كانت شقراء ملونة العينين، كانت تروح وتجيء أمام ناظريه، يرى خصرها بشحومه المتكدّسة بزواياه يتمايل أمامه ذات اليمين وذات الشمال، كانت ممرضةً، وهو طبيبٌ من غير مستشفى، كان القدوم للمستشفى حيث تعمل أروع نزهةٍ بالنسبة له، فقد كان يمنّي النفس بنظراتها المحرمة، فهي الحلم، إنّه الأسمر وهي البيضاء، إنّه العربي الذي يريد أن ينسلخ من جلده وهي الإنكليزية المعتزة ببلدها، هو المكبّل كما يتصور، وهي الحرّة كما تتخيّل، ولكن كان متزوجاً، كانت هناك خلف الحدود زوجةٌ تنتظره وتشتاق لعودته، إنّها المسكينة ابنة عمّه وأطفالها الثلاثة تحسين ورمزية وعبد المجيد، كانت غربته بالأساس من أجلهم، ولكن ضاع الهدف بدخول تلك الحسناء سراديب حياته، لقد أنسته ذكريات الصبا وأحلام المستقبل، لقد حلّ في قلبه عشقٌ محرمٌ مكان حبٍ حلالٍ، طردت الشهوة روعة الأبوة من قلبه واغتصبته، نسي الزوجة التي أعانته حتّى اشتدّ عوده، صار خيال المسكينة كابوساً عنده، لم يعد يذكر أنّ لديه أولاداً، صارت ذكراهم همّاً على قلبه الجاحد، كان يسعى لفقدان الهوية ومهما كان الثمن، كان يطمح بالذهاب لبلدها والحصول على جنسيتها، وطموحه تخيّله الجنّة بعينها وماسواه الجحيم.
كان يأتيها بأنواع الحلوى والهدايا كلّ بضعة أيام، لها ولكل زميلاتها كي يبقى الوصال، والشهوة حاضرةٌ، ولكنّه طبيب الأعصاب المشهور، لماذا لايتزوجها، الأمر سهلٌ، هي تريد وهو يريد، والغايات ستتحقق، شعرت هي بمراده، وبتفكيرها لم يكن هناك مانعٌ، فشهوة الأنثى موجودة، وبالزواج ينطفئ لهيبها بعيدًا عن قوانين البلد، ولن يلومها أحد، وتحصل بنفس الوقت على زوجٍ يكون معها على الدوام، وهو طوع بنانها وخادمها، سألت أصحابه فلم يقولوا إلا خيراً أو بعض خير، حجزت المواعيد خارج البلاد وتم الزواج، وأشبع البعل رغباته، ومرّت الأيام ليكبر البطن بالجنين، وحان أوان طلاق ابنة العم، نعم طلقت وتشرّد الأطفال لولا إباء تلك الأصيلة التي كافحت من أجلهم وأكملت لهم دراستهم حتى الجامعة، دخل كبيرهم كلية الطبّ ليصبح طبيباً يغترب مثل أبيه، ولكنّه لم ينس حليب أمّه الطاهر.
ولدت له زوجته ولي العهد المفترض، وانقطعت الاتصالات بينه وبين عائلته السابقة سنين طويلة، وكان يعيش على حلم الجنسية والسفر، وكأي زواج لاتحكمه ظروف طبيعية بدأت المطالب والاتجاهات المختلفة تتنازع السفينة، وكان دوماً يستسلم لملكته، ويسلمها القياد بدون رأي، صار نعجة خرساء صمّاء عمياء.
كبر الطفل وصغر الأب بنظرها، واستمر يصغر ويضمحل حتى صار لاشيء، وثقافتها تمنعها أن تقبل اللاشيء زوجاً لها أو أباً لابنها، قرّرت الذهاب للسفارة، وبالطبع ليس من حقّه أن يسأل لماذا؟، ولامتى؟، ولا إلى أين؟، ولاحتّى له حقّ الذهاب معها، ذهبت ورتّبت أمور سفرها وابنها من دون علمه، وفي الوقت المحدّد كانت في المطار، وباتجاه "هيثرو" وإلى الأبد، رجع من دوامه ليجد البيت فارغاً، بحث عنها ولم يجدها، بحث عن الصغير فلم يجده، ضاع الصغير وأمّه، ظنّ لوهلةٍ أنّها في السوق أو المنتزهات، ولكن طال الانتظار، ظنّها عند صديقاتها، ولكن خاب ظنّه، ظنّها حتّى عند أصدقائها أو صديقها، وكانت غيرته المعدومة عليها تجعله يوافق حتّى على ذلك مادامت سترجع آخر الليل له، جنّ جنون الليل ولم تعد، صار يسأل عنها، لم يجدها، وعلم أنّها طارت، طارت إلى البعيد وذهبت مع الريح، وطار حلمه بطيرانها، لطم خدّيه ندماً، ضرب الرأس بالحائط، أهمل نفسه وأعماله، تعطّلت أموره، كره ذاته، خجل من نفسه لأنّه باع كل شيء من أجل لاشيء.
في رأس السنة الذي جعله عيداً له جلس وحيداً بين جدران أربعة، وصار فكره لايأخذه إلا باتجاه قنواتٍ عكرةٍ ظلماء، فتح قناةً وصار يرى الخمارات ودور السهر والنوادي والكازينوهات، ومن ثم تسمّر وهو يرى امرأةً جلست هناك وحولها ثلاثة رجال، رقصت معهم فرادى وجماعات، وهزّت واستوت هزاً، وشربت حتّى الثمالة، كان ينطح رأسه في الجدار وهو يراها، كانت هي تزيده غيظاً وكأنّها تعلم أنّه يراها، كاد يجنّ، حمل جهاز التلفزيون وألقاه من الدور الثالث إلى الأرض، فزع الجوار من صوت السقوط وشاهدوا طبيب الأمس منفوش الرأس من النافذة، سارعوا إلى غرفته، وأسرع هو إلى علب الدواء الكثيرة في شقته، شرب مااستطاع والتهم ماوصلت إليه يداه، وسقط مغشياً عليه، وصل الجوار، طرقوا الباب بلا جوابٍ، طلبوا الشرطة، كسروا الباب ودخلوه، وأسرعوا بأخذ "المريض" إلى المستشفى.
غسل له الطبيب الشاب المناوب معدته وأعطاه العلاجات السريعة، وأخذه إلى العناية المركزة، وهناك فتح الملف ليسجّل عليه، ورأى اسم الرجل إنّه محمد غالي متولي المفروح، صعق الطبيب الشاب من الاسم، وأطرق رأسه إلى الأرض، شاهدته الممرضة، كانت تعرف جدّيته، وتفانيه بعمله، قالت له: "ماذا حصل؟، هل حصل خطأٌ؟"، قال: "لا"، وانهمرت الدموع من عينيه، أعادت عليه السؤال، وقالت: "مستحيل هناك أمرٌ"، قال: "انظري هنا"، وأشار إلى اسم الرجل على الصفحة الأولى من الملف، نظرت بعينين مذهولتين إلى الاسم، ومن ثم رفعت نظرها لتتأكد من اللوحة البلاستيكية المزركشة على يسار صدر الطبيب الشابّ، مسحت عينيها وهي لاتصدّق ماترى، عادت وتأكّدت، نعم الطبيب هو تحسين ابن محمد غالي المفروح، سألته: "هل صحيح هذا؟"، قال:"نعم، إنّه أبي الذي هجرنا منذ سنين وسنين، لقد تركنا صغاراً، وهجر أمي، وباعنا، واشترى الذين باعوه".
في صباح اليوم التالي بدأ الأب الذي باع أبوته يصحو، وكان ابنه يرافقه طيلة الليل، وفي الصباح كان أول شيءٍ يفتح الأب عينيه عليه هو اللوحة على صدر الطبيب، تمنّى الموت، تمنّى لو تنشق الأرض وتبلعه، احتضنه ابنه وقال: "علّمتني أمي أن أحبّك".
د.عبدالمطلب بن أحمد السح
الزوجة صارت هناك!
ب
24-12-2011 | 06:25 PM
أ
24-12-2011 | 06:34 PM
قصه رائعه و مؤثره
ميرسي دكتور
ميرسي دكتور
ب
24-12-2011 | 10:45 PM
أختي الفاضلة أم نجود الأحساء
خالص الشكر لمروركم الكريم
خالص الشكر لمروركم الكريم
n
24-12-2011 | 11:19 PM
يسلمووووووووو
ب
24-12-2011 | 11:43 PM
الأخت الفاضلة نورا
شكراً لمروركم الكريم
شكراً لمروركم الكريم
أ
25-12-2011 | 12:30 AM
قصة رائعة تستحق التميز
لروعة الأسلوب فيها
وتسلسلها الجميل
و وقعها في النفس
في انتظار جديدك دكتور..
و
25-12-2011 | 12:51 AM
قصه رائعه
الله يعطيك العافيه
الله يعطيك العافيه
ب
25-12-2011 | 01:41 AM
الأخت الفاضلة أمانيز
شكراً لكلماتكم الطيبة
وأعدكم بالجديد فالحياة بحر من العبر
شكراً لكلماتكم الطيبة
وأعدكم بالجديد فالحياة بحر من العبر
ب
25-12-2011 | 01:43 AM
أختي الفاضلة وصال الطائف
أشكر مروركم الكريم وتشجيعكم الدائم
أشكر مروركم الكريم وتشجيعكم الدائم
ا
26-12-2011 | 11:15 PM
قصه رائعه جدا
يعطيك الف عافيه دكتور
يعطيك الف عافيه دكتور
ب
27-12-2011 | 11:48 AM
أختي الفاضلة إكليل الورد
شكراً لمروركم الكريم
شكراً لمروركم الكريم
د
28-12-2011 | 05:12 PM
قصة روووووووووعة
ب
29-12-2011 | 01:17 AM
أختي الفاضلة دودو
بارك الله مروركم الكريم
بارك الله مروركم الكريم
n
29-12-2011 | 10:08 AM
وصال الطائف;15858096:
قصه رائعه
الله يعطيك العافيه
ب
30-12-2011 | 03:39 PM
أختي الفاضلة nzn
أشكر مروركم الطيب
أشكر مروركم الطيب
ا
16-01-2012 | 07:45 PM
قصة اكتر من رائعة
سلمت يداك دكتور
سلمت يداك دكتور
ب
17-01-2012 | 08:31 PM
أختي الفاضلة أم مريم
بارك الله مروركم الكريم
بارك الله مروركم الكريم
ا
19-01-2012 | 10:36 AM
شكررررررررررررررررررررررررررررا
ب
19-01-2012 | 03:01 PM
أختي الفاضلة ألماسة قطر بارك الله بكم
س
01-05-2012 | 01:18 AM
ألف شكر على هذه القصة الأكثر من رائعة
جزاك الله خيرااا
جزاك الله خيرااا