قد لا تخلو أسرة من بعض العادات ، ولكن بطبيعة الحال يختلف ذلك نوعاً وتاثيراً من أسرة إلى أخرى، و من مجتمع إلى آخر ، و من هذه العادات ما يدعى بعادات المعاوضة واضطراباتها، و هذه ماهي إلا ظواهر لتفريغ التوتر و الإنفعال و الغضب و القلق مثل ضرب الرأس ومص الأصابع وخصوصاً الإبهام ، وعض الأظافر وقضمها ، وسحب الشعر ونتفه ، ونتف الحواجب ، ونكش الأنف والأذن ، وإيذاء الجسد ، والتمتمة ، وحركات العرات وحتى أحلام اليقظة الزائدة عن حدها .
إن معظم الأطفال يظهرون بفترة ما من حياتهم نماذج متكررة لحركة ما يمكن تصنيفها على أنها عادة ، وعندما نريد اعتبارها اضطراباً ، فإننا نعتمد بالواقع على درجة تدخلها بوظائف الطفل الفيزيائية الجسدية أو العاطفية والنفسية أو الإجتماعية والبيئية و التفاعلية ، ومن جهة أخرى فإن بعض العادات إنما تكتسب من تقليد الكبار ، وبعض العادات تبدأ كحركة ذات قصد وغرض ، مثلاً طفل لديه ألم و حكة في عينيه فهو يحاول إغلاق عينيه بسرعة بضعة مرات لئلا يذرف الدموع وحتى يخف الإزعاج الذي تسببه عينه ، وهذه الفعالية يمكن أن تصبح متكررة ، وتندمج مع سلوك الطفل بشكل لاشعوري وتأخذ دورها كمتنفس لحالات التوتر التي يمر بها، و بالتالي تنقلب من فعل ذي غاية مفيدة إلى فعل يندرج في إطار الإضطرابات ، أيضاً الطفل الذي تتكون لديه قشور كثيرة داخل أنفه فإنه يحاول استخراجها بإصبعه أو بأداة ما ، ومع الزمن تصبح هذه عادة لديه تأخذ جزءا من وقته بدون وعيه ، وتتعزز بمرور الوقت لتأخذ دورها كنافذة للترويح عن الذات ، إن كل هذه الأمور و أمثالها كثير تترسخ عند الطفل أكثر بانتباه الوالدين أو الآخرين لها و تشديدهم عليها وبلفت نظر الطفل لها سواء بالإشارة أو المنع أو التوبيخ، و هذا يكثر حدوثه في مجتمعاتنا الشرقية التي تركز كثيراً على نظرة الآخرين الإجتماعية و المظهر أمام الناس ، و بالتالي ما هو مؤقت عادة يصبح مستمراً مزمناً ، وما هو نموذج سلوكي مألوف جداً في الطفولة الأولى يصبح عرضاً عصابياً في مراحل الطفولة الأخرى ، وفي هذه العادات يمثل العقاب الوالدي نموذجاً صارخاً للمفعول العكسي الذي يضر ولا ينفع .
إن ضرب الرأس وإيذائه بحركات نظمية متكررة في الطفولة المبكرة يحدث عند وضع الطفل بسرير النوم مثلاً ، أو عندما يكون الطفل وحيداً ،أو عندما ينزعج من أمر ما، أو يكون قلقاً، حيث أن هذه الأفعال تقدم للطفل عزاء حسياً ، إذ أنه يشعر أنه مهمل وبعيد عن اللمسات الإنسانية الحنونة والتفاعل مع البشر ، وقد نرى حركات مماثلة لذلك عند المتأخرين عقلياً أو الذين يعانون من الحرمان العاطفي أو الحرمان من الأم جسدياً أو سلوكياً بشكل أو بآخر.
هناك أطفال يفتلون شعرهم ويلولبونه، أو يشدونه و يقلعونه من مكانه، و نصادف بعضهم و قد تكونت لديهم منطقة جرداء تماماً من الشعر بسبب هذا الفعل ، و هناك أطفال يلمسون أجزاء من أجسادهم يلعبون بها بشكل متكرر ، وهذه الحركات النظمية تصبح جلية قبل النوم ، ويبدو أنها تساعد الطفل لأن يكون على مستوى قلقه و كآبته ، حيث أن القلق هو السبب الغالب الكامن وراء ذلك ، وعندما يكبر الطفل و يزداد وعيه يحاول كبت هذه العادات النظمية سيما في الأماكن الإجتماعية وأمام الناس ، ولكن المضطربين بشكل خطير قد تستمر لديهـم هذه العادات مع تقدم العمر وتسبب إزعاجاً وإحراجاً ينعكس أثره على نفسية الطفل و سلوكه.
أما سحن الأسنان أو صريفها أو صريرها فيبدو أنه ينجم عن توتر عند شخص غاضب يكتم غيظه ، ويمكن أن تسبب هذه العادة مشاكل في إطباق الأسنان ، وإن مساعدة الطفل على التعبير عن غيظه بطرق أخرى يمكن أن يخفف من هذا السحن أو الصريف بشكل أكبر بكثير من محاولة منع ذلك و تثبيطه بالتهديد و الوعيد ، إن من الواجب جعل وقت النوم ممتعاً ومريحاً بالقراءة مثلاً ، أو تقديم الحكايات الحلوة ، والقصص المسلية ، أو التحدث مع الطفل عما يصادفه من إزعاجات خلال يومه ، كما أن الجائزة والدعم العاطفي في هذه الأوقات نافع للغاية .
ومن العادات أيضاً مص الأصابع وخصوصاً إصبع الإبهام ، وهي شائعة عموماً ، إن مص الإبهام أمر طبيعي فيزيولوجي عند الرضيع ، ولا يجوز التدخل لمنعها بأي شكل ، لأن منعها سواء من أجل المظهر الإجتماعي أو التصورات الخاطئة حولها إنما يزيدها ويعززها ويؤخر ترك الطفل لها ، أما عملية المص التي تستمر طويلاً مع الطفل فإن لها تأثير سيء حيث يظهر الطفل وكأنه غير ناضج ، وقد تتداخل مع عملية الترصيف الطبيعي للأسنان ، وكغيرها من عادات المعاوضة فإنها إنما تعبر عن التربية الذاتية المفرطة ، وكمحاولة للتعويض عن الحنان والعطف المفقودين ، والإستراتيجية الأفضل للتعامل مع ذلك هي الإهتمام والعناية بالطفل نفسه وليس بالعرض ذاته ، وتجاهل هذه العادة كلية ما أمكن ، وإعادة الإنتباه لإيجابيات سلوك الطفل ، ودعمه في ذلك ، ومنحه الجوائز إذا حاول التخلص من عادته ، وتشجيعه بشكل لامباشر، و هذا بالطبع يتطلب قدراً من الحكمة يجدر بكل أب و أم أن يكون لديه قدر منها .
أما العرات وتسمى باللغة الإنكليزية ( tics ) ، فهي حركات متكررة لمجموعات عضلية ، وليس لها وظيفة ظاهرة ، وتكثر بعضلات الوجه أو العنق أو الأيدي أو الأكتاف أو الجذع ، حيث نجد التلمظ بالشفاه والتكشير ودفع اللسان وفتح وإغماض العينين والتنحنح و التمايل و تحريك الرقبة و تقطيب الجبين وغيرها ، ويظهر أنها تفرغ التوتر أيضاً وذلك في الحالات الإنفعالية والعاطفية التي تشمل أيضاً الجملة العضلية، ويصعب على الشخص تثبيط العرة ، ويجب أن نفرقها عن بعض أنواع الصرع الصغرى حيث هنا لا يفقد الطفل وعيه أو ذاكرته ، إن العرات قد ترافق بعض المتلازمات النفسية ، وقد تتلو التهاب الدماغ و هي حالات يلزمها العلاج بشكل فعال .
إن معظم هذه الحالات ليس لها أسباب جسدية مرضية سابقة ، وهي مؤقتة وعابرة ، وتركيز الوالدين عليها يزيدها بينما تجاهلها ينقص حدوثها ، ويخفف من دوامها، كما أن هذه العادات تمثل نموذجاً لتأثير سلوك الوالدين على سلوك الطفل ، وحسن التدبير والحكمة في المنزل يأتي بأفضل النتائج - بإذن الله - كما تؤكد ذلك دراسات طب نفس الأطفال الحديث .
بقلم د.عبدالمطلب بن أحمد السح