مع أخيها، فالحي الذي تسكنه تحول إلى جبهة قتال مستعرة، والمعارك في أوجها في الخارج، والمسلحون والقناصون يحتلون الأسطحة لاصطياد البشر واصطياد كل ما يمت للحياة بصلة.

ومع أن الخلاص من هذا الجنون أضحى مستحيلاً، فقد استطاع أخوها الهرب منذ الأيام الأولى للحصار، وتركها وحيدة تحاول أن تروّض نفسها على التعايش مع هذا العالم المجنون.

وبينما تقوم بتدوين دقيق للأحداث والممارسات اليومية بكل تفاصيلها وجزئياتها، تروي لنا كوابيسها التي تراها في نومها ويقظتها، حيث تستيقظ حواسها وتطير بها إلى حيث لا تدري، فترتد بنا إلى الماضي، إلى الأيام التي قضتها مع حبيبها يوسف الذي قُتِلَ ضحية دينه عند حاجز للمسلحين على يد تلامذته رمياً بالرصاص أمام عينيها، إنها تشعر بالشوق والحاجة إليه دائماً، تناديه ليذيب بحنانه صقيع وحدتها، ويبدّد بقوته ضعفها وخوفها.

وبعد أن تنتقل بنا من كابوس قاس ومخيف إلى آخر، نجدها وحيدة خائفة منزوية في دهليز بيتها، الذي تتوسطه مكتبتها الثورية الضخمة، والتي اغتالتها طلقات قناص محكمة، وهذا ما دفعها للإقامة مع جيرانها بعض الوقت فبيتهم في الطابق الأرضي وهو أكثر أمناً، فتعرّفنا على العم فؤاد الرجل المتقاعد المخلص للسلطة الشرعية، وأمين الابن المتمسك بالعادات والأصول، والذي يفتقد إلى القوة والحزم والقدرة على تجاوز العقبات.

وكانت كلما أسدل الليل ستره وهدوءه النسبي تسمع في داخلها أصوات الحيوانات الأليفة وهي تصدر أصوات الجوع والتذمر، فتتسلل خفية إلى الحديقة المجاورة لبنائها ومنها إلى دكان بائع الحيوانات الأليفة – الذي زارته مع صديقها يوماً ما – لتتعرف إليها عن قرب وتتفقدها وتمنحها بعض الطعام والماء، وتفتح لها أبواب الأقفاص لتساعدها على التخلص من سجنها، ثم تعود إلى فراشها في بيت جيرانها، ثم لتجمع أشياءها الصغيرة لعل أحد المتطوعين يأتي لإنقاذها، فغرفتها تعرّضت للقصف ومكتبتها التهمتها النيران، وجارها أبو أمين قد مات بالسكتة القلبية، وعليها أن تعيش اللحظات العصيبة مع أمين حتى يتم إنقاذها.

وبعد عدة كوابيس ترصد فيها عالم الأموات والجثث والخطف، وبعد أن تفقد الأمل بالهرب والخلاص، وبعد حصار دام أكثر من عشرة أيام، تأتي مصفحة وتنقلها من هذا الجحيم مخلّفة أمين مع ممتلكاته، لتقف بعدها وحيدة على الشاطئ الآخر من بحر الجنون هذا، ولا تملك سوى حقيبة برتقالية تحتوي مخطوطة كوابيس بيروت وبعض أشياء حبيبها يوسف، ولا تعرف إلى أين تذهب ومن أين تبدأ رحلتها الجديدة.

«ليلة المليار»
____________

تنطلق هذه الرواية الضخمة المترامية الأطراف المتعددة الشخصيات من تعاويذ سحرية غامضة، مقتبسة حرفياً من كتب أشارت إليها الكاتبة في نهاية الرواية، لا يفصح راويها عن نفسه، تنبئ عن عالم مسكون بالغموض والغرائبية واللامعقول، هذا ما أشار إليه الراوي العليم فيما يلي من الصفحات الأولى: «من هو غير المجنون في مسرح لامعقول العرب هذا».

ولعل نقطة البداية تكشف لنا عن «المنظور الإيديولوجي» للرواية الذي يعرّفه أوسبنسكي بأنه «منظومة القيم العامة لرؤية العالم ذهنياً». والتي «تحكم الشخصية من خلالها على العالم المحيط بها»، تكمن هذه النقطة في المطاردة والهرب من عالم اللامعقول إلى عالم لا معقول آخر، يفصح عنها الراوي العليم بضمير الغائب «يعرف أنهم يطاردونه» وتتكرر هذه العبارة مراراً، وقد وضعنا الراوي من خلالها في قلب الأحداث، في اللحظة المتوترة، إنه المطار، نقطة الانطلاق والعودة.

ونرى صوت الراوي العليم يعلو تارة أخرى معلناً عن المنظور الإيديولوجي الذي يحكم الرواية بشكل مباشر «هربوا مرتدين، هذا يهرب إلى السحر، وآخر إلى المال، وثالث إلى الغربة، ورابع إلى التخدير، ثمة قناص في غير بيروت أيضاً يترصد كل عربي متنظراً لحظة ضعف تتسلل عبر رصاصة لا مرئية».

لقد حددت الكاتبة زمن القص، وهو أحداث لبنان عام 1982 والحرب الأهلية، وتوافق ذلك مع زمن السرد، وتنقّلت بين بيروت وجنيف حيث حملت معها عدستين، صوّرت بالأولى عالم بيروت المشتعل بالانفجارات، المزروع بالرعب والموت بمطاره وناسه، وبالأخرى صوّرت المجتمع الأوروبي من خلال الشخصيات العربية التي استقرت في جنيف، لتعرض لنا الأحداث عبر رؤية كلية شاملة (بانورامية) في محاولة كشف جديد لهذا الواقع.

وتعكس الرواية في بنيتها السردية أحداث التجربة الشخصية التي مر بها كل من خليل وزوجته كفى، من لحظة هروبهما من المطار، وانتقالهما إلى جنيف، حيث قصر رغيد الزهران وما يدور فيه من علاقات وأحداث، حيث نتعرّف على شخصية كل من رغيد وخادمه نسيم، ونديم وزوجته دنيا، وأمير وصديقته ليلى، وصخر وابنه صقر وأخيه هلال، الشيخ وطفان.. الخ.

وتسير حركة السرد حيث التحضير لليلة المليار، وتتصاعد الأحداث عند وصول «بحرية» التي ترمز إلى بيروت، وهي تملك كل الأصوات الداخلية للشخصيات ووجوههم الحقيقية، وفجأة تتوقف حركة القص لندخل في رواية أخرى (في رحلة مع الهذيان إلى عالم المدن السبع)، عالم من العجائبية والغرائبية تبدو كأحلام اليقظة، تفصح فيها الكاتبة عن سياسة الأقطار العربية، وقد قدمتها من خلال الشخصيتين خليل وصقر من منظور ذاتي يتمثل في إدراك كل شخصية من الشخصيات للعالم الذي حولها دون الخروج عن إطار هذا الوعي، فتقدم الحقائق والوقائع مدركات وانطباعات لا حقائق مستقلة عن الذات المدركة.

يتولى سرد الأحداث في هذه الرحلة الراوي خليل بضمير المتكلم على امتداد خمس وثلاثين صفحة، ومن ثم تنتهي الرحلة، ويعود السرد إلى ليلة المليار حيث موت رغيد، الحدث الذي يجعل الجميع داخل دائرة الاتهام، ثم الهرب من قصر الموت إما إلى دائرة المخاوف والأحزان، وإما إلى بيروت الحقيقية حيث يعود خليل وولداه والأمل الجديد بوطن السلام.

«الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية»
__________________________

في البداية يطل علينا المحامي أمجد الخيال في حفل تأبين لزوجته هند التي ماتت إثر تعسّر ولادتها بالتوأمين اللذين توفيا بعدها مباشرة، مخلِّفة وراءها ابنتها زين/زنوبيا بطلة الرواية، والذكريات الجميلة معها، وقد أحدث موتها المفاجئ شرخاً في حياته الاجتماعية والنفسية والعاطفية، فشبحها يرافقه ولا يفارقه داخل البيت الكبير وخارجه، ويقع البيت في حي شعبي في زقاق الياسمين بدمشق، حيث كانت تعيش فيه معه ومع أهله.

وفي هذا البيت الذي يضم أجيالاً مختلفة ومتناقضة في الفكر والسلوك والرؤى، تفتحت عينا زين حيث جدتها وعمتاها بوران وماوية وعمهاعبد الفتاح وزوجته ملك، وأولاد وبنات عمها وعمتاها، وقد تولّت الجدة تربيتها ورعايتها.

ومع حلول فصل الربيع نجد العائلة وقد انطلقت بسيران عائلي إلى ضفاف بردى بما يحمل معه من حبور وسرور وحديث القيل والقال، فنتعرف إلى ما تخبئه البيوت من أسرار، حيث تضيء الكاتبة جانباً من حياة كل من الشخصيات المشاركة ومن حولها، كما نتوقف في محطات كثيرة من الرواية لتروي لنا كل شخصية نبذة عن حياتها الماضية.

ثم نتعرف إلى زين عن قرب، زين الطفلة الفضولية وهي تحاول اكتشاف العالم من حولها، فتبدو طفلة مشاكسة ضعيفة خائفة حالمة دقيقة الملاحظة حساسة خجولة، تثير الكثير من الأسئلة، وأسئلتها هذه فيها نوع من الدعابة والخفة والذكاء والفضول والمقارنة والمفارقة.

ونراها تكبر يوماً بعد يوم في هذا البيت المسكون بأشباح الأحياء والأموات، فكانت دائماً تحلم بأمها ولا تفرق بين الحلم واليقظة، وكان أبوها يصحبها في أوقات فراغه وضيقه في زيارات إلى أصدقائه، ويعلّمها كيف تروّض نفسها، ويشجّعها على التحصيل العلمي.

وكثيراً ما تنقلنا إلى عوالم من الأحلام والمغامرات، فنراها تطارد كوابيسها، وتعيش في أحلام يقظتها مع أبطال الروايات والقصص التي تطالعها منذ صغرها، وقد بدأت تخط أحلامها وكوابيسها على الورق خجلاً من أن ترويها لأحد، وتخفيها تحت وسادتها.

وتمضي الأحداث في البيت الكبير، حيث تتزوج الخادمة جهينة من عيدو ابن الجيران، وتُطلّق العمة ماوية، وتتزوج فيحاء من شاب قروي، ويمرض العم عبد الفتاح مرضاً نفسياً، وتصاب زين بصدمة عصبية جراء رؤيتها لمشهد سقوط ابنة الجيران من السطح.

ومن الملاحظ أن هناك حدثين قد غيّرا في مستوى الوعي لدى بعض الشخصيات، وهما وفاة هند وزواج فيحاء ممن تريده، فقد أصبحت البنات يطالبن بحقهن في التعليم والعمل أيضاً.

في غمرة هذه الأحداث تقوم الكاتبة بتعرية الواقع السياسي وتغيراته، وحقائق رجال السلطة الخفية، وانعكاس الانقلابات على الشخصيات وعلى البلد، واستلام الضباط الأحرار الحكم، كما رصدت الحركة الثقافية والتراث الشعبي لدمشق في تلك الآونة.

وتمر الأيام وينتقل أمجد بصحبة أمه وزين إلى البيت الجديد في ساحة المدفع، بعد أن تخلى عن غرفته في البيت الكبير لأبي عامر الذي هاجر مع أسرته من فلسطين بعد أحداث عام 1948، وعلى الرغم من محاولته مع أسرته للتأقلم مع الوضع الجديد، إلا أنهم يفتقدون البيت الكبير، ويكثرون من زيارته، وتكبر زين ويبدأ الوعي عندها بالتفتح على عوالم جديدة، فتغدو عاشقة للكون ولكل من حولها، ولمظفر المقعد الذي تصاب بخيبة أمل فيه، وسرعان ما تنسى حبها له في غمرة عملها في تدريس الأطفال الفلسطينيين، وانشغالها بامتحانات الشهادة الثانوية.

وما إن تنتهي من الامتحانات حتى تبدأ برحلة الكشف عن حقيقة أمها، فتقلّب في الرسائل والمذكرات والأوراق التي احتفظ بها أمجد في درج مكتبه، وتنهال بالأسئلة على كل من اتصل بأمها وعرفها، وهكذا تتعرّف على أمها وعائلتها، فتتعرّى أمامها الحقائق وينكشف لها الماضي، كما أنها عثرت بين الأوراق على مسودة رواية كتبتها أمها فقررت زين نشرها وكان لها ذلك.

وفي النهاية تتعرض زين لطلقات من بارودة صيد، قد سددها إليها أحد أبناء عمها، وأصابها من الخلف لردعها عن الكتابة والسير على منوال أمها، فذلك يسيء إلى سمعة العائلة، إلا أنها تواجه الموقف بشجاعة، ويتم إنقاذها دون أن تبوح بحقيقة الأمر لأحد.

وفي موقف آخر تتعرض لحادث في الطائرة الشراعية التي تتعلّم قيادتها بصحبة الربان، حيث انتابته أزمة قلبية مفاجئة، ولا مفر أمامها من قيادة الطائرة بنفسها والهبوط بها، وتم ذلك بصعوبة بالغة، وقد فخر الجميع بشجاعتها.

«سهرة تنكرية للموتى»
____________________

من مطار باريس تبدأ الكاتبة الرواية، لتصور جواً مشحوناً بالتوجّس والضبابية، حيث تظهر مجموعة من اللبنانيين المغتربين، ترافقهم طبيبة فرنسية لقضاء إجازة في بيروت بهدف الاستجمام أو الاستثمار، وفي نقطة الوصول (بيروت) مدينة التناقضات والصراعات الدينية، تلتقي هذه الشخصيات وتتلاقى مع شخصيات أخرى من أصدقاء وعملاء ومحتالين، ومصاصي دماء وأموات، ومنذ الليلة الأولى تعيش كل شخصية من تلك الشخصيات مع الكوابيس ومع الظواهر الغرائبية أو ما تسميه الرواية «موزاييك الجنون».

يطالعنا فواز وهو يلتقي بأقرابائه وقد أسعده احتفاؤهم به ولاسيما عمته، ثم يتعرف على سميرة خليل الدرع وجه لبنان البريء الصادق المنفتح، وتتعزز علاقته بها، فيطلبها للزواج والسفر إلى باريس وترفض، فهي لا ترضى أن تكون مغتربة، وتعرّفه على والدها وعلى أصدقاء والده، وكان فواز عازماً على بيع بيت والده إلا أنه أعرض عن ذلك في النهاية.

ثم يظهر عبد الكريم الخوالقي المنتحل شخصية نجل رئيس وزراء قهرستان، ويستغل ذلك بمساعدة رفيق في توقيع صفقات مشبوهة، ويلوذ بصديقه عدنان يشكو إليه مخاوفه، فيتنبأ الثاني له بالموت، في الوقت الذي يبرز فيه إسماعيل الأب المقهور يبحث عن عبد الكريم الحقيقي ليقتله انتقاماً لابنه الذي مات في سجون السلطة من قسوة التعذيب فيقتله ظناً منه أنه الحقيقي.

أما ناجي النادل فيبدو كالغريق يطفو تارة ويغرق تارة، يتعرّف على سليم ووفاء اللذين تصادف أن التقى بهما في باريس، فيتآمرون على بيع بيت رامي، وإنجاز تأشيرات سفر إلى يوتوبيا ليعود بعدها إلى باريس ظافراً بثروة يحقق فيها حلمه في إدارة مطعم في باريس، إلا أنه يصاب بانفصام الشخصية، وينتهي الأمر بموته في حادث أليم.

وأما ماريا العاملة في منظمة اليونسكو والكاتبة، فتختفي بمكتبتها، وتستحضر أرواح شخصياتها (منير – خليل) وتعيش معها، وترتاد بصحبة فواز وسميرة أماكن لبنانية تعود إلى زمن ما قبل الحرب الأهلية، ويحلو لها عالمها الخاص بها.

وتظهر الدكتورة ماري روز وهي تستمتع بإجازتها مع وسيم الرجل الخمسيني ويحيى رجل الأعمال، وقد ازداد جمالها وازدهارها، غير مكترثة بكوابيسها وهواجسها عن بيروت، فتتعرف على بيروت بوجهيها، الرعب والموت، والأمان والحياة، وقد تنقلت في بيروت فلمست الغنى والفقر.

أما سليمى فقد أمضت وقتاً ممتعاً مع وليد الموالدجي الشاب الذي يصغرها بعشرين عاماً، وكانت علاقتها الحميمة به السبب في شجارها مع ابنتها دانا التي تعرّفت هي نفسها على شخصيتين متناقضتين هما الدكتور نبيل الإنسان الوديع ورامز المندال (السادي)، وقد تعلّقت بالأخير وهي تأمل أن يكون الوكيل لشركة الكومبيوتر الفرنسية، فتزوره في بيته وتقامر بمصيرها، فيبدو على حقيقته، في النيل منها بوحشية، وتهرب فيلحق بها وينتهي به الأمر أن يموت في سيارته المفخخة.

وتنتهي الرواية بعودة ما تبقى من الشخصيات إلى باريس (سليمى – دانا – ماري – ماريا) قبل ليلة رأس السنة، أما فواز فقد صادفت عودته إلى باريس ليلة عيد الميلاد بعيداً عن حبيبته وبيته وجذوره.

إن معظم هذه الشخصيات ترتدي أقنعة لا مرئية تخفي هواجسها وحقيقتها عن الآخرين، تصرّح الكاتبة: «وجوه وأقنعة تنكرية وكل واحد يروي حكاية مزعومة عن نفسه وسواه، فمسافر اليوم يرتدي قناعه ويكذب، وكل واحد يخترع حكاية لقناعه التنكري ويروي حكايات موته لا حياته!».

[COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]المصدر : [/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]اكتشف سورية


[/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR]

[/BACKGROUND]
A
[BACKGROUND="100 http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339898372.jpg"]

الخاتمة
______


تقول الأستاذة حنان عواد: «حقيقة هزيمة 1967، وما تلاها من حرب أهلية اشتعل أوارها في لبنان هزت كيان غادة السمان وأصابتها بصدمة عنيفة، الأمر الذي جعلها تتخلى عن الكثير من مثاليتها التي كانت تزين محاولاتها الأولى في الكتابة. تلا ذلك تحرر من الوهم وسخرية سافرة، لكن ذلك لم يكن لحسن الحظ ليؤثر على تقديرها لأهمية المحبة في حياة البشر. وشخصياتها مهما كانت متواضعة أو مهما سمت تسعى لأن تختبر المحبة الأصيلة، وإذا لم تحصل على هذه المحبة كثيراً ما تذوي وتموت كالأزهار المحرومة من ماء المطر. ولسنا نبالغ إذا قلنا أن السمان تعتبر المحبة دواء سحرياً يشفي جميع الأمراض، ويعالج مجموعة المساوئ التي تعتري الأفراد والأمم على حد سواء في عالمنا المضطرب».

وهذا ما يتردد صداه في كتاب الدكتورمحمد بالروين «المحبة القيمة الرابعة» ذلك أن الفلاسفة يعترفون بثلاثة أنواع من القيم الأساسية وهي: الخير والحق والجمال. وبدوره يضيف الدكتور محمد بالروين قيمة رابعة أساسية وهي المحبة. وهو يستشهد بالكندي إذ يقول: «المحبة علة اجتماع الأشياء»، فإذا وجدنا مجتمعاً إنسانياً متماسكاً ومترابطاً، فإن هذا المجتمع وهذا الترابط علة لوجود المحبة.

وفي الواقع ثمة ملاحظة نستقرئها في أغلبية أبطال غادة السمان، وهي إحساسهم بالغربة، والحال أن هذه الغربة هي انعكاس لإحساس أديبتنا نفسه بسبب اختلافها الفكري عن السائد، واتخاذها موقفاً لم ينل الرضى من طبقتها البورجوازية، وجعلها محيطها الاجتماعي في فترة ما من حياتها تشعر بانعزالية قاسية، إلا أنها بحدسها الأنثوي اكتشفت في المحبة خلاصاً من الإحساس بالغربة. ولما كانت المحبة مبنية على ناحية إرادية خالية من أي قسر أو تعسف فإن أساسها احترام وتقديس الحرية الشخصية والجوهرية وهذا ما سعت إليه في حياتها.

أخيراً وليس آخراً يجدر بنا أن نختم بصوت أنثوي هو صوت الباحثة هنادي الحصري وهي تحيي أديبتنا غادة السمان فتقول:

«ستظلين سيدة غادة الأثيرة عندنا لأنكِ لا تحيين بازدواجية كما يحياها غيركِ، احترامي لك كبير، واسمكِ لن يرتدي عباءة الشيب وسيبقى حرفكِ فوق ترتيلة النجوم، وشنشنة حروفكِ حقل ألحان في فضاءات دمشق، أنحني أمامكِ كاللبلاب وأقفل كلماتي بأقفال احترام ووفاء».

[COLOR=#660033][COLOR=DarkOrchid][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]المصدر : [/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][COLOR=#660033][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=#660033][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=DarkSlateGray][COLOR=DarkOrchid][SIZE=2][FONT=Tahoma]اكتشف سورية


[/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR]

[/BACKGROUND]
X