دموع المطر

بلسم الشرق 25-09-2003 5 رد 1,162 مشاهدة
ب
كان يروح جيئة وذهاباً كالديك المزهو بريشه أمام غرفة الولادة ، وعلى رأسه طاقية صغيرة ، و كان سرواله السكري العريض الذي لا يعكس حال صدره يرفرف على جسده ، وكان هناك جيب واسع مطرز الفم على جانب السروال تدخل إليه يد تحسين باشا لتخرج السيجارة تلو السيجارة ، وفجأة يسمع صراخ المولود ، يضع يديه على الباب بقــوة ، ليسمـــــــع الخــــــبر " الفاجعة " : مبروك بنت مثل القمر ما شاء الله ، الله " يخليها " لك ولأمها ويجعلها قرة عين لكما ، يمسك السيجارة ويدوسها تحت قدميه ، ويدير ظهره دون أن تنبس شفتاه بكلمة ، يذهب إلى المقهى ، يطلب " الأرغيلة " ، ويلعب الورق مع فتيان قد هربوا من مدارسهم، ويطلب لهم القهوة ، يحاول أن يضحك ويقهقه و في مخيلته صورة تلك الأنثى التي أتته وهو رجل الرجال ، كيف يحدث ذلك ؟ ، لا يمكن هذا !! ، إنه حلم فظيع لا بل كابوس ، مــاذا أفعل ؟ ، أنا أريد رجلاً يحفظ اسم " العائلة " .
يعود إلى المنزل وقد بدأت خيوط الفجر الأولى تغزل ثياب الصباح ، يدخل غرفة نوم باردة غرّدت بها أصوات مولودة تلتقط الدفء من صدر أمها ، يرمي نفسه على السرير مديراً ظهره لشريكة عمره وينام ، تحاول المسكينة أن تلطف الأجواء، و لكن الصفعة تسبق بيانها ، وعندما تبكي الصغيرة يصرخ بأمها آمراً إياها بالخروج مع طفلتها من الغرفة لأنه يريد أن يستريح وينام .
تتوسل الأم البائسة إليه أن يرحمها وطفلتها من عذاب لا ذنب لهما فيه ، ولكنه يصرُّ على صوابه الذي لا يناقش ، وتخرج ريحانة الحياة متدثرة بغطاء ممزق وجسم الصغيرة الضعيف ملتصق بها ، وتهب رياح الشمال الثلجية القارسة تلفح الجسدين الهزيلين ناخرة العظام .
يراها الجد العائد من صلاة الفجر ، ويسألها : ماذا هنالك يا ابنتي ؟ ، الجو بارد ، ادخلي ، حرام عليك يا بنت الناس من أجل الطفلة ، وتأبى عليها عزتها أن تصرِّح بالحقيقة ، وتجيب : لقد ضاق نَفَسي في الغرفة والطفلة ما تزال ترضع ، فخرجت قليلاً استنشق الهواء ، ويقول الجد : هيا ادخلي ، فأنت حديثة الولادة والمولودة ضعيفة ، وتدخل على مهل خشية أن يسمع سلطان الزمان خطواتها ، وتنام وابنتها بهدوء .
لقد كان للرياح الباردة تأثيرها الظالم بعد بضعة أيام ، حيث كانت الطفلة ترقد في غرفة العناية المركَّزة بسبب التهاب في صدرها ، والأب تمنعه كرامته أن يذهب ويستفسر عنها ، وفي يوم تماثلها للشفاء أخبره الطبيب بأن لديها خلع ولادي في مفصل الورك وأن عليه أن يتابع معالجتها ، تذكّر الأب على الفور ابنة الجيران التي تعرج في مشيتها ، تذكّر سخريته منها ، تذكّر كم كان يكره منظرها، تذكّر … تذكّر ..وأدار ظهره كعادته ومشى .
حاول أن يستمع لبعض ما يقوله مقدم أحد البرامج الصحية في التلفزيون حول ذلك الخلع ، ولكنه لم يستطع أن يكمل ، لم يكن ليتحمل أن تكون عنده ابنة أنثى ومعاقة أيضاً ، أفهمه أحد الأقارب أن القضية بسيطة ولا تعتبر خطراً إذا عولجت ، ولكن صوراً سوداء في مخيلته ترفض أن تتنحى ، تتابع الأم قدرها راضية بصبر غير مصطنع مع ابنتها ، و تعالجها عند طبيب من غير زمان .
كان يوماً من أواخر أيام الشتاء عندما أخبروها أن زوجها في المستشفى بسبب كسر في ساقه ، لقد كان تائهاً في أفكاره العمياء عندما صدمته سيارة صبي مراهق ، حملت ابنتها وأسرعت باكية إلى المستشفى لتجده راقداً على السرير والجبس على ساقه ، كانت له أكثر من خادمة ، دون أن يتوقف الخير المتدفق من صدرها لابنتها ، وبعد شهر يمشي بمساعدة عكازته ، ويأتي إليه عمه والد زوجته مع أسرته في زيارة من المدينة البعيدة ، لقد كان ذلك العم يعشق الهواء الطلق والأشجار ، ذهب الجميع إلى الحديقة ، وكان هناك أسرة سعيدة ومعها طفل معاق أعمى ، لقد كان الفرح يملأ وجوه جميع أفراد تلك الأسرة ، ويسمع تحسين باشا آذان العصر ، ويذهب مع العم الهــرِم إلى الصلاة ، يؤديها على كرسيه الخاص ، وبعد الصلاة كان هناك حديث حول الإعاقة ، ينتظر ، يسمع ، تتناثر الصور المختلفة في ذهنه ، يتذكّر ابنته ، ويقارن حاله مع ما يقوله الشيخ ، ومن ثم تختال أمامه صورة أسرة الأعمى السعيدة ، يستعيد ذكرياته التي شعر أنها مريرة الآن ، تدمع عيناه ، يبكي بسخاء ، يتذكّر زوجته وهي تساعده في قضاء حاجته ، ينهي الشيخ كلامه ، يهرول على عكازته مسرعاً والدموع على وجنتيه ، ينسى الدنيا ، يحاول أن يركض ما استطاع نحو زوجته وطفلته ذات الأشهر الستة ، ينظر إليها و هي تضحك مع أمها ، تضحك له ، يسرع نحوها ، ينسى العالم ، يحملها ، يقبَّلها ، تبكي الأم ، والجد يقول : ما شاء الله ، هكذا الآباء وإلا فلا .
وتتجمع غيوم ربيعية في كبد السماء ، وينهمر مطر يغسل الطبيعة والأشجار ، وتفوح رائحة منعشة من أرض ليست جدباء .


بقلم د.عبدالمطلب بن أحمد السح
أ
حكاية جميلة .. ما أدري هي واقعية أو من وحي الخيال ...

ماأنكر إني تأثرت بها ..

بالذات لما قرأت هذا المقطع ..
وتخرج ريحانة الحياة متدثرة بغطاء ممزق وجسم الصغيرة الضعيف ملتصق بها ، وتهب رياح الشمال الثلجية القارسة تلفح الجسدين الهزيلين ناخرة العظام .


تخيلت الوضع ... بالذات إن المرأة نفساء و الطفلة صغيرة ...يعني الإثنين سهل يمرضن ...
ب
غالبية قصصي لها اساس من الواقع، و لكن السرد و البنيان القصصي يقتضي بعض التصرف.
شكرا لمروركم الكريم اختي أم هوازن.
ا
السلام عليكم

د . عبدالمطلب قصة معبرة جدا

لاكن بالاخير هكذا الاباء و الا .... على قولة الجد :)


بس في شي لاحظته وانا اقراها


"" ثلج - برد "" الخ ..
المكان يختلف عن بلادنا

لاكن لا يمنع ان المشاعر و الظروف متشابهة تعكس حقيقة في بعض الاحيان .


شكرا د.
&
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصه جميله جدا و معبره ايضا
ماشالله عليك يا دكتور دائما تتحفنا بمواضيع مفيده وقصص جميله ذات مغزي مفيد
ب
أختي الصامتة للابد
شكرا لطيب كلماتكم.
بالنسبة للبرد و الثلج لا تنسي أنني من سوريا، و رغم انني من عشاق الثلج إلا أنه قد يكون مؤلما كما في هذه القصة.

أختي ام جاسم
سكرا لجميل كلماتكم
وفقنا الله و اياكم لما يحب و يرضى.
X