[BACKGROUND="70 #FFCCFF"]قصيدة -نسر الملوك(*) -للشاعر الكبير إبراهيم طوقان
[بحر الرمل]
مناسبة القصيدة:
رثاء المغفور له صاحب الجلالة فيصل الأول ملك العراق «ألقيت في حفلة الأربعين التي أقيمت في مدينة نابلس»
شَيّعي الليلَ وقُومي استقبلي*****طلعةَ الشمسِ وراء الكرملِ
واخشعي، يوشك أن يغشى الحِمى*****يا فلسطينُ سنًى من «فيصل»
يا لهــا من دِيمةٍ يرفـعـهـا*****منكبُ الأفقِ لعين المجتلي
نشـأتْ أمناً وظلاً وهدىً*****كهُدى النجمِ لفُلْكٍ مُقبِل
ما دنا حتى همى الدمعُ، فهل*****«إيلياءُ» الغيثِ فوق الجبل؟(1)
ذلك الفُلْكُ الذي يحمله*****مثلُه منذ جرى لم يَحمل
لو تَعدّى لُـجَّةَ البحرِ بهِ*****خاض في لـجَّة دمعٍ مُسبَل
وانطوى العـاصفُ والموجُ لهُ*****فاكتسى البحرُ غضونَ الجدول
وإذا بالفُلْك يجـري بينها*****كـمـرور الطيفِ بين المقل
يُكرِم الراقـدَ يدري أنّهُ*****يُؤثِر الراحةَ والقلبَ الخلي
راقدٌ ينعم في ضجعتهِ*****خلَّف الدنيا به في شُغُل
أيقظ اللوعةَ فيها والأسى*****وغفـا بينهما لم يحفل
مُطبَقَ الأجفانِ عن جَفْنٍ طغى*****جامِحِ الدمعِ وجفنٍ مُجفِل
مُطمئِنَّ القلبِ ما تُزعجهُ*****زفراتٌ كالغضا المشتعل
ما الذي أعددتِ من طيب القِرى*****يا فلسطينُ لضيفٍ مُعْجَلِ ؟
لا أرى أرضاً نلاقيه بها*****قد أضاع الأرضَ بيعُ السُّفَّل
فاستُري وجهَكِ لا يَـلمحْ على*****صفحتيهِ الخزيَ فوق الخجل
أكرمي ضيفَكِ إنْ أحببتِهِ*****بأمانيه الكِبارِ الحُفَّل
لا تقومي حوله مُعوِلةً*****من جلال الـمُلْكِ ألاّ تُعْوِلي
واسألي الباغين ماذا هالهُمْ*****منه في أكفانه إنْ تسألي
راعهم حيّاً ومَيْتاً فاتّقوا*****هِمَّةً جبّارةً لم تُخْذَل
ورأَوْا في كلّ قلبٍ حولَهُ*****جذوةَ العزمِ ونورَ الأمل
بطلٌ قد عاد من ميدانِهِ*****ظافراً يا مرحباً بالبطل
فارسُ «الشقراءِ»يجلو باسمها *****غمرةً ليلتُها ما تنجلي(2)
صاحبُ التاجَيْ(3)ن في موكبهِ*****رايةُ المجدِ المنيعِ الأطول
من رأى «نسرَ الملوكِ» المرتجى*****طار من عُقبانه في جحفل
وسواءٌ في الأعاصير مضَوْا*****أم مَضَوْا في نَفَحات الشمأل
كجنود اللهِ طارت خيلُهم*****يومَ بدرٍ في سماء القسطل
من رأى ناراً على عاصفةٍ*****هكذا انقضَّ غَضوباً من عَل
هبط المعقلَ يخشى حَدَثاً*****ويمينُ اللهِ حِرْزُ المعقِل(4)
أَشِرتْ «آشورُ» حتى جاءها*****أمرُها بين الظُّبا والأَسَل
كلُّ لؤمٍ وعقوقٍ دونَهُ*****فعلُ «شمعونَ» لئيمِ «الموصل»(5)
ثورةُ الغاضبِ للحقّ تُرى*****هذه، أم شَغَبٌ من وُكَّل؟(6)
ذلك السيفُ الذي جرَّدهُ*****فضحتْه عينُ هذا الصَّيْقل
يا لَعينٍ سهرتْ عن «فيصلٍ»*****تحرس الـمُلْكَ له ما تأتلي
رأتِ الغدرَ فآذاها، فهل*****تحمل الضيمَ ولما تغفل ؟
خُلُقٌ في ابنكَ «غازي» لم يكنْ*****بغريبٍ عن قريب المنهل
لم يُطِقُ شِبلُكَ ضيماً سيّدي،*****فاستمعْ للعذر قبل العَذَل
قد يكون الحزمُ في العزم وقد*****يُكْتَب التوفيقُ للمُستعجِل
غضبةٌ من رجلٍ في أمّةٍ*****جعلتْه أُمَّةً في رجل
من هفا للمثل الأعلى يجدْ*****في بني هاشمَ أعلى مثل
أيُّكم يا آلَ بيتِ المصطفى*****ما قضى مُستشهِداً منذ «علي»؟
لا أُحاشي بينكم من أحدٍ*****فكميُّ الحربِ صِنْوُ الأعز
كلُّكم ينشأ قلباً ويداً*****ولساناً في جهاد المبطِل
فتح الخُلْدُ لكم هيكلَهُ*****فإذا أنتم بُدورُ الهيكل
ضمَّ جبريلُ جناحيه على*****سؤددٍ محضٍ ونُبْلٍ أمثل
وأطاف الملأَ الأعلى بمن*****عزمُه في الحقّ عزمُ الرسل
فيصلٌ شيّد مُلْكاً لم يزلْ*****بحِمى اللهِ و«غازي» يعتلي
وبشعبٍ بذل الروحَ، ومن*****يَنْشُدِ الـمُلْكَ وطيداً يَبْذل
ليس من «حامٍ» لكيدٍ ينبري*****فيه أو «مُنتدَبٍ» مُختتِل
أضْرَموا النارَ وصَبّوا فوقها*****دمَهم حُرّاً أبيّاً يغتلي
صهروا الأغلالَ وانصاعوا إلى*****دنسِ الأرض فقالوا اغتسلي
وإذا دجلةُ عذبٌ وِردُها*****وإذا النخلُ كريمُ المأكل
وإذا بغدادُ مِمّا ازدهرتْ*****حِليةُ التاريخِ بعد العَطَل
ووقاها اللهُ، والعونُ بهِ،*****دُولَ الغدرِ وغدرَ الدُّوَل
التوضيح:
(*) سافر المغفور له صاحب الجلالة الهاشمية فيصل الأول ملك العراق إلى أوروبا ولكنه اضطر للعودة إلى العراق بسبب فتنة الآشوريين، ثم استأنف السفر إلى أوروبا فوافاه الأجل المحتوم في سويسرا، وقد نقل جثمانه الطاهر على ظهر باخرة وجيء به إلى حيفا حيث كانت فلسطين عن بكرة أبيها بانتظاره، أما فتنة الآشوريين المشار إليها في هذه القصيدة فقد وقف منها المغفور له صاحب الجلالة الملك غازي - وكان ولياً للعهد - موقفاً صلباً ووقعت بينه وبين البريطان مشادة عنيفة بشأنها (أحمد طوقان) .
(1) في التوراة أن القحط عمّ فلسطين في أيام النبي «إيلياء» فدعا الله من جبل الكرمل أن يكشف الكرب بالغيث فاستجيب له.
- المصدر الأصلي: ط. دار الشرق الجديد (1933) .
(2) لما أُعلنت الثورة العربية الكبرى كان المغفور له الملك فيصل الأول خارج الحجاز في زيارة أعدها له الأتراك وعندما صمم باعث النهضة العربية على إعلان الثورة ضد الأتراك بعث إلى ابنه (الأمير) فيصل ببرقية جاء فيها (أرسلوا الفرس الشقراء) دعوة منه لابنه بالعودة إلى الحجاز فعاد (أحمد طوقان) .
(3) تاج سورية وتاج العراق (أحمد طوقان) .
(4) يشير الشاعر إلى عودة المغفور له الملك فيصل إلى العراق إثر فتنة الآشوريين (أحمد طوقان).
(5) شمعون هو زعيم الفتنة الآشورية (أحمد طوقان) .
(6) يتساءل الشاعر هل هذه ثورة قام بها الآشوريون من تلقاء أنفسهم أم فتنة حرضهم عليها الأجانب (أحمد طوقان).
*****
المصدر:
http://go.3roos.com/mjl6rk9r2v7
و..
منتديات أقصانا الجريح[/BACKGROUND]