تزورني الأحلام في ليالي الشتاء وأنا أنظر إلى زخات المطر المتساقط على جدران تلك المباني الشاهقة .. وأرقبها وهي تتناثر وتتفرق فلا تجد من يستقبلها سوى أرض صلبة تقع عليها فتتكسر وتتحول أشلاء ثم تولي هاربة من قسوتها مُـنجرفةً وراء ملايين القطرات التي سبقتها ..
هنا أتوقف وأستسلم للأحلام ..
أحلم بتلك القرية الصغيرة التي تستقبل زخات المطر بأشجارها الخضراء تمد أوراقها لتحمل كل قطرة على سطحها وترتوي منها ثم تحتفظ بما تشاء ليرتوي منها عصفوراً صغيراً سيقف على غصنها فيشرب منها بعد أن أنهكه عناء البحث عن لقمة العيش له ولصغاره .. أو فراشة جذبتها رائحة المطر الممتزجة بعطور الأزهار .. حتى إذا ما سقطت تلك القطرة تسقط كحبة لؤلؤٍ تتمسك بطرف تلك الورقة وكأنها تستجديها أن تبقى على سطحها وتعانق الحياة عليها ... ثم تسقط فتلامس تلك الأرض الرطبة فتزيدها رطوبة ونداوة فينبعث من هذه الأرض رائحة الحياة الرائعة ..
أحلم أن أستيقظ على صوت حفيف الأشجار بعد أن تداعبها نسمات الصباح الهادئة .. وعلى أصوات تلك الطيور التي تغرد ألحاناً وتنشد أنغام التسبيح والثناء للخالق ..
استمتع بأشعة الشمس وهي ترسل بخيوطها عبر غيماتٍ متناثرةٍ في أرجاء السماء فترسم لوحة هي من أروع وأجمل اللوحات ..
أحلم بتلك القرية التي لم تصل إليها يد الحضارة فتغتال طيبتها وتمسح العفويتة والبساطة من على وجهها .. حياة أخرج فيها فألعب فلا أخشى من أحد .. أركب دراجةً صغيرةً أو جواداً أبيضاً وأنتقل بين البيوت واستمتع وأنا أسير في الطرقات الرطبة أصافح هذا وأسلم على هذا وأتحدث مع هذا
لا أزال أحلم أن أطبع بقبلاتي على ثغر تلك الحياة الباسم وأقتطف ثمارها الطازجة فأتذوقها حلوة لا تعرف للمراة طريقاً..
أشرب من تلك الأنهار الجارية والعيون المتفجرة وألقي بدلوي داخل ذلك البئر فيخرج معبأ بالماء الزلال ..
الله ... الله ... الله حياة تخلو من كل أصناف الكذب والنفاق والمجاملات
قرية صغيرة في حجمها كبيرة في من يعيش بداخلها
تقييم العلاقات الطيبة بين الأهل والجيران والأصدقاء
تجتمع فيها العائلة حول مائدة الطعام .. إلتزام كامل بمبدأ الأسرة الواحدة
قرية نستمتع فيها بحر الصيف ودفئ الربيع وبرد الشتاء وتميز الخريف
قرية تضمني في أحضانها فلا أخاف ولا أقلق
فآآآآآآآه كم أتمنى أن أعيش في كنفها وأستمتع بهدوئها ..
أستيقظت من هذه الأحلام على إثر رنين هاتفي النقال في يدي فأدركت أني لا أزال أحلم ككل مرة أطلق فيها العنان لعيناي كي تسبحا في فضاء رائع ..
نهضت من على الكرسي وأرتديت ملابسي ثم توجه لأجد زحمة وغبار وضجيج المدية ينتظرني ..



