***
الحلقة الخامسة ( العُمرية )
[COLOR=purple]***[/COLOR]
- أصحاب محمد رضوان الله تعالي عليهم كانوا شامةً في جبين الأيام وتاجاً في مفرق الأعوام وأن الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه من أجًلهم شأناً وأعظمهم مكانةً .
- هناك قصيدة شهيرة لحافظ إبراهيم عُرفت بالعُمرية خلًد فيها كثيراً من أيام وأخبار أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه :
حسب القوافي وحسبي حين أُلقيها *** أنًي إلي ساحة الفاروق أهديها
لهن هب البيان أستعين به *** علي قضاء حقوق نام قاضيها
- عمر بن الخطاب رضي الله عنه قُرشي من عدي وقُدر أن يحج في خلافته فمر علي واد فقال لمن حوله " لا إله إلا الله العليً العظيم ، يعطي ما شاء لمن شاء " وقد كان في هذا الوادي يرعى الإبل لأبيه وكان فضاً إذا عمل وإذا قصًر يضربه وقد أمسي وليس بينه وبين الله احد .
- هذه المقطوعة من سيرته تبين حاله في صباه ومع أبيه وشدته عليه وكيف جعل ذلك من نفسه عوناً له علي طاعة الله وألاً يظلم الناس .
- من يبتغي أن يحرم الناس إذا بلغ ونال منصباً كأنه يقاضي الناس علي ما كان لديه من حرمان ويري البعض الحرمان الذي عاناه صغيراً عوناً له أن يتذكر حال نفسه فيرحم الناس .
- آلت الخلافة إلي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بوصية من الصًديق الذي استشار الناس فكاد يجمع أمرهم علي أن يوًلي الفاروق إلا من كان طلحة بن عبيد الله إذ خاف من شدة عمر فأخبره الصديق رضي الله عنه أن يصنع ما صنع عمر لأنه يري في أبا بكر ليناً .
- مدرسة محمد صلي الله عليه وسلم لا تعد لها مدرسة وهؤلاء الأخيار نشئوا ينهلون من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام الذي ختم الله به النبوات والرسالات .
- تزوج عمر في آخر حياته بأم كلثوم وهي بنت عليُ رضي الله عنه وكان في البداية يريد الزواج من أم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنه الذي مات عنها وهي في بطن أمها فراسل عائشة رضي الله عنها فعرضت الأمر علي أختها " فقالت : ليس لي به حاجة ، فقالت عائشة لها : أترغبين عن أمير المؤمنين ؟ قالت : نعم ، إنه رجل خشن العيش " فاستحيت عائشة أن ترد الجواب إلي عمر فأخبرت عمرو بن العاص الذي رام بديلاً حتى يهًون الأمر علي أمير المؤمنين فصده عنها فدله علي عليً رضي الله عنه وقال له : ألتمس لنفسك سبباً مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فخطب أم كلثوم بنت عليُ بن أبي طالب وأصدقها أربعين ألفاً .
- خرج أمير المؤمنين أيام خلافته فوجد بيتاً من شعر لم يكن يراه من قبل في عسعس فخرج إليه إعرابي من البادية يلتمس شيئاً من فضل أمير المؤمنين ولم يكن يعرفه فسمع عمر صوتاً عنده وقال له إن آمراته تمخض ، فخرج عمر وعاد إلي بيته إلي أم كلثوم فقال لها : هل لك في خير ساقه الله إليك ؟ قالت : نعم ، وأمرها أن تأخذ معها شيئاً من الخرق والدهن وبقٌدر وبلحم وحبوب وحملا المعونة حتى وصلا البيت فدخلت أم كلثوم البيت ثم نادت زوجها عمر فقالت : " بشًر صاحبك يا أمير المؤمنين بغلام " فسمع الرجل لفظ " أمير المؤمنين " فأصابته الرهبة وقال له عمر : علي رسلك ، ثم أخذ القدر وقال لزوجته أطعميها ثم أخرجت القدر فقال عمر للرجل : " كل ويحك فإنك تسهر منذ الليلة " وأمر عمر الرجل أن بأتيه في اليوم التالي يأمر له بما يصلحه .
- ذات ليلة سمع رضي الله عنه إمرأةً تقول :
تطاول هذا الليل واسود جانبه *** وأرقنًي أن لا حبيب ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره *** لحُرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكُفُني *** وإكرام بعلي أن تُنال مُراكبه
فقال عمر : نعم المرأة أنت ، يرحمك الله .

- عاد عمر رضي الله عنه إلي بيت حفصة فطرق الباب في ساعة لم يكن يأتيها فيها فقالت : ما ورائك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أي بُنًي ، وقد اختار أن يسأل ابنته خير من أن يسأل زوجته ، قال : كم تصبر المرأةُ عن الرجل ؟ قالت : تصبر الشهر والشهران والثلاثة وينفد صبرها في أربع ، فأمر رضي الله عنه ألاً يبقي الجند مرابطين في الغزوات أكثر من أربعة أشهر وبعث للمرأة بمن يصلح من حالها .
- حمل رضي الله عنه هم الرعية وتفقد الناس ورأي أحوالهم وعاملهم بمنطق العدل ومنطق العلم وهو أساس المسألة كلها .
- ينبغي من يصًدر في مثل هذه الأمور أن يكون لديه من العلم وان يراعي أحوال الناس وان يعرف كيف يصل إلي مقصوده .
- خرج عمر ذات مرة إذ سمع إمراةُ فُتنت برجل يقال له نصر بن حجاج ورآه عمر وقد أتاه الله مسحة من جمال ثم أمر به أن يخرج من المدينة إلي البصرة وقاس عمر بين مصلحتين ( مصلحة خاصة وتتعلق بنصر ومصلحة عامة وتتعلق بنساء المسلمين ) .
- النظر في المصلحة العامة والمصلحة الخاصة لا يكون لكل أحد ويكون لولًي الأمر الذي أتاه الله جل وعلا أن يحكم بين الناس ، أما أفراد الناس وآحادهم فليس لأحد أن يتسلط علي أحد .
- جاء الحطيئة والزبرقان ابن بدر والحطيئة شاعر اشتهر ببذاءة لسانه وحبه للهجاء فمر عائداً المدينة فاختصم فيه رجلان يتنافسان المجد فقال يهجو ابن بدر :
دع المكارم لا ترحم لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعُدم جوازيهُ *** لا يذهب العُرف بين الله والناس
وقد قال صدر بيت شهير:
ولن تري طاردُ للحُر كاليأس
فذهب ابن بدر يشتكي الحطيئة إلي أمير المؤمنين فقال : لا أري إلا معاتبة وعمر يعلم ذلك ولكن بعث إلي حسان لأنه صاحب صنعة فقال له : يا أمير المؤمنين لم يهجوه بل سًلح عليه فاضطر عمر أن يسجن الحطيئة فاخذ يستعطفه بأبيات اعتذار لكن ذلك لم يرقي أن يأتي بشيء من عند عمر فأضطر الحطيئة أن يغُير الطريقة فقال :
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ *** زُغب الحواصل لا ماءُ ولا شجرُ
ألقيت كاسبهم في قُعر مظلمة *** فأغفر عليك سلامُ الله يا عُمر
أنت الإمامُ الذي من بعد صاحبه *** ألقت إليه مقاليد النُهي البشرُ
فبكي عمر رضي الله عنه فعرف الحطيئة كيف يستدر عطف أمير المؤمنين وورد أنه اشتري منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف واعتذر الحطيئة لعمر وقال : هذا شيء ابتليت به ( يعني الهجاء ) .
- قال عمرو بن العاص من أراد أن يعرف أعظم الرجال فلينظر إلي عمر .
- لا ريب أن الحكم علي الشيء فرع من تصوره .
- وليً عمر رضي الله عنه النعمان بن عدًي وهو من المهاجرين منطقة ميسان وهي ما بين القدس والرملة ، ثم خلا النعمان بنفسه ذات يوم وحوله أصحابه فقال متمثلاً :
ألا من مبلغ الحسناء أن حليلها بميسان *** يسقي في زجاجة وحنتل
لعل أمير المؤمنين يسؤه تنادمُنا *** بالدوسق المتهدم
فبلغ شعره عمر فقال : ووالله لقد ساءني ما قال ثم كتب إليه "حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)"وطلب منه الاعتزال وعزله فجاءه النعمان من ميسان يقول : يا أمير المؤمنين ، والله ما كان إلا شعراً ، لم اشرب الخمر قط ، قال عمر : لقد كنت اعلم أنك لا تشربها ولكن ما دمت قلت هذا القول وتمثلت به فوالله لا تلًي لي أمراً ولا سلطان أبداً .
- ذكر حافظ إبراهيم قدوم رسول كسري :
وراع صحب كسري أن رأي *** عُمراً بين الرعية عقباً وهو راعيها
في بُردة تحت ظل الدوح مشتملاً *** ببًردة كاد طول العهد يبليها
فهان في عينه ما كان يُكبرهُ *** من الأكاسر والدنيا بأيديها
وقال قولة حق أصبحت مثلاً *** وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهُمُ *** فنمت نوم قرير العين هانيها

- لقي عمر في أيام خلافته حادث عظيم وهو عام الرمادة وسمي بذلك لأن الريح تسف التراب سفاً كأنه الرماد ، وقع في السنة الثامنة عشرة للهجرة ، أجدبت الأرض واملحت وأصاب جزيرة العرب من المحن وانقطاع الأمطار ما الله به عليم .
- اتخذ أمير المؤمنين رضي الله عنه خطوات منها أنه بدأ بنفسه وحرًم علي نفسه أشياء لا يصل الناس إليها حتى يكون أسوة لغيره واصفر لونه حتى قيل أنه لو عام الرمادة تأخر قليلاً لمات عمر هماً من حال الناس .
- أمر عمر رضي الله عنه من بالشام وغيرها أن يبعثوا لأهل الجزيرة بالطعام وأنشأ معسكرات حول المدينة أضاف فيها أهل البوادي وأمر الناس أن يجتهدوا في إطعامهم واستسقي علي طريق رسول الله صلي الله عليه وسلم وسبيله عند جدب الديار وكان يكثر في سجوده الاستغفار .
-[FONT=Simplified Arabic] ورد أن عمر رضي الله عنه تلا قول الله جلا وعلا " اللهمَّ إنك قلتَ وقولُك الحقُّ" " وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً" " اللهم إنك حفظت الجدار لصلاح الأب فاللهم احفظ نبيك صلي الله عليه وسلم في عمه " ثم دعا العباس رضي الله عنه عم النبي عليه الصلاة والسلام أن يستسقي فقام العباس يستسقي وقال : " اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكانة رسولك صلي الله عليه وسلم ، اللهم لا يكون بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة ، اللهم إنا نبسط إليك أيدينا بالذنوب ونواصينا بالتوبة ، اللهم ارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر واخفي " ويظل يدعو حتى أمطرت وسقوا .[/FONT]
- أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ضرب مثلاً للحاكم والوالي المسلم الذي يشارك الناس ما هم فيه ويقدم من نفسه أسوة وأنموذجا حال نزول المصائب وجدب الديار مما لا تنفك الأمم أن تُبتلي به .
- ( طاعون عمواس ) وعمواس بلدة بين الرملة والقدس وكان الطاعون أول ما نشأ فيها والنبي صلي الله عليه وسلم ورد عنه قال : " هلاك أمتي بالطعن والطاعون " وقال : " وأخزوا إخوانكم من الجن " وهو مرض ينتشر سريعاً .
- بلغ عمر رضي الله عنه أن الطاعون فتك بالناس وقد عزم علي أن يأتي الشام مرة ثانية لكنه رجع وقال : " نفر من قدر الله إلي قدر الله ".
- عمر رضي الله عنه كان عظيم الإجلال والتقدير لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أمين هذه الأمة فبعث إليه يستدعيه في حاجة أمر يشافهه فيها ففقه أبو عبيدة ذلك الأمر وأنه يسعى إلي نجاته فكتب إليه يخبره أن قدر الله جل وعلا حاصل لا محالة فاعتذر .
- توفي أبو عبيدة بطاعون عمواس فخلفه في الناس معاذ بن جبل رضي الله عنه فكتب معاذ إلي أمير المؤمنين يخبره بموت أبو عبيدة وكان مما كتب فيه " فيا أمير المؤمنين احتسب عند الله إمرءًا كان الله في نفسه عظيماً وكان لله أميناً وكان علينا وعليك يا أمير المؤمنين عزيزاً " وهذا من بديع الخطاب وجليل ما يوصف به أصادق الرجال .
- طاعون عمواس ذهب فيه خيار الصحابة وكان ممن مات فيه معاذ بن جبل رضي الله عنه وهو أنصاري أحبه النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً والذي أردفه ذات يوم وقال له : " يا معاذ والله إني لأحبك " ثم لما بين له ذلك أحب أن يعطيه وصية فقال له عليه الصلاة والسلام : " لا تدعًن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم اعني علي شكرك وذكرك وحسن عبادتك " .

- توفي معاذ رضي الله عنه وولًي الناس عمرو بن العاص وكان فيه من الفطنة فأخبر الناس أن الطاعون ينتشر في الناس انتشار النار بالهشيم فأمرهم أن يرتقوا إلي الجبال ليحفظ الناس وكان ذلك سبباً في حفظ المسلمين .
- بلغ عمر رضي الله عنه ما صنع عمرُو فلم ينكُره ولم يكرُه .
- عندما استقرت الأمور ذهب عمر رضي الله عنه إلي الشام مرة ثانية وبدأ بميراث أهل الشام فقسمه وبيًن للناس أمر دينهم وحمي الثغور ثم عاد قافلاً إلي المدينة رضي الله عنه وأرضاه .
- لقًي عمر في أيامه أن أهل الكوفة اشتكوا سعد بن وقاص خال رسول الله صلي الله عليه وسلم فبعث علي طريقته في استقصاء الأمور من يسأل فكان من بعثهم عمر يأتون المساجد ويسألون الناس عن سعد أبي إسحاق حتى أتوا مسجداً لبني عبس فقام رجلاً فقال : " إن سعداً لا يقسم بالسًوية ولا يعدل في القضية " فقام سعد رضي الله عنه وقال : " اللهم إن كان عبدك هذا قام رياءً وسمعة فاللهم أطل عُمره وعرًضه للفتن " فيروي أن هذا الرجل عُمر حتى جاوز التسعين وسقط حاجباه علي عينه وكان يمشي في طرقات الكوفة يتعرض للنساء فإذا قيل له : يا شيخ اتق الله ، يقول : شيخ مفتون أصابته دعوة سعد " .
- أن الإنسان يفر من الظلم ومن أعظم الظلم أن يتعرض الإنسان لإعراض المؤمنين ويقول في الناس ما ليس فيهم .
- جامع سيرة الفاروق أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه قول النبي صلي الله عليه وسلم في رؤيا رآها في نزع عمر للدلاء قال : " فلم أري عبقرياً يفري فرية " .
- كتب الله جل وعلا علي عمر رضي الله عنه أن يموت شهيداً في مكان كان يصلي فيه قبله رسول الله صلي الله عليه وسلم هو وأبو بكر وكان يقول قبل موته " اللهم إني أسألك شهادةً في سبيلك وموتةً في بلد رسولك " .
[YOUTUBE]W3MSz46_mNU[/YOUTUBE]